الفصل الحادي والثلاثون: ضيوف غير مدعوين درس الساحران واللوايا المتجمد أحدهما الآخر لحظات متوترة. بدت العين مألوفة وغير مألوفة في آن لمدارك ماركوس، بحدقة مثلثية الشكل وصلبة غريبة بلون يصعب وصفه. لم تشبه عين سمكة ولا حوت رآهما قط. بغض النظر عن ذلك، شعرت حواسه الروحيّة أن المخلوق ليس سوى خطأ فادح. تفاعلت روحه المصغرة معه بقوة هائلة، تاركة في نفسه انطباعاً بأنه ينظر إلى شيء غريب عن العالم ذاته.
لم يفعل المخلوق المحبوس في الجليد شيئاً سوى التحديق، ومع مروري الثواني، استرخى ماركوس وبيورتان.
قال ماركوس لبيورتان: "هناك خطأ جذري في هذا المخلوق. أتستطيع استشعاره؟"
غير أن بيورتان لم يكن هو من أجابه. بل انطلق صوت غريب يخاطبه تخاطرياً، حافراً الكلمات مباشرة في عقله. كان الصوت صوته هو، لكنه ارتد إليه صدى مشوهاً.
[هذا الشعور سببه فقط أن هذا العالم يعتبرني شاذّاً ويرفضني،]
قال الصوت.
[ليس لدي أي رغبة في إيذائك.]
ارتد ماركوس للوراء مذهولاً. لم يصادف التخاطر في حياته إلا مرات معدودات، لكنه ظل سحراً ويمكن مقاومته باعتباره كذلك. لم يستشعر شيئاً قط، فكيف كان يسمع صوته إذن؟ أجرى فحصاً صامتاً وسريعاً بحثاً عن سحر غريب ليجد فوراً خيوطاً سحرية غريبة تربطه بالمخلوق القابع في الجليد. بدا أن المخلوق ألقى تعويذة تخاطر في مرحلة ما، دون أن يلاحظ هو شيئاً البتة! حاول قطع الاتصال بمهارات التشكيل الخام التي يمتلكها، لكنه فشل تماماً.
كان السحر دقيقاً وقوياً في آن، وبدا محاولة كسره بمانا وحدها أشبه بمحاولة الإمساك بأنقليس يتلوى.
علق بيورتان من جانبه: "لا أستشعر شيئاً، لكني أصدقك. يبدو مزعجاً للغاية حقاً."
نظر إليه ماركوس في صمت. بدا من رده أن بيورتان لم يسمع شيئاً.
سأل بيورتان: "ماذا؟"
قال ماركوس: "المخلوق في الجليد يكلمني تخاطرياً. ألا يكلمك أنت أيضاً؟"
عقد بيورتان حاجبيه وقال: "ألا؟ غريب. لماذا أنت وحدك؟"
علق اللوايا: [كلمة (مخلوق) كلمة فظة. نادني فوياجر.]
سأل ماركوس بيورتان: "من قال إنه أنا وحدي؟ تفقد نفسك."
ومضت يد بيورتان عبر سلسلة من الحركات في صمت، ليتجهم وجهه فوراً. لقد وجد شيئاً بلا شك.
شتم بيورتان: "ابن الـ..."، ومارس تعويذة تبديد سريعة على نفسه.
لكن تعبيرات وجهه ازدادت تظلاماً في أعقاب ذلك. تنهد ماركوس باطناً. تماماً كما ظن...
قال ماركوس، وهو يشرع ببطء في إلقاء أقوى تعويذة تبديد في ترسانته على نفسه، مستغرقاً وقتاً في تشكيلها لتكون قوية قدر الإمكان: "كان يجب أن أدرك الأمر منذ اللحظة التي دخلنا فيها هذا الحيز وسمعنا الأغنية. المخلوق... فوياجر... لقد تسلل إلى عقولنا بالفعل منذ ذلك الحين على ما أظن."
أنهى إلقاء تعويذة التبديد على نفسه. اهتزت خيوط السحر التي تغزو جسده وارتجفت، لكنها ظلت متماسكة. تشوهت أغنية اللوايا في أذنيه لحظة، قبل أن تستقر مجدداً. كان سحر العقل ضعيف التطور للغاية في تاسلوا، وعليه كانت الدفاعات المتخصصة ضده نادرة وبدائية بالمثل. عرف ماركوس هذا أساساً لأن سيلر علق عليه في الماضي. بدا أن الجنيات مولعة به حقاً. وبينما لم يكن ماركوس عارياً تماماً من الدفاعات ضد الهجمات العقلية، كان اللوايا أقوى منه بوضوح وبارعاً جداً في السحر العقلي.
سيكون التخلص من هذا الاتصال تحدياً حقيقياً. مع ذلك، لم يبدو على فوياجر ميل لإيذائهما، وخاض ماركوس مسبقاً وضعاً مشابهاً لهذا مع البلوط المقدس. لذا كان أقل انزعاجاً مما كان ينبغي له على الأرجح. أرسل ماركوس عبر الاتصال: [في هذه الحالة يا فوياجر، نادني يتيم الحرب.] علق فوياجر: [اسم غريب. يعجبني.] بدا بيورتان مهتماً أكثر بكثير باتصاله بالمخلوق، فألقى تعاويذ عدة على نفسه محاولةً لقطع الاتصال، وكلها بلا جدوى.
قال ماركوس بصوت عالٍ: "لنذهب. علينا إيجاد إرذريث في أسرع وقت. الحواجز هنا تنهار بسرعة، وأظنها تكبح صديقنا الجديد جزئياً على الأقل. لست متأكداً مما سيحدث حين تنكسر تماماً، لكني أشك في أنه أمر جيد."
وبالنظر إلى أنه حتى في هذه الحالة المحدودة، استطاع التغلغل في عقل ماركوس بخفاء ومقاومة محاولاته لقطع الاتصال، فقد ارتعش لمجرد التفكير في مدى قوته حين ينفك تماماً من القيود.
قال بيورتان متخلياً عن محاولاته: "أنت محق. تعرف، قد يكون خيراً ما فعلته إرذريث... تخيل لو انتظرنا حتى تنهار الحواجز تماماً. لربما واجهنا هذا الشيء بكامل قوته!"
سأل فوياجر ماركوس: [أنتم من كسر الأختام؟ كنت أعلم. أنا... ممتن قليلاً. اعتاد هذا المكان أن يكون مثيراً للاهتمام، بالعديد من العقول الغريبة التي تحلم حولي، لكن القليل منها تبقي. المكان جدب الآن، وأريد الرحيل.] سأل ماركوس: [ماذا حدث للسجناء الآخرين؟ ظننتهم مفترضين في حالة سبات. لماذا هلكوا جميعا؟] قال فوياجر: [أيها الصغار أنتم شديدو الهشاشة. كنت فضولياً لا أكثر.]
انتظر ماركوس ثوانٍ عدة، لكن فوياجر لم يحاول الاستفاضة في الأمر.
قال بيورتان: "هذا الفوياجر ما زال يكلمك، أليس كذلك؟"
أكد ماركوس: "نعم."
فلم ير سبباً لإبقاء الأمر سراً.
قال بيورتان: "أتساءل لمَ يكلمك ولا يكلمني."
هز ماركوس رأسه صامتاً.
"أجل، تيقنت أنه لم يخبرك بالسبب أبداً. أترانا نتعامل مع ملك ثانوي من نوع ما؟ لم أر قطعة سحر كهذه أبداً. أستطيع استشعاره، بخلاف المعجزات السماوية الحقيقية، لكن التأثير عليه يكاد يكون مستحيلاً. لا أستطيع إزالته يبدو."
تأمل ماركوس قائلاً: "أعتقد أن فوياجر مجرد فاني قوي للغاية. محترف ذو قمة ربما؟"
أخبره فوياجر: [أنا لست مثلك يا يتيم الحرب. مثلك، أحمل في داخلي كونا شخصيا، لكن شعاراته ليست انعكاسا لهذا العالم. إنه مختلف، هرطوقي. نظام وجود منفصل عن الكون العظيم الذي يحيط بنا، ومستقل عن النظام الذي تستخدمونه.] سأل ماركوس محتاراً: [كيف يمكن أن تمتلك شعارات منفصلة عن الكون كما نعرفه؟ لست كائنا من الهاوية، أليس كذلك؟] أجاب فوياجر بقطع: [لا.] بصراحة، لم يبدو اللوايا ككائن هاوية.
لقد بدا خاطئاً، ولكن ليس بمعنى الهاوية. كان العالم مكاناً شاسعاً بحق. حتى هذه اللحظة، اقتنع ماركوس بأن كائناً من الهاوية وحدها هو من يملك شعارات غريبة بحق عن العالم الذي يعيشون فيه. طالب ماركوس: [إذن ما أنت؟ ومن أين أتيت؟]
[انبثقت عفويا إلى الوجود من الفوضى البدائية خارج هذا الكون. وتجسدت في هذا الشكل عبر الدوامة العظيمة. أنا نسخة انشقت عن التجسد الأصلي قبل عدة آلاف من السنين. أنا شظية انفصلت عن ذاتي الأعظم وأرسلت لاستكشاف هذا الكون الشاسع،]
قال فوياجر.
[أيجيب هذا عن سؤالك؟ أشك في ذلك. لغتك محدودة للغاية، وعليكم تعلم الأمور ذاتها في كل مرة. لماذا يولد نوعكم صفحة بيضاء يا يتيم الحرب؟ لم أفهم هذا أبداً.]
حسنًأ، كان فوياجر محقاً بالتأكيد — فقد كانت تلك الإجابة أصعب من أن يستوعبها حقاً. ماذا كان فوياجر يقول حتى؟ قال ماركوس مغيرًا الموضوع: [أنا فضولي. لمَ تكلمني أنا وحدي ولا تكلم صديقي؟] أوضح فوياجر: [أنت تحمل كونا في داخلك، مثلي تماما، وأنت جزء من شيء أعظم، مثلي تماما. أشعر بأثر قرابة معك.] جزء من شيء أعظم؟ أكان يتحدث عن ارتباطه بالبلوط المقدس؟ أكان يستطيع استشعار أمر كهذا فعلاً؟
علق بيورتان: "هذا مرعب بحق."
استغرق ماركوس ثانية كاملة ليدرك ما يرد عليه بيورتان. كان محاولة خوض محادثتين في آن أمراً شاقاً.
أخبره ماركوس: "لا فكرة لديك."
واصل ماركوس وبيورتان تمشيط الممرات المتجمدة بحثاً عن تنين الثلج الذي سبقهما إلى هنا. تبين أن الأمور لم تكن بالبساطة المرجوة. كان المكان متاهة، تعج بالممرات المتفرعة والملتوية التي بدت بلا نهاية. فالضوء الأزرق لمصباح بيورتان، إلى جانب الأغنية المخيفة المنبعثة مباشرة إلى عقولهما، جعلا اجتياز المكان مقبضاً للغاية أيضاً. ووجدا نفسيهما أكثر من مرة وقد عادا إلى القاعة الكبيرة التي تضم اللوايا المتجمد، على الرغم من توخيهما الحذر لعدم العودة إليها.
قال بيورتان، مقلصاً عينيه نحو العين الهائلة التي كانت تنظر إليهما في صمت: "هذا الشيء يعبث بعقولنا بكل تأكيد."
أومأ ماركوس: "نعم."
لم يكن أي منهما غريباً على المتاهات، ورغم غرابة المكان، لم يبدُ أنه يلوي الفضاء بالطريقة التي تفعلها كهف العملاق الميت أسفل برجه. كان ماركوس قد تحقق من ذلك سلفاً. لم يكن هناك سوى تفسير واحد لعودتهما المتكررة وغير المفهومة إلى هنا: كان فوياجر يشوه إدراكهما ليقودهما إلى هنا مجدداً. سأل ماركوس اللوايا محبطاً: [ماذا تريد منا؟] لم يتلق إجابة. لم يفاجئه ذلك. فقد سأل فوياجر مسبقاً عن سبب استمراره في التأثير على عقولهما حين ذكر أنه لا يرغب في إيذائهما.
لم يكلف المخلوق الغريب عناء الرد عليه قط. في الواقع، وبعد تبادلهما الأولي، أصبح اللوايا هادئاً بشكل غريب بوجه عام، متجاهلاً معظم استفساراته. ومع ذلك، قد يعود الأمر إلى طرحه أسئلة مثل (كيف انتهيت محبوساً في الجليد)، و(هل رأيت تينياً يدخل هذا المكان قبلنا)، و(ماذا فعلت بالضبط بالسجناء الآخرين)، و(أتقدر على إخباري عن بناة القبو). بدا أن فوياجر لا يبدي اهتماماً كبيراً بالإجابة عنها، وحين لم يعبأ بمناقشة الموضوع، آثر الصمت ببساطة.
أخبره ماركوس، مستحضراً تعليقه السابق: [من الوقاحة تجاهل السؤال تماماً. يجب أن تقول (لا) على الأقل، أو تأمرني بالصمت.] لكن فوياجر ظل صامتاً. في محاولة لحمله على الكلام مجدداً، قرر ماركوس إثارة شيء من محادثتهما السابقة. قال ماركوس: [قبل قليل، قلت إنك أتيت من خارج هذا الكون، وقلت أيضا إنك لست من الهاوية. كيف يعمل هذا؟ أهناك العديد من الغرباء من غير الهاوية وراء واقعنا؟]
أجاب فوياجر: [نعم، بلا حصر. تنشأ الأشياء في الفوضى باستمرار. يذوب معظمها مجدداً في الفضاء البدائي بنفس سرعة تشكلها، لكونها غير محددة بما يكفي لمقاومة القوى المتاكلة هناك. بعضها، مثلي، يملك شعارات قوية بما يكفي لمقاومة الذوبان لفترة، لكن الشعارات المثالية وحدها هي ما يقاوم تاكل الفوضى البدائية للأبد.] سأل ماركوس: [ما الذي يجعل الشعارات مثالية؟] قال فوياجر: [لا أعلم. أعرف مثالين: الهاوية وكونك الخاص. هما وحدهما القادران على مقاومة تآكل الفوضى البدائية إلى الأبد. كل ما عداهما مؤقت، وأنا ضمنه. كل جزء مني. ولهذا كان علي اللجوء إلى هنا إن أردت البقاء.]
سأل ماركوس: [ألا يعمل لهب الصراع ضدك؟] أجاب فوياجر ببساطة: [أستطيع مقاومة تآكل الفوضى البدائية.] صحيح. إن كان ماركوس يفهم الأمور بوضوح، فكان فوياجر شبيهاً بكائن الهاوية فعلاً، ويُصدّ بلهب الصراع تماماً كأي غريب آخر... لا بد أن هذا سبب إخبار اللوايا لماركوس مبدئياً بأنه مرفوض من العالم. غير أن فوياجر لم يكن متحالفاً حقاً مع الهاوية، ولم يكن عدائياً بلا رحمة مثل الشياطين.
وتساءل عما إذا كان الملوك سيعدونه آثماً لمجرد تفاعله مع وجود محرم كهذا... ولكن مجدداً، استقر هذا الشيء هنا، محبوساً في الجليد، لآلاف السنين. ألم يكن ليجهزوا عليه وهو بهذه الحالة لو واجهوا مشكلة حقيقية مع هذا اللوايا الغريب؟ أشار بصمت لبيورتان ليتتبعه وشرع في المشي. وظن طالما أنه انخرط مع فوياجر في محادثة ومنعه من الشعور بالملل الشديد، فسيکف عن جعلهما يعودان إلى هنا.
رغم أن فوياجر، إن أراد حقاً بقاءهما، أفكان ليسمح لهما بالرحيل أصلاً بعد العثور على إرذريث ومواجهتها؟ نأمل أن يكون قد استنباط حلاً بحلول الوقت الذي يصبح فيه ذلك مشكلة.
قال بيورتان: "انتظر. لدي فكرة."
استدار ماركوس لينظر إليه بفضول، لكن بيورتان لم يكلف نفسه عناء الشرح. بل أظهر روحه ببساطة، مما أدى إلى تجسد تنين أبيض ضخم حوله، ملتفاً كحارس وحشي. كان بيورتان يتوخى الحذر بوضوح ليجعله ملحوظاً قدر الإمكان. كان تجسيد الروحه على هذا النحو محدود الفائدة عموماً، وغالباً ما استُخدم للتباهي أو الترهيب. لكن في هذه الحالة، بدا أن بيورتان يستخدمه كمنارة للآخرين كي يلاحظوه.
وهذا ما حدث فعلاً. فعلى مسافة بعيدة، رد زئير تنميني عالٍ فوراً على حركته، تلاه تدفق لشعارات تنمينية قوية استثنائياً. حسناً، لقد وجدا إرذريث. خمن أن هذا يجيب عن سؤاله حول ما حدث لها حين دخلت هذا المكان. علقت في أغنية فوياجر، تماماً مثلما حدث لهما... وهنا ظن طوال الوقت أنها تعمل مع اللوايا. انلقا نحو تنين الثلج، وكان بيورتان يتقدم الصف. أخبره فوياجر: [كانوا أحدهم يوماً، أتعلم. كائناً بدائياً من الخارج. يُقال بين بني قومي إنه حين غزا الملوك هذا المكان من أسياد العناصر، فرض تنين الأسلاف نفسه على طاولة المفاوضات وطالب بإضافة شعاراته إلى النظام الأعظم الجديد الذي كانوا يبنونه. وهكذا، أصبحت شظاياه أصيلة في العالم العظيم من حولنا ولم تعد تعاني الرفض. وا أسفاه، هذا مستحيل بالنسبة لي.]
سأل ماركوس: [لست قوياً بما يكفي، أليس كذلك؟ أتحاول التوسل؟ سمعت أن الملوك قد تكون مغرورة ومستعدة لمنح الخدمات، إن سألت بتواضع كاف.] قال فوياجر: [لست متوافقاً بما يكفي. سيتعين علي التخلي عن الكثير من شعاراتي للاندماج. وأنا لست مستعداً. من يرضى بالتخلي عن جزء من نفسه؟ هل سأبقى أنا من أنا حينها؟ الموت أفضل.] وصلا قريباً إلى تقاطع طرق. انطلق زئير تنميني عالٍ من النفق الواقع على يسارهما، لكن انبعاث الشعارات التنمينية أتى بلا شك من اليمين.
اتجه بيورتان فوراً إلى اليمين، متجاهلاً ما تخبره به أذناه لصالح حواسه الروحية. تابعه ماركوس بصمت. وبالنظر إلى كل ما أخبره به فوياجر، بدا منطقياً أن اللوايا استطاع تحريف حواسهما العادية، لكنه عجز عن تزييف شعارات غريبة عنه تماماً. وبقيادة بيورتان، لم يستغرقا طويلاً للوصول إلى إرذريث. كانت في هيئتها التنمينية مجدداً، وتجوب المكان بقلق داخل إحدى الغرف. واصطف عدد من المخلوقات المحبوسة في الجليد على طول الجدران، لكن لم يكن أي منها مثيراً للاهتمام حقاً.
سمكة عملاقة برأس مدرع، وبشري عملاق بعين واحدة في جبهته، وزوج من الأقزام، وشكل وردي ضبابي لم يستطع ماركوس تبينه حقاً. لم يشبه أي منهم تنين ثلج، لذا صعب فهم سبب بقائها تحوم هنا. لم تبدُ إرذريث ملاحظة لهما في البداية، رغم عدم محاولتهما إخفاء اقترابهما وحمل بيورتان مصباحه الأزرق المميز. حدق ماركوس وبيورتان فيها بصمت لثوانٍ عدة. وتابعت حدقتاها الشبيهتان بقطط، والعموديتان، الالتفات في كل مكان وهي تجوب، عابرتين البقعة التي يقفان عليها مرات عدة دون توقف.
وبفقدانها لغلافها البشري، بدا شكلها الزاحفي الضخم مخيفاً للغاية. بدت كخليط بين نمر وتمساح، لكنها أكبر حجماً من الاثنين، مع إضافة زوج من الأجنحة، وقرون طويلة مستقيمة، وذيل شديد المرونة. استشف ماركوس من حركاتها المحمومة أنها كانت متوترة للغاية، ولم يستطع عقله سوى استحضار صورة أبواب القبو وكيف بدت بعد أن شقّت طريقها إلى الداخل بتلك المخالب الضخمة.
نادى ماركوس، غير جاد في الاقتراب منها طيشاً لئلا تنقض عليه: "أستسمعيننا؟"
لم تستطع. واصلت الطواف حول الغرفة كأن شيئاً لم يكن. سأل فوياجر بالتزامن: [ماذا فعلت بها؟] لكن اللوايا المتجمد لم يجب. حاول ماركوس: [أتعلم شيئاً عن الجهاز الذي تحمله؟ مكعب التحول.] لعلها تجد الموضوع أكثر إثارة. سأل فوياجر: [تعني أثر ديو الذي تستخدمه كمرساة؟] سأل ماركوس مجازياً: [أتمتلك أي مكعبات أخرى تعد عناصر سحرية قوية في حوزتها؟] لم يكن لديه أدنى فكرة عمن أو ما هي الديو، لكن العناصر السحرية على شكل مكعبات لم تكن شائعة.
قال فوياجر: [أجهزة ديو شديدة التطور لاستيعابها بمجرد نظرة، لكني أظن أنه أحد مكعبات التصنيع الخاصة بهم. لقد صنعوا الكثير. إنه يعادل أدوات الحرفي لديكم. استخدموها لمعالجة المواد، وإصلاح الأجهزة المكسورة وتصنيع أدوات أخرى. لا أهتم كثيراً بالصنعة، لكن العديد من الحضارات تقدرها. يبدو أن التنين الصغير تستخدمه كوعاء لمنع روحها من التلاشي بلا جسد.] قبل أن يتمكن ماركوس من مواصلة هذه المحادثة، أشعل بيورتان روحه مجدداً، مما دفع إرذريث إلى التوقف عن الطواف وتحديد مكانهما.
حدقت فيهما لثانية، ضيقة العينين.
قالت: "أستطيع استشعاركم... لكني لا أراكم. لما الأمر هكذا؟ أي نوع من الفخاخ الخبيثة وقعت فيه؟"
أخبرها بيورتان: "هذا عقاب سماوي لمحاولتك التراجع عن صفقتنا."
قالت إرذريث: "أستطيع سماعكم! رائع! استمعا، لم أكن أحاول خداعكم، كنت مستعجلة قليلاً فقط. ساعداني على التحرر من... أياً ما كان هذا! أعدكم أن أوفي باتفاقنا فور إيجاد جسدي. لا، أفضل من ذلك! سأعلمكم بعض أسراري أيضاً! ما قولكم؟"
باتت تسمعهم فجأة... لمَ سمح لها فوياجر فجأة بإدراك كلامهما؟ أخبر ماركوس اللوايا: [فوياجر، قلت إنك تشعر بالقرابة معي. أتستطيع فعل معروف لي والسماح للتنين بالتحرك بحرية واستعادة جسدها؟] اعترف فوياجر: [كنت أنوي التهامها. سيكلفك ذلك ثمناً.] تبا. سأل ماركوس بجهد: [أي نوع من الثمن نتحدث عنه؟] رد فوياجر ببساطة: [معروف.] تَف. فضل ماركوس شيئاً ملموساً أكثر. نظر إلى بيورتان بنظرة منزعجة.
طالب بيورتان: "ماذا؟"
أخبره ماركوس دون شرح: "من الأفضل أن تقدر هذا."
أخبر فوياجر: [حسنا. أوافق.] ارتجفت إرذريث فجأة وهزت رأسها قليلاً، كأنها تستيقظ من حلم، ونظرت حولها بسرعة.
احتجت: "أي جحيم- ظننتني أهيم في الأنفاق! كيف..."
أخبرها ماركوس: "عقدت صفقة مع اللوايا المجمد هنا. وافق على الكف عن العبث بعقلك وسيسمح لك بالاتحاد مجددًا بجسدك. من الأفضل أن تفي بنصيبك من الصفقة، وإلا فسأخبره أن الصفقة أُلغيت وبإمكانه فعل ما يشاء بك."
كررت إرذريث، بادية الارتباك: "لوايا...؟ ما الذي... لا، لا يمكن! كان مفترضاً بذلك الشيء أن يكون مختوماً!"
علق فوياجر في رأس ماركوس: [وجود مثلي، لا ينتمي كلياً لهذا العالم، يصعب ختمه تماماً.]
سألته ماركوس: "ألم تدركي أن ثمة خطباً ما لحظة سماعك الغناء المتغلغل في هذا المكان؟"
اعترفت إرذريث، مهبطة من عزيمتها قليلاً: "أنا... لا أعرف سوى تلك الأمور الدنيئة من القصص. لا بأس. لنعثر على جسدي ونغادر فوراً."
انطلقت فوراً نحو أحد الأنفاق، ما زالت في هيئتها التنمينية، وسارع ماركوس وبيورتان في إثرها. وبما أن عقلها لم يعد متأثراً، بدت كمن يعرف إلى أين تتجه بالضبط.
سألها بيورتان أثناء تحركهما: "ما ذلك الشيء على أي حال؟"
قالت إرذريث: "انحراف قديم من وراء حدود الكون المعروف. لديهم قدرات غريبة تتحدى الحس السليم وأذكياء وأقوياء لدرجة مرعبة. الصغار منهم مائيون، لكن يقال إن العجائز منهم يستطيعون اجتياز الفراغ بلا مساعدة والعيش في الفضاء بين الكواكب."
التفتت برأسها التنميني العملاق نحو ماركوس.
"قلت إنه كلمك؟"
أكد ماركوس: "نعم."
نظرت إليه بريبة وقالت: "لمَ يتكرم بمخاطبتك؟ هم معروفون بازدرائهم لمعظم المخلوقات، حتى التنانير. آاه، الأرجح أنه شعر بالملل من سجنه الطويل. لقد وصلنا!"
لقد وصلا إلى غرفة كبيرة أخرى. ومثل سابقاتها، ضمت هذه عدداً من السجناء المجمدين في الجليد. وأبرزها، احتوت كتلة الجليد الأكبر على جسد تنين ثلج كبير. بدا شكله ضبابياً، وملتفاً بوضعية جنينية، لكن ماركوس تمكن من رؤية أوجه التشابه مع التنين بجانبه فوراً. بدا جلياً أن بناة القبو أولوا عناية خاصّة لختم جسد التنين. فلم تقتصر كتلة الجليد الحاوية له على ضخامتها، بل أحاط بها إطار معدني وعدة أنابيب غامضة الغرض اخترقت الجليد واتصلت بالجسد داخله.
ورغم خفائه عن البصر، استطاع ماركوس استشعار ثقل الحواجز هنا خصيصاً – ولم تكن بكثافة تلك التي تكبح فوياجر، لكنها حتماً أقوى من سائر السجناء. الغريب أن جسدها لم يبدو ميتاً كالكثير من السجناء الآخرين. أكان ذلك لأن زنزانتها كانت أنيقَة أكثر من البقية، أم لأن جسدها خلا من العقل، وبالتالي لم يتح لفوياجر سبيلاً سهلاً للتأثير عليه؟
قالت إرذريث، مقتربة ب impatience من كتلة الجليد الحاوية لجسدها ووضع يدها المخلوبة على سطحها: "أخيراً."
ومضت دائرة ختم معقدة إلى الوجود لحظة لمسها لكتلة الجليد، كاشفة عن تشكيلة معقدة من الأشكال الهندسية والرموز. قطبت إرذريث جبينها، متراجعة خطوة ومرتفعة لتجلس على ساقيها الخلفيتين. كانت ساقاها الأماميتان شديدتي الشبه باليدين، متى غاض المرء المخالب الضخمة في نهاية كل إصبع.
أمرت: "تراجعوا."
نطقت عدة جمل بلغة لم يفهمها ماركوس، ورسمت شكلاً مثلثياً بسيطاً في الهواء بأحد مخالبها، ثم صرعت ساقيها الأماميتين بقوة في كتلة الجليد. تحطمت الدائرة السحرية إلى شظايا فوراً وتلاشت. ظن ماركوس أنها ستكسر كتلة الجليد تالياً، لكن جسدها غدا شفافاً وذاب في دخان أثيري. وبدلاً من تنين مخيف ضخم، استقر مكعب أسود صغير عائم في الهواء. تكثف الدخان بسرعة ليغدو كرة متوهجة فوق المكعب، ثم انطلق كسهم نحو الجسد المحبوس داخل الجليد.
في اللحظة ذاتها، انفجرت كتلة الجليد، مجبرة ماركوس وبيورتان على حماية نفسيهما من مطر شظايا الجليد. نظف ماركوس الغرفة بتمويحة عرضية من يده، كاشفة عن فجوة هائلة حيث كانت كتلة الجليد مستقرة، مع وقوف إرذريث على أربع أمامها. كانت ترتجف وتنتفض لثوانٍ عدة، نافشة أجنحتها مرات عدة قبل أن تطويها مجدداً ضد جانبي جسدها. وأخيراً، مدت ظهرها وتثاءبت كقط منزلي ضخم متبادلة النظرات معهما.
مرت ثوانٍ متوترة بينما انتظر ماركوس وبيورتان ليروا إن كانت ستهاجم الآن وقد استعادت جسدها.
سألت فجأة متخذة وضعية أكثر استرخاء: "لما أنتما متوتران فجأة؟ ألا شكوك حول شرفي بالتأكيد؟ لسنا شركاء، أم ماذا؟"
ظل المكعب الأسود طافياً في الهواء. خطفته إرذريث بسرعة ودفعته في صدرها. غاص المكعب بطريقة ما داخله دون إلحاق أي أذى بالتنين، وبعدها عجز ماركوس عن استشعاره. مثير للاهتمام للغاية.
قال بيورتان: "حسناً. بخصوص صفقتنا..."
قاطعته إرذريث بغرز أحد مخالبها بين حراشف طرفها الأمامي الآخر، مستخرجة دماً. مدت ذلك الطرف نحو بيورتان.
وقالت: "أعطني وعاء."
وكما توقع، حمل بيورتان زجاجة قوية بما يكفي لاحتواء دم التنين. أقدم بها مسرعاً، فاعتصرت إرذريث ثلاث قطرات من دمها فيها قبل أن تتراجع.
قالت إرذريث: "ستحصل على الحراشف حين نخرج من هذا المكان. وعلاوة على ذلك، وعدتك حتى بتعليمك كيفية قيادة بعض قواك التنمينية. تذكر أن مصلحتك تكمن إذاً في ضمان بقائي حية."
هاه! أباتت قلقة على حياتها فجأة؟ وحين فكر في الأمر، إن لبت كل ما طلبه بيورتان الآن، فلن يعود هناك ما يمنع ماركوس من إخبار فوياجر ببساطة بأنه يستطيع التهامها طالما أنه غير معني. لذا كانت هذه خطوة ذكية منها كنوع من التأمين. حول إرذريث انتباهها إلى ماركوس.
علقت: "أنت أوسع حيلة مما ظننت في الأصل. لقد ذهبت لحد عقد ميثاق مع الكلاتو لتحريري... أرغب في رد الجميل لك، لكن كنزي قد زال، ولست متأكدة مما يمكنني تعليمك إياه. للأسف، أنت تمارس تقنية فلاحية وضيعة عوضاً عن تقنية سامية مثل تحول التنين، لذا سيكون أي توجيه أمنحك إياه محدود الفائدة."
أخبرها ماركوس: "لا تقلقي بشأني وبشأن طرقي الفلاحية. يمكنك رد الجميل بمنح بيورتان أفضل توجيه ممكن تقوين عليه."
لم يكن الأمر أن ماركوس بلا اهتمام بما يمكن لهذا التنين الغريب تعليمه إياه، لكنه خشي أن تتخذ ذلك ذريعة لتقليل حجم المساعدة التي تقدمها لبيورتان، بحجة اضطرارها لتقسيم انتباهها بين الاثنين. وكما قالت، كان بيورتان المستفيد الأكبر من أي مساعدة يمكنها تقديمها.
قبلت إرذريث كلماته بسهولة: "حسناً إذن. لننطلق إذن. وكلما أسرعنا بمغادرة هذا المكان، كان أفضل."
بينما شقوا طريقهم مسرعين نحو مدخل القبو، توقع ماركوس نشوب أزمة ما. ربما يبدأ القبو بأسره في الانهيار الآن بعد أن استعادت إرذريث جسدها، أو يقرر فوياجر عدم السماح لهم بالرحيل بعد كل شيء. غير أن شيئاً من هذا لم يحدث. لقد انتهى بهم المطاف حقاً في القاعة الكبيرة الحاوية للوايا المتجمد، بعينها التي ما زالت مفتوحة وتتبع كل حركاتهم، لكن فوياجر لم يبدُ مهتماً بإبقائهم هناك.
قال له ماركوس: [وداعاً يا فوياجر. قد يكون هذا سؤالاً غريباً، لكن أستكون بخير هنا؟ بغض النظر عن الحواجز التي تحبسك، فأنت أضخم من أن تسعك الممرات.] ربما كان اللوايا غريباً وخطيراً، يعبث بعقولهم ويتحدث عن أمور لم يستوعبها ماركوس تماماً ولم يستطع تأكيدها، لكنه لم ينطباع بسيئاً عنه. وحتى المعروف الذي طلبه منه لم يُفرض بعقد سحر ما – بل كان مجرد مسألة شرفية. عموماً، أبدى ماركوس استعداداً لمساعدته حقيقة.
بل ربما يتكفل ذلك المعروف المزعج الذي يدين له به. قال فوياجر: [قلقك مريف لكنه بلا داعٍ يا يتيم الحرب.] لم يبدو صوته مريفاً بشكل خاص، لكن مجدداً، لم يكن سوى صوت ماركوس المشوه المرتد إليه.
[لدي مخرج من هذا الجبل.]
حسنًأ إذن. أخبر اللوايا: [نحن راحلون.] قال فوياجر: [سأتأمل حول الدوامة العظيمة لأستعيد قوتي. تعال وابحث عني حين تبلغ الرتبة التاسعة ولنتحدث عن ذلك المعروف الذي تدين به لي.] توضأ وجه ماركوس بمزيج من الترف والإنكار. بالطريقة التي يتحدث بها فوياجر، يظن المرء أن بلوغ مرتبة القمة ليس سوى نزهة في الحديقة، وليس شيئاً يمضي معظم المحترفين حياتهم كلها في مطاردته بلا جدوى...
وأين بحق الجحيم توجد الدوامة العظيمة؟ وما هي الدوامة العظيمة أصلاً؟ لا بأس. لن يسأل. إنه خطأ فوياجر وحده لعدم شرح الأمور بشكل صحيح. تركوا المخلوق في كتلته الجليدية، واجتازوا الممر المحبوس بين السجن ومدخل القبو، بل وخرجوا من الكهوف تحت الجبل. خطفت إرذريث بعض العناصر في الأقبية التي مروا بها. ولمتلاكها أية جيوب، ألصقتها ببساطة إلى خواصرها بقطعة سحرية غريبة وواصلت التقدم.
أوضحت: "بما أنني حزت جسدي مجدداً، أود البدء في بناء كنزى من جديد."
كان من حسن الحظ أن ماركوس جمع أفضل الأشياء قبل أن يعيدوها. وحين وجد ماركوس وبيورتان نفسيهما على السطح وأخذا نفساً عميقاً من الراحة، ظانين أنهما حلا كل شيء بنجاح، نهض نحو اثني عشر عنصراً أرضياً من الأرض في دائرة فضفاضة حولهما. قبل أن يتمكن أي طرف من الهجوم، صعدت آلة قزمية مألوفة من الأرض أيضاً، ناثرة الثلج والجليد، لكنها تركت الصخور والتربة دون إزعاج بدخولها. كشر الوجه المنحوت في المعدن في وجهيهما، بعينيه المتألقتين.
تجسدت صورة وهمية لإيتور، القزم الذي تحدثوا إليه سابقاً، أمامهما.
صاحت صورة إيتور: "أنتما! أنتما تعاشران التنين، أليس كذلك؟ كنت أعلم أنه لا يجب أن أثق بكم أبداً أيها الرعاع! سأمنحكم فرصة أخيرّة لحل هذا بسلام. تنحيا جانباً ولا تعيقا!"
بدت إرذريث، ما زالت في هيئتها التنمينية، قلقة بشكل لا يصدق لتنين فخور، مستعدة للهروب في أي لحظة. وربما لا تزال ضعيفة من استعادة جسدها، ولم تبدُ واثقة جداً من وقوف الاثنين للدفاع عنها. من هذه الناحية كانت مخطئة تماماً. وحتى إن لم يكن بيورتان هنا، لقاتل ماركوس الأقزام، ولو لسبب واحد هو أن موقفهم أثار حنقه.
قال بيورتان بحزم: "ولا حتى فرصة. لقد توصلنا إلى اتفاق مع التنين. ومن الآن فصاعداً، هي تحت حماية عشيرة التنين الأبيض وأنا. هذه المطاردة انتهت. غادرا إقليمنا فوراً أو واجها غضبنا!"
قطب إيتور وجهه نحوه.
"أه، وأمر آخر. يبدو أنكم عثرتم على قبو قزمي قديم ونهبتم بعض كنوز أسلافنا الثمينة. وبصفتي ممثلاً للملك أوريست، أطالب بهذا الموقع باسم القاعة الزمردية وأطالبكم بتسليم كل ما أخذتموه!"
زمجرت إرذريث، نافشة أجنحتها: "أيها الجشع الحقير، بأي حق لك أو لمملكتك البائسة المطالبة بأي من هذه الكنوز؟ لست سوى ناهب مثلنا!"
قال إيتور ملقياً نظرة ازدراء عليها: "همف، تنين ينعتني بالجشع. يا لها من سخرية! سأمنحك صفقة يا تنين - سلمي مكعب التحول ولا تعيقا شجارنا مع هذين الاثنين، وسأدعك ترحلين ولا ألاحقك بعد الآن."
قالت إرذريث ببساطة: "أرفض."
لم تبدُ كمن فكر في الصفقة أصلاً، رغم تأكد ماركوس من أن الأمر تعلق برفضها التخلي عن المكعب أكثر من كونها غير راغبة في خيانتهما.
"لم تستطع التعامل معي حين كنت وحدي. فلمَ أتخلى عن الأمر الآن، ومعي حليفان قويان بجانبي؟"
قال بيورتان: "أقلع عن ذلك. محاولاتك لتقسيمنا لا تنطق إلا بضعفك. غادر قبل أن تخسر أكثر مما تستطيع احتماله."
مسح ماركوس المنطقة حوله، مقيماً خصومه والتضاريس من حوله، واضعاً خططاً قتالية. برأيه، باتت المعركة حتمية في هذه المرحلة. لن يتراجع أي من الطرفين.
قال إيتور ببطء: "أخسر أكثر مما استطيع احتماله؟ أيها الأوغاد البشريون الأغبياء! تخطئون طيبتي جبناً. أنا مستعد لخسارة كل شيء هنا! بل إن مكعب التحول وحده يجعل هذا المسعى بأسره مجدياً، حتى لو هلك الجميع تقريباً! لو كانت لديكم أي فكرة عن أهميته..."
قال ماركوس، عاقداً ذراعيه فوق صدره: "أعلم أنه أثر ديو. وماذا بعد؟ هذا لا يغير شيئاً."
كان يتبجح، بالطبع. لم يكن لديه أدنى فكرة عما يعنيه كون الأمر أثر ديو. ومع ذلك، تسببت تصريحاته في إلقاء كل من إرذريث وإيتور نظرات مذهولة عليه، كأنهما لا يصدقان معرفته بالأمر. وحتى بيورتان منحه نظرة غريبة. وقبل أن يتمكن أحد من متابعة جدالهما، بدأت الأرض تهتز، وصوت دوي عالٍ من مكان ما خلفهم. التوت صورة إيتور الوهمية وغدت ضبابية، وصارع ماركوس وبيورتان للبقاء واقفين. ولبلوغها أربع أرجل، كانت إرذريث أكثر استقراراً، لكنها بدت متفاجئة بالحدث أيضاً.
فجأة، انفجر الجبل. ولم يكن انفجاراً صغيراً كذلك. فقد نُسفت فتحة هائلة للغاية في جانب الجبل، ولم تكن مواجهة لتجاه المجموعة لحسن الحظ، مرسلة كميات هائلة من الصخور والغبار في الهواء. وبعد وقت ليس ببعيد، انطلق شكل داكن هائل خارج الفجوة. كان فوياجر. والآن بعد تحرره من الجليد، تمكن ماركوس من دراسة شكله بشكل أفضل، حتى من هذه المسافة. بدا جسده البالغ طوله أربعين متراً شبيهاً بالحوت نوعاً ما وذا لون أخضر داكن، لكن بأربعة زعانف عوضاً عن اثنتين، وزعنفة كبييرة سمكية الشكل على الظهر، وبجلد غني بالعديد من الصفائح العظمية.
ونبتت من فمه أربعة أشياء طويلة وسميكة شبيهة بالشوارب، تتلوى وتتحرك باستمرار وهو يصنع دوائر كسولة في الهواء، ناظراً إلى العالم من حوله بثلاث عيون عملاقة – اثنتان على الجانبين، وواحدة في جبهته. أهذا ما قصده اللوايا بقوله إنه (يملك مخرجاً من الجبل)؟ كان من حسن الحظ للغاية أنهما غادرا الأنفاق في الوقت المناسب... وققبل أن يستطيع أحد التفاعل مع الموقف حقاً، وجه فوياجر نفسه نحو السماء وانطلق كسهم، مكتسباً الارتفاع بسرعة.
وفي ثوانٍ معدودات، اجتاز مسافات لا تصدق واختفى عن البصر. لم ير ماركوس شيئاً كهذا قط. وللأسف، كانت هذه اللحظة التي قررت فيها آلة الحرب القزمية شن هجومها على المجموعة. وانضمت العناصر الأرضية من حولهما إلى الهجوم فوراً.