ذروة السحر الفصل 39 — موصى به

اقرأ ذروة السحر الفصل 39 — موصى به باللغة العربية على مانجا تايم.

وكما وعد، أخذ ماركوس ريجولوس إلى معبد الشفاء في الصباح الباكر. كان المكان الوحيد القادر على تقديم بعض الإجابات. ومع ذلك، كان السحرة يملكون بعض التعاويذ والتقنيات الخاصة بالشفاء، لكنها تظل محدودة الفائدة وغير شائعة. كان ماركوس واثقاً تماماً من أنه يعد أحد أبراع سحرة العالم في مجال الشفاء وسحر التشخيص، لا لأنه ركّز عليه بشكل خاص، بل لأنه امتلك عادة جمع كل ما يصادفه بينما أتاحت له تقنيته الأساسية تعلّم أي شيء.

وإذا عجز هو عن رصد وجهة الريشة السوداء وإدراك كنه ما فعلته، فلن يظن أن أي ساحر آخر قادر على ذلك. لكن الكهنة قد يفعلون. لم يكن كل كاهن بارعاً في الشفاء، فلكلٍّ منهم تخصصات تماماً كالسحرة، غير أن معابد الثلاثة تضم أشخاصاً يستطيعون رصد وعلاج مختلف الأمراض بقدرة تفوق أي ساحر. شكّل معبد الشفاء أحد الأماكن الرئيسية لتلقي العلاج والدواء في أدريا. وُجدت متاجر تبيع الجرع التي يصنعها الخيميائيون، وهي جيدة للحالات ذات العلاجات المعروفة، لكنهم احتاجوا لمساعدة أخصائي عند التعامل مع أمر غريب كهذا.

ضمّ المبد كهنة متفرغين لإسكلابيوس، ملك الطب، وآخرين متفرغين لفيبروس، ملك النقاء. قصد معظم الناس هذا المكان لطلب عون إسكلابيوس، إذ إن كهنته هم الأكثر تأميلاً للمساعدة في الأمراض والجروح والحالات البدنية الأخرى. بينما تخصص كهنة فيبروس أكثر في كسر اللعنات وتطهير الطاقات الخبيثة. سرت شاعات تفيد بأن بعض كهنة فيبروس رفيعي المستوى يستطيعون حتى تطهير تسمم الفوضى والفساد السحيق، رغم أن ماركوس لم يظن أن أياً من تلك القوى الضخمة تقطن في أدريا.

وهؤلاء كهنة فيبروس تحديداً من أراد ماركوس استشارتهم. توقع تماماً ألا يجد كهنة معبد الشفاء شيئاً حين يفحصون ريجولوس، لكن عثور كاهن فيبروس على لا شيء يُعد بحد ذاته نبأً طيباً. لقد اتسموا بحساسية شديدة تجاه السحر الضار، حتى وهم مبتدئون، فإن استطاعت الريشة السوداء الإفلات من حواسهم، فهذا يعني أنها غالباً لا تحدث أي ضرر. للأسف، لم يشأ أي من الكهنة تحمل المسؤولية حيال مشكلة غير عادية كهذه مراراً وتكراراً، حيث أُرسلا من معالج إلى آخر، شارحين مشكلتهما لكل واحد منهما، إلى أن وجدا أخيراً شخصاً أبدى استعداداً للمحاولة والمساعدة.

وحتى حينها، كان الرجل كاهناً لإسكلابيوس، وأصر على إجراء فحصه الخاص قبل أن يستدعي كاهن فيبروس ليفعل المثل. انتهى بهما المطاف بزيارة خمسة أشخاص مختلفين تماماً، ليُخبرا في النهاية بأنه لم يُعثر على شيء وأن ريجولوس سليم ومعافى. كما عجزوا عن رصد بذرة الروح. لم يتوقع ماركوس منهم ذلك، فبعد كل شيء، فحصه الكهنة عدة مرات في الماضي، ولم يكتشفوا أبداً بذرة الروح التي غرسها البلوط المقدس فيه، لكن من الرائع الحصول على تأكيد بأن حتى كهنة فيبروس عجزوا عن رصدها.

تساءل: أكانت الريشة تستخدم الطريقة نفسها لإخفاء نفسها؟ تعذر رصد بذرة الروح لكونها جزءاً من ريجولوس فعلياً، وبذلك لم تُسجّل كشيء دخيل. إن استطاعت الريشة فعل ذلك أيضاً، فهل يعني هذا أنها نوع من التحف المرتبطة بالروح أيضاً؟ افتقر إلى معلومات كافية لتكوين استنتاج حاسم، لكن تلك كانت فكرته الحالية القابلة للاختبار.

قال اراتور: "أعجز عن إيجاد هذه الريشة السوداء التي تتحدث عنها".

وكان كاهن فيبروس الذي تمكنا أخيراً من الوصول إليه.

"لو لم أكن أعلم حقائق الأمور، لقلت إنك تمزح معي أو تهلوس. نصيحتي ألا تقلق بشأن الأمر. إما أنه لا شيء، أو أنه مرتبط بالملوك ولست تملك حيلة حياله. مع ذلك، أود من الشاب ريجولوس الخروج والسماح لي بمحادثتك على انفراد. الأمر لا صلة له بهذا الحادث".

رمقهما ريجولوس بنظرة فضولية، لكنه بدا مألوفاً بمثل هذه الأمور فلم يمكث طويلاً. انحنى بخفة ثم استأذن بالانصراف. حدّق ماركوس في اراتور مباشرة، متسائلاً عن مغزى هذا. توقع جزء منه أن يوبخه الرجل على تعريض طلابه لتحف أقدم غامضة وأخطار أخرى، لكن تبين أن حدسه كان خاطئاً.

قال اراتور: "من الجيد لقاؤك أخيراً أيها الشيخ ماركوس. ظللنا نحن معبد النور نفكر في طريقة للتقرب منك منذ بعض الوقت. أعتذر لعجزي عن مساعدتك في مشكلتك، لكن لا خطر داهم، ولا جدوى من إقلاق طالبك".

قال ماركوس: "أصدقك".

لم يُفصح عن توقعه لهذه النتيجة، إذ قد يُفسر الأمر باحتقاره لهم، وما كان إغضاب الكهنة فكرة سديدة قط، سيما في معبدهم حيث تبلغ قوتهم ذروتها.

"ما الذي أردت مناقشته؟"

"حسناً، أولاً وقبل كل شيء، أود نقل دعوة من قيادة معبد النور. يرغبون في زيارتك لهم في مجمع المعبد الرئيسي بديودوروم، عاصمة مملكة الغريفون المقدس. لا استعجال، بل يُستحسن في الواقع الإعلان عن زيارتك قبل موعدها بوقت كافٍ... ومع ذلك، لا يُحمد أيضاً تركهم ينتظرون طويلاً".

رمق ماركوس اراتور بنظرة غريبة. يا له من دعوة عجيبة. لمَ كان معبد النور ينتظر قدومه إليهم عوض إرسال رسول؟ ولو لم يقصد معبد الشفاء اليوم مصادفةً، أكانوا ليتجاهلونه ببساطة؟

ولِمَ تحدث الكاهن عن "قيادة"

مبهمة؟ ألم يقُد معبد النور كاهنة رئيسية في الوقت الحالي؟ وإن لم تكن هي من توجّه إليه الدعوة، فمن إذن؟ غير أنه، وبعد تفكير، أدرك أن الأمر ليس شديد الغرابة بعد كل شيء. فرغم تصرفهم بوحدة في بعض الأحيان، تألف معبد النور من ملوك شتى، لا يتصرف أتباعهم بتناغم دائماً ولا يتفقون على ما يجب فعله. بل لعل بعض الفصائل لم ترغب في التحدث إليه أصلاً. وجب عليه توخي الحذر وتجنب الانجراف في صراعات المعبد الداخلية على السلطة.

قال لماركوس: "لدي أمور لأنشغل بها حالياً، لكني سأزورهم. وسأترك لمنظمتك ككل حرية تحديد الشخص الأنسب لاستقبالي".

قال اراتور بهدوء: "هذا يناسبنا".

ثم ناول ماركوس لفافة صغيرة بغتة.

"لا تفتحها إلا حين تغادر أدريا، ولا تناقش أمرها مع أحد سوى ذلك التابع لملك الغراب الذي ترافق ربما".

قلب ماركوس اللفافة في كفه مراراً، لكنها كانت مختومة، مادياً وسحرياً. وعجز عن تخمين محتواها. دسها في سوار تخزينه وحدّق في اراتور بنظرة ثاقبة.

سأل الكاهن: "أثمة شيء آخر؟"

قال اراتور: "أود تحذيرك من توخي الحذر حيال معبد الغراب، ومعبد المياه المظلمة، وحتى معبد الشمس والقمر إلى حد ما".

طالب ماركوس: "لِمَ؟ أتريد القول إنهما يخطران ضدي؟"

أوضح اراتور: "إنهما لا يصارحاننا تماماً بما يبتغيان. إنهما يتقربان منك لإدراكهما إمكانية صعودك إلى العوالم الخارجية في أي لحظة، ويرغبان في انضمامك إلى معسكرهما حين تفعل".

خمن ماركوس: "وتريدني أن أصطف مع معبد النور".

قال اراتور: "بالطبع. فحين نعمل معاً هنا في تاسلوا، لكل منا مجاله المنفصل هناك في العوالم الخارجية. وفي حالة معبد الغراب ومعبد المياه المظلمة، لا تقع أراضينا على المستوى نفسه أصلاً. تقع قاعدة معبد الغراب في متاهة النسيان، بينما يتخذ معبد المياه المظلمة من المستوى العنصري للمياه مقراً له. لن نغدو حلفاء حقيقيين أبداً حتى لو أردنا ذلك. وبطبيعة الحال، نفضل انضمام أصحاب القدرات القوية إلينا بدلاً من رحيلهم إلى عوالم أخرى لا ننشط فيها".

أشار ماركوس: "يمكنني أيضاً اختيار الاستقلال التام".

قال اراتور بهدوء: "يمكنك ذلك".

انتظر ماركوس لبرهة، لكن الكاهن لم يضف شيئاً آخر بخصوص هذا الشأن. بامكانه أيضاً قبول عرض سيلير والانضمام إليها في غابة الأحلام، كما كانت ترغب. غير أن سيلير لم تكن ملكاً، ناهيك عن كونها تحالف ملوك يملك فصيصة قائمة وأرضاً تابعة لها. لن تكون الرحلة عبر العوالم الخارجية مع سيلير أفضل سوى بقليل من خوضها بمفرده تماماً.

قال ماركوس: "حسناً، أشكرك على التحذير. على سبيل الفضول، هل توصي بشيء آخر يخص العوالم الخارجية؟"

كان يسأل بصدق. لم يدرِ مدى إلمام اراتور الفعلي، لكنه بدا بوضوح ممن تلقوا حديثاً من شخص مطلع نسبياً على سياسات العوالم الخارجية. وربما علم شيئاً ما. فكر اراتور في الأمر مطولاً.

ثم قال أخيراً: "حسناً، الصعود إلى العوالم الخارجية ينطوي على تحويل نفسك إلى روح أبدية الشباب وإعادة تثبيت نفسك في أحد العوالم، ليغدو بيتك الجديد. تعد هذه هبة في الغالب. فلن تموت بالشيخوخة بعد اليوم، ولن تؤذيك معظم الأمراض، وإن متَّ خارج عالمك الأصلي، فستعيد تشكيل جسدك هناك عوض الانضمام الفوري إلى نهر الأرواح. غير أن هناك ما يجب وضعه في الاعتبار. فنحن هنا على المستوى المادي نقف عند ملتقى ركائز الخلق الستة كلها. تتوفر لك كل أشكال الشعارات، حتى وإن تعذر اكتسابها بسهولة دوماً. أما في العوالم الخارجية، فالأمور تصبح أكثر تعقيداً".

سأل ماركوس: "كيف ذلك؟"

"تتوضع كل من العوالم الخارجية بين ركيزتين من الركائز. وهاتان الاثنتان هما الوحيدتان اللتان تملكان أي تأثير حقيقي على العالم الخارجي المعني. ويتعذر إيجاد الشعارات العائدة للركائز الأخرى في البرية إطلاقاً. وحيث إن المستويات العنصرية تخص نفسها، فلا يُمثل السحر العنصري مشكلة عادة، لكن تعاويذ الخشب... حسناً، لا وجود لمستوى عنصر الخشب. تنبع شعارات الخشب بمعظمها من شجرة الحياة. ولا يوجد سوى عالمين خارجيين يحدان تلك الركيزة".

قاطعه ماركوس: "الجبل السماوي وغابة الأحلام".

ابتسم اراتور بخفة وقال: "أنا متأكد من قدرتك على تخمين أي منهما نفضل توجهك إليه. سمعت أنكم يا ممارسي تقنية شجرة الروح لا تستخدمون تعاويذ عنصر الخشب كثيراً، لكن احتياطاً لرغبتك في تطوير ذلك هناك في الكون الواسع، فهذان هما خياراك الحقيقيان الوحيدان. وغابة الأحلام مملكة تعج بالوحشية والجن المتقلب، لا مملكة للبشر والحضارة".

لم يكن الأمر سيئاً إلى ذلك الحد بحسب سيلير. فقد تواجدت مجتمعات بشرية هناك، ومدن ضخمة حتى... لكن صحَّ أنها بدت وجهة أكثر إثارة مقارنة بمجتمع الجبل السماوي الأكثر سلامة وتنظيماً. فضلاً عن ذلك، تساءل الآن عن تقنية شجرة الروح، وتحديداً تقنية العوالم الخارجية التي نشأت عنها فيما يبدو. فإن كان سحر الخشب ينبع بمعظمها من شجرة الحياة، وسحر الروح من نهر الأرواح، إذن...

ألم تُبنى تقنية شجرة الروح من الركيزتين المتعاكسيتين تماماً، لتغدو بذلك تقنية أساسية "مستحيلة"؟

مهما تمعن في الأمر، سيوحي شرح اراتور باستحالة ممارسة تقنية شجرة الروح في العوالم الخارجية؟ على الأقل في درجات القوة الدنيا. وبديهي أن ساحراً قوياً يستطيع السفر بين العوالم لنيل مراده، لكن كثيراً من الأرواح تفشل قط في السفر خارج عالمها الأصلي. فسيلير مثلاً لم تغادر غابة الأحلام قط، ولم يعود ذلك لعدم اهتمامها برؤية عوالم أخرى.

بل كان أحد الأسباب الرئيسية لقبولها استدعاءه هو رغبتها في رؤية أماكن شتى، حتى وإن كانت على كوكب "ناقص التطور"

ومنسي.

أخبر ماركوس الكاهن: "أدركت. إنها لملاحظة مثيرة للاهتمام يجب وضعها في الاعتبار، لكن يجدر بي المضي الآن. إلا إن كان لديك مواضيع أخرى لمناقشتها؟"

قال اراتور رافعاً يده في إشارة مباركة: "ليحفظك فيبروس من القذر والفساد".

عدّ ماركوس ذلك إيذاناً له بالانصراف.

* * *

لم يدر ماركوس تماماً ما ينتظره عقب دعوة المعلمين للقدوم والعمل لديه. فمن جهة، كان معروفاً، وقوياً، وحظي بموافقة كاتو العلنية. ومن جهة أخرى، كان يطالب أصحاب القدرات بمغادرة أدريا والقدوم للعمل في قاعدة صغيرة بوسط غابة، وكان معروفاً تماماً بأنه على غير وفاق مع القنصل. توقع قطعاً اهتمام أحدهم، لكنه جهل ما إن كان أحدهم يستحق التوظيف حقاً. أخذ طلابه إلى أحد ميادين التدريب في أدريا حيث رتب لعقد اللقاءات مع المرشحين.

صُمّم المكان خصيصاً للطلاب كي يستعرضوا قدراتهم بلا تعريض أي شيء أو شخص هام للخطر، وشعر أيضاً بأنه يؤدي دور آلية ترشيح خفية. فأي مرشح يتذمر من الاجتماع في ميدان تدريب عوض غرفة وثيرة ومريحة لن يصمد طويلاً على الأرجح عند العودة إلى البرج. تألف ميدان التدريب من بقعة مستطيلة بسيطة من التراب المدكوك، وتناثرت في الأفق عدة دمى تدريب خشبية، إلى جانب عمودين حجرين ضخمين.

تنافست كاسيا، وكريكيت، وريناتوس فيما بينهم بانتظار قدوم المعلمين المحتملين، مطلقين ومضات نارية نحو دمى التدريب البعيدة. ولم تترك مقذوفاتهم حتى آثار حرق، فخشب الدمى عولج خيميائياً، وقاوم تشكيلة واسعة من الطاقات السحرية، ولا سيما النار. أثار المشهد شعوراً بالحنين لدى ماركوس. تذكر حين نجح فعلاً في إحراق إحدى دمى التدريب تلك أثناء تدريبه. شعر بزهو بالغ بنفسه، إلى أن علم بأن أي طالب يدمر إحداها يُطالب بدفع ثمن استبدالها، سواء أحدث الأمر خطأً أم عمداً.

واضطر لقضاء الأسبوعين التاليين في أداء الأعمال المنزلية حول الأكاديمية لسداد دينه، وهو أمر عده ظالماً بشكل لا يصدق في ذلك الحين، لكنه أمسى ذكرى ممتعة اليوم. وصل أولاً شخصان معاً، ولم يعرف ماركوس منهما سوى واحد. كان ماغنوس كاسيودوروس أحد النجوم الصاعدة لأكاديمية البحر العظيم، وقد نال رتبة ساحر أساسي في سن العشرين... وبضع سنوات؟ لم يكن شيخاً بعد، لكنه بات على بعد خطوة زمنية قصيرة من نيلها.

ولم يحمل طلابه سواه سوى المديح له. شك ماركوس في رغبة شخص مثله بالانضمام إلى أكاديميته حديثة النشاْة، نظراً لبهاء مستقبله الواضح في أدريا. لكن كاتو اقترح دعوته للحديث، ففعل. شعر ماركوس بغياب أي ضرر من المحاولة. أما الرجل الآخر، فبدا فتيَّ المظهر، وسار خلف ماغنوس متخلفاً عنه بخطوة طفيفة. إن كان ماركوس محزراً، فسيقول إنه إما طالب أو تابع. وربما الاثنان معاً.

هتف ماركوس لدى اقتراب الرجلين: "أهلاً بالأخ ماغنوس. ومرحباً بك. يثني الشيخ كاتو عليك كثيراً، وطلابك كذلك. أرى أنك أحضرت صديقاً معك. ألا تعرفنا؟"

قُدّم الرجل الآخر بوصفه فيتروفيوس بوليو، طالبه السابق وحليفه المقرب.

علّق ماغنوس بابتسامة سهلة وواثقة: "أعترف بامتلاكي اهتماماً ضئيلاً بالانضمام إلى أكاديميته الناشئة. أكنُّ لك بالغ الاحترام أيها الشيخ ماركوس، لكني ببساطة مثقل بالالتزامات هنا في أدريا. مع ذلك، سمعت أنك علّمت طلابك أجمعين استيعاب تقنيتك الأساسية في أقل من عام. إنه لإنجاز بالغ الروعة، وأنا مهتم جداً".

قال ماركوس وهو يرمق فيتروفيوس بنظرة فضولية: "دعني أخمن – أحضرت طالبك السابق لاعتقادك بأنه قد يكون الأنسب للمنصب. الشاب ساحر شعارات، لذا قد يكون كفؤاً بما يكفي. لا أمانع، لكني سأضطر لاختباره لتأكيد ملاءمته للمنصب".

بدا ماغنوس مغروراً أكثر من اللازم برأي ماركوس، لكنه لم يدع الأمر يزعجه. فالغرور المفرط عيب شائع بين السحرة. وقد شابه ماركوس كثيراً أيام شباته.

عقب ماغنوس: "سمعت أنك ساحر شامل بلا تخصص حقيقي".

أكد ماركوس: "نجل، هذا صحيح"، متسائلاً عما يعنيه ذلك.

"ربما لست واעياً لهذا، لكني وطالبي السابق نمارس تقنية أساسية غير مألوفة – تقنية النظام الكبير. ومثل تقنية شجرة الروح الخاصة بك تماماً، صُممت لتتوافق مع تشكيلة واسعة من التعاويذ وتخلو من أي تخصص عنصر. ميلها الحقيقي مخصص للأجهزة والآليات، لكن..."

أومأ ماركوس. كان بناء الآليات مهارة بالغة النُّدرة في تاسلوا، وتحديداً في العصبة الفضية. تواجدت عدة منظمات في الأراضي الشرقية مارست شكلاً من السحر المتمحور حول الدمى الميكانيكية، وامتلكت إمبراطورية ليغوس عدداً من نقابات الصنّاع الذين صنعوا مختلف التركيبات السحرية، وأبرزها السفن الطائرة، لكن العصبة الفضية افتقرت لأي شيء يماثلها عن بُعد. وكانت أكاديمية نار القلب القوة الأبرز مهارة في الصنعة، كما مثلت المنافس الأكبر للبحر العظيم.

وتضاءلت فرصة مشاركتهم لرؤاهم مع شخص مثل ماغنوس وتلميذه.

سأل ماركوس: "أفترض وجود سبب لعدم انتقالك إلى شيء أكثر تقليدية، كالنجوم العنصرية؟"

تكلم فيتروفيوس وبدت المسحة واضحة في صوته: "المعلم سليل نظام عريق مكرس لتقنية النظام الكبير. ولا يسعه الاستسلام لإرثه مجرد لكون الأمر أسهل بهذه الطريقة".

ارتفعت نظرة ماركوس لماغنوس قليلاً على الفور. فاستمرار ماغنوس في تقليد أسلافه هكذا أمر يستحق الثناء. وعلّمه خبره بوجود ضغوط هائلة عليه للتخلي عن تقنيته الأساسية القديمة والتحول بمجرد اتضاح إمكاناته. والصمود في وجه الضغوط والمشقات والمضي طوال هذا المشوار أمر مذهل.

قال ماغنوس: "حين قلت إني أكن لك بالغ الاحترام، لم أكن أنسق عبارات جوفاء. بل أؤمن حقاً بأننا روحان متآخيتان".

خمّن ماركوس: "فهمت. إذن ما تقوله هو أن فيتروفيوس يملك تشكيلة واسعة من التعاويذ، ولذا فهو مؤهل خصيصاً لمساعدة طلابي، نظراً لتلقنهم تشكيلة واسعة من التعاويذ أيضاً".

أكد ماغنوس: "نعم".

تابع ماركوس التخمين: "وتأمل أن أساعد تلميذك على دمج شعاراته المتفرقة التي يجمعها في أساس شعارات حقيقي، لجهلك بكيفية مساعدته".

أصدر فيتروفيوس صوتاً مبهمًا وبدا مرتاحاً.

اعترف ماغنوس: "نعم".

قال ماركوس: "لقد أتيت إلى الشخص المناسب. قد يبدو هذا متغطرساً، لكني لا أظن وجود أحد في أكاديمية البحر العظيم أقدر منه في هذا الخصوص. سيبقى طلابي في المقدمة دائماً بطبيعة الحال، لكني لا أمانع مد يد العون لفيتروفيوس. بافتراض قبولي له فعلاً بعد اختباره".

عقب ذلك، أمر ماركوس فيتروفيوس بالوقوف على مسافة بعيدة عنه في ميدان التدريب ورفع أفضل دفاعاته. مد يده نحو الشاب وأطلق موجة طاقة غير مرئية نحوه. التوى الهواء بينهما وتموج، كالهواء الساخن في يوم صيفي، وتراجع فيتروفيوس خطوة للخور، متسعتين عينيه من المفاجأة، بينما اهتز وتشقق درع القوة الزرقاء الشفاف الذي أقامه أمامه. حرك فيتروفيوس يديه سريعاً لتدعيم الدرع وخلق طبقة دفاعية أخرى – جدار سميك صُنع من قضبان وتروس متشابكة وشبحية.

واكتفى ماركوس بزيادة قوة شعاع التشتيت الخاص به. لم تكن تعويذة يحفظها عادة – فضعفها حال دون جدواها في مستواه الفعلي – لكنه أعدها خصيصاً لهذا الاختبار لقدرتها على تفكيك الحواجز الدفاعية. تحطمت صفيحة القوة الحامية لفيتروفيوس، وتداعى جدار التروس قريباً. لم يوبخه ماركوس لأجل ذلك؛ فلم تكن القدرة على تحطيم دفاعاته موضع شك أساساً، بل الزمن المستغرق لذلك، وما إن اضطر لاستخدام أكثر من تعويذة.

أمره: "هاجميني".

كان فيتروفيوس ساحر قتال لائقاً. لم تمثل مهاراته تميزاً خاصاً، لكن ماركوس تفاجأ مع ذلك. فقد افترض قضاء الرجل وقته كله في أدريا بعيداً عن أي قتال، ليتضح خطؤه جلياً.

أخبره فيتروفيوس: "شاركت في حرب الأكاديمية الثانية. كنت مسؤولاً عن صيانة منجنيقات السفن، والعدد القليل من آلات الحرب التي نملكها، لكن تخللت فترات اضطررنا فيها للدفاع عن أنفسنا ضد الهجمات".

عقب ذلك، أرسل فيتروفيوس لاختبار الأطفال، مراقباً ما يفعله. ومن المثير للإمتاع، بدا فيتروفيوس مهتماً باستجوابهم حول النظرية السحرية والمعرفة العامة أكثر من معاينة صنيعهم السحري. وحين طلب منهم أداء السحر، أولى اهتماماً لطريقة استدعائهم للمانا في بيئتهم وحركاتهم لأداء التعاويذ، متجاوزاً الجوانب البصرية للتعاويذ نفسها.

قالت كاسيا بصراحة وبصوت عال كفاية ليسمعه الرجل، عاقدة ذراعيها فوق صدرها: "لا يعجبني هذا الرجل".

أخبرها ماركوس متجاهلاً انفعال كاسيا: "أنت موظف".

أشار فيتروفيوس: "لم نناقش راتبي".

أجابه ماركوس ملوحاً بيده بازدراء: "لا تطالب بما لا يقبله عقل، وأنا واثق من بلوغنا تسوية ما".

تذمر ريناتوس: "أنت مفاوض فظيع أيها المعلم".

استدرك فيتروفيوس سريعاً: "بما أنك وافقت على مساعدتي في التقدم بالرتبة، فلن أكون طماعاً. يمكنك خفض أجري بالمقدار الذي تراه يعادل مساعدتك".

رد ماغنوس على طلاب ماركوس كما لو كانوا أصدقاء قدامى: "للأسف، لا يعد طالبي مفاوضاً بارعاً أيضاً. أظنهما سيتوافقان تماماً".

غادر الرجلان بعد ذلك، رغم وعد فيتروفيوس بالانضمام إليهم بعد أيام حين يستعدون لمغادرة المدينة. وبعدها، ظهر المعلم المحتمل الثاني. تمثلت في امرأة متوسطة العمر ترتدي فستاناً أزرق. وارتسمت على وجهها صرامة شديدة، واتسمت بطريقة متعالية. كانت الشخصية الثانية التي أوصى بها كاتو. اسمها مارسيلا، ورغم احترامها كمعلمة، اشتهرت بقسوتها وميلها للمواجهة. أهدرت وقتاً قليلاً في التعارف وانتقلت فوراً لتفقد الأطفال.

أمرتهم بالاصطفاف كجنود صغار، ثم راقبتهم وهم يلقون ما يملكونه من تعاويذ ضئيلة على الأرض، ودمى التدريب، والهواء حولهم.

هتفت له بعد ذلك: "يا له من حظ بائس لهؤلاء الطلبة لديك!"

تعالت تمتمات استياء من الطلاب خلفها، لكنها تجاهلتها.

"اختيارهم للتعاويذ متخبط في كل اتجاه بلا أي خطة شاملة إطلاقاً، والأسوأ أنهم قليلوا أدب ولا يستطيعون التزام الصمت. قد يبدو نموهم مبهرًا الآن، لكنه سيتباطأ سريعاً إن واصلوا السير في الطريق الخطأ. بماذا تفكر بحق الجحيم أيها الشيخ ماركوس؟"

وبعد دقائق نقاش أخرى، اتفقا على استحالة نجاح الأمر. كانت ساحرة شعارات قوية ومعلمة خبيرة، لكن تفكيرها تناقض مع طريقته المعتزمة لتسيير الأمور. ولو اقتصرت على الصرامة، لأبدى استعداداً لمنحها فرصة، حتى وإن يئس طلابه من القرار، لكنها استاءت بوضوح من تركه تخصصاتهم معلقة بلا تحديد مسبق. مع ذلك، لم يلمها. مارسيلا جسدت مجرد الفكر السائد داخل الأكاديمية بشأن كيفية تعليم السحرة الشباب، وما كان مفاجئاً بتاتاً أن يفضل أحدهم من دائرة أصدقاء كاتو حلاً أرثوذكسياً.

غير أن طلابه بدا وكأنهم تنفسوا الصعداء بوضوح حين غادرت ماركوس، فرمقهم بنظرة خبيرة.

أخبرهم: "يجدر بكم جميعاً سروركم لعدم حضوركم الدروس هنا إن كانت مارسيلا أثقل من طاقتكم. يحمل بعض المعلمين هنا عصا لكل درس لتهذيب الطلاب المشاكسين".

كان ماركوس ليدري – فقد اختبر تلقي ذلك مراراً. واعترافاً بالحق، استحق الأمر غالباً. أتى دور كلوديوس تالياً. معلم أكاديمي سابق تخلى عن منصبه التدريعي قبل بضع سنوات، وبحث الآن عن بداية جديدة. بدا اختياراً لائقاً للوهلة الأولى، لكن ماركوس انتابه شعور غريب حياله، وقد تعلم الثقة بحدسه في أمور كهذه. حاول سؤال كلوديوس عن سبب تركه لمنصبه السابق – فالعمل معلماً بالأكاديمية وظيفة مرموقة تقتل لأجلها سحرة كثر، وكان غريباً تخلي أحدهم عنها ببساطة، سيما بصغر سن كلوديوس.

واشتبه في إرغام كلوديوس على ترك منصبه لسوء سلوك ما، مع إعفائه من إهانة الطرد الفعلي. ورفض كلوديوس الإفصاح عن السبب، محتمياً بدفاعية سريعة. فطرد ماركوس. كان المرشح التالي هو هوستيا، التي... لم تكن بمثل ما توقع. وحين سأل عنها قبل هذا الاجتماع، حصد نظرات فارغة وأشخاصاً يخبرونه بجهلهم بها. وحين التقاها، أدرك سبب ذلك. وقفت أمامه امرأة غريبة تعتمر قبعة واسعة الحواف. وانسدل حزام جلدي على كتفها، تدلت منه تشكيلة واسعة من القوارير والأكياس والتمائم العشبية.

وكانت تدخن غليوناً طويلاً معقداً أثناء مسيرها، مشكلة الدخان على هيئة طيور ووحوش مع كل زفير. وانبعثت منها رائحة غريبة، لم تكن كريهة تماماً لكنها شديدة التميز.

أخبرته هوستيا: "لست هنا لأكون معلمة. بل لست ساحرة أساساً، لذا لن أنفع كثيراً في هذا المجال حتى لو أردت. أنا خيميائية. وتخيلت أنه نظراً لحداثة أكاديميتك، فربما تفتقر لخيائي خاص بك بعد. وأعرض نفسي للمنصب".

لاحظ ماركوس: "الخيميائيون الأكفاء مطلوبون بشدة".

شكل الخيميائيون أحد مسارات أصحاب القدرات الأقل إثارة للإعجاب من حيث القدرة القتالية، إضافة إلى تكلفة تدريبهم الباهظة. وصعب ذلك تقدمهم.

"لِمَ تتركين أدريا من أجل مكان منسي تماماً؟ يستحيل عليَّ تزويدك بالمواد مثلما تفعل أسواق أدريا العديدة".

لم يعلم يقيناً ما إن كانت هوستيا أفضل الخيميائيين، لكنه وجد الأمر منطقياً. كانت أكاديمية البحر العظيم القوة الأكثر تقدماً في إنتاج الجرع. وبسبب استخدام سحر الماء لتعزيز صناعة الجرع، اهتم السحرة العاديون كثيراً بالخيمياء. وامتلك ماركوس حصة لا بأس بها من المعرفة الخيميائية، وقدرته على إنتاج الكثير بنفسه بلا مساعدة من خيميائيين متفرغين. ولهذا، توجب على الخيميائي الفعلي العامل في أدريا أن يكون جيداً نسبياً.

فضلاً عن ذلك، تعرف على بعض الأشياء المعلقة بحزامها، وبدت باهظة الثمن. واعتبر ذلك مالاً كثيراً يُدفع فقط للتظاهر بكونها شخصاً آخر.

قالت: "لن أكذب، تورطت ببعض المتاعب هنا في أدريا. أغضبت أحدهم، وأحتاج لمكان أتوارى فيه لبضع سنوات ريثما تهدأ الأمور. وبناءً على ما أعرفه عنك أيها الشيخ ماركوس، ينبغي أن تدرك شعور ذلك تماماً".

همهم ماركوس بهمم مبهم: "همم".

وأردفت: "أه صح، أصطحب معي طالبين أرغب في جلبهما. ألا بأس بذلك؟ أثق في اتساع مكانك لثلاثة أشخاص إضافيين".

رمقها ماركوس بنظرة ثاقبة ودرسها: "قد يتسع".

قابلت نظرته بلا خوف، مأخوذة نفساً آخر من غليونها. وساوره الظن لحظة بنفث الدخان في وجهه، لكن بدا أنها لم تكن وقحة إلى ذلك الحد.

"تقرين بعدم تقدمك كمعلمة، لكن سحرة أدريا يتعلمون أساسيات الخيمياء. أترغبين في تعليمهم كيفية صناعة جرع المانا البسيطة وما شابه؟"

ألقت نظرة على طلابه، الذين اكتفوا بالاستماع إلى الحوار بصمت. ولم تطلب منهم استعراض أي شيء، بل حدقت في كل منهم لفترة مثيرة للدهشة... ولم يستطع ماركوس سوى التساؤل عما يمكنها استنتاجه بمجرد التطلع إليهم هكذا. وجهل الكثير عن قدرات الخيميائيين المكتسبة مع صعودهم بالرتب، لكن أيكفي التطلع لشخص لمعرفة الكثير؟

لوحت بغليونها بحركة زاهدة وقالت أخيراً: "طبعاً، لم لا؟ لدي طالبان بالفعل، فما ضر عشرة إضافيين. عسى ألا يكونوا بؤس مثل هذين الاثنين. قل لي، أيتوفر في برجك كحول؟"

أخبرها ماركوس: "أحتفظ بقارورة أو اثنتين للطوارئ للضيوف".

ضحكت وقالت: "أوه، ستحتاج لأكثر من ذلك بكثير. حسناً، هل ظفرت بالوظيفة أم لا؟"

وبعد مساومة أخرى – أصر ماركوس على دفعها ثمن أي كحول من جيبها الخاص، بينما تعنتت هي في اعتباره "نفقات تشغيلية"

– وافق على منحها فرصة.

وبصراحة، خدمت خططه طويلة الأمد كثيراً بوجود خيميائي متفرغ. لكنه شك في كفاءة وموثوقية هوستيا لتكون ذلك الخيميائي المتفرغ.

سألت كلوديا بريبة فور ابتعاد المرأة عنهما مسافة ما: "أهذا مقبول حقاً؟ تبدو... غير موثوقة".

قال ماركوس: "يمكننا دائماً طردها من البرج إن بالغت في إحداث المشاكل".

تساءل ريناتوس: "ماذا لو حولتنا جميعاً إلى خنازير؟ قد يوجد سبب وجيه لكونها في ورطة".

أخبرها ماركوس: "تقرأ الكثير من القصص الخيالية. الأرجح أنها ستسممنا ببساطة عوض اللجوء لسحر معقد كهذا. على أي حال، دعني أقلق بشأن هذه الأمور".

بدا بديهياً سؤاله عنها، بعد إلمامه بما يكفي. مع ذلك، استبعد تجول هوستيا بحرية لو كانت مسؤولة عن أمر شنيع للغاية. تلتها ساحرة تُدعى أورسولا، ثم ساحر يُدعى سوبلوسيوس. وكلاهما كان ساحر شعارات بقدرة لائقة، لكن ماركوس لم يعجب بأيهما. افتقر الاثنان لمهارات قتالية حقيقية، وأحد أسباب جلب هؤلاء المعلمين الجدد تمثل في إيجاد من يدافع عن طلابه أثناء غيابه، لا مجرد توفير شخص آخر لتعليمهم ومراقبتهم.

ومن خلال حديثه معهما، انطباع بغياب وعي كلي بما أقدما عليه – فلم يدركا صغر وتواضع أكاديمية الذروة حالياً، وظن سوبلوسيوس خصوصاً وجودها في بلدة حدودية صغيرة إلى أن أخبره ماركوس بعكس ذلك. كان المرشح التالي رجلاً منتصف العمر بشعر أحمر لافت، يُدعى روفوس.

أخبره روفوس: "أكره المكان هنا. قضيت حياتي مغامراً، وشاركت في حربي الأكاديمية. الحياة في المدينة خانقة ومملة. للأسف، أعجز عن إيجاد مكان يدفع أجوراً أفضل. طابق راتبي الحالي، وسأتبعك بسعادة إلى الغابة. علمت عدداً من المتدربين في وقتي. لم أدرس مجموعة أطفال كاملة قط، لكني أعتقد بقدرتي على التدبير".

كان روفوس متخصصاً في سحر النار. وأمر طلاب ماركوس بإطلاق النار على دمى التدريب البعيدة بأي تعاويذ يملكونها. لم يستطع الجميع فعل ذلك أصلاً – فكلوديا مثلاً لم تعرف سوى استخدام كرة خيط تحملها لتشابك الخصوم المحتملين، وخلت من أي تعاويذ قتالية أخرى. غير أن كاسيا بالذات مارست تعويذة ومضة نارية بإتقان شديد. ركّزت معظم طاقتها لإتقان هذه التعويذة الوحيدة وبدا ذلك جلياً – رغم كونها الأقل موهبة بين الطلاب إجمالاً، إلا أنها برعت بحق في هذه التعويذة خصوصاً، وربما عدت أحد أكثر المتدربين قدرة على القتال في المجموعة.

أمضى روفوس وقتاً طويلاً بجوارها وهي تلقي ومضتها النارية نحو الدمية البعيدة، محكا ذقنه. ومنحها بضع نصائح أخيراً قبل العودة إلى ماركوس. جعل الأمر ماركوس يتساءل عما إذا كانت كاسيا بالذات لتستفيد فعلاً من نهج أكثر أرثوذكسية. ولم يهم الأمر حالياً، بما أن السحرة لا يبدؤون التخصص الحقيقي إلا عند بدء مراكمة الشعارات.

اعترف روفوس: "بصراحة، لا أدرك حجم ما يمكنني تعليمه لمعظمهم. لست ساحر شمول عظيماً مثلك، بل ساحر نار عادي لا أملك ما يثير إعجابك سواه. ويعود القرار لك برؤية استحقاق الأمر، لكني مستعد للمحاولة".

قدر ماركوس صراحته، لكنه تردد أيضاً في توظيفه حالياً. وأخبره بذلك، مؤكداً حاجته للتفكير في الأمر، فتقبل روفوس ذلك بهدوء. وأمر ماركوس بالاتصال به لو استقر رأيه على طلبه ورحل. ولم يتبق سوى مرشح واحد. شابة تُدعى سابينا. وعجز ماركوس عن معرفة الكثير عنها، وخلافاً لهوستيا، لم يعد السبب جهل الناس بها، بل خلو سجلها من أي أفعال أو صلات بارزة. أصبحت سابينا ساحرة شعارات حديثاً، ولم يسبق لها تدريس طالب، بحسب علم ماركوس.

بصراحة، راودته رغبة في رفض طلبها مباشرة والمضي قدماً، لكنه ظن أنه قد يستمع إليها على الأقل. وصلت أخيراً، وبدت متوترة للغاية بوضوح، متفرسة باستمرار في ميدان التدريب والمنازل المجاورة وطلاب ماركوس، كأنها في أرض عدو مجهولة. علم بصغر سنها، لكن برؤيتها شخصياً، لاحظ صغرها البالغ، في أواخر المراهقة ربרاً. الثامنة عشرة، ربما؟

سألها ماركوس: "حسب ما أدرك، لا تمتلكين خبرة تدريسية".

أومأت بسرعة: "نعم".

وأردف ماركوس: "ولا تملكين خبرة قتالية أيضاً".

أومأت: "نعم".

قال ماركوس: "نص طلبك على كونك قارئة طالع".

صححت له: "منجمة. أفسر مواقع الأجرام السماوية لتقديم رؤى وإرشادات. ليست خرافة".

"منجمة، حسناً. وخدمت بالفعل تحت إمرة مارتينا، ساحرة تجسيد أرواح أخرى. لكنك غادرت خدمتها بمحض إرادتك. لمَ التخلي عن راعية مرموقة كهذه؟"

أجابت سابينا: "عجزنا عن التوافق. مارتينا عالمة نجوم أيضاً، لكن أفكارها خاطئة، خاطئة تماماً... تشاجرنا كثيراً واتفقنا أخيراً على أن افتراقنا أفضل للطرفين".

عُدّ تجادل أحدهم مع رئيسه بشأن مجال خبرته أمراً متغطرساً للغاية. وفكر ماركوس بالإشارة إلى ذلك، قبل استنتاج عديم الجدوى. تمتعت سابينا بموهبة حقيقية. فنيل رتبة ساحرة شعارات في سن مبكرة هكذا أمر مذهل حقاً. غير أن...

صارحها ماركوس: "لن أمنحك وظيفة".

هتفت فجأة مخراجً لفافة من جيبها: "انتظر! أنا، أم... أملك رسالة توصية!"

حدق ماركوس بصمت رافعاً حاجبه. رسالة توصية؟ ومن قد يكون...

قالت: "إنها من الشيخ بليني. أتعرف ذلك الرجل الذي يدير ملجأ أيتامك القديم؟"

سأل ماركوس بذهول: "أعطاك العجوز بليني رسالة توصية؟ لا أصدق".

لوحت باللفافة أمام وجهه فانتزعها من يدها. وفك لفافتها، مسح النص سريعاً. يا للروعة. إنها من العجوز بليني حقاً!

قرأ ماركوس أحد السطور بصوت عال: "أرجو العناية بحفيدتي الحمقاء. واعتبرها خدمة شخصية. يمكنك جعلها تحفر البطاطس لدفع ثمن مأواها".

نظر إلى سابينا التي تجنبت نظراته.

سألها: "لِمَ لم تبدئي بهذا؟"

أجابت بتنهيدة: "ألا يجب أن تسأل؟ إنه أمر مخجل".

قال ماركوس: "جهلت امتلاك العجوز بليني حفيدَة".

لا أن العجوز بليني أخبره بالكثير عن حياته القديمة.

"أخبريني بصدق، أثمة شيء مميز فيك؟"

أجابت بمسحة خجل ظاهرة: "حسناً، نعم. نوعاً ما. أملك توافقاً مع شعارات النجوم".

شعارات النجوم... أمر نادر للغاية، لكن ويا للأسف، انعدم سحر النجوم فعلياً في تاسلوا. إضافة إلى ذلك، ندرت المواد والكائنات الحية الحاوية لشعارات النجوم لدرجة كونها أسطورة أساساً. وعنى ذلك وقوع سابينا في موقف مشابه لجوليا، إن لم يكن أسوأ. امتلكت توافقاً عنصرياً، ونادراً بحق، لكن لغياب مصدر ملائم لشعارات النجوم لتستوعبها وانعدام تعاويذ سحر النجوم لتتعلمها، لم يُشكل الأمر ما يثير اهتمام الناس كثيراً.

أشار ماركوس: "لِمَ تخجلين من ذلك؟ أما زلت تمارسين النجوم العنصرية؟ ساعدك توافقك الخاص قطعاً في بلوغ مرتبة ساحرة شعارات في سن مبكرة هكذا. ينبغي أن تكوني ممتنة".

تنهدت وسألت: "نعم، نعم... إذن هل ظفرت بالوظيفة أم لا؟"

سألها ماركوس: "أتستطيعين التدريس حقاً؟ ظننت رغبتك مقتصرة على وظيفة مريحة".

قالت وبدت العزيمة على وجهها: "لا، أريد خوض التجربة حقاً. قرأت النجوم البارحة، وأنبأت بكونها فرصتي لقلب مجرى حياتي. أرجوك وظفني!"

خمن ماركوس: "اختبرت المرشحين السابقين لمعرفة تعاملهم مع مواقف القتال، لكني أحزر انتفاء الجدوى من فعل ذلك معك".

تلجلجت وقالت: "حسناً..."

أشار نحو المجموعة خلفه: "اذهبي وتفقدي طلابك الجدد إذن. وفضولي يرغب في معاينة تقييمك لهم".

انتصبت سابينا لتظهر أطول، ومشت باتجاه كلوديا، هدفها الأول. وبدا القلق جلياً على الاثنتين حيال التفاعل الوشيك. أمر ممتع.

أخبرت سابينا كلوديا: "حسناً، أريني إحدى تعاويذك. في الواقع، انتظري. كم تعويذة تعرفنها أساساً؟ أتعرفين أي تعاويذ؟ أتذكر استيعابك لتقنيتك الأساسية حديثاً فقط..."

"أحفظ ثلاث تعاويذ حالياً. نملك جميعاً ثلاث تعاويذ، آنستي، أم..."

"سيكندا. لكن ناديني سابينا ببساطة، لست فخورة بالزيادة".

لم يثق ماركوس بموافقته لها على ذلك.

"على أي حال، اختاري التعويذة المفضلة لديك واستعرضيها. خذي كل ما تحتاجينه من وقت".

استعرضت كلوديا تعويذة رفع على نفسها. جلست على الأرض وأغمضت عينيها، وأخذت بضع أنفاس عميقة، ثم نجحت في رفع نفسها في الهواء حتى استوت رأسها مع مستوى سابينا. اعتقد ماركوس بامتلاكها طريقاً طويلاً لقول إنها أتقنت التعويذة – فلو برعت فيها، لاستطاعت استخدامها للطيران بسرعة وراحة بالغين. ومفارقة، رغم عدم رغبتها في تعلم تعاويذ قتالية، كانت تعويذة الرفع ممتازة جداً للقتال.

فقد سمحت للسحرة منخفضي الرتبة بالتحرك عبر ساحة المعركة بسرعة وتفادي الهجمات بطريقة تستحيل بخلاف ذلك. وكلوديا لم تعدها تعويذة قتالية فحسب. تمثلت التعويذتان الأخريان لكلوديا في الضوء العائم وخيط التشابك، لكن سابينا لم تكلف نفسها عناء مطالبتها باستعراضهما. بل انتقلت إلى هدفها التالي. توقفت لدى اقترابها من فتاة الجن.

سألت سابينا بذهول: "أ... أأنت من الجن؟"

أجابت إيريس بلا اكتراث تام بمفاجأتها: "نعم".

استدارت سابينا لتمنح ماركوس نظرة متسائلة، لكنه اكتفى بعقد ذراعيه على صدره وبدون تفسير شيء. وبعد برهة هزت رأسها ومشت نحو فتاة الجن.

قالت سابينا: "أريني أفضل تعويذة لديك".

أجابتها إيريس بجدية: "لست متأكدة من حكمة ذلك. حذرني المعلم من تدمير أي من دمى التدريب إن أمكنني تجنب الأمر".

"هيا. تدركين خضوعها للحماية، أليس كذلك؟ يستحيل بلوغك قوة كافية لحرقها بالفعل".

استجابةً لذلك، قامت إيريس بحركة ساحقة بيدها، لينبت جدار نار بينهما، ساخناً ومتوهجاً. تراجعت سابينا خطوتين للخلف، وارتسم الهلع على وجهها، متנفسة بصعوبة. دام جدار النار لحظة واحدة ثم تبدد.

سألت سابينا: "أهذه مجرد تعويذة حاجز ناري فعلاً؟"

أومأت إيريس.

"أ... فهمت. اللعنة، أي نوع من المسوخ تربون هنا؟"

تمتمت بالجزء الأخير بصوت خافت كفاية ليفترض ماركوس عدم سماعه، لكنه سمعه. وعلى الأرجح، سمعته إيريس أيضاً. سرت شاعات بقدرة الجن الفائقة على السمع. فتلكم الآذان الجنية لم تكن للعرض فحسب. الشخص التالي الذي قصدته كان ريناتوس. طلبت منه استعراض أفضل تعويذاته، فالبي له بإنشاء عاصفة رياح قاسية التقطت الغبار ونسفت البقعة الهوائية التي أشار إليها. شكلت التعويذة فعلياً خياراً فعالاً جداً في القتال، رغم بدوها ضعيفة نظرياً.

حاز ماركوس عدداً من المعارك شاباً بمجرد طير الناس بعيداً وهم وقوف على الشرفات والحواف، أو بنسف الغبار والحصى في أعينهم لإحداث تشتيت. كان ريناتوس يكذب. يكذب بشأن عدة أمور في الواقع. أولاً، أخبر الطلاب الآخرين باحتفاظه بثلاث تعاويذ محفورة تماماً مثلهم، لكنها بلغت خمساً في الحقيقة. وثانياً، لم تكن الريح أفضل تعويذاته. بل كانت بلا شك يد السحر، التي أمضى وقتاً طويلاً في التدرب عليها.

مع ذلك، لم تشكك سابينا في أي شيء يخص استعراض ريناتوس، بل انتقلت ببساطة إلى باقي الطلاب. استعرض ريجولوس درع الضباب، محيطاً شكله بسحابة بخارية. ظن كثيرون بطلان التعويذة عند سماعها أول مرة، لعدم إيقاف الضباب لأي مقذوفات فعلياً. وما غاب عن إدراكهم تمثل في اشتراط تعاويذ كثيرة منخفضة الرتبة قدرة الملقي على رؤية الهدف لتأثيره فيه. وشكل إحاطة النفس بالضباب أمراً بالغ الفعالية في مستوى طلابه.

كانت أفضل تعويذات أغرون ضربة ارتجاجية، استعرضها بارتطام عكازه في التراب. وأدت إلى غشاوة غبار غطت كلاً منهما وسابينا، التي تراجعت عن المكان سعالاً. وتعد تلك تعويذة أخرى تفوق خطورتها ما تبدو عليه أول وهلة. ورغم تطلبها ضرب الملقي لأحدهم عن قرب، لم تكن معارك المدى القريب نادرة أبداً في هذه الرتبة. وأحب الكثير من الوحوش الاقتراب والتلاصق مع السحرة، وغالباً ما غفل أصحاب القدرات المحاربون عن توقع أي مقاومة فعالة حين يقتربون من ساحر.

ورغم محدوديتها وغشوميتها، وجد ماركوس التعويذة خياراً جيداً لأغرون. واستعرضت كاسيا وفوليسوس تعويذة الومضة النارية. وتجسدت كلاسيكية من السحر القتالي، شائعة حتى في أكاديمية البحر العظيم رغم ميلهم الثقيل لسحر الماء. تميز سحر النار بقوة هجومية بالغة، سيما في مستوى المتدربين والسحرة العاديين، لكن مع صعود الرتب، يطور الناس خبرات وتقنيات مخصصة لمواجهته تدريجياً. أبرزت كريكيت تعويذة يد السحر عبر إلقاء حفنة أحجار بعيداً ثم استخدام التعويذة لجذبها نحوها مجدداً.

وشاعت تعاويذ التحريك الذهني بين جل الطلاب، لوجود جاذبية غريزية في القدرة على التأثير في العالم عن بعد هكذا. واستعرض ديوكليس تعويذة حاجز القوة. ولم يوجد الكثير لقوله بشأنه، خصوصاً لاضطرار ماركوس لاختباره بتعويذة هجومية قبل الجزم بجودته. ورفضت سابينا، سواء لنقص ثقة أو خوفاً من إيذاء طالبه، اختبار دفاع ديوكليس بالشكل الصحيح، مكتفية بتوجيه بعض الضربات القوية بقبضتها للدرع الدائري وإعلانه جيداً بما يكفي.

وأخيراً، استعرضت جوليا تعويذة سهم القوة على دمية تدريب قريبة، مطلقة مقذوفاً شبيهاً بالسكين نحوها. وبدا عرضاً راسخاً، لكنها كذبت مثل ريناتوس بخصوص كونها أفضل تعويذاتها. فأفضل تعويذاتها، والتي مارستها بحماس بالغ، تمثلت في تعويذة تشكيل الخشب. وأخبرها بكونها تعويذة تدريب ممتازة لأي تعاويذ خشبية أخرى قد ترغب في إلقائها مستقبلاً، وقد أخذت تلك النصيحة بجدية. وتخيل أن قدرتها على تحويل كتلة خشب إلى أشكال حيوانات خام لم تبدُ لها مبهرة بما يكفي لتستعرضها.

وشهدت سابينا مهارات طلابه، فعادت إلى ماركوس لتقديم تقريرها.

سألها: "إذن؟ كيف بدوا لك؟"

أجابت: "إنهم متخبطون في كل اتجاه قليلاً، لكن لا يهم الأمر حتى وقت متأخر جداً من مسيرتهم. أنت تدرك ما تفعله غالباً. فقد أصبحت ساحر تجسيد أرواح بطريقة ما. على أي حال، أعتقد بقدرتي على تعليمهم".

أخبرها ماركوس: "همم. بصراحة، قررت منحك فرصة لحظة إبرازك رسالة التوصية من العجوز بليني. لكني أحذرك: إن اتضح عدِم نفعك، فسأرسلك إلى حقول البطاطس حقاً".

تنهدت وقالت: "انظر، هذا النوع من الأشياء يفسر رفضي إطلاعك على الرسالة أولاً. أكره حس فكاهة جدي حقاً. إضافة إلى ذلك، أنا متأكدة من خلو أكاديميتك من حقول بطاطس".

رمقها ماركوس نظرة مطولة.

سألت: "أم، أليس كذلك؟"

واصل التحديق بها. فرمقت طلابه بدورها.

"لا تملكون أي حقول بطاطس حقاً، أليس كذلك؟"

بلغ افتخار ماركوس ذروته حين حدقوا بها متبادلين النظرات، وصامتين هم أيضاً بلا تفوه بحرف. تعلّموا بالسرعة نفسها.