جلس ماركوس صامتاً، يقلّب الفكرة في رأسه. إنسان يفقس من بيضة.. أمرٌ غريب بلا شك، لكن هذا العالم يضجّ بالغرائب. ثمة نوع من الطيور في الجنوب يدفن بيضه في التربة، وتخرج الفراخ قادرةً على الطيران من اللحظة التي تستنشق فيها هواءها الأول. وهناك نوع من البزّاقات البحرية يقطع رأسه عن جسده، ويظلّ الرأس حياً منفرداً حتى يعيد إنماء بقية الجسد. لم يكن السحر طرفاً في أيّ من هذا، على حدّ علم ماركوس.
لكن حين تدخل دماء السحر والملوك في الأمر، تصبح الأمور عصيّةً على العقل. سمع يوماً حكاية عن أسنان تنين زُرعت في الأرض كالبذور، فأنبتت محاربين أشداء كالنبات. وزوجان عجزَا عن الإنجاب قيل إنهما وجدا رضيعاً داخل زهرة عملاقة نمت في حقلهما بين عشية وضحاها. ثمة قصص أيضاً عن قزمات لا يمررن بحملٍ تقليدي، بل يستحضرن طفلاً بالسحر بعد انقضاء الوقت.. كان ماركوس يظنّ هذا هراءً، لكن سيلير زعم أن بعض الأرواح تتكاثر بهذه الطريقة، فربما كان ذلك مصدر إلهام تلك القصص.
لم يشهد ماركوس شيئاً كهذا قط. كثرت الحكايات عن نساء يضعن بيضاً بدل أن يلدن أطفالاً، منها ما يخصّ بجعة، وأخرى أفعى، وبعضها تنانين.. لكنها ظلت مجرد حكايات. كانت شحيحة التفاصيل، ولم يجد ماركوس فيها ما يستحقّ التأمل.
قال ماركوس: "أفترض أن والد ريجولوس مجهول إذن؟".
أومأ كاتو بيده في الهواء وقال: "أجل. رفضت هونوريا إخبارنا بأيّ شيء عنه. ادّعت أن ذلك لحمايتنا، لا خوفاً عليه. وحدي مع قلة من الشيوخ نعرف الحقيقة كاملةً، بما في ذلك أمر البيضة، لكن الجميع رأوها تعود بطفل دون رجل يرافقها. قادهم هذا لاستنتاجاتهم الخاصة. كان الأمر ليتحول إلى فضيحة أكبر، لولا أنها لم تعد بطفل فحسب، بل عادت أقوى بكثير. كانت ساحرة عادية، ثم عادت ساحرة أساس، بل قويةً جداً. ومع أن عائلتنا لا تقتصر نظرتها على القوة، كان ذلك كافياً، مع دعمي لها، لإسكات معظم الأصوات. أياً كان عشيقها، فمن الواضح أنه لم يكن شخصاً عادياً".
عقّب ريجولوس: "لقد اختفت قبل بضع سنوات. قلت إنها ذهبت تبحث عن والدي، ولم تعد".
رمقه ماركوس بطرف عينه. ظنّ أن الفتى سيُصدم بفكرة فقسه من بيضة.. كان يعلم أن ريجولوس يتقن ضبط انفعالاته، لكن هذا كان مثيراً للإعجاب حقاً. لم يظنّ ماركوس أنه كان سيتماسك هكذا في مثل سنّه. أكان ذلك نتيجة لروحه القوية بشكل غير عادي؟ غالباً ما ترتبط قوة الروح بقوة الساحر وعمره، لذا يصعب فصل آثارها عن تبعات التقدم في السن والقوة.
أومأ كاتو: "أجل، هذه هي الحقيقة. منعتها من الذهاب في تلك الرحلة الحمقاء حين حدثتني عنها، لكن.. إقناع ساحرة أساس أمرٌ عسير. وأنا نفسي مجرد ساحر أساس. وحين شعرت أنك بلغت سنّاً تعتمد فيه على نفسك، لم يعد في وسع أحدٍ ردعها".
كان معظم أفراد عائلة أوتيسينسيس في رتبة أدنى، غالباً مجرد سحرة من الرتبة الثانية. رأى ماركوس أن هذا إهدارٌ فادح؛ فبموارد العائلة ودعمها، كان بإمكانهم جميعاً بلوغ الرتبة الثالثة على الأقل، لكنّ جلّهم اكتفى بالحدّ الأدنى. وحقيقة أن بعضهم بلغ الرتبة الرابعة جعلتهم في مصافّ الأكاديميات الصغيرة والقوى التابعة في البرّ الرئيسي، فلم يكن هناك ضغطٌ يدفعهم للمزيد.
عقّب ماركوس: "من المنطقي أن ترغب في تتبّع أثر والد طفلها. خاصةً إن كان قد وعدها بالعودة ولم يفِ".
كان استنتاجاً، لكنه منطقيّ في نظر ماركوس.
تنهّد كاتو: "ليتني حاولت ردعها بقوة أكبر. لا أعلم ما حلّ بها، وأخشى الأسوأ. ما كانت لتترك ريجولوس ليشبّ وحيداً لو كان بيدها حيلة".
سأل ماركوس: "هل كانت والدته على صلة بمعبد الغراب؟".
قفز الربط إلى ذهنه فوراً. مع أن كائنات كثيرة تضع بيضاً، إلا أن الطيور كانت أول ما تبادر لذهن ماركوس.. والطيور الوحيدة التي ارتبطت بالموت في علمه هي المعبودة في معبد الغراب. ربما ثمة طيور موت تعمل في خدمته؟ المخلوقات السحرية القوية قادرة عادةً على تغيير هيئتها، وأحياناً تنجب سلالات من الأجناس الفانية.
كرّر كاتو بنبرة متسائلة: "معبد الغراب؟ لِمَ فكّرت فيهم من بين الجميع؟".
قبل أن يشرح ماركوس منطقه، سبقه ريجولوس: "عجزتُ عن تعلّم أيّ تقنية أساس أخرى لأنني متناغم كلياً مع مبادئ الموت. التناغم قويّ لدرجة أن أيّ تقنية أساس أتعلمها يجب أن تتوافق معه وإلا استحال عليّ التناغم معها. لست أدري إن كنت تعلم، لكن تقنية شجرة الروح هي جزئياً تقنية أساس تابعة للموت، لذا كانت خياراً صالحاً لي".
حدّق كاتو في ريجولوس ثم في ماركوس: "لم أكن أعلم. لكنني لست متفاجئاً تماماً. لطالما علمت عائلة أوتيسينسيس أن تقنية شجرة الروح غير عادية. التقى مسافر عوالم ببعض شيوخنا قبل عقود، وعرف التقنية. زعم أنها نسخة مشوّهة من تقنية أرقى في العوالم الخارجية، ترتبط بشيء يُدعى الشجرة الشاحبة. علمتُ أن تقنية أساس ذات أصول سامية كهذه لا بدّ أن تكون مميزة. بالطبع، لم يكن ثمة ضمان لتناغمها معك، لكنني كنت يائساً. لديك أعلى إمكانات في جيلك، ولا وسيلة لإخراجها.. كنت ستصبح نافعاً، لكن بقاءك رجلاً عادياً كان سيكون إهداراً".
سأل ماركوس محاولاً كبح حماسه: "ألا تظنّ أنهم ذكروا شيئاً آخر عن التقنية؟ هل ذكروا اسم التقنية الأصلية؟".
لم يشعر بالإهانة لوصف تقنية شجرة الروح بأنها نسخة مشوّهة. كان مسافرو العوالم وأهل العوالم الخارجية يميلون للغطرسة، ويزدرون ما يلاقونه. بالطبع كان يجب تكييف تقنية من العوالم الخارجية لتصلح في كوكب متأخر كتاسلوا. إن حصل على الاسم وبعض الخيوط، سيجعل سيلير يبحث عن المزيد.
هزّ كاتو رأسه: "عذراً، لا أعلم أكثر مما أخبرتك. يقال إن مسافر العوالم كان خائفاً من التقنية، أو ربما من تلك الشجرة الشاحبة التي كانت مصدراً لها، وحذّر شيوخ أوتيسينسيس من الحذر من ممارسيها".
أشار ماركوس: "ومع ذلك طلبت مني تعليمه".
قال كاتو: "سبق وقلت إنني كنت يائساً. ثم إنك، رغم كونك خطراً في بعض الجوانب، تمتلك فضيلة. حتى في أسوأ حالاتك، آثرت الرحيل بدل إشعال حرب أهلية مدمّرة. لا أرى فيك ما يجعلك خطراً بشكل فريد. ألا تنير بصيرتي حول سبب وجوب حذري منك؟".
أشار ماركوس: "حسناً، تقنية شجرة الروح لها ألفة مع سحر الروح، وهذا مناسب. تعلم بلا شك مدى غموض سحر الروح وصعوبة الدفاع ضده. لو عثرت على تعاويذ سحر روح قوية، قد أتحول لخطر حقيقي.. وكذلك ريجولوس".
صمت كاتو للحظة، يجيل بصره بينهما.
طمأنه ريجولوس سريعاً: "لا تقلق يا عمّ. أنا مصدوم نوعاً ما، لكنني لا أحمل ضغينة لأحد هنا. لن أرفع يدي ضد أهلي أبداً".
ليس الآن، على الأقل. نادراً ما يعرف المراهقون إلى أين ستأخذهم الحياة.
قال ريجولوس وهو ينتقي كلماته: "أنا فقط.. هل ما قاله المعلم صحيح؟ أن البعض لا يراني جزءاً من العائلة؟ لكنهم لا ينبغي أن يعرفوا أنني، ممم، فقست من بيضة. فلماذا...".
قال كاتو: "يعلمون أنك وُلدت خارج رباط الزوجية، لأب أجنبي مجهول، وهذه مشكلة كبيرة لكثيرين".
فكّر ماركوس أن هذا كان ليمثّل مشكلة كبيرة لكاتو أيضاً، لولا أنه كان مرتبطاً بريجولوس أكثر مما ظنّ ماركوس.
تابع كاتو: "هناك أيضاً مسألة الغيرة. تمتلك إمكانات هائلة، لا تكاد تُصدّق. إن تحققت، فلا شك أنك ستعلو شأناً في العائلة، وتطغى على معظم جيلك. عائلتنا كبيرة، ولها فروع ومصالح تتنافس على الموارد، فلا عجب أن يودّ البعض رؤيتك تفشل. لا تلتفت إليهم؛ ركّز في دراستك الآن، ودعني أتعامل مع الأفاعي في بيتنا".
كرّر ماركوس: "إذن معبد الغراب...".
هزّ كاتو رأسه: "لا، لا أظنّ ذلك. لم أسمع هونوريا تذكرهم قط، كما أنه لا منطق في تدخّل ملك الغراب وقواته في تاسلوا. لست أدري إن كنت تعلم، لكنه ملك خارجي، مُنح دخول كوكبنا فقط لأن غزو الهاوية قتل كل ملوك الموت الأصلية لدينا".
قال ماركوس: "سمعت شيئاً عن ذلك، لا التفاصيل".
حتى هيلفران نفسه لم يكن يعرف الكثير.
"تقول إن غزو الهاوية قتل ملوك الموت الأصلية وهذا استدعى تدخّل ملك الغراب... لماذا؟ هناك مجالات كثيرة كان لها ملك والآن لا. لم أكن أعلم أن بعض الأشياء تحتاج ملكاً".
أخبره كاتو: "ملوك الموت مميزون بطريقة ما. هذا سرّ يفوق قدرتي، لذا لا أعرف إلا القليل. احتفظا بهذا لأنفسكما، لكن قيل لي إن الهاوية فعلت شيئاً بأحد أعمدة الخلق، نهر الأرواح، حين هاجمت كوننا أول مرة. وبسبب ذلك، صار تدفّق الأرواح غير مستقر، وهو ضعف يمكن لسكّان الهاوية استغلاله. حين أقول إن غزو الهاوية قتل ملوك الموت لدينا، لا أعني أنهم انتهوا بين الأموات صدفةً. بل استهدفهم سكّان الهاوية تحديداً حتى أفنوهم".
قال ماركوس بضعف: "أوه".
تابع كاتو: "لذا أبرم مجمع المنوّرين صفقة مع ملك الغراب، وهو ملك قوي من متاهة النسيان، فأرسل أحد مرؤوسيه لتأسيس معبد هنا في تاسلوا وإدارة تدفّق أخيرون. أحبط هذا أيّ خطط لسكّان الهاوية، لكن ملوكنا الأصلية ليست راضية عن هذا الترتيب. لا يُسمح لمعبد الغراب بالتدخّل كثيراً في شؤوننا، وأنا واثق أن أحد خدم ملك الغراب لو أنجب نصف ملك على هذا الكوكب، للاحظ مجمع المنوّرين ذلك وأبدوا استياءهم. ما كان ليُسمح لريجولوس بالنشوء في سلام لو كان هذا هو الحال".
قال ريجولوس: "أمم، أظنني كنت سأعرف لو كنت جزءاً إلهياً".
وافق ماركوس في سرّه، ففي ذلك كثير من الحقيقة. مع أن القوة السماوية يصعب كشفها بالوسائل الفانية، إلا أن معظم قصص أنصاف الملوك تروي قيامهم بأفعال مذهلة وهم أطفال. كان ريجولوس مثيراً للإعجاب، لكنه لم يأتِ بأفعال تليق بنصف ملك.
سلّم ماركوس: "ربما. أظنّ أن ريجولوس سيظلّ لغزاً الآن. لا يهمّ كثيراً في الوقت الراهن، فليس لديه مشاكل في تعلّم التعاويذ الآن بعد أن صار لديه تقنية أساس. لكنك تعلم وأنا أعلم أن الماجي حين يدخلون رتبة المبادئ، تهمّ ميولهم الطبيعية لعناصر ومفاهيم معينة كثيراً... ومبادئ الموت ليست سهلة المنال".
حذّره كاتو: "تتحدث وكأن بلوغ رتبة المبادئ مجرد خطوة. ليس الجميع مثلك يا شيخ ماركوس. إن استطاع ريجولوس حقاً بلوغ الرتبة الثالثة، فهذا كافٍ لإسكات أيّ شكوى ودرء معظم المؤامرات".
سلّم ماركوس: "أظنّك محقّ".
كان سحرة الرتبة الثالثة هم النخبة، حتى في مكان كأدريا. وفي بعض الفصائل التابعة الصغيرة، يعملون قادةً. لكن ماركوس سيظلّ يعتبر نفسه فاشلاً إن لم يوصل ريجولوس للرتبة الرابعة. بالإضافة إلى ذلك، إن كانت والدته قد تعاملت مع قوى تتجاوز عالمهم، فقد تبحث عنه تلك القوى وتعرضه للخطر. يأمل أن يجد حلاً بحلول الوقت الذي يصبح فيه ريجولوس ساحر مبادئ. استمر الحديث لفترة، تركزت غالباً حول استجواب كاتو لماركوس وريجولوس عمّا يدور في البرج وتفاصيل دراسة ريجولوس.
أخبر ريجولوس كاتو: "من المؤسف أنني لم أستطع إطلاعك على يسروعتي. كانت مخيفة قليلاً في البداية، لكنني لا أمانعها الآن".
واأسفاه، فقد صارت اليسروعات كسولة جداً في برد الشتاء، وتفضل هذه الأيام النوم في إحدى الغرف تحت الأرض، ولا تستيقظ إلا لفترة قصيرة لتقضم الطحلب السحري القريب. كان جوّ أدريا أدفأ بكثير من البرّ الرئيسي، حتى في الشتاء، ربما كانت ستصبح أكثر نشاطاً لو أحضرها معه، لكنه قرّر تركها تنام. في مرحلة ما، استعرض ريجولوس قدرته البدائية على إلقاء التعاويذ أمام كاتو، أولاً بجعل حفنة من أغراض الطاولة تطفو في الهواء، ثم بإلقاء بذرة كبيرة على الأرض أمام كاتو وجعلها تنبت كرومًا خضراء شبحية قيّدته.
لكونه ساحر أساس، لم يجد كاتو أيّ صعوبة أو تهديد من تعويذة بسيطة كهذه من مبتدئ مطلق.. لكنه بدا مفتوناً بها على أيّ حال. حدّق في الكروم، ولم يكلف نفسه عناء مقاومتها.
علّق كاتو: "تعويذة خشب؟ ظننتها انقرضت تقريباً".
لم يكلف ماركوس نفسه عناء الرد.
"يبدو أن معلمك مليء بالمفاجآت".
بعد فترة، أعطاه كاتو قائمة أسماء قد تهتم بمنصب تدريسي في أكاديميته الجديدة، ووعده بتقديمه لبعضهم. على ما يبدو، منذ أن انتهت حرب الأكاديميات الثانية بشكل سيئ لأكاديمية البحر العظيم، قلّت حركة السفر إلى أدريا، فلم يكن هناك نقص في الراغبين في العمل في مكان آخر. ودّع ماركوس وريجولوس كاتو وغادرا الضيعة. كان ريجولوس صامتاً جداً في طريق العودة، غارقاً في أفكاره ولا ينتبه لوجهته.
فكّر ماركوس في مواساته، لكنه لم يكن بارعاً في ذلك.. وهل كانت المواساة ضرورية أصلاً؟ أجل، فقس من بيضة، وماذا في ذلك؟ كان أمراً غريباً، لا مأساة عظمى.
قال ماركوس أخيراً وهما يسيران في شوارع أدريا: "هذا لا يغير شيئاً".
أجاب ريجولوس ببساطة: "أنا... أعلم".
لم يُقل شيء آخر.
* * *
كانت النقطة التالية في قائمة ماركوس هي معرفة وظيفة الأغراض التي نهبها من القبو القزميّ القديم؛ وهي مهمة لم تكن بالبساطة التي تبدو عليها. عادةً، يعرف السحرة وظيفة غرض سحري مجهول إما بإلقاء تعاويذ كشف عليه، أو ببساطة بالتناغم معه وتجربته. المشكلة أن أغراضاً سحرية كثيرة، بما فيها الأقوى، تحتوي على شظايا روح صانعها، مما يعني أن التناغم معها قد يكون خطيراً. قد ينتهي بك الأمر ممسوساً، أو ملعوناً، أو مسلوب الحياة والذكريات من قبل شيء يتجاوز تحكّمك وفهمك.
ليس مفاجئاً أن يفضل معظم الناس تجربة الكشف أولاً. لكن ليس الجميع بارعاً في الكشف، والنوع الذي يحدد وظيفة الغرض يتقنه الحرفيون أكثر من السحرة. لذا، غالباً ما يقدم الحرفيون الأقوياء خدمات تحديد الهوية لسحرة آخرين، عارضين فحص الأغراض التي وجدوها ليخبروهم بوظيفتها، والطريقة الصحيحة للتناغم معها، وأي شيء آخر يمكنهم اكتشافه. لا يتقاضون أجراً على مهمة بسيطة نسبياً فحسب، بل يحصلون أيضاً على تدفق مستمر من أغراض مثيرة يمكنهم فحصها وربما شراؤها من أصحابها.
مما فهمه ماركوس، مجرد فحص غرض سحري جديد مفيد لتقدّم الحرفيين عبر الرتب المختلفة، لذا كان هذا بمثابة ممارسة سحرية لهم. لم يخلُ هذا من المخاطر، طبعاً. أحياناً يرفض الحرفيون إعادة الأغراض إن تبيّن أنها قيّمة للغاية وقدروا أن الساحر أضعف من أن يقف في وجههم. وأحياناً يحضر السحرة أغراضاً خطيرة جداً تقتل الحرفي، سواء بحادث أو كمحاولة اغتيال متعمّدة. لكن الفوائد كانت كبيرة بما يكفي ليتحمّل الطرفان المخاطر، خاصة في قوى قوية ومستقرة كأكاديمية البحر العظيم، حيث لا يمكن للمرء ببساطة السرقة والقتل كما يشاء.
شقّ ماركوس طريقه إلى أحد أرقى بيوت الحرفيين في الجزيرة، بيت فولكان. كان أغلى من البقية، لكنه أيضاً مرتبط ارتباطاً وثيقاً بمجمع المنوّرين لا بالأكاديمية نفسها، لذا كان أقل عرضة لتأثير جايوس. كان هذا يهمه أكثر من توفير المال. دخل قاعة الاستقبال، واستقبله فوراً تصميم داخلي ملوّن ومتواضع بشكل مفاجئ، مصبوغ بالأبيض والأحمر. وُضع تمثال رخامي للإله فولكان، راعي المكان، في وسط القاعة.
قدّم ماركوس صلاة قصيرة للإله ثم بدأ يبحث عمن يتحدث إليه. لم يضطر للبحث طويلاً، إذ سرعان ما خرج رجل ملتحٍ في منتصف العمر يعرفه يُدعى فيروس لاستقباله. لم يكن فيروس صديقاً حقاً، لكن ماركوس عرفه قبل نفيه. لم تكن هذه المرة الأولى التي يزور فيها بيت فولكان، بعد كل شيء.
قال فيروس بنبرة توحي بالذكريات: "آه، الشيخ ماركوس! سمعت أنك عدت من رحلتك الطويلة إلى الشرق، وأنك أقوى الآن مما كنت عليه من قبل. يصعب تصديق ذلك، بصراحة. يبدو وكأنه بالأمس فقط حين كنت طالباً واسع العينين يصل هنا على متن قارب من دار أيتام صغيرة في البرّ الرئيسي...".
احتج ماركوس: "أنت أكبر مني بقليل فقط".
قال فيروس مغيّراً الموضوع: "أظنّ أن لديك كنوزاً أخرى لألقي نظرة عليها. أستنتج إذن أن رحلتك إلى الشرق كانت مثمرة للغاية؟".
قال ماركوس: "يمكنك قول ذلك".
لم يكن فيروس بحاجة لمعرفة من أين حصل على هذه الأغراض. أحياناً يساعد معرفة المصدر، لأنه يمكنك حينها محاولة البحث في سجلات الأكاديمية عن أغراض سحرية معروفة وما عرفته الأجيال السابقة عنها.. لكن ماركوس كان يستطيع فعل ذلك بنفسه. كان لديه مستوى وصول أعلى لأرشيف الأكاديمية المقيد مما لدى فيروس.
قال ماركوس: "على أيّ حال، أريد استشارة خاصة. لا أريد أن يعرف الناس ما لديّ. إن بدأ الناس يزعجونني بشأنها، سأعرف أنك أنت من وشى بي".
قال فيروس دون انفعال: "لقد جرحتني يا شيخ ماركوس. أنا رجل فاضل ومحترف. ثم، مما سمعته، كان بيورتان معك حين دخلت ذلك القبو القديم، لذا هناك على الأقل مصدر تسريب محتمل آخر يجب أن تقلق بشأنه".
رفع ماركوس حاجبه في وجهه. أصدر فيروس صوتاً ساخراً.
أخبره: "الأخبار تنتشر بسرعة يا شيخ ماركوس... خاصة حين تحشد الأكاديمية أعداداً كبيرة من السحرة لتطهير مكان، كما فعلوا مع القبو. ليس صعباً ربط الخيوط. اتبعني".
قاد فيروس ماركوس إلى غرفة مغلقة، تحتوي على طاولة كبيرة ومجموعة كراسي. وضع ماركوس الأغراض السبعة التي معه على الطاولة ثم انتظر. لم يكلف نفسه عناء وضع سوار التخزين، لأنه كان يعرف وظيفته بالفعل. قضى فيروس الدقائق التالية يحدّق في الأغراض على الطاولة، يفتل لحيته بتفكير بينما يحافظ على مسافة. لم يكلف نفسه عناء أخذ الأغراض بيده لفحصها عن كثب. في النهاية، أخذ غرضاً واحداً فقط، ريشة سوداء لامعة في علبة كريستالية، ودفعها نحو ماركوس.
قال: "لا أعلم ما هذا. ولا أعرف حتى من أين أبدأ في معرفته. عليك أخذ هذا لشخص آخر. لن أتقاضى أجراً على هذا".
أومأ ماركوس، متنهداً في سرّه. كان يعلم أن الريشة ستكون مشكلة. كانت تشعّ بمبادئ قوية، لكنها غريبة ومتعددة الأوجه، يستحيل تحديد هويتها. بدت كمادة مستخدمة في بناء أغراض سحرية، لا كغرض سحري بحدّ ذاته. مثل هذه الأشياء قد يكون بيعها أو استخدامها صعباً بشكل مفاجئ. قد تساوي ثروة طائلة، لكن العثور على حرفي قادر على صنع شيء منها قد يكون مستحيلاً. أعاد الريشة إلى سوار التخزين.
لاحظ فيروس الحركة.
علّق فيروس: "إن عثرت يوماً على أخرى من هذه، سأكون مستعداً لأن أعرض عليك ثروة طائلة".
قال ماركوس: "سأضع ذلك في اعتباري".
لم يكن ليفعل ذلك أبداً، طبعاً. كانت أساور التخزين هذه نادرة جداً ومطلوبة. كانت إمبراطورية ليجوس القوة الأصلية الوحيدة التي تعرف كيف تصنعها، وعدد قليل يصل من خارج العالم عبر تجار السيلينيت، لكن الأعداد كانت ضئيلة لدرجة أن معظم سحرة رتبة الروح لا يملكون واحداً. ناهيك عن أنه لا توجد قاعدة تقول إنك لا تستطيع امتلاك واستخدام أكثر من واحد. الثاني الذي وجده في القبو كان محجوزاً بالفعل لبيورتان، وحتى لو لم يكن كذلك، كان ماركوس سيحتفظ به لنفسه ويتجوّل باثنين.
بعد ذلك، بدأ فيروس بجدية في تحديد بقية الأغراض. ارتدى مجموعة نظارات غريبة المظهر، واحدة بعدسات ومجسّات وأدوات متعددة، وبدأ بإلقاء تعاويذ كشف متنوعة. بين الحين والآخر كان يأخذ غرضاً ويقلّبه في يديه، معدّلاً العدسات والآليات في نظارته وهو يفعل ذلك. استغرقت العملية برمتها قرابة ساعة، خلع بعدها فيروس النظارات ونقر ذقنه بتفكير.
قال فيروس: "لديك غنيمة مثيرة هذه المرة. أظنّ أن هذا هو حال القبو القديم".
قال ماركوس وهو يشبك يديه على صدره: "توقف عن المماطلة".
قال فيروس: "حسناً. أولاً، الخاتم".
وأشار إلى الخاتم الذهبي البسيط.
"هو على الأرجح أبسط الأغراض. سهل الاستخدام جداً، وله تأثير واحد فقط. يمكنه استحضار درع قوة حول المستخدم".
ارتدى الخاتم لفترة قصيرة، وفعّله. انبثق فوراً حوله درع شفاف من ضوء ذهبي. بدا ضخماً ومبهرجاً، برأس أسد يزأر في وسط الصدر وكثير من الأشواك تشير في كل اتجاه، لكن فيروس لم يجد صعوبة في التلويح بيديه والمشي. ربما كان وزنه لا شيء ولم يعق الحركة. خلع فيروس الخاتم وأعاده للطاولة.
أخبره: "لا يدوم طويلاً، ربما عشر ثوانٍ كحد أقصى، ويستغرق يوماً كاملاً لإعادة الشحن، لكنه على الأرجح دفاع قوي ما دام يعمل. سيتعين عليك تجربته بنفسك".
ثم أخذ الخنجر.
"الآن هذا... شرحه معقد قليلاً، ويمسّ بعض أسرار حرفة الحرفيين التي لا أرغب في كشفها لساحر آخر، لكن هذا في جوهره خنجر نحّات روني. خنجر نحّات روني قوي بشكل لا يصدق".
حذّره ماركوس: "لن أبيعه لك".
قال فيروس وهو ينظر للخنجر في يديه بنظرة مركبة قبل أن يهز رأسه: "لست أهلاً له. لا أظنّ أن أيّ حرفي في أدريا أهل له. أعلم أن هذا ليس موجهاً لي، أنا فقط أقول... أفضل استخدام لهذا، لشخص مثلك، هو العثور على حرفي قوي جداً وإعطاؤه إياه".
سأل ماركوس: "والبقية؟".
اعترف فيروس: "البقية لست متأكداً منها كثيراً. الخنفساء الميكانيكية البيضاء قطعة عمل معقدة جداً. حاولت التواصل معي حين حاولت مسحها، مرسلةً لي معلومات عمّا تفعله، لكنني ببساطة لم أستطع فهم ما كانت تقوله. يمكنني إخبارك أنها قادرة على عمليات كشف قوية من نوع ما، لكن لا أظنّ أنك تستطيع استخدامها حقاً بالطريقة التي تستخدم بها الخاتم أو الخنجر. أنا متأكد تقريباً أنك بحاجة لإيجاد طريقة لإعطائها أوامر، والتي ستنفذها حينها بأفضل ما لديها من قدرة".
سأل ماركوس: "إذن هي كجوليم مصغر؟".
قال فيروس: "أظنّ ذلك، نعم".
وأشار إلى القلادة المصنوعة من كرات حجرية نُقشت عليها هياكل عيون معقدة.
"القلادة من ناحية أخرى، ليست متعلقة بالكشف، رغم دافع العين القوي. بدلاً من ذلك، يبدو أنها مشحونة بسحر حماية قوي من نوع ما. لكنها أيضاً ملعونة".
عقد ماركوس حاجبيه: "ملعونة؟".
قال فيروس: "أشعر بختم قوي عليها. هناك شيء قوي جداً داخل هذه الكرات. هو مقفل، لكنه بالتأكيد سيحاول الالتصاق بأي شخص يضع القلادة حول عنقه. على الأرجح لن يكون له أيّ آثار سلبية فورية، وعلى الأرجح لن يكون أمراً كبيراً لشخص قوي مثلك، لكن لا أظنّ أن معظم الناس يمكنهم إزالة هذا بسهولة بمجرد وضعه".
قال ماركوس: "مخيب للآمال. حين قلت إن لديّ غنيمة مثيرة، ظننت أن ذلك يعني أشياء جيدة، لكن حتى الآن لم يكن الأمر مثيراً جداً".
أشار فيروس: "الخاتم والخنجر أشياء جيدة. يمكنني أخذها من يديك إن كانت مملة جداً بالنسبة لك".
سأل ماركوس: "ماذا عن الكريستال والزجاجة؟".
قال فيروس وهو يأخذ الكريستال الأخضر السداسي ويضعه أمام مصباح قريب: "يحتوي الكريستال على قوة حياة قوية مقفلة في أعماقه، وكان بوضوح جزءاً من كائن حيّ ما في وقت ما".
انعكس الضوء عن الأوجه بطرق غريبة، مما تسبب في تشكّل أنماط ضوء متعددة الألوان في الهواء حوله.
"على الأرجح هو قلب طاقة لوحش قوي، أو قلب كائن عنصري. أياً كان، كان على الأرجح مقصوداً ليكون بطارية مانا لشيء ما. سيكون من العبث استخدامه لأي شيء يمكنني صنعه، لكن من المفترض أن الأقدمين كان لديهم بعض الاستخدام له... رغم أنني أشعر أن هناك أكثر من هذا. لا أعلم. هي مجرد حدس، لكن يبدو أنه سيكون إهداراً تحويل هذا ببساطة إلى بطارية مانا بسيطة، وإن كانت قوية".
أخيراً، أشار إلى الزجاجة: "هذه أثر أيلفي، لا شك في ذلك. حتى أنني أعرف التصميم؛ خلال العصور القديمة، حين كان الأيلف لا يزالون يعيشون في البرّ الرئيسي، كان لديهم عادة صنع هذه الزجاجات بالآلاف، ولا يزال الكثير منها باقياً في مجموعات خاصة. كانت مقصودة لتكون أوعية تحتوي كميات صغيرة من الماء من 'برك القمر' المقدسة لديهم، أياً كانت تلك. عادةً، هذه الزجاجات ليست سوى أغراض سحرية ثانوية، قادرة على إبقاء المحتويات نقية ومحكمة الإغلاق، ومقاومة للكسر. هي في الغالب مجرد فضوليات ذات استخدام عملي قليل. هذه غير عادية، رغم ذلك... هي مشحونة بسحر قوي من نوع ما، لكن لا يمكنني فهمه. بصراحة، هي على الأرجح مجرد نسخة أقوى من التعاويذ الأقل المستخدمة في زجاجات ماء القمر العادية. ربما يستطيع حرفي أيلفي إخبارك بالمزيد، إن قابلت أحداً يوماً ما".
همهم ماركوس. كان هذا أقل إفادة مما كان يأمل، لكن لا يهمّ. على الأقل، اكتشف أن كل هذه باستثناء القلادة آمنة نسبياً للعبث بها. سيجربها فقط حين يعود للبرج ويرى ما يمكنه اكتشافه بالتجربة والخطأ.
سأل فيروس: "هل هذا كل ما تحتاجه؟".
قال ماركوس: "في الواقع..."، وأخرج رأس سهم أسود من سوار التخزين وأراه للرجل.
أخذ فيروس نفساً عميقاً عند رؤيته.
"هل يمكنك إخباري أين يمكنني إلقاء نظرة على أيّ بحث سابق في هذه؟".
سأل فيروس وهو يأخذ رأس السهم منه بحذر بيدين ترتجفان قليلاً: "رؤوس سهام الدم الأسود؟ أين... لا، انسَ أنني سألت. تريد البحث في هذا؟ لكنك لست حرفياً...".
قال ماركوس: "أنا فضولي. أريد أن أرى إن كان بإمكاني استخلاص شيء منها يساعدني في قتال الأورك في المستقبل. أعلم أن الكثيرين حاولوا من قبل، لكنني أؤمن أن قلة منهم كان لديهم هذا المقدار الهائل من المبادئ المختلفة التي أملكها...".
حدّق فيروس في رأس السهم لبضع ثوانٍ، يقلبه في يديه ببطء شديد، حذراً من أن يجرح نفسه على الحواف.
قال فيروس أخيراً وهو ينظر إليه: "ليس لديّ وصول للسجلات هنا، في الوقت الحالي، لكن يمكنني الحصول عليها لك. لكن، عليك فعل شيء لي في المقابل، ولن يكفي المال. أريد منك أن تعطيني بعض أسلحة الدم الأسود التي استعدتها كأجر".
نظر إليه ماركوس بحذر. كانت التجارة في أسلحة الدم الأسود غير قانونية في كل مكان. قد يقع في مشكلة خطيرة إن انتهى الأمر باغتيال شخص ما بهذه الأسلحة وربطوا الأسلحة به.
أخبره فيروس: "بيت فولكان تابع للمعبد المنوّر. أنا لست مهتماً بالمتاجرة بهذه في السوق السوداء".
كان من غير المرجح أن يخاطر فيروس بغضب رعاته مقابل بعض المال الإضافي، سلم ماركوس في سرّه.
سأل ماركوس: "كم رأس سهم سيدفع ثمن تلك السجلات وأجر استشارتي أيضاً؟".
فكّر فيروس في الأمر.
"خمسة عشر؟".
بالطريقة التي قال بها ذلك، بدا مشككاً في أن ماركوس يمكنه إنتاج هذا العدد. لكن، في اللحظة التالية مباشرة، أخرج ماركوس خمسة عشر رأس سهم، جاعلاً إياها تطفو في الهواء فوق يده كسحابة مفككة، ثم أسقطها على الطاولة في كومة مفككة. كان قد استعاد عدداً كبيراً من هذه بعد معركتهم مع الأورك، لأن العدو أجبر على الهرب ولم تتح له فرصة استعادة ذخيرته المستهلكة. حتى بعد هذا، كان لديه الكثير من الأمثلة لفحصها لاحقاً.
قال ماركوس وهو يلتقط أغراضه ويضعها بعيداً: "هذا يحسم الأمر إذن؟ متى يمكنني الاطلاع على السجلات؟".
أخبره فيروس: "عد بعد يومين".
قال ماركوس وهو يعطيه ورقة بها قائمة مواد: "بينما ترتب كل شيء، انظر إن كان بإمكانك أيضاً العثور لي على أيّ من هذا".
ألقى فيروس نظرة عليها، ترتفع حاجبه أكثر فأكثر كلما قرأ.
علّق: "قائمة كبيرة".
قال ماركوس: "أخطط لصنع لوح تراث. أعلم أنه من غير المرجح أن يكون لديك كل هذا، أو حتى معظمه، لكن فقط في حال...".
قال فيروس: "بعض هذه الأشياء، لن أجرؤ على شرائها، حتى لو أحضرها الناس لي. تماماً مثل الخنجر، لست أهلاً لها. ومع ذلك، إن حاول شخص ما بيعي أيّاً من هذا في المستقبل، سأرسله إليك".
وافق ماركوس: "اتفقنا".
* * *
في وقت لاحق من المساء، تجمّع ماركوس وطلابه جميعاً في المنزل الذي استأجره فابيوس لهم أثناء إقامتهم في المدينة. كان طلابه يستكشفون المدينة، ويتحدثون بحماس فيما بينهم في مجموعات صغيرة، يناقشون ما رأوه. حسناً، باستثناء أجرون. كان صامتاً تماماً، رغم أنه كان بوضوح يستمع للمحادثة الدائرة حوله. لم يُصب أيّ منهم أو يُسرق، وحتى ريجولوس بدا في حالة معنوية جيدة، لذا تركهم ماركوس وشأنهم.
اختار مكاناً في زاوية الغرفة وجلس على الأرض. كان يعلم بوجود طاولة جيدة وبعض الكراسي في الغرفة الأخرى، لكن بطريقة ما كان هذا يشعره براحة أكبر. على الأرجح لأنه كان يستريح دائماً على الأرض أثناء تجواله في البراري في منفاه. في النهاية، تشتت تركيزه باقتراب ريناتوس وكاسيا منه.
أخبره ريناتوس: "معلمي، لاحظت أن اليسروعات يمكنها إطلاق خيوط حريرية هذه حين تزعجها بما يكفي. هل تظنّ أنها يمكنها إنتاج خيوط أكبر وأقوى؟".
وافقت كاسيا: "أجل! حان الوقت لكي تكسب قوتها! كل ما تفعله هو الأكل والنوم!".
سأل ماركوس بمرح: "أستنتج أنكما رأيتما شيئاً تريدان شراءه؟".
لم يقولا شيئاً، وبدا عليهما القليل من الذنب لكونهما كُشفا بهذه السرعة.
"حسناً، سيلير قال إنها ستطور في النهاية القدرة على تقييد الأعداء بالحرير كحركة دفاعية، لذا قد يكون لديكما وجهة نظر. فقط كونا على علم بأن إقناع جنية بفعل شيء ممل مثل غزل كميات كبيرة من الحرير للبيع قد لا يكون أمراً بسيطاً كما تتخيلان".
في النهاية، تجوّل بقية الطلاب نحوه ليروا ما يفعله. كان في الواقع يفحص الأغراض التي عرضها على فيروس بالفعل، محاولاً معرفة ما إذا كان بإمكانه ملاحظة شيء فات الحرفي الرئيسي. كان ذلك غير مرجح، لكن كان صحيحاً أيضاً أن فيروس لم يكن حتى ساحر رتبة روح، لذا ربما كان بإمكان ماركوس استخدام القوة الغاشمة بمستوى قوته الأكبر. بعد أن استمر طلابه في سؤاله عن الأغراض، قرّر ببساطة عرضها ووضعها جميعاً على الأرض أمامه.
حذّرهم ماركوس وهو يشير إلى سلسلة العيون الحجرية: "لا تلمسوا القلادة، إنها ملعونة".
هتفت كلوديا: "ملعونة!؟"، وابتعدت فوراً قليلاً.
لم يقصد ذلك، لكنها كانت في الواقع الأقرب إليها.
قال ماركوس وهو يلتقط خنجر النحّات الروني لأنه كان على الأرجح الأكثر خطورة، ببساطة لأنه كان حاداً جداً ومسنّناً: "البقية آمنة للمس".
التقط طلابه بسرعة بقية الأغراض، يقلبونها في أيديهم.
"كلها تتجاوز ما يمكنكم التعامل معه أو استخدامه، لكن من المفيد دائماً معرفة كيفية التعرّف على الأغراض القوية حين ترونها. سحرة المبادئ وما فوق يمكنهم ببساطة الشعور حين تحتوي الأغراض على مبادئ قوية مضمّنة فيها، لكن بالنسبة لمبتدئين مثلكم، عليكم البحث عن علامات. على سبيل المثال، هنا على الخنجر أنتم...".
بينما كان طلابه يحدقون في الأغراض في أيديهم ويسلمونها لبعضهم البعض، انتهى الأمر بالعلبة الكريستالية الشفافة مع الريشة السوداء في يد ريجولوس. كان قد لمسها بالكاد، ومع ذلك، طارت الريشة فوراً من الكتلة الصلبة للكريستال وكأن الغلاف كان مجرد وهم. حامت في الهواء أمام ريجولوس للحظة، تدور في مكانها. رغم لونها الأسود القاتم، كان هناك لمعان قزحي عليها، وبدت بوضوح خاصة وسحرية.
قبل أن يتمكن ماركوس من قول أو فعل أي شيء، اندفعت الريشة مباشرة إلى صدر ريجولوس... اتسعت عينا ماركوس في ذعر، ظاناً أن الريشة على وشك اختراق قلب طالبه وقتله. اندفع إلى جانب ريجولوس، لكنه لم يجد جرحاً. بدلاً من الجرح، بدت الريشة وكأنها تغوص في صدره دون أي مقاومة وتختفي. كان ريجولوس مشوشاً جداً، لكنه بدا بخير. قضى ماركوس الدقائق العشر التالية في إلقاء تعاويذ كشف متنوعة عليه، لكنه ببساطة لم يستطع العثور على أي شيء.
كانت الريشة قد اختفت، وكأنها ببساطة ذابت في ريجولوس حين اصطدمت بصدره، ولم تكن هناك عواقب واضحة. تجمّع الطلاب الآخرون حولهم، رغم أن ماركوس طردهم مرة واحدة بالفعل. أطاعوا في البداية، لكنهم ببساطة زحفوا أقرب فأقرب بعد ذلك. أخيراً، استسلم ماركوس.
سأل ماركوس ريجولوس: "كيف تشعر؟".
قال ريجولوس: "أشعر أنني بخير، حقاً. أنا آسف، يا معلمي. ليس لدي أي فكرة عما حدث. لم أقصد تدمير أثرك الذي لا يقدر بثمن...".
سألته كريكت بحماس: "هل يمكنك الطيران الآن!؟ هل يمكنك إنماء أجنحة!؟ هل يمكنك التحول إلى طائر!؟".
احتج ريجولوس بحرارة: "لا أشعر بأي اختلاف! أنا حقاً لا أعرف ماذا حدث!".
طمأنه ماركوس: "أنا أصدقك. أنا سعيد لأنك بخير. هذا ليس خطأك".
كان متأكداً تماماً من أن الريشة كانت مجرد مادة فاخرة، مأخوذة من بعض الوحوش المجهولة... لماذا تصرفت من تلقاء نفسها؟ كيف يمكنها التصرف من تلقاء نفسها؟ لم يرَ ماركوس قط مادة وحش مجردة قادرة على مثل هذا العمل. وإن امتصها ريجولوس، لماذا لم يستطع الشعور بمبادئها القوية على الفتى؟ هذا النوع من السحر لا يختفي ببساطة، وكان فريداً جداً لدرجة أنه لا يمكن أن يفوته. ماذا كان يحدث هنا بالضبط!؟
قال ماركوس لريجولوس: "سآخذك لرؤية بعض الناس غداً".
رغم أنه لم يتوقع منهم العثور على أي شيء أيضاً.
"في الوقت الحالي، فقط احصل على بعض النوم، وإذا لاحظت أي شيء غير عادي، تعال وابحث عني فوراً".
نظر إلى بقية الطلاب: "بقيّتكم يجب أن تحصلوا على بعض الراحة أيضاً. لدينا يوم طويل أمامنا غداً. سنقابل معلمين محتملين، وعلى الأرجح سيرغبون في رؤيتكم تستعرضون مهاراتكم ومعرفتكم".
احتجت المجموعة قليلاً حول أنهم ليسوا متعبين، لكنهم في النهاية غادروا إلى غرف النوم. عاد ماركوس إلى زاويته، يحدق في الأغراض أمامه بعبوس. من بين كل الأشياء التي يمكن أن تحدث... كان آخر شخص غادر الغرفة هو ريناتوس. قبل أن يغادر، اقترب لفترة وجيزة من ماركوس ودفع الزجاجة الأيلفية نحوه بخفة. لم يقل شيئاً على الإطلاق لتفسير حركته، ببساطة استدار وذهب للنوم. رفع ماركوس الزجاجة إلى عينيه، ونظر إليها نظرة تأملية.