ذروة السحر الفصل 5 — الطي السادس

اقرأ ذروة السحر الفصل 5 — الطي السادس باللغة العربية على مانجا تايم.

الفصل 5: الفرع السادس قال ماركوس: "لنبدأ بالأهم، كم مرّ من الوقت منذ انفتحت البوابة في القصر؟"

أصرّ تيتوس على انتقال الثلاثة تحت الأرض، إلى غرفة اجتماعات مؤمّنة خصيصاً. لم يعترض لوسيوس، رغم أنه لم يُظهر أيّ احترام يُذكر لتيتوس. أدرك الثلاثة جميعاً مدى خطورة هذا الأمر. غير أن شيئاً ما لم يكن طبيعياً هنا. استحال أن يعرف المبعوث الملكي بعودة ماركوس الوشيكة إلى أكاديمية الشجرة الكبرى. لِمَ كان لوسيوس هنا ينتظره بالذات؟

قال لوسيوس بصوت يقطر كآبة: "أكثر من ثمانية أشهر. لم تحدث سوى توغّلات قليلة منذ ذلك الحين لحسن الحظّ، لكنها كبّدتنا خسائر فادحة. لا نملك الموارد اللازمة لاحتواء أمر كهذا".

سأل ماركوس بفضول: "وهل... ظللت تنتظرني طوال هذه المدة؟"

أكّد تيتوس وهو يرمق لوسيوس بنظرة ساخطة: "نعم. ظل هنا طوال الأشهر الستة الماضية تقريباً، يشغل حيزاً ويستنزف ضيافتنا. رفض الإفصاح عن أيّ شيء حتى حضرت..."

قال لوسيوس دون أدنى شعور بالذنب: "للملك الحقّ في تعيين مراقب في الأكاديمية متى رأى ذلك ضرورياً، وعليكم واجب إيوائه وتلبية احتياجاته. ينبغي لك أن تبتئس لكونه لا يفعل هذا عادةً، لا أن تغضب حين يمارس حقّه الملكيّ في ظروف تبرّر ذلك".

شعر ماركوس بأنّ الاثنين على وشك الدخول في شجار أطول وأشدّ، فبادر إلى تحويل دفّة الحديث نحو اتجاه أكثر فائدة.

قال وهو يلوّح بيديه ليهدئ من روعهما: "دعونا نترك هذا جانباً في الوقت الحالي. لِمَ انتظرت عودتي بدلاً من التوجّه إلى البحر الأعظم طلباً للمساعدة؟ إنهم أسياد الإقليم. ومن المفترض أن يساعدوكم في مساعٍ خطيرة كهذه".

أجاب لوسيوس بمراوغة: "لقد توجّهنا إليهم بالفعل والتمسنا العون. لكنهم... لم يردّوا حقّاً حتى الآن".

قطّب ماركوس جبينه: "ماذا تعني؟"

كانت تصدّعات الواقع أمراً بالغ الخطورة. فهي، حسب علمه، بوابات تفضي إلى عوالم أو حقائق أخرى. و غالباً ما تكون الهاوية، نظراً لكونها الجهة الأكثر خبرة ورغبة في غزو العوالم الأخرى. استحال أن تسمح أكاديمية البحر الأعظم بوجود مصدر خطر ضخم كهذا داخل حدودها.

قال لوسيوس: "أعني أنهم قالوا إنهم سيرسلون شخصاً لإغلاق التصدّع فور استطاعتهم. مضت ثمانية أشهر منذ ذلك الحين، وما زلنا ننتظر قدوم خبير البحر الأعظم لمساعدتنا".

قال ماركوس: "آه".

ومع ذلك، ظل الأمر غريباً للغاية. قد تتأخر الأكاديميات في معالجة المشكلات، لكن ثمانية أشهر مدّة أطول من أن تُحتمل في قضية حرجة كهذه. لن يدع البحر الأعظم الأمور تتفاقم إلى هذا الحد. سيحضرون على الأقل لتقييم المستوى العام لخطر التصدّع. نظر إلى لوسيوس متفرّساً في تعابير وجهه. لم يكن خبيراً محنكاً في قراءة الطباع، لكن الرجل لم يبد كاذباً. فما الفائدة من الكذب أصلاً؟

سأل تيتوس: "وماذا عن الخيارات الأخرى؟"

حدّث ماركوس نفسه قائلاً إنه لا خيارات أخرى.

قال لوسيوس: "الخيارات قليلة".

خاف ماركوس أن يعود الرجل إلى الإهانة نظراً لأن السائل هو تيتوس، لكن لوسيوس قرر أن يكون مهذباً هذه المرة.

"لا تريد الأكاديميات الكبرى التعامل معنا خوفاً من إغضاب أكاديمية البحر الأعظم. نحن نخضع لسلطتهم، ولن يرضيهم تدخّل قوى كبرى أخرى في نفوذهم، حتى لو كان للمساعدة".

وخصوصاً للمساعدة.

تابع لوسيوس: "أمّا القوى الصغرى، فعدد قدر منها فقط على مهارات إغلاق التصدّعات. إنها ليست مهارة شائعة أو واسعة الانتشار؛ إذ ينبغي للمرء أن يكون قوياً للغاية ليتمكن من تعلّم تعاويذها اللازمة، ثم إنّ ليس كل ساحر يملك توافقاً معها. معظم السحرة الذين يتعلّمون هذا السحر ينضمّمون إلى الأكاديميات الكبرى في مرحلة ما".

"مع ذلك، وجدنا بعضهم. نظر اثنان إلى التصدّع وأكدا أن إغلاقه يفوق قدراتهما. وأمضى ثالث وقتاً طويلاً في الكلام ومطالبتنا بالمال مراراً لمعالجة المشكلة حتى مللناه فطردناه. واقترح الأخير أن نهدم القصر الملكي فوق التصدّع لنختمه هكذا".

ومما لا يُستغرب، أن ملك إيلورا لم يُعجبه ذلك الاقتراحات. كان إجراءً متطرفاً، وقد لا ينجح حتى في إغلاق التصدّع نهائياً. فاعتماداً على طبيعة الكائنات العابرة من الجانب الآخر، قد لا ينجح ركام الحجارة في إيقافها. هذا فضلاً عن مسألة السمعة والمال؛ فمملكة إيلورا لم تكن بالثراء والقوة اللذين يسمحان لها بهدم القصر الملكي بأسره والمضيّ قدماً بلا مشكلات.

ختم لوسيوس كلامه بالقول: "في النهاية، أُمِرتُ بالمجيء إلى هنا وانتظارك مهما طال الزمن. أرسل الملك عدداً من أمثالي إلى أماكن أخرى رأى أنك قد تعود إليها، وأمرهم بالانتظار هناك أيضاً. وهو يراك الشخص الأرجح قدرةً ورغبةً في تسوية هذه المسألة".

سأل ماركوس: "لماذا لم تنتظروا نبأ عودتي ثم تُرسلون رسولاً؟ لقد انتظرتم ثمانية أشهر بالفعل. ألا يعني شهر أو شهران إضافيان القليل حقّاً؟"

هز لوسيوس رأسه قائلاً: "لقد سمعت تيتوس قبل قليل. الكثير من الشخصيات المهمة تريد التحدث إليك. قوى أعظم شأناً وتأثيراً بكثير من ملك إيلورا. متى ستجد الوقت لتلبية نداء الملك؟ كان هناك تخوّف حقيقي من أننا إن لم نلفت انتباهك فور عودتك، فلن نتمكن من لفت انتباهك أبداً".

اضطر ماركوس للاعتراف بأن هذا منطقي. لم يكن ليتجاهل عن قصد ملك البلد الذي نشأ فيه، لكن إن وُجِع لترتيب الأولويات... لم يقل أحد شيئاً لفترة، فاسند ماركوس ظهره إلى الكرسي الخشبي الثقيل الذي يجلس عليه، محدّقاً في سقف الغرفة السفليّة الخشن المصنوع من الحجر، بينما يفكر فيما أخبره به لوسيوس. لم يلبث أن وجد تفسيراً لصمت البحر الأعظم؛ فالأكاديمية على الأرجح مثقلة بالأعباء.

أو بتعبير أدق، متخصصو إغلاق التصدّعات فيها. وكما قال لوسيوس، كان سحر إغلاق التصدّعات صعب التعلم وغير شائع. وحتى القوى الكبرى كالبحر الأعظم لا تملك سوى عدد ضئيل من الخبراء القادرين على إلقاء التعاويذ المطلوبة. وإذا كان هؤلاء الخبراء مشغولين بتصدّعات أخرى أشد خطورة، فهذا يفسّر تركهم للوضع في إيلورا دون تدخل طوال هذه المدة. بدا تصدع إيلورا آمناً نسبياً وغير تابع للهاوية بطبيعته، لذا كان منطقياً تأجيل التعامل معه في ظل وجود مشكلات ملحة أكثر.

وبالطبع، كان هذا تفسيراً مقلقاً، لأنه يشير ضمناً إلى افتتاح عدد هائل من التصدّعات الجديدة مؤخراً لدرجة جعلت البحر الأعظم مجبراً على إعطائها الأولوية بدلاً من إغلاقها جميعاً فوراً. لحظةً، حاول ماركوس غريزيّاً ربط هذا بالرؤية المقدسة السابقة، لكن الجدول الزمني لم يتطابق. كانت رؤى الكارثة شيئاً حديثاً. وإذا صحّت تكهناته، فإنّ هذا التدفق لتصدّعات الواقع الجديدة مستمر منذ عام أو أكثر.

استمر الحوار فترة بعد ذلك، لكن ماركوس شعر بأنه لم يخرج منه بطائل يذكر. لقد علق لوسيوس هنا في أكاديمية الشجرة الكبرى طوال الأشهر الستة الماضية، لذا لم يكن ملماً بدقة بحالة التصدّع في الوقت الحالي. وفوق ذلك، لم تكن لديه تجربة مباشرة مع الكائنات الغازية، لذا عجز عن إخباره بما سيوجهه هناك.

قال له لوسيوس: "لقد رأيت الجثث. إنها جميعاً ضروب من الوحوش، وإن لم أتعرف على أي منها. السحالي الكبيرة ذات القرون هي أكثر ما يعبر شيوعاً. إنها صلبة وذات عضّة كريهة، لكنها تهرب من الأضواء الساطعة. لو كانت هي الخطر الوحيد القادم من التصدّع، لما أبدى الملك كل هذا القلق. لكنها للأسف ليست كذلك".

سأل ماركوس: "أهي جيش؟ أم مجرد حيوانات برية تائهة داخل التصدّع؟ هل أرسل الملك شخصاً إلى الجانب الآخر ليرى ما هناك؟"

سيكون غريباً أن يستغل التصدّع مخلوقات سحرية عشوائية بدل قوة منظمة، لكنه ليس أمراً لم يُسمع به من قبل. فنادراً، لكن أحياناً، تظهر تصدّعات الواقع... من تلقاء نفسها، دون أن يصنعها أحد. وغالباً ما لا تفضي هذه إلى مكان مميز.

مع ذلك، فقد سمع أن هذه التصدّعات "الطبيعية"

تميل أيضاً إلى الالتئام بسرعة فائقة، لذا فإن بقاء واحد طوال هذه المدة سيظل أمراً بالغ الشذوذ.

أجاب لوسيوس: "لا أظنك إلا مازحاً يا سيد ماركوس. من يتجشّم خطوة العبور عبر ذلك الشيء؟ هذا تصدع في الواقع، لا بوابة منظمة مرتبة. على أي حال، أخشى أنني لن أكون عوناً يذكر لك في الإجابة عن هذه الأسئلة. وكما قلت لك سابقاً، لم أشارك في القتال بنفسي. وكل ما أملكه هو قصص الجنود المرابطين قرب التصدّع، وهم يميلون إلى الاختلاق والمبالغة ليبدوا أكثر هيبة".

قال ماركوس: "أنا أفهم".

وبدا جلياً أنه لا فائدة تُرجى من مواصلة استجواب لوسيوس. أخْبَرَ المبعوث الملكي بأنه سيمضي لمقابلة الملك بشأن التصدّع، لكنه لا يستطيع إعطاء أيّ وعود. ولم يذكر أنه لم يغلق سوى تصدّع واحد من قبل، وبالتالي فهو يفتقر تماماً إلى الخبرة في هذا المجال. ومع ذلك، سرّ لوسيوس بتحقيقه غايته هنا وبات حريصاً على الانطلاق نحو العاصمة. طلب منه ماركوس المضيّ دونه؛ فهو لا ينوي السفر برفقة المبعوث الملكي.

أولاً، سيكون أسرع بكثير إن سافر بمفرده، وغالباً سيصل إلى العاصمة قبل لوسيوس رغم تأخره في الانطلاق. وثانياً، لم يترك الرجل لديه انطباعاً حسناً البتة. ولم يرغب في التظاهر بلطفه على طول الطريق. وما إن غادر لوسيوس حتى انقضّ عليه تيتوس فوراً.

تساءل تيتوس باحتجاج: "لا تقل لي أنك تنوي العبور إلى الجانب الآخر!"

سأل ماركوس بفضول: "ما الذي يجعلك تظن أنني سأفعل ذلك؟"

قال تيتوس: "لا تمثل البلاهة عليّ. أنت تعرف مدى خطورة هذا. قد يكون هناك أيّ شيء. الهواء ذاته قد يكون ساماً! قد يختل استقرار التصدّع وأنت تعبر فتجد نفسك عالقاً! قد يمزّقك الإجهاد البعدي إرباً أثناء الانتقال!"

طمأنه ماركوس: "لن أعبر".

ضيّق تيتوس عينيه متّهماً: "أنت تكذب. أنا أعرفك".

قال ماركوس: "سأرسل كشّافاً مستدعًى ليتفقد ما يوجد هناك".

كاد تيتوس ينطق بشيء ثم صمت.

سأل: "أيمكن لهذا أن ينفع؟"

أجاب ماركوس: "ما دام الكشّاف قادراً على التفكير والكلام، فلن يواجه مشكلة في نقل ما رآه هناك. الأرواح المستدعاة لا تموت حقّاً حين تُعطّل أشكالها هنا في المستوى المادي، بل تُعَاد وحسب إلى مستواها الأصلي. لذا لن تكون لديها أي مخاوف بشأن عبور ذلك التصدّع".

سأل تيتوس بريبة: "وإن نقلوا شيئاً مثيراً للاهتمام؟"

طمأنه ماركوس: "لن أذهب مع ذلك".

ليس وحدي ودون استعدادات ضخمة على الأقل.

"أريد فقط إشباع فضولي قليلاً لا أكثر. عليك أن تسلّم بأن هذا حدث غريب للغاية. ألا تريد معرفة المزيد عنه؟"

رد تيتوس بنبرة منزعجة: "تباً. بالطبع أود معرفة المزيد. ولهذا أظن أنك ستفعل شيئاً غبياً. إن كنت أنا نفسي متورطاً في الرغبة، فمن يدري ما يدور في ذهن رجل متهور مثلك. بصراحة، كم عدد التصدّعات الجديدة التي انفتحت حتى يتغاضى البحر الأعظم عن تجاهل أمر كهذا؟"

اعترف ماركوس: "راودتني الفكرة ذاتها. أسمعت شيئاً عن هذا؟"

كانت أكاديمية الشجرة الكبرى مجرد أكاديمية تابعة صغيرة، لكنها ظلت قوة محلية تحاول إبقاء نفسها على اطلاع بالأمور الهامة. ثم مجدداً، ظلّ تصدع مفتوح داخل حدودهم لقرابة عام ولم يكتشفوه إلا بعد حضور ماركوس، فلعلّه كان يبالغ في تقدير قدراتهم.

هز تيتوس رأسه: "لا، لا شيء. سمعت عن تصدّع كبير جديد انفتح في مكان ما بأرخبيل الهاربين قبل بضع أشهر، لكنني لم أعر الأمر اهتماماً وقتها".

كانت التصدّعات الجديدة تنفتح طوال الوقت في الحلف الفضي لقربه من برج النوح. كما كانت عواصف الفوضى تمزق أحياناً الحدود البعدية في مواضع معينة حيث تكون ضعيفة. لذا فإن سماع نبأ العثور على تصدّع جديد لم يكن بالأمر الجلل، ما لم تكن أنت من يتوجب عليه التعامل معه.

وتابع تيتوس: "سمعت أيضاً بتصدّع العاصمة، لكنني ظننت أن الملك يحاول استغلاله، لا أن البحر الأعظم مشغول للغاية عن مساعدتهم".

ذهل ماركوس: "أكنت تعلم؟"

سأل تيتوس: "لماذا تظن أنني لم أرد لك لقاء المبعوث الملكي؟ لم أكن أريدك أن تتورط في هذا. هذه مسؤولية البحر الأعظم. دعهم يستحقون جزيتهم".

أشار ماركوس: "لا ضرر في أن أغلق أنا التصدّع. بل إنني شيخ في البحر الأعظم، لذا لن يستطيعوا التذمر من تدخّل نفوذ خارجي في شؤونهم".

اعترف تيتوس: "نعم، لو علمت أن الملك يريد منك إغلاق التصدّع لا استكشافه، لما كنت فظّاً إلى هذا الحد. ظننتهم مجرد حمقى".

رمق ماركوس بنظرة عارفة قبل أن يهز رأسه ببساطة ويستدير مبتعداً.

وأوصاه قائلاً: "لا تمت قبل أن تصنع لوح الإرث. هذا كل ما أطلبه منك".

* * *

دار ماركوس ببطء حول تصدع الواقع الماثل أمامه، متفحصاً إياه بعمق. كان شكلاً بيضاوياً أسود بحدود غير منتظمة، يرتجف سطحه ويتموج مع كل لحظة عابرة. وتنبعث منه نتوءات رفيعة تشبه الإبر دورياً، لتنحسر بالسرعة ذاتها داخل الشكل البيضاوي المركزي. وبدا كل ذلك معلقاً في الهواء بلا مساندة من شيء. لو كان عليه مقارنته بشيء، لوصفه بعين سوداء كبيرة وعائمة ذات أشواك. وظل يتخيلها ترمش بغتة وتحدق فيه.

وبالطبع لم يحدث شيء من هذا القبيل.

باغته صوت قلق من خلفه يقول: "أيمكنك فعلها يا سيد ماركوس؟"

رغم انزعاجه طفيفاً من المقاطعة، استدار ماركوس ليواجه مصدر الصوت؛ غورديانوس الثالث، ملك إيلورا و... مُشغّله الحالي؟ هل يُعد عملاً إن كان لا يتقاضى أجراً عليه؟ أعجب ماركوس بغورديانوس. كان الملك رجلاً في منتصف العمر ذا لحية قصيرة مهذبة بعناية وحواجب كثيفة، لا يتكلف المظاهر أمام ماركوس ولا يضيّع وقته في المجاملات المفرطة. لقد رحب به بأدب حين وصل، ثم قاده فوراً إلى الجزء السفلي من القصر الملكي حيث انفتح تصدع الواقع بغتة ذات يوم.

ورغم بدوه محترماً وودوداً، بدا واضحاً لماركوس أن غورديانوس لا يثق به تماماً. فقد أوقف حارسين إلى جانبه طوال الوقت، غطّي كلاهما من رأسيهما حتى أخمص قدميه بدرع معدني مسحور وعليهما علامات شعارية صفراء. وعلاوة على ذلك، ظل رجل صارم الملامح يقتفي أثر الملك، يرتدي ملابس متواضعة ويبدو كخادم، لكنه بوضوح ساحر من نوع ما. وظل الثلاثة صامتين تماماً، لا ينطقون بكلمة واحدة لماركوس، ويراقبونه كالصقور ترصداً لأي بوادر عدوان.

لم يؤاخذ ماركوس الملك على ذلك. فلم تكن لغورديانوس سابقة تعامل معه حتى اليوم، لذا كان الحذر أمراً طبيعياً. ولفعل ماركوس المثل في مكانه... لو كان يملك أتباعاً.

أخبره ماركوس: "هذا التصدّع يختلف عمّا تعاملت معه في الماضي".

كان التصدّع الوحيد الآخر الذي اضطر لإغلاقه تابعاً للهاوية، وتضمن عدة أشخاص مندمجين معاً في كتلة من اللحم الصارخ ثبتت التصدّع إلى بوابة أكبر وأسهل عبوراً.

"مع ذلك، لا أظن أن هذا يمثل مشكلة. فهذا لا يبدو بوابة غزو".

مالم يكن المرء يتعامل مع شيء غريب حقّاً، فإن أصعب جزء في إغلاق التصدّع هو التعامل مع مساعي الجانب المقابل لإبقائه مفتوحاً. وإن لم يوجد عدو يعارض طرقه، كان ماركوس واثقاً من أن إغلاق التصدّع مجرد مسألة وقت وصبر.

بدا الارتباك على غورديانوس وهو يقول: "أيمكنك معرفة ذلك بمجرد نظرة عابرة إليه؟"

قال ماركوس: "غالباً ما تُستقر تصدّعات الواقع بواسطة جهاز أو هيكل ما عند إنشائها. ودون ذلك، يبدأ الكون تدريجياً في إصلاح التصدّع من تلقاء نفسه، مما يجعله يختزل ببطء. وأستطيع رؤية بوادر عملية الإصلاح الطبيعي قيد التنفيذ هنا، مما يعني أنه غير مثبت بأي شكل من الجانب الآخر. وهذا ليس شكل الغزو المنظم".

تهلل وجه غورديانوس فوراً وقال: "هذا مبعث راحة إذن. تقول إنه سيختفي في النهاية من تلقاء نفسه؟"

أكّد ماركوس: "نعم، خلال بضع سنوات".

انهار غورديانوس فوراً.

وقال لماركوس: "هذا طويل للغاية".

طمأنه ماركوس: "لا تقلق، لا أقول هذا كحجة للرحيل. أعرف أنك حريص على إغلاقه بأسرع وقت لتتوقف هجمات الوحوش. سأبذل ما بوسعي للتخلص منه".

سأل الملك: "بما أنك ذكرت الكائنات المتدفقة عبر التصدّع، فكيف يتناسب ذلك مع ما قلته قبل قليل يا سيد ماركوس؟ أليس هذا غزواً؟"

أقر ماركوس: "حسن، بطريقة ما... لكنه لا يبدو كجيش".

أصدر الملك صوتاً مبهمأً من حلقه ولم يقل شيئاً. ولم يعتقد ماركوس أن منطقه أعجب غورديانوس كثيراً. استدار مجدداً ليتفحص التصدّع مفكراً في أفضل طريقة لمعالجته، فإذا بالتصدّع ينشط فجأة ويبدأ في الالتواء والتموج. وملأ الهواء صوت طنين خفيض. تقدّم الحارسان المدرعان فوراً ووضعا نفسيهما أمام غورديانوس.

صاح به الملك محذراً: "احترس! إنهم قادمون مجدداً!"

لم يكلف ماركوس نفسه عناء الرد، ومسكت عيناه بالتصدّع المتقلب أمامه. ألقى بسرعة تعويذة الجلد الحجري ومرر المانا عبر جسده، مصلباً جلده وعضلاته كاحتياط أساسي ضد الهجمات غير المتوقعة، لكنه لم يفعل سوى المراقبة. ما لبثت مجموعة من خمسة أشكال خضراء داكنة أن تقذفت خارج التصدّع وهوت في تشابك فوضوي من الأطراف والذيل، تصدر فحيحاً وتدفع بعضها بغية استعادة توازنها وتوجيه نفسها.

وبدت شبيهة بالسحالي إلى حد ما، تماماً كما قال لوسيوس. رباعية الأرجل، بأربعة أطراف قصيرة تنتهي بمخالب شرسة. وتغطّي قشور خضراء داكنة معظم أجسامها، ويتدلى خلفها ذيل طويل يشبه السوط. ومع ذلك، كان الرأس غريباً. كان مثلثاً وضييقاً، ومغطى بدرع عظمي أبيض جعله يبدو كمن يرتدون جماجمهم في الخارج. وبرز زوجان من القرون الطويلة المستقيمة القاتلة المظهر من تلك الصفيحة العظمية للرأس، ونبتت عدة صفوف من الأشواك الرفيعة الحادة على ظهورها في كتل متناثرة.

مفعلاً قدرة العيون الحادة، تفحصها ماركوس بدقة بالغة، ملاحظاً أنها تبدو ذات مناقير بدل أفواه مسننة. لم تكن الكائنات الماثلة أمامه مألوفة لماركوس على الإطلاق. كان يعلم أنها سحرية، لأنها ككل الكائنات السحرية تملك سلالة دم - تشبه روحاً مولودة معها - يمكن لأي قادر على استشعار الشعارات رصدها بسهولة. ومع ذلك، بدت أشبه بحيوانات مُحسّنة منها بوحش نبيل. وما إن بدأت تستعيد توازنها، وتشم الهواء وتدير رؤوسها العظمية نحو ماركوس، حتى قرر عدم المجازفة.

لم تكن هذه تشكل خطراً عليه، لكن لو حدث شيء لملك إيلورا وهو حاضر، فلن يتخلص من اللوم للأبد. وجّه إصبعه نحو إحدى سحالي القرون وألقى تعويذة صاعقة السلسلة. سطع وميض نور ساطع ومر شعاع صاعق مسنن فوراً عبر المخلوقات الخمسة كلها، رابطاً إياها بشبكة مميتة من خيوط البرق. ماتت فوراً، وما زالت أجسامها تختلج ميكانيكيّاً لفترة بعد ذلك. وملأ رائحة اللحم المحترق الجو. وقبل أن ينطق ماركوس بكلمة، بدأ التصدّع مرة أخرى يلتواء ويموج، وبعنف أشد هذه المرة.

وبرزت كتلة من الجسيمات الحمراء الرفيعة الشبيهة بالجسات من التصدّع، قابضة على كل ما هو قريب بينما تحاول بصعوبة باللجة سحب الجسد الرئيسي للمخلوق عبر التصدّع. بدا أن الحارسين الصامتين اللذين يحفّان الملك قد تعرفا على الكلوق، إذ نطقا لأول مرة، صارخين بالملك ليبتعد ودافعين إياه للوراء.

ألقى "الخادم"

سلفاً نوعاً من تعويذة مجال القوة، محاجزاً المخلوق البازغ عن بقية قبو القصر... وحابساً ماركوس داخل غرفة التصدّع. حسن، لم يكن الأمر وكأن ماركوس أراد حقّاً الهرب مع الملك ورجاله. لم يحاول ماركوس مهاجمة المخلوق قبل انبثاقه فعلياً من البوابة؛ فقد كان فضولياً تجاه الأنواع الأقوى من الكائنات القادمة من التصدّع، لكنه عزّز دفاعاته قليلاً. استغرق المخلوق نحو خمسة عشر ثانية لعصر نفسه عبر التصدّع، لكن ماركوس أحاط خلالها بدرع شفاف من القوة مع كوكبة من كرات الماء تدور حوله في مدارات كسولة.

كان العدو... يكاد يبدو عنصريّاً في مظهره. بدا الجسد الرئيسي ككرة صخرية، مغطاة بطبقات متعددة من الصفائح الحجرية الثقيلة. وكان يعلم أنها متعددة الطبقات لأن الطبقة السطحية تحركت، حيث طفت صفائح كاملة لفترة أو انتقلت لموضع آخر، كاشفة عن طبقات أخرى من الصخور بالأسفل. وبرزت من هذه الكرة المركزية عشرات مؤلفة من الجسات الحمراء الرفيعة التي يستخدمها المخلوق للقبض على الأشياء والتحرك.

وكانت هذه الجسات هلامية ومطاطية، وتبدو ملتصقة بالأسطح عند ملامستها. في البداية، لم يلحظه المخلوق على ما يبدو، متخبطاً بعشوائية بجساته بحثاً عن أيّ شيء، في محيطه. كانت الأثاثات والأغراض قد أُزيلت منذ أمد طويل من غرفة التصدّع بواسطة الملك ورجاله، لذا لم يكن هناك شيء ليجده سوى ماركوس. استمر هذا حتى اقترب أحد الجسات بشدة من مكان وقوف ماركوس، فتنحى جانباً لتفاديه. ركّزت كرة الجسات موقعها فوراً نحو موقعه بعد ذلك، منقضية نحوه بسرعة وقوة هائلتين.

تفاجأ ماركوس بالهجوم المفاجئ، لكن ليس بالقدر الذي يجعله يصاب. وللحظة، بسط إحدى كرات الماء الدائرة إلى جدار رقيق من الماء أمامه. ورغم مظهر الحاجز الهش، ارتد المخلوق عنه دون إحداث تموج واحد على سطحه الأملس الشبيه بالمرآة. ومع ذلك، أدرك الكلوق ذو الجسات منذ تلك اللحظة مكان ماركوس دائماً، ولم يتوقف عن اعتداءاته. كان لماركوس باع طويل مع عناصر الأرض، لذا فهم ما يحدث؛ فكرة الجسات لا تملك عيوناً، وهي تدرك العالم عبر الاهتزازات في الأرض.

لقد كان ساكناً للغاية في البداية لذا لم يرصد وجوده، لكن بعد أن اضطر للحركة والتفاعل مع هجماته، راح يصنع الكثير من ضجيج الأرض الذي يمكنه استخدامه لتحديده. حاول تكرار حيلته السابقة وأطلق تعويذة صاعقة سلسلة على الكثافة الأكبر من الجسات البارزة من الكرة. نجح هذا في تبخير جملة كاملة منها، لكن الكرة الصخرية سرعان ما أعادت إنباتها بعد لحظات قليلة. ورغم ذلك، اقتربت منه بحذر أكبر بعد هذا، مسحبة معظم جساتها ليتمكن من تدمير عدد أقل دفعة واحدة.

وشعر أن هذا أسلوب قابل للعمل، وأن تدمير الجسات ما زال يؤذيها... لكن استنفاد المخلوق بهذه الطريقة سيتطلب وقتاً ومانا هائلين، ولن يقتله مع ذلك. كان واثقاً من أنه متى أوقع ضرراً كافياً، ستتراجع الجسات عميقاً داخل القشرة الصخرية المركزية، ويرفض المخلوق الظهور حتى يشعر بزوال الخطر. وبعد فترة، أصبحت هجماته متوقعة؛ إذ عجزت جساته عن الالتصاق بحواجز ماء ماركوس، وعجز عن كسرها بالاصطدام بها.

وقرر ماركوس أنه اكتشف كل ما يمكنه معرفته عنه. أخرج جوهرة رخيصة من جيبه وألقى تعويذة رمح البلّور. استطالت الجوهرة فوراً لتصبح قذيفة تشبه الإبرة وبدأت تتوهج بضوء يشبه قوس قزح. قذف ماركوس الرمح البلوري نحو الجانب الأيسر للكرة. لقد لاحظ أن الدرع هناك هو الأثخن، لأن المخلوق دأب على إعادة ترتيب صفائحه الحجرية هناك ليبقيها مغطاة بكثافة في كل الأوقات. لذا افترض أن هذا موقعه الأكثر حساسية.

أصاب رمح البلور المتوهج اللب الصاخي للمخلوقخترقه مباشرة، بلا مقاومة تذكر على ما يبدو. ولم تفعل الدرع الحجرية الثقيلة المسحورة شيئاً لإيقاف الرمح الذي فقد توهجه وانغرس عميقاً في جدار غرفة التصدّع خلفه. ارتجفت الجسات الحمراء لحظة، ثم استرخت. وهدأ اللب الصاخي، ثم تفكك إلى كومة من الصفائح الحجرية الفردية. وتسربت مادة حمراء لزجة من الشقوق، متجمعة على الأرض حول الكومة.

وبعد مراقبته لبضع ثوانٍ للتأكد من موته حقاً، وأن شيئاً آخر لا يحاول العبور عبر التصدّع، أبطل ماركوس جميع تعويذاته الدفاعية، وبدد الحاجز الوقائي على الباب الذي تركه ذلك الساحر المتظاهر بكونه خادم الملك، وخطا خارجاً ليجد غورديانوس. وجده خارج الحاجز مباشرة، وراء فرقة كاملة من المحاربين المدججين بالسلاح وعدة سحرة. لقد شكلوا تشكيلاً دفاعياً خارج غرفة التصدّع مباشرة، وبدوا متوترين للغاية وهم يراقبون ماركوس يخرج من الغرفة.

أخبرهم: "لقد قتلت كرة الجسات ولا يبدو أن شيئاً آخر قادم. يمكنكم الاسترخاء".

أومأ الملك لأحد الجنود، وكانت تلك فيما يبدو إشارة له للذهاب وتفقد غرفة التصدّع وتأكيد الأمر، فما لبث الجند أن نفذ ذلك. وعاد بعد لحظة ليؤكد قصة ماركوس.

قال الجندي: "ليست مجرد خاملة. لقد ماتت حقاً. تقلصت إلى كومة نازفة وكل شيئ".

ارتبك ماركوس لحظة، قبل أن يدرك؛ حين قاتل رجال الملك كرة الجسات، فلابد أنهم لم يفهموا أن المخلوق يستطيع سحب جساته لداخل لبه والبقاء خامداً حتى يزول الخطر.

فلابد أنهم تركوه يتعافى بسلام وتفاجأوا حين عاد المخلوق «الميت»

للحياة بغتة عندما تراجع حذرهم.

أثنى الملك بإعجاب: "التعامل مع إحدى قناديل البحر الصخرية بمفردك وقتلها دون تكبّد أي إصابات... أنت رائع تماماً كما تقول القصص يا سيد ماركوس".

قناديل بحر صخرية؟ لقد أحب تسميته للمخلوق أكثر...

اقترح ماركوس فجأة: "قد يكون هذا وقحاً بعض الشيء، لكنني أظن أنه من الأفضل أن تتراجع أنت ورجالك عن قبو القصر الآن وتدعوني أعمل على إغلاق التصدّع بمفردي. فأنا في خطر طفيف من هذه الكائنات، ومحاولاتي قد تثير التصدّع وتحرض على مزيد من الهجمات".

وكعلاوة، سيترك هذا ماركوس وحيداً وبلا رقابة، مما يتيح له إجراء القليل من الاستطلاع دون أن يدري غورديانوس وقومه بما يفعله بالضبط هناك بالأسفل... ومما يثير الدهشة، أنه لم يكن عسيراً إقناع الملك بمسايرة هذه الفكرة. فمشاهدة ماركوس يقضي على... قنديل البحر الصخر... بدت كفيلة بإبهار الملك تماماً، فوافق على سحب الجميع من قبو القصر بينما يعمل ماركوس على التصدّع. حان وقت العمل.

* * *

رغم أن ما أراد ماركوس فعله كان محفوفاً بالمخاطر، إلا أن هناك فرقاً بين المخاطرة والحماقة. لقد نوى ماركوس استطلاع الجانب الآخر من التصدّع ليرى إن كان هناك أي شيء مثير للاهتمام، لكنه أراد قبل الإقدام على ذلك إعداد كل ما يلزم لإغلاق التصدّع بأسرع وقت ممكن. وبهذه الطريقة، إن ساءت الأمور أو جذب انتباه شيء يفوق قدرته على التحمل، استطاع إغلاق التصدّع قبل أن يعبر. نأمل ذلك.

طوال الساعات القليلة التالية، نحت ماركوس باجتهاد دائرة سحرية معقدة على أرضية غرفة التصدّع، مع طفو التصدّع نفسه تماماً فوق مركز الدائرة. وكان هذا عسيراً، لأن الغرفة كانت مسرحاً لمعارك ضارية طوال الأشهر القليلة الماضية، بما فيها المعركة التي خاضها ماركوس للتو. كانت الأرضية فوضوية، وكان لزاماً تمهيدها أولاً لتصبح سطحاً موحداً يستطيع الرسم عليه. ولحس الحظ، لطالما أحب ماركوس التعاويذ التي تشكل الأرض والصخور وفق رغباته، وبات بارعاً للغاية فيها عبر السنين.

ومع ذلك، ظلت الدائرة صعبة الصنع، لأنه لم يكن أبداً صانع مصنوعات موهوباً بشكل خاص. وآه، ما لم يرغب الساحر في تكليف شخص آخر لصنع كتاب تعاويذه (وهو ما لا يفعلونه)، فعليه امتلاك معرفة أساسية على الأقل بصنع العناصر السحرية والحواجز وما شابه. ومع صعودهم في الرتب، يرتفع باستمرار مستوى الصنعة الأساسي المطلوب لاستخدام قدراتهم بكامل إمكاناتهم والتقدم في الرتب. لذا، وسواء أحب ذلك أم لا، كان على ماركوس أن يصبح بارعاً في الأمر على الأقل.

وما إن انتهت الدائرة السحرية، حتى وضع خمس جواهر رخيصة أخرى حول حافة موقع الطقوس وألقى تشكيل حاجز بسيط يعيق الكائنات المحاولة للعبور عبر التصدّع. لن يوقف خصماً يهدد ماركوس، لكنه نأمل أن يبطئهم على الأقل. بعد ذلك، جلس على حافة الدائرة السحرية وألقى تعويذة استدعاء. لم يستدع هذه المرة تشومبي، صديقه العنصري الأرضي المخلص، بل أرسل نداءً إلى قبيلة الروح الأخرى التي تعاقد معها.

وفي نفخة دخان، تجسّدت أمامه فراشة ضخمة بحجم بشري ذات أجنحة بيضاء. لولا مجموعة الأيدي البشرية المدهشة والعيون غير العادية، لبدَت الفراشة كأي وحش سحري حشري آخر.

قالت الفراشة البيضاء بصوت أنثوي مشوه بشكل غير طبيعي: "لقد مضى وقت طويل، صديقي البشري".

وكانت عيناها، رغم كونهما متعددتي الأوجه كعين الحشرة، تضمان بقعاً سوداء ونابضتين بالتعبير والبشرية بشكل مدهش. وكانت حدقاتهما حالياً تحدق مباشرة في عيني ماركوس.

"بدأت أظن أنك نسيتني تماماً. أعرف أنك صرت قوياً، لكن ذلك ليس عذراً لنسيان أصدقائك".

على عكس تشومبي، كانت سيلر شديدة الذكاء وقادرة على الكلام. وكان هذا أمراً حسناً... وسيئاً.

أخبرها ماركوس: "أنت لست روحاً صغرى يا سيلر. إن أردت التحدث إليّ، كان بإمكانك التواصل معي في أي وقت".

قالت بتهكم وهي تلوح بأجنحتها ناثرة غباراً مضيئاً أبيض في كل مكان، مما جعل أنف ماركوس يحكّ وعيناه تدمعان: "استدعاء الكائنات المادية إلى السموات الخارجية عذاب. الأسهل بكثير استدعاء روح إلى هنا بالأسفل. كان عليك الاتصال عوضاً عن ذلك!"

قال ماركوس محركاً يديه بحركة تهدئة: "حسناً، حسناً. لا أريد الشجار. لقد استدعيتك هنا الآن، أليس كذلك؟ أحتاج إلى مساعدتك".

قالت وهي تنثر المزيد من الغبار حولها برفرفة أجنحتها، بينما أدت البقع السوداء في عينيها المتعددتي الأوجه حركة تشبه تقليب العيون: "بالطبع تفعل. أنت لا تستدعينا إلا حين تحتاج للمساعدة".

أشار ماركوس: "هذا غير صحيح. اعتدت استدعاءك لمجرد الحديث وأنا أصغر. بل واستمعت إلى محاولاتك الفظيعة في الشعر".

صفعته على وجهه بأحد أجنحتها؛ وهي حركة لم تؤلمه قط، بل بدت كلمسة حريفة من نسيج حريري، لكنها أطاحت بالكثير من الغبار المتوهج في وجهه مما تسبب فوراً في نوبة عطس وسعال له.

أخبرته: "تستحق ذلك. بماذا تحتاج المساعدة؟"

كان منشغلاً بسعال رئتيه ليرد عليها فوراً.

حين تعافى، أشار ماركوس نحو العين السوداء المشؤومة في وسط الغرفة قائلاً: "أحتاج أن تعبري ذلك التصدّع، وتتطلعي حولك قليلاً، ثم تعودي لتقرير ما رأيتِ".

التفتت سيلر قليلاً، ملقية نظرة على التصدّع المفتوح كأنها لتوّها لحظته. وكان ماركوس يعلم أنها لم تفعل. فعيناها الواسعتان لم تكونا مجرد ديكور؛ فباستثناء بضع زوايا ميتة صغيرة، استطاعت رؤية كل شيء تقريباً من حولها في كل الأوقات. استحال أن تفوتها شيئاً كهذا.

قالت وهي ترفرف بأجنحتها بضع مرات لتصنع دائرة كسولة حول التصدّع تفحصه: "يا لها من روعة، تصدع بلا مالك. لقد استدعيتني لأمر مشوق على الأقل".

وانجرفت عيناها نحو الدائرة السحرية المنحوتة في الأرض، والجواهر الخمس على حافة الغرفة.

تشكت: "طبعاً لا يمكنك أن تكون متهوراً ومثيراً بحق لمرة في حياتك. كان عليك وضع خطط وتدابير وما شابه. البشر كائنات مملة بحق. لا تفعلون شيئاً استجابة لقلوبكم فحسب".

اختلجت شفتا ماركوس بابتسامة مجهضة. لم يحدث كثيراً أن يُنتقد لعدم كفاية تهوره. وقبل أن ينطق بكلمة، غاصت فجأة في التصدّع وتوارت. جلس ماركوس متعجلاً على الأرض مرة أخرى، مغمضاً عينيه، وبحث عن اتصاله بها. وجده بسرعة وشده، لتستبدل رؤيته برؤية الفراشة الشاملة المذهلة. كانت في حجرة واسعة تحت الأرض. مظلمة، لكنها ليست حالكة السواد. صُمّمت آلات معدنية ضائلة ومغروسة في الجدران، منتجة أصوات قرع عميقة وما يكفي من الضوء لمنح المكان إضاءة خافتة.

إضاءة كافية لتراها سيلر بوضوح نسبي. حلقت في نمط حلزوني حول التصدّع الذي بدا واقعاً تماماً في منتصف الغرفة، متفحصة المشاهد. كما لاحظ مبدئياً، بدت الحجرة مغطاة بآلات ضخمة. كان حجم المعادن الهائل المستخدم في بنائها مذهلاً لماركوس. ولو جمعت كل أعمال الحديد في الحلف الفضي مواردها، لاستغرق الأمر سنوات لتوفير ما يكفي من الحديد والمعادن الأخرى لبناء هذا... ناهيك عن مهارة الصنعة اللازمة لبناء شيء مماثل.

ومع ذلك، ما لم يُغطَّ بالآلات كان صخراً منقوشاً بخشونة. من الغريب أن يتكشم أحدهم عناء صنع شيء مكلف ومعقد كهذا، ثم لا يكلف نفسه حتى عناء تمهيد الجدران. وكانت الأرضية خشنة جداً، وفي بعض الأماكن توجد منخفضات ضحلة ممتلئة بالماء. لم تكن هناك أي أثاثات مهما كانت، لا طاولات ولا كراسي، ولا علامة حقيقية على السكن. بدا الأمر وكأن المكان هُجر أثناء البناء... لكن من قد يهجر كل هذا المعدن؟

ناهيك عن أن الآلات بدت وكأنها ما زالت تعمل. وفي إحدى زوايا الحجرة، ممدداً على ظهره في منتصف دائرة سحرية كبيرة، كان جثمان ذكري بشري. كان الجثمان باهتاً وخالياً من الدم، لكنه لم يتأثر بالقمامين ولم تظهر عليه علامات التعفن. وبدت عيناه كأنهما ذابتا تماماً خارج محجريهما، مع آثار دموية تسيل من المحجرين الفارغين الآن وأسفل خديه وجانبي رأسه.

قالت سيلر، كأنها تخاطب الهواء: "إنه لا ينتن".

كانت تخاطب ماركوس بالطبع؛ فهي تعلم أنه يشاركها حواسها.

"لا أظنه ميتاً حياً أيضاً".

دارت سيلر ببطء وبكسل حول الحجرة الضخمة مرة أخيرة، قبل الانتقال إلى الحجرات المتصلة. كانت هناك عدة أنفاق تتفرع من الحجرة الضخمة حيث التصدّع وكل الآلات الغريبة، لكن معظمها كان فارغاً وبدا أشبه بكهف طبيعي من كونه بناء متعمداً. بدت سحالي القرون المهاجمة سابقاً تعيش في هذه الكهوف بأعداد غفيرة. حاول أحدها مهاجمة سيلر، لكنها غطته بغبار متعدد الألوان، مدخلة إياه في ذهول هلوسي متعثر.

وانقضت سحالي القرون الأخرى القريبة منه فوراً على الوحش الذي عطلته سيلر، ممزقة إياه إرباً. وبدت أكّلة لحوم بشر، ولا تواجه غضاضة في أكل أبناء جنسها. راقبت سيلر باهتمام قتل السحالي لأحد رفقائها، مفتونة بوضوح بالمشهد الدموي. أراد ماركوس حقّاً إخبارها بالمضي قدماً، لكنها لم تكن تسمعه. ولا يرجح أن تهتم، حتى لو استطاعت. وبعد ذلك، توجهت مباشرة نحو التصدّع وعادت إلى قبو القصر الملكي، حيث كان ماركوس ينتظرها.

واصل ماركوس الجلوس على الأرض، مفكراً فيما رآه عبر عيني سيلر. بناءً على ما وجدته في الجانب الآخر... أكان هذا غزواً إذن؟ لم يكن هناك شك في أن التصدّع انفتح عمداً بواسطة أحدهم على ذلك الجانب. استحال أن يقود التصدّع صدفة إلى مركز حجرة تحت الأرض مصطفة بآلات معقدة. لكن، لمَ هُجِرت إذن بعد بنائها؟ لم تكن هناك علامات معركة كبرى، ورغم وجود جثة، فقد كانت جثة واحدة فحسب.

قالت سيلر فجأة، محلقة في دوائر كسولة حول رأس ماركوس: "يا رجل، تلك الطريقة التي مزقت بها السحالي رفيقها الساقط... كان ذلك شيئاً مهولاً، أليس كذلك؟"

رمقها بنظرة منزعجة: "كان هذا أقل الأشياء إثارة للاهتمام هناك".

قالت له: "حسناً، البقية كانت مجرد جثة محفوظة بغرابة وآلات مهجورة. يمكنك إيجاد ذلك في أمكنة كثيرة".

قال ماركوس: "أحتاج أن تقومي بخدمة أخرى".

خمنت: "العودة عبر التصدّع؟"

أومأ ماركوس: "نعم".

أخرج أسطوانة بلون المغرة مغطاة بشبكة معقدة من الخطوط والأنماط المنحوتة وناولها إياها. أخذتها بيدها الرقيقة والناعمة وتفحصتها. ورغم بدوها عاجزة عن حمل أسطوانة الحجر الثقيلة والتحليق في الوقت ذاته، فلم تبد واقعياً تواجه أي مشكلة في أخذها من يديه.

"أخفي هذه الأسطوانة في مكان ما على الجانب الآخر".

قالت بسعادة: "أحب إخفاء الأشياء. يمكنني وضعها في أي مكان، أليس كذلك؟"

قال ماركوس: "بالتأكيد. فقط تأكدي من أنها في مكان جانبي حيث تظنين ألا أحد سيجدها".

لم يكن يهتم حقيقة بالمكان الذي تضع فيه الأسطوانة، ما دامت على الجانب الآخر من التصدّع. سيتمكن من إيجادها بغض النظر عما تفعله. وكانت تلك غاية العنصر بأسره.

وأردفت قائلة: "سأعود حالاً! ممنوع عليك النظر!"، ثم غاصت فوراً في التصدّع.

راود ماركوس للحظة شعور بأنه ارتكب خطأ فظيعاً للتو... لكن لا، كان يبالغ في التفكير، فلن تستطيع تخريب الأمر حقّاً. كانت الأسطوانة متينة للغاية ولا تتضرر بسهولة. وستنجو مهما بلغت قسوة معاملتها لها. مع ذلك، شعر بالقلق حين استغرق عودتها من التصدّع أكثر من ساعتين. فلم يكن ذلك يعتبر 'سأعود حالاً' في معاييره. وكان يأمل حقّاً ألا تكون قد ألقت بها في بحيرة أو ما شابه من الحماقات المماثلة...