ذروة السحر الفصل 37 — غرائب

اقرأ ذروة السحر الفصل 37 — غرائب باللغة العربية على مانجا تايم.

الفصل الثالث والثلاثون: غرائب. جلس ماركوس في مكتبه أعلى البرج وحدق إلى طاولته مستغرقاً في التفكير. وُضع على الطاولة غرضان: جُماعة الروح، والثمرة التي جناها من الشجرة في الخزنة المتجمدة. كان الغرضان مفتاحين لتسريع ارتقائه إلى الرتبة التالية. تعجب أكثر الناس من نمو ماركوس السريع في القوة، لكن الحقيقة هي امتلاكه بعض النواقص التي تعيق تقدمه. تمثل النقص الأول في افتقاره إلى طاقة روحية كافية للخطوة التالية، وكان تصحيح هذا أمراً عسيراً.

تنمو الروح ببطء في القوة. يؤدي مجرد استخدام السحر بانتظام إلى تقويتها، لذا تنمو أرواح المحترفين طبيعياً مع صعودهم في الرتب ومواصلة ممارسة مهاراتهم عبر السنين. مع ذلك، بدا هذا النمو مجرد نتاج جانبي غير مقصود لاستخدام السحر، ولم يستطع أحد التركيز عليه لتسريع الأمور. ندرت طرائق تقوية الروح مباشرة حتى في العوالم الخارجية، وكانت عادةً حكراً على سحرة الموت وغيرهم من المشتغلين بسحر الهلاك.

اتسمت تلك الطرائق بطبيعة طفيلية. يؤدي تدفق بذور الأرواح من الحيوانات إلى تسريع نمو روح ماركوس، لكن الأثر لم يكن ضخماً بأي حال. تطلب الأمر بضعة سنين أخرى لبلوغه الرتبة التالية بهذا المعدل. مع ذلك، أخبره حدسه بأن جُماعة الروح الماثلة أمامه تصلح لتسريع نمو روحه بدرجة أكبر بكثير... لو أنه عرف الطريقة الصحيحة لفعل ذلك. تيقن ماركوس بعد فحصها طويلاً من قدرته على استخدام طقس معين لتحطيم الججوهرة وامتصاص الطاقات المحبوسة داخلها للحصول على نمو طفيف لكن فوري في طاقة الروح.

رغماً عن ذلك، لم يرغب في فعل ذلك لأن العملية ستكون بالغة عدم الكفاءة وستُهدر معظم الطاقة. لابد من وجود طريقة أفضل لتنفيذ هذا... خطر له بدوره إشراك تلاميذه في الطقس والسماح لهم بامتصاص بعض الطاقات أيضاً. ستُهدر معظم الطاقات لا محالة، لكنهم سيظفرون ببعض الفائدة منها على الأقل. وجب عليه التفكير في هذا بعمق أكبر. أما الثمرة، فبدت مزيجاً من الذكريات، والتعليمات السحرية، وشعارات الخشب القوية.

أمكن امتصاصها بسهولة، دون الحاجة إلى طقوس أو تحضيرات خاصة. صُممت لتُستهلك وتُمتصاص، وتيقن ماركوس من ذلك تماماً. أكانت تلك فكرة سديدة؟ اتسمت الثمرة بقوة حقيقية، ولم يثق ماركوس بقدرته على الخروج سليماً من أي ذكريات وسحر زرعتهما الشجرة في الثمرة لحظاتها الأخيرة. لم تظهر الثمرة أي بوادر تعفن، لذا لم يميل ماركوس إلى المجامرة بها في هذه اللحظة. في شبابه، حين استبد به الاستعجال للنمو سريعاً وافتقر إلى مجموعة تلامذة يعتمدون عليه، لابتلع الثمرة فور عودته إلى البرج بلا شك.

وجب عليه توخي الحذر قليلاً الآن على الأقل. احتاج إلى التحدث مع السنديانة المقدسة بشأن الأمر. أدرك ماركوس خطورة إثارة هذا الموضوع — فإن وُجد ما يبعث الطمع والطموح في نفس السنديانة العتيقة فهو هذا — لكنه خشي ما قد يحل به إن استهلك الثمرة أكثر من خشيته خيانة السنديانة المقدسة. على أي حال، وإن لم يستهلك الثمرة، فقد درس شعارات الخشب المنبعثة منها، ونسخ أقساماً كاملة منها لدمجها في عالمه المصغر.

مثّل هذا نقصه الثاني — الافتقار إلى شعارات خشبية كافية. استقاها أغلب سحرة الخشب، حسبما أخبره سيلير، من تعويذات الخشب التي تعلموها، لكن ماركوس عجز عن فعل المثل بوضوح. استمد شعارات الخشب التي يملكها حاليا من نباتات سحرية قوية صادفها في ترحاله. مُجِّد هذا النوع من الشعارات المستمدة من مراقبة الطبيعة في النصوص غالباً، واشتهر بتوليد تقاليد مبتكرة وقوية أحياناً، لكنه لم يمثل طريقاً سريعاً للارتقاء بأي حال.

استخدم ماركوس مصدراً تقليدياً لشعارات الخشب كتعويذات الخشب الموجودة لو توفر له للوصول إليها. لم يكن الأمر مقصوراً على تطهير تعويذات الخشب من تاسلوا. تعذر العثور على التعويذات رفيعة الرتبة في المستوي المادي حتى لو وُجدت تعويذات الخشب. كلما ارتفعت رتبة الساحر، صعب الوصول إلى تعويذات تماثله في مستوى القوة. خلا كوكب متوسط من توافر عدد كبير من المحترفين رفيعي الرتبة.

غاب من يستطيع ماركوس التعلم منهم حقاً عندما يبلغ مستواه، هذا إن افترضنا رغبتهم في المساعدة أصلاً. على سبيل المثال، استحال على ماركوس التوجه إلى أكاديمية نار القلب ومطالبة زعيمها بتبادل الرؤى. سيشكل ذلك فضيحة سياسية، وتتضاعف الفضيحة إن وافق الزعيم المذكور على الطلب. لذا، يقرر أغلب المحترفين الذين يبلغون الرتبة السادسة أو السابعة في القوة، ممن لا تقيدهم ندم أو واجبات، الصعود حتماً إلى العوالم الخارجية لمواصلة السعي وراء القوة السحرية والتميز هناك.

شكلت العوالم الخارجية مكاناً أوسع بكثير من أي كوكب منفرد... والأهم من ذلك، مثلت النقطة التي تجمعت فيها أقوى العوالم المحترفة من المستوى المادي طوال آلاف السنين التي لا تُحصى. ارتفع مستوى القوة والتعقيد في العوالم الخارجية نتيجة لذلك بكثير. أُبلغ ماركوس بوجه عام أن القاعدة العامة المفيدة تقضي بأخذ رتبتك وتقسيمها على اثنين لتكوين فكرة عن الاستقبال الذي ستلقاه في العوالم الخارجية.

يُنظر إلى المحترف في الرتبة الرابعة بذات النظرة التي تنظر بها الأكاديميات إلى ساحر الرتبة الثانية المعتاد — محترف كفوء، لكن أمثاله يملأون كل مكان. ستحظى قوة من الرتبة الثامنة بذات مكانة محترف الرتبة الرابعة هنا في تاسلوا — فرد مهيب، شخص قادر على تأسيس فصيله الصغير بسهولة، لكنه قطعاً ليس من صانعي القرار أو المؤثرين في العالم. لم تعانِ المنظمات القوية في العوالم الخارجية نقصاً في المحترفين من الرتبة الثامنة أو حتى التاسعة، وقادتها ملوك حقيقيون.

شكل هذا مشكلة حتمية لذوي الكبرياء، ولهذا امتنع بعض المحترفين عن الصعود أبداً. فضلوا أن يكونوا سمكة كبيرة في بركة صغيرة. لكن وجود هذا العدد الهفهاف من الناس في مستواك أو أعلى سهل بكثير إيجاد المعلمين والشركاء، واقتناء التعويذات والقدرات الملائمة، فضلاً عن وجود الأسواق ودور المزادات التي تبيع أغراضاً ومواد نادرة لا تصدق. بدا الذهاب إلى العوالم الخارجية الخيار البادي للعيان لمن أخلص السعي حقاً لبلوغ ذروة السحر.

رغم المزايا، أبى ماركوس الذهاب إلى هناك. لم يكن الصعود إلى العوالم الخارجية أمراً عرضياً. بمجرد بلوغ الشخص الرتبة الخامسة، يصبح الصعود إلى هناك سهلاً نسبياً — إذ شجعت بنية الواقع ذلك شبه حصري للمحترفين في رتبة الروح — لكن العودة إلى الأسفل غدت بالغة الصعوبة. انطوى الصعود بالطريقة التقليدية على تحويل الجسد بالكامل إلى روح، وإعادة ربط وجود المرء بأحد العوالم الخارجية.

إنه أمر دائم يستحيل التراجع عنه بسهولة. تعذر على المحترف، حين يتحول بالكامل إلى روح من العوالم الخارجية، النزول إلى موطنه القديم إلا عبر إرسال صور مجسدة مؤقتة، وحتى هذا نجح عادةً إن استدعاه أحدهم الموجود هناك بالفعل. عجز عن استيعاب الأمر تماماً، لكنه ظل يشعر برغبات عالقة تربطه بموطنه هنا. شعر كأنه لم ينجز كل ما أراده هنا في تاسلوا بعد، لذا رفض الانتقال منه. وهذا مقبول.

صعب التقدم عبر الرتب بمفرده هنا في تاسلوا، لكنه نجح بطريقة ما، حتى قبل حصوله على الغرضين الماثلين أمامه. ستصبح الأمور أسهل بكثير الآن بعد توفر مصدر لشعارات الخشب القوية وطريقتين مختلفتين لتقوية روحه. طرق أحدهم الباب.

قال ماركوس: "ادخل"، بينما ظلت عيناه مسلطتين على الجوهرة والثمرة الضخمتين أمامه.

لم يحاول إخفاءهما أمام الوافد الجديد. تعرف إلى هيلفران من طريقة طرقه للباب. وكما توقع، دلف صديقه كاهن الموت إلى المكتب. التفت ماركوس نحوه لحظة لتأكيد هويته قبل أن تحوم نظرته ثانية إلى الغرضين فوق مكتبه. أشار بيده نحو الكرسي أمامه، فاتخذه هيلفران إشارة للجلوس.

لاحظ هيلفران: "ما زلت تفكر في جوهرة الروح".

سبق أن سأل ماركوس الرجل عن جماعة الروح، طالباً من الكاهن تحليل الغرض وإبداء رأيه. استند إلى منطق معرفة هيلفران المسبقة بمصدر الججوهرة، وثرثرة ريناتوس أمام زملائه الطلاب حين روى ما حدث معهم في استكشافهم الصغير لعالم آخر. لذا، لم يشكل إظهار جماعة الروح لهيلفران أي خطر إضافي، واحتمل أن يتمكن محترف من معبد الغراب، المتخصص في هذا النوع من السحر، من إخباره بطريقة استخدامها بالشكل الصحيح.

يا للأسف...

أخبره هيلفران: "لم أجد شيئاً مفيداً أقوله لك حتى الآن. قد أكون كاهن موت، لكن هذا يتجاوز مستوى إدراكي بمراحل. لست حتى كاهناً في رتبة الروح".

لاحظ ماركوس: "وما إن تبلغها، حتى تغادر تاسلوا إلى العوالم الخارجية".

أكد هيلفران: "نعم".

هز ماركوس رأسه، ووضع الغرضين أخيراً داخل سوار تخزينه. ركز على هيلفران الماثل أمامه.

سأل بفضول: "فيما احتجتني؟".

قال هيلفران: "جئت لأطلب معروفاً".

قال ماركوس: "أوه؟"، رافعاً حاجبه نحوه.

لم يتفاجأ حقاً بالنهج الصريح المباشر — فتلك كانت طبيعة هيلفران بوجه عام — لكن الكاهن عاش حياة زاهدة نسبياً ولم يطلب الكثير. بدا غريباً أن يقصده بمثل هذا الطلب.

قال هيلفران: "يمكنه الانتظار. أعلم أنك تخطط لزيارة أدريا مع طلابك عما قريب. أود منك تخصيص بعض الوقت بعد عودتك لتقوم برحلة معي. لدي... مسعى شخصي أحتاج إلى مساعدتك فيه. اغفر لي شيئاً من الغموض، لكني أفضّل إبقاء الأمور طي الكتمان حتى تستعد للانطلاق. هذا إن كنت مهتماً".

لوّح ماركوس بيده بلا مبالاة، وقال: "سأفرغ لك وقتاً. أود الاعتقاد بأننا أصدقاء الآن، وأني لا استغلك لتعليم طلابي فحسب. أما عن الغموض... حسناً، لقد اعتدت عليه. أثق في أنك تعلم ما تفعله".

قال هيلفران: "شكراً لك".

بدا الأمر خفيفاً، لكن جسده استرخى قليلاً. بدا جلياً شعور هيلفران ببعض الشك حيال قبول ماركوس لطلبه رغم مظهره الصارم. بدا الأمر مهيناً بعض الشيء. متى تقاعس ماركوس عن مساعدة أصدقائه قط؟ لكنه لم ينطق بشيء. صمت الرجلان لديه برهة.

قال هيلفران بغتة: "لدي مثل آخر لك. مثل الطاغية".

قال ماركوس، مسنداً ذقنه على يديه: "لنسْمعه".

قص عليه هيلفران عدداً من هذه الأمثال طوال مدة مكوثهما هنا، واتسمت دائماً بالتسلية على الأقل. لم يترسخ لديه اليقين إن كان معبد الغراب بأسره يهوى هذه الحكايات الغريبة، أم أن الأمر خُص بهيلفران وحده، لكن صديقه الكاهن أحب استخدامها كلما سنحت الفرصة.

قص عليه هيلفران قائلاً: "في عصر غابر، وُجِدت سبع مدن مجيدة. حكم ستةً منها ملوك صالحون ومستقيمون، بينما حكم المدينة السابعة طاغية عنيد مصاب بجنون الارتياب. كان الملوك الستة الأبرار أصدقاء وحلفاء، ومنح كل منهم الآخر مفاتيح مدينتهم، ليتسنى لهم الدخول والخروج متى شاؤوا، لكن الطاغية نبذه الستة الآخرون لرفضه تسليم مفتاح مدينته لأحد. ذات يوم، غزا جيش أجنبي الأرض، طامعاً في قهر السبع. ومع ذلك، تحصنت المدن قاطبة بأسوار منيعة، فعجز الجيش الغازي عن قهر مدينة واحدة منها. عوضاً عن ذلك، خدعوا أحد الملوك الستة الأبرار ليسلم مفتاح مدينته، وأعطى آخر مفتاحه بحماقة لتجار عابر، باعه بدوره للغزاة. هكذا سقطت مدينتان بالمكيدة. تداعت الأربع الباقية، مستشعرة الخطر، لتشكيل تحالف ضد الغزاة، مقسمةً ألا تسلم مفاتيحها لأحد سوى بعضها البعض. دعوا الطاغية للانضمام إلى التحالف، لكنهم عجزوا عن الوصول إلى اتفاق، لرفضه القاطع تسليم مفتاح مدينته لأي كان. التفت الأربعة لمواجهة الجيش الغازي معاً، لكن ويا للأسف، تبين أن أحدهم لم يكن باراً حقاً. خان التحالف، مسلماً المفاتيح الأربعة كلها للغزاة مقابل معاملة تفضيلية. وهكذا سقط الملوك الستة جميعاً، لكن مهما اشتدت محاولات الجيش الغازي، عجزوا تماماً عن الاستيلاء على مملكة الطاغية... لأنه رفض تسليم مفتاح مدينته لأحد".

قلب ماركوس الحكاية في رأسه. شابهت باقي الأمثال التي قصها عليه هيلفران؛ اتسمت بالغراب. لم يصعب فهم الأمثال تماماً — بل بدا الأمر أقرب إلى حمل الدروس التي ترمي إليها لنبرة سخرية وتعقيد. علم مثل الشجرة حاملة العواصف، على سبيل المثال، استحالة توقع الرحمة ممن أسأت إليه مراراً وتكراراً. ألمح مثل الرجل المسالم إلى أن فرط المسالمة سيفضي إلى سلب كل ما يملك من قيمة. ووحي مثل الساقط بأن السلوك البار لا يساوى شيئاً إن تسبب في خسارتك أمام أعدائك.

لم تكن هذه الدروس خاطئة تماماً، لكنها خالفت نمط الأخلاق التي علمها إياه العجوز بليني وشيوخه. سأل ماركوس: إذن، مغزى المثل هو...؟

أخبره هيلفران: "كالعادة، يعود إليك تفسير ذلك".

تبدى لماركوس تفسيران. تمثل الأول في صواب وجود خط لا تتجاوزه؛ أمر ترفض التخلي عنه مهما كلف الأمر لقيمته البالغة لديك. تمثل الثاني في فائدة جنون الارتياب أحياناً. لا يُعد الأمر ارتياباً إن سعى الآخرون للنيل منك حقاً. أقر بصراحة بإمكانية رؤية قيمة في كلا الدرسين.

سأل ماركوس بفضول: "أتدون هذه مكتوبة في مكان ما؟ أود الجلوس وقراءة حزمة منها ذات يوم".

رد هيلفران محنداً: "إن أعطيتك الكتاب فحسب، فكيف أسليك بقصص جديدة كهذه؟".

أذعن ماركوس: "أعتقد أنك محق. لا بد أن أسمعها منك عاجلاً أم آجلاً".

قال هيلفران: "يحوي كتاب البدعة أكثر من مئتي مثل من هذه، لذا قد يستغرق ذلك وقتاً".

كرر ماركوس ببطء: "كتاب... البدعة؟".

أوضح هيلفران: "يتمتع ملك الغراب بحس فكاهي غريب. أعتقد أنه سُمي هكذا لأن الدروس تبدو غير مألوفة بعض الشيء. لا يُعد الكتاب هرطقياً فعلياً بالنسبة لمعبد الغراب".

أومأ ماركوس: "آه، إذن هي بدعة للآخرين لا لكم. مع ذلك، لا بد أن تسمية أحد كتبكم المقدسة بـ «كتاب البدعة» أمر مربك. ماذا تفعلون عند مناقشة زنادقة معبد الغراب الحقيقيين؟".

أجاب هيلفران: "ندعوهم بالمنحرفين أو الخونة فحسب، بناءً على مدى حيادهم عن تعاليم ملك الغراب. وليس كتاب البدعة كتاباً مقدساً بذاته. إنه... مادة تكميلية".

"إذن لا يدرس كل كاهن في معبد الغراب هذه الأمثال أو يقتبسها؟"

أقر هيلفران: "لا. لكنه كتاب شائع نسبياً. أعتقد أن الجميع سمعوا ببعض الأمثال منه على الأقل".

عقد ماركوس عزمه على البحث عن بعض مجموعات الخرافات والقصص القصيرة أثناء تواجده في أدريا، وتقديمها هدية لهيلفران عند عودته. قد لا تعجب الكاهن، لكنها تستحق المحاولة ولن تكلف شيئاً سوى الوقت والجهد. في أسوأ الأحوال، سيضيف الكتب إلى مجموعة البرج ليتسلى بها طلابه. انهى الاثنان الاجتماع، متفقين على الحديث مطولاً بعد عودة ماركوس من أدريا.

* * *

تأمل ماركوس السفر إلى أدريا مع تلاميذه بالسفينة، ليبرهن لهم فقط على الطريقة المعتادة. فبعد كل شيء، رغم بلوغ المحترفين الأقوياء لأدريا عادة بالطيران على صقور الغريفين والبجع العملاق، ركب معظمهم قارباً. امتلك البحر العظيم أسطولاً واسعاً من السحر المكتظ، وبعضها سحر فائق القوة لفرط السحر المسلط عليها، لذا لم يصعب إيجاد سفينة تقلهم إلى هناك غالباً. مع ذلك، قرر استغراق الأمر وقتاً أطول بالنهاية.

ستعكر هذه الزيارة روتين تلاميذه بالفعل، وعسر الدراسة خلال السفر. وُجد سبب جوهري لامتناع أغلب السحرة عن الشروع في السفر حتى بلوغ الرتبة الثانية أو الثالثة، حتى إن اتبعوا تقاليد تشجع على السفر. قرر بالنهاية نقلهم جواً وحسب، تماماً كما فعل المرة السابقة. قبل رحيلهم، جمعهم في قاعة المحاضرات لمناقشة بعض الأمور.

استهل ماركوس حديثه بالقول: "قبل انطلاقنا، أود تحذيركم بشأن بعض الأمور هنا، بعيداً عن العيون والآذان المتطفلة. كما لاحظتم ربما، لست على وفاق تام مع قيادة أكاديميتنا. لم أود إثقال كواهلكم بمثل هذه الأمور آخر مرة تواجدنا فيها هناك، لكني كنت أحد مرشحي قيادة أكاديمية البحر العظيم بعد وفاة القنصل الأخير. خسرت أمام غايوس، لذا لا نتفق. وكونكم تلامذتي، فهو وفصيله غير مرحبين بكم كثيراً أيضاً. لا ينحدر أغلبكم من أدريا أصلاً، وتلك ضربة أخرى ضدكم. سنبقى في أدريا لفترة طويلة هذه المرة، لذا أحتاج منكم إبقاء ذلك في بالكم وعدم إثارة المشاكل أو الانجرار إلى صراعات عقيمة".

رمق ريناتوس وفوليسوس بنظرات محددة وخاصة بعد ذلك.

أخبرهما: "أنتما خصوصاً. فكرا مرتين قبل التصرف والكلام".

قال فوليسوس، بنبرة محترمة غير معتادة على غير العادة: "سنكون حذرين. ماذا عن الحصار وما يحيط به؟ ماذا لو سأل الناس عنه؟".

هز ماركوس رأسه وقال: "لا أمانع نقاشكم في هذا. لا ينبغي أن يكون سراً بأي شكل، ويدرك أغلب الناس عدم إعجابكم برد الأكاديمية. مع ذلك، قد تغضبون البعض بفرط انتقاد قيادة الأكاديمية، لذا استعينوا بقدر من الحس السليم. أصحح، هذا ما يجب على جميعكم الانتباه له — لا تذكروا شيئاً عن كهف العملاق الميت أسفل البرج أو الرحلة إلى عالم آخر! لا تناقشوا الموضوع أبداً طوال إقامتنا في أدريا، ولا حتى بطريقة غير مباشرة. ولا حتى لو كنتم وحدكم وتناقشون الأمور فيما بينكم. افترضوا دائماً وجود جواسيس يتصصتون عليكم".

تعددت الطرق السحرية للتجسس على الناس لدرجة استعصت معها مقاومتها جميعاً. وتضاعف ذلك حين يكون عدوك زعيم منظمة قوية، وتقضي وقتك في مدينة كبرى تشكل مقراً لسلطته. جهل ماركوس حقيقة تعرضهم للتجسس في أدريا، لكن افتراض حدوثه ظل خياراً آمناً.

استنتجت كلوديا: "ألسنا ذاهبين إلى هناك لتجنيد معلمين جدد؟ لا بد أنهم سيكتشفون أمر تلك الأشياء عاجلاً أم آجلاً".

قالت كاسيا: "نجل، سيرتكب أحدهم هفوة إن تواجدوا حولنا باستمرار. لم يصمد سر قط لفترة طويلة في الملجأ".

أخبرها ماركوس: "لا يهم ذلك. لن يسارع موظفيّ الأكفاء على الأرجح لخيانتي فور اكتشاف سر ما".

إضافة إلى ذلك، وحتى إن لمحوا شيئاً مريباً، سيتطلب تأكيد أمر كهذا شهوراً، هذا إن رغبوا في التنقيب بعمق كافٍ والمغامرة بغضبي. شعر ماركوس بقدرته على كتمان هذا السر لسنين إن لزم الأمر، ما لم يرتكب تلاميذه حماقة بالغة. وربما للأبد، لو ظلت أكاديميته صغيرة. عقب تبادل قصير وتافه للمشاورات، أكد إتمامهم لجميع الاستحضارات، وقادهم للخارج، وفعل كرة الطيران خاصته، وانطلق باتجاه أدريا.

* * *

تكللت مثل هذه الرحلة الطويلة بالمشقة حتى مع الطيران. توقف ماركوس مراراً في أماكن متنوعة على طول الطريق، بوتيرة فاقت بكثير اعتياده لو سافر منفرداً أو برفقة بيورتان، وتجنب المغامرة في الجبال. تيقن نسبياً من قدرته على حماية تلاميذه، لكن لمَ المجامرة؟ سكنت أجزاء البرية من العصب الفضي كائنات قادرة على تمزيق ساحر متدرب في لمح البصر. تطلب الأمر لحظة غفلة واحدة لفقدان أحدهم.

وبما أنه سلك الطريق البطيء أصلاً، تحدث عن المدن والأماكن المختلفة التي مروا بها. شك في تذكر أغلبهم للكثير من أقواله، باستثناء ربما جوليا وديوكليس، اللذين انصتا باهتمام، لكنه ساعد في تمرير الوقت.

قالت كريكيت: "يا معلم، سمعت من صديقك أنك حصلت على كرة الطيران الخاصة بك من قاعة رعد العمالقة، وأنها أثرهم العائلي الثمين".

كانت الأشد حماسة دوماً تجاه هذا النوع من الرحلات الجوية، والأكثر ثرثرة عادةً.

أصلح ماركوس قولها: "نجل، ربحتها حين قتلت زعيمهم السابق خلال حرب الأكاديمية. حرب الأكاديمية الأولى".

احتجت كريكيت: "لكنها نافعة للغاية وتستخدمها بهذه العلنية. لمَ لم يحاولوا استرجاعها مرات أكثر؟".

فاجأ هذا الأمر ماركوس في قرارة نفسه أيضاً بصراحة. اتسم زعيم قاعة رعد العمالقة الجديد بهدوء وصبر أكبر بكثير مقارنة بسلفه.

أخبرها ماركوس: "لقد تعرضوا للدمار في الماضي القريب، بدرجة قاربت ما حدث لجبل البلور. ربما يتربصون بالوقت المناسب حتى اللحظة الملائمة، ولكن للحق، مثلت قاعة رعد العمالقة تاريخياً أكبر المروجين لحق الغلبة".

سألت كريكيت: "ذلك حين تحوز كل ممتلكات من تقتلهم، أليس كذلك؟".

أكد ماركوس: "الهزيمة، وليست القتل بالضرورة. لكن نجل. إقليمهم بارد ووعر، ويفتقر للكثير مما تسلم به القوى الجنوبية. لذا اشتهروا بغاراتهم لفترة طويلة الآن. تميل أغلب القوى لسلخ الأغراض السحرية والكنوز الأخرى من الأعداء المهزومين، لكن قاعة رعد العمالقة اشتهرت بذلك خصوصاً. يهاجم محترفوهم الناس بانتظام خارج إقليمهم الرسمي ويطالبون بالغنائم من تلك المعارك. لذا، لا داعي للشعور بالأسف لخسارتهم كرة الطيران. لعلهم سلبوها من أحدهم ابتداءً".

جهل ماركوس أصل الكرة فعلياً، ولم يكن ذلك غريباً على غرض شديد الندرة والقوة كهذا. شكل غرضاً بالغ القوة، والسبب الوحيد لعدم استقطابه انتباهاً أكبر يتمثل في كونه ليس سلاحاً أو أداة دفاعية. مال أغلب المحترفين نحو القتال بشدة، وتملكهم ميل لازدراء والتقليل من فائدة الأغراض السحرية غير المصممة للقتال. ربما شعرت قاعة رعد العمالقة الحالية بذات الشعور، وبدافع أقل يأساً لاستعادة الكرة مقارنة بما لو استولى على سلاح قوي أو درع متين.

عقب أغرون: "ربما، عندئذ، يعتبرون ادعاء المعلم بالكرة شرعياً نوعاً ما. أنا أيضاً أنحدر من شعوب جبلية تقطن أراضي قاسية، وبينما يسلب الأقوياء الضعفاء غالباً، يبدون تفهماً حين يأتي من هو أقوى ويسلبهم. هكذا هي سنة الحياة".

لم يقتنع ماركوس تماماً بصحة ذلك بالنسبة لقاعة رعد العمالقة. ظلت كرة الطيران أثرهم العائلي، يتقلدها قادتهم تقليدياً كنوع من شارات المنصب، لذا شكل استحواذ دخيل عليها إحراجاً ضخماً لأكاديميتهم. لم يتوقع ماركوس تقبلهم لتلك الخسارة بصدر رحب.

سألت كلوديا: "إذن يؤمن المعلم بحق الغلبة، هكذا إذن؟".

أخبرها ماركوس: "معظم المحترفين يؤمنون به، حتى وإن لم يصرحوا بذلك. سيسلبك أغلب الأعداء إن هزموك. وستكون محظوظاً إن اقتصر الأمر على ذلك. السؤال الحقيقي يكمن فيما يحدث حين تهزم على يد محترف زميل من نفس المنظومة. تحظر أكاديمية البحر العظيم بشدة على محترفيها الاعتداء على بعضهم البعض وسلبهم، وكذا تفعل أغلب منظمات المحترفين الأخرى، لكن الحالات الحدية تتكاثر. ماذا يحدث حين يتراهن محترفان، أو يقتتلان على كنز طبيعي لا يخص أياً منهما تقنياً؟".

شجعت بعض منظمات أخرى الاقتتال الداخلي بمستوى معين بفعالية، لاعتباره مفيداً لبناء الروح القتالية.

تنهدت كلوديا: "العالم قاسٍ لهذه الدرجة. ظننت، بعد طرد عائلتي من منزلنا، قدرتي على العيش بسلام إن أصبحت ساحرة قوية. يا معلم، ألا يوجد مكان خالٍ من الحرب؟".

أخبرها ماركوس: "الأموات وحدهم ينعمون بالسلام الحقيقي. لكن يمكنك التقاط أنفاسك من حين لآخر. ربما تحظى بسنين هادئة عديدة إن سافرت في العالم وتجنبت معظم التعلقات. وحتى في تلك الحالة، أتصور أن المشاكل ستجد طريقها إليك عاجلاً أم آجلاً".

أقرت كلوديا: "أعجبني حقاً فكرة السفر حول العالم".

استمرت الرحلة يومين. خلت الرحلة من الأحداث الجسام بمعظمها، لكن ماركوس لمح سفينة ضخمة أثناء تحليقهم فوق البحر وقرر أخذ استراحة قصيرة بالهبوط على سطحها. أثار ذلك ضلبة وجيزة على السفينة، لكن ساحراً يحلق فوق البحر المفتوح بقوته الخاصة ويحمل معه عشرة طلاب بدا قوياً بشكل واضح، لذا امتنع الساحر المرافق للسفينة عن مهاجمته. سمح القبطان لهم بالبقاء على السطح للمدة التي يرغبونها فور تعريف نفسه ودفع رسم بسيط مقابل الإزعاج، بل ودعاهم إلى مقصورته للحديث.

بدا أنها سفينة استكشاف رسمية تابعة للبحر العظيم متجهة للمياه الشمالية، ومهمتها تجاوز الأراضي التي تحكمها قمة النواح واستكشاف ما وراءها لمعرفة ما هناك. وإن أمكن، إقامة اتصال مع قوى الأقزام المعروفة بنشاطها في المنطقة. يا له من أمر مثير للاهتمام. لقد انقضى وقت طويل منذ أن أبدى البحر العظيم اهتماماً حقيقياً بمثل هذا الاستكشاف بعيد المدى. خلت القوى الشيطانية من بحرية عديدة أو قوية، لكنها كفاية لدرء المستكشفين العابرين.

ربما عندما ينمو تلامذة ماركوس قليلاً وينتفي احتياجهم الشديد له، سيتجه شمالاً أيضاً لتفقُد الأقزام، وربما الجن أيضاً. فبعد كل شيء، رأى كل ما يقدمه هذا العالم تقريباً. بعد قليل، أعاد ماركوس تلاميذه إلى الجو، واستأنفوا رحلتهم.

* * *

التقى ماركوس، بعد وصوله إلى أدريا، بفابيوس، الجندي مقطوع اليد الذي التقى به خلال زيارته الأخيرة للمدينة. رتب اللقاء مع الرجل هناك مسبقاً، نظراً لتوليه مهام عديدة بمفرده وعدم قدرته على ترك تلاميذه لمواجهة تحديات المدينة بمفردهم. اختلف تركهم لأيام طوال وهم في قلب البرية عن فعل ذلك في مكان كأدريا. وافق فابيوس، بوصفه مرؤوسه السابق وأحد آخر أصدقائه الباقين في المدينة، على إيجاد مكان لإقامتهم وبعض المرشدين لضمان عدم استغلال أحد لهم.

أخبره فابيوس: "في الواقع، يمكنك القول إن وضعك تحسن عما كان عليه منذ آخر حديث لنا. يبدو أنك خلقت انطباعاً جيداً لدى الكثيرين. جاءني عدد لا بأس به من الناس يسألون عن سبل تقديمهم إليك، وتراجع معظم المزعجين لبوبليوس منذ ذلك الحين أيضاً".

قال ماركوس: "يسعدني سماع ذلك. قد أوافق على لقاء بعض هؤلاء الناس الذين تحدثني عنهم. يتوجب علي العناية ببعض الأمور العاجلة الآن، لكني سأرى مقدار الوقت المتبقي لدي بعدها".

قال فوليسوس بنبرة عتاب: "ستتركنا مجدداً".

أخبره ماركوس: "لفترة قصيرة فحسب. لا تكن ملولاً هكذا".

احتاج حقاً إلى جلب أولئك المعلمين الإضافيين. التفت نحو ريجولوس.

"أردت زيارة عمك اليوم. أترات ظنك سيستقبلنا، رغم عدم إعلاني المسبق عن الزيارة؟".

كان جديراً بماركوس إرسال رسالة إلى كاتو قبل القدوم، طالباً إذناً بالزيارة، لكن لا بأس. لقد نسي.

أجاب ريجولوس: "لا أظنه سيرفض إن تواجد داخل الضيعة. العم كاتو عاطل عن العمل تقريباً هذه الأيام. لن يصيغ الأمر هكذا بالطبع، لكن جل وقته يقضيه متفقداً بساتين الزيتون العائلية، وقراءة الفلسفة، ومقابلة الناس. في أسوأ الأحوال، سيطلب منك الخدم الانتظار في غرفة الضيوف حتى عودته".

أخبره ماركوس: "سننطلق أنا وأنت إذن".

ثم التفت إلى ديوكليس.

"تملك عائلة هنا. أظنك ستتوجه للقاء أفرادها، أليس كذلك؟".

أكد ديوكليس: "نجل، يا معلم".

"بما أنك خبير بأرجاء المدينة، أريد منك مساعدة بقية المجموعة في التنقل وتوبيخهم إن اقترفوا حماقات. سيؤمن لكم فابيوس مرشداً، لكن التحدث إلى زملائكم المتدربين أسهل دوماً من إزعاج مرشد، خصوصاً في الأمور البسيطة".

هتف ديوكليس بحماس: "حاضر! سأبذل قصارى جهدي لإبقائهم على الصراط!".

تمتم باقي الطلاب بتعليقات ساخرة متفرقة لكنهم لم يعترضوا.

"أمر أخير — احتفظوا بالعصي التي أعطيتكم إياها بحوزتكم طوال الوقت"

حذرهم ماركوس.

"لا تغيب عن أبصاركم أبداً. لقد بلغت من القيمة حداً يغري اللصوص بسرقتها، ويكثر أمثالهم هنا".

هتفوا بصوت واحد: "حاضر يا معلم!"، وهم يشددون قبضتهم على العصي.

التفت ماركوس نحو ريجولوس قائلاً: "لنذهب"، متجهاً نحو ضيعة عائلة أوتيسينيس.

باعتبارها إحدى أقدم وأثرى السلالات في أدريا، حجزت عائلة أوتيسينيس مساحة شاسعة لأنفسهم — لم تقتصر على مبنى مفرد، بل ضمت مجموعة كاملة من القصور المحاطة بسور منخفض، وتحتوي على حديقة وبستان زيتون — وهو ترف هائل في جزيرة مكتظة كسد أدريا حيث شحت المساحات. تقع الضيعة في أطراف المدينة لا مركزها كما قد يظن البعض، وتعذر الاقتراب من المنازل وطرق الباب مباشرة. أوقفه حارسا عسكريان برتبة المحترف الرابع حسب تقديره قبل تمكنه من الاقتراب من البوابة الرئيسية الفاصلة بين الضيعة وباقي المدينة، وطالباه بتوضيح أسباب قدومه.

مع ذلك، وبحكم مرافقته لريجولوس وتعرف أحد الحراس الفوري على تلاميذه، لم يثيروا من المتاعب قدر ما توقع. فبدل إجباره على الانتظار حتى خروج أحد أفراد العائلة لاستقباله، أُدخل إلى الداخل وطلب منه البحث عن الشيخ كاتو في مكتبته.

"ادخل".

رفع كاتو بصسر من على الكتاب الذي يقرؤه لحظة دخولهما، ثم انتعش وجهه فوراً لدى رؤية ريجولوس.

هتف، مطبقاً الكتاب بحدة وناهضاً: "ريجولوس!".

بدا رشيقاً جداً لرجل عجوز.

"يا لها من مفاجأة! يسعدني رؤيتك".

ثم رمق ماركوس بنظرة أقل ود بكثير.

"أيها الشري، من اللياقة إعلام المضيف عند نية الزيارة. أكان قتلك سيتحقق لو أرسلت رسالة مسبقة؟".

أجاب ماركوس بصدق: "نسيت".

تعمق عبوس كاتو فحسب.

"أرجوك يا عم، اغفر للمعلم. إنه..."

تنهد كاتو: "أعرف من أتعامل معه. لن أصعب الأمور".

التفت يمناً ويساراً ثم جحب كرسيًا من الزاوية إلى وسط الغرفة. تكدست عليه كتب مسبقاً — وبدا كأنه يستخدم كمخزن مؤقت للكتب لامتلاء جميع الأرفف، وهو ما وجده ماركوس مسلياً. طريقة فوضوية وغير منظمة للتعامل مع الأشياء، بعيدة كل البعد عن صورة كاتو المعتادة كشيخ منضبط وفاضل. ومع ذلك، لم يبدُ على كاتو أي إحراج من المنظر. تناول ركام الكتب ببساطة ووضعها على الأرض قبل الإشارة لضيوفه بالجلوس.

تواجد كرسي مخصص للضيوف بالفعل وسط الغرفة، ليستطيعوا جميعاً الجلوس والتحدث.

قال كاتو لريجولوس: "يسعدني أنك بخير. كيف تجري بك الحياة، أيها الشاب؟".

أجاب ريجولوس: "لا أستطيع الشكوى. المعلم ماركوس معلم عظيم، واسع المعرفة وأكثر صبراً مما زعمت".

رفع ماركوس حاجبه تجاه كاتو، لكن الرجل تجاهله.

تابع ريجولوس: "المرافق ريفية... بعض الشيء. ومع ذلك، بالنظر إلى الوضع في البداية، فذلك مفهوم. لقد حول برجاً متهالكاً إلى مدرسة متكاملة الفاعلية في أقل من عام. يعجبني المكان هناك".

أومأ كاتو: "طالما كنت سعيداً، فأنا سعيد".

رمق ماركوس بنظرة عابرة.

"سمعت ما حدث بطبيعة الحال. اغفر لي تقاعسي، لكن جهلت تماماً أمر حصار برجك حتى انقضاء الأمر بأسره. لما سمحت لغايوس بالتضحية بأحد أقاربي هكذا مطلقاً لو بيدي الأمر".

أخبره ماركوس: "جعلت زيارتك اولوية قصوى متقصدة عند هبوطي للمدينة. أعلم رغبة غايوس في لقائي، لكني أود تأجيل ذلك لبضعة أيام. سيصعب تجاهل دعوته لتلك المدة، لكني آمل أن أجبره على التراجع قليلاً بزيارتك هكذا".

عقب كاتو: "أستغلي تأثير عائلة أوتيسينيس، أم ماذا؟ نظراً لما حدث، سأسمح بذلك. أسعى لعدم معارضة غايوس ما لم اضطر حقاً، لكني سأتحدث بالنيابة عنك. ستحظى بثلاثة أيام. لا أضمن شيئاً بعدها".

سأل ماركوس: "لمَ سمح غايوس لمجموعتين أجنبيتين بإرهابي؟ أتعلم شيئاً؟".

أجاب كاتو: "هذا مجرد تخمين، لكن السبب لا يرجح تعقيده المفرط. لا يقدر بعض الناس اتخاذك قاعدة في موقع منعزل كهذا، بعيداً عن مراكز قوى البحر العظيم. يقلقون مما قد تدبره من هناك".

احتج ماركوس: "أُبلغت بعبارات لا تقبل التأويل بالابتعاد عن سياسات البحر العظيم. أفعل بدقة ما يبتغيه غايوس. لمَ أعاقب على ذلك؟".

أخبره كاتو: "لست متأكداً مما أقوله لك. قد ترغب في التدخل بسياسات البحر العظيم قليلاً على الأقل، لكي تضمن وجود نصير بجانبك مستقبلاً".

أخبره ماركوس: "أنا هنا لتجنيد محترفين جدد كمعلمين وحراس".

أجابه كاتو: "أه؟ يمكنني ترشيح البعض إن شئت".

"أرجو ذلك، وإن لم يكن الآن"

قال ماركوس.

"أردت التحدث إليك بشأن ريجولوس أولاً".

سأل كاتو بارتياب: "ما شأن ريجولوس؟".

"طوال تواجده في برجي، لم تحدث أي محاولات حقيقية من عائلة أوتيسينيس للاتصال به. حضرت تلك الوفد التابعة للبحر العظيم لتفقد طلابي وتأكيد بقائهم أحياء وبخير، لكن بخلاف ذلك، لا شيء. يبدو لي وجود أمر غريب يدور بينه وبقية العائلة"

أوضح ماركوس.

"أريجولوس فرد حقيقي من عائلة أوتيسينيس حقاً؟".

بدا ريجولوس مصدوماً من السؤال.

"يا معلم؟ ماذا تقصد؟".

بدت الحيرة واضحة على كاتو، وتنقل بصره سريعاً بين ريجولوس وماركوس، كمن يتأمل أمراً ما. أطلق تنهيدة أخيرة.

قال كاتو: "رجوت فعلاً ألا يظهر هذا الأمر إلا لاحقاً".

قال ريجولوس بتردد: "يا عم؟"

بدا مذعوراً حقاً.

طمأنه كاتو: "لا داعي للقلق، أيها الشاب. لقد رُبيت بيننا منذ ولادتك، وأكدت جميع اختبارات النسب أنك ابن والدتك حقاً".

سأل ريجولوس بهدوء: "أنت... أنت أجريت اختبارات نسب متعددة لي؟".

قال كاتو: "حتى لو تبنيناك، لما أبالي. تقبل عائلتنا الأطفال المتبنين ضمن صفوفها بانتظام. أنت تعلم ذلك".

ألح ماركوس: "إذن، إن كان ريجولوس سليلًا حقيقياً لعائلة أوتيسينيس، فلم تبدو مكانته غير مؤكدة هكذا؟ أحتاج إلى معرفة ذلك. أنت تعلم بالفعل عجبه الغريب عن التناغم مع أي تقنية تأسيسية حتى واجه تقنياتي. أعرف السبب الآن، لكن الأسباب غريبة، أقل ما يقال فيها. لأعلم ريجولوس بأفضل قدراتي، ينبغي أن أعرف ما أتعامل معه".

فكر كاتو بصمت لعدة ثوانٍ.

حدق الاثنان وقال: "غريب، تقول... لا أتفاجأ بذلك"

قال كاتو.

"أتعلم، وُلد ريجولوس في هذا العالم بطريقة غريبة للغاية. رغم أداء والدته قسماً أمام السموات العليا بأنه ابنها الحقيقي، إلا أنها لم تلده كما تتوقع".

سأل ماركوس: "ماذا؟ أخرج، كامل التشكيل، من جبينها؟".

تنهد ريجولوس: "يا معلم...".

أجاب كاتو: "لا. لقد فقس من بيضة عملاقة".