ذروة السحر الفصل 21 — المراتب، العوالم، وكل شيء

اقرأ ذروة السحر الفصل 21 — المراتب، العوالم، وكل شيء باللغة العربية على مانجا تايم.

الفصل 20: الراتب، والعوالم، وكلّ شيء.

قال ماركوس مستهلاً درسه: "حين تبلغون الرتبة الأولى في السحر، ستتمكنون من أداء التعاويذ".

وتابع: "لكنّ فعل ذلك يتطلب منكم السيطرة على المانا المحيطة بكم وتشكلها. لكل تعويذة بنيتها، وحدود سحرية مؤلفة من الرموز التي تحدد ماهيتها وما تفعله".

ولمساعدتهم على استيعاب الفكرة، لوح ماركوس بيده أمامه وألقى تعويذة ضوء أساسية. كبح عن عمد جوهره الرمزي وروحه، وألقى التعويذة بأبسط وأبدأ الطرق الممكنة. لقد تجاوز منذ زمن طويل إلقاء التعاويذ بالاعتماد على المانا الشحيحة المحيطة به في تلك اللحظة، لكن هذا لا يعني عجزَه عن فعلها هكذا إن أراد. تجسد في الهواء رسم توضيحي معقد مصنوع من إشارات متوهجة للحظة واحدة، وتجمعت عليه خيوط طاقة مرئية من كل زاوية في الغرفة، إلى أن أومض فجأة وتكثف ليصير كرة ضوء بحجم قبضة اليد.

راحت ترتفع وتخف في الهواء للحظة، ثم اندفعت بتوجيه من أمر ماركوس العقلي عبر الغرفة بضع مرات لتفزع تلاميذه.

قال ماركوس: "قدرتكم على استشعار المانا وجمعها والتلاعب بها، والتي تُعرف شائعة بمهارات التشكيل، بالغة الأهمية في هذا المستوى. عليكم تعلم الحركات والتعويذات الأساسية، لكنّ ذلك هو الجزء السهل بصراحة. إنه مجرد مسألة حفظ وتكرار. الجزء الصعب سيكون تطوير مهارات التشكيل تلك. وكلما تحسنت، تمكنتم من جذب مانا محيطة أكثر. كما تعني مهارات التشكيل الأفضل قدرتكم على بناء حدود سحرية أعقد، وبالتالي إلقاء تعاويذ أقوى وأكثر تنوعاً".

علق ريجولوس: "سمعت أن سحرة الرتبة الأولى يعتمدون كلياً على بيئتهم لإلقاء التعاويذ، وأنه لا يُسمح لهم بمغادرة الأكاديمية بلا مرافقة سحر حقيقي".

قال ماركوس: "هذا صحيح. سحرة الرتبة الأولى لا يملكون مانا تخصهم، وعليهم جمع المانا المحيطة من الأرض حولهم لإلقاء أي شيء".

في أكاديمية البحر العظيم، كان الطالب الذي يقاطع درساً كهذا الذي فعله ريجولوس سيلقى عقوبات صارمة، لكنّ تلك الدروس كانت تُلقى على طلاب كثر دفعة واحدة والحفاظ على الانضباط كان عسيراً. كان ماركوس مسؤولاً عن مجموعة أصغر بكثير ولم يمانع مقاطعتهم له لطرح الأسئلة. كانوا منتبهين على الأقل.

"يُدعون متدربين في أغلب الأكاديميات، ولا يُعدون سحرة حقيقيين. ومع ذلك، حتى حين تتجاوزون هذا المستوى، لا ينبغي لكم ازدراء هؤلاء المتدربين بوصفهم عزلآ. التعويذة التي يلقيها ساحر من الرتبة الأولى لا تقل شأناً عن تلك التي يلقيها ساحر من الرتبة الثانية".

بدا تلاميذه مرتابين من قوله.

قال له ديوقليس: "يا معلم، يعلم الجميع أن سحرة الرتب الأعلى أفضل في كل شيء ممن دونهم".

قال له ماركوس: "إذن فالجميع مخطئون. لو ألقى ساحر من الرتبة الأولى وساخر من الرتبة الثانية التعويذة نفسها، ولم يرتكب أحدهما أي خطأ، لكانت النتيجة متطابقة. ستضرب التعويذتان بالقوة ذاتها، وسيكون الاثنان متكافئين".

بدا معظمهم حائرين من كلماته، فراحوا يتلوون ويقطبون جباههم ويتبادلون نظرات غريبة. ما كان يقوله يتعارض مع كل ما عرفوه عن نظام الرتب الذي يتبعه المتمرسون. ما رتب القوة إن لم تكن دلالة على عجز تام عن هزيمة أحدهم؟ مع ذلك، عرف ماركوس عما يتحدث. ظل صامتاً، يراوده الفضول حيال ما سيقولونه بعد.

سألت كريكت بتردد: "إذن لا فرق بين ساحر الرتبة الأولى والثانية؟"

قال لها ماركوس: "بلي هناك فرق بالطبع".

ونظر إليها نظرة من استحمقها.

قالت كريكت، متلعثمة قليلأ تحت ثقل نظرته: "أعني، إن لم تكن لساحر الرتبة الثانية أفضلية على ساحر الرتبة الأولى..."

قاطعها ماركوس: "له أفضلية على ساحر الرتبة الأولى بالطبع".

أطبقت كريكت شفتيها امتعاضاً، متخمنة على الأرجح أنه يعبث بها بطريقة ما. ألقى ماركوس نظرة على ريجولوس وإيريس.

قال لهما: "أنتما تعلمان يقيناً عما أتحدث. لما لا تشاركانه مع بقية المجموعة؟"

قال ريجولوس: "امم، لا أعرف الكثير حقاً".

قالت إيريس ببرود: "سحرة الرتبة الثانية يملكون مانا أكثر".

كان هذا الدرس بأسره إضاعة للوقت بالنسبة لها على الأرجح، لكنّ بما أنها لم تُعلم ماركوس بمستوى معرفتها، فسيرغمها على الاستماع إلى هذا كله على أي حال. هذا ثمن الكتمان.

"تعاويذهم ليست أفضل بالضرورة، لكنهم يستطيعون إلقاء المزيد منها وبسرعة أكبر. بوسعهم سحق أي ساحر رتبة أولى يصادفونه ببساطة".

أضاف ريجولوس: "لديهم مخزون مانا داخلي يمكنهم الاستمداد منه. لا يحتاجون إلى جمع المانا من البيئة لإلقاء التعاويذ".

سأل فوليسوس بارتياب: "لكنهما يستطيعان دائماً التحول إلى استخدام المانا المحيطة حين ينفد مخزون المانا الداخلي، أليس كذلك؟"

أومأ ماركوس برأسه.

"يبدو إذن أن سحرة الرتبة الثانية أفضل بوضوح من سحرة الرتبة الأولى".

قال له ماركوس: "الرتب مهمة حقاً. مع ذلك، من بالغ الأهمية أن تتذكروا دائماً هذا: الرتب ليست كل شيء. يجب أن تضعوا في اعتباركم ما يجعل رتبة معينة أفضل بدقة. لكل رتبة قوة ميزة محددة تمنح السحرة الذين يمتلكونها أفضلية كبرى على كل من هم دونهم، لكنّ تلك الأفضلية لا تنطبق على كل شيء وليست عصية على التخطي. كمين. أفضلية بيئية. تعاويذ أفضل. خبرة قتالية أوسع. حيلة خبيثة أو اثنتان. أي من هذه قد تتيح لساحر أدنى رتبة هزيمة من يعلونه. لا يجب أبداً الاستهانة بخصومكم، حتى لو تفوقوا عليكم رتبة".

صمت تلاميذه لبرهة.

قال فوليسوس: "أدرك أنه يجب أن نبقى متواضعين".

بدا متردداً على غير عادته، منتقياً كلماته بحذر.

"لكن كم يحدث هذا حقاً؟ ساحر أدنى رتبة يهزم ساحراً أعلى رتبة، أعني".

قال له ماركوس: "في الرتب المنخفضة كهذه؟ طوال الوقت. في الأكاديميات الكبرى، ينال الطلاب تعليماً راسخاً في تشكيل المانا، ويخضعون لتدريبات واختبارات منتظمة لضمان سرعة تعويذاتهم وحركاتهم وعفويتها، ولديهم مجموعة واسعة من التعاويذ لتعلمها والتمرن عليها. ومع ذلك، هناك في العالم الخارجي سحرة كثر ذات إمكانات أشد تواضعاً. بعضهم محروم من التوجيه لدرجة تجعلهم لا يتجاوزون الرتبة الأولى أبداً. يظلون متدربين طوال حياتهم. أما أولئك الذين يتقدمون إلى الرتبة الثانية، فالكثير منهم لا يعرفون سوى حفنة من التعاويذ. ويمارس العديد منهم أيضاً تقنيات أساسية رديئة تبقي احتياطياتهم الداخلية من المانا ضغيرة وغير مستقرة. وحين يُزج بأناس كهؤلاء في معركة ضد متدربين من الأكاديميات الكبرى، فإنهم يخسرون في الغالب الأعم".

وتابع ماركوس: "بين هذين الطرفين، هناك نطاق واسع من مستويات المهارة. أشخاص من أكاديميات أصغر ذات أساسات متينة لكنها غالباً ما تفتقر إلى تشكيلة تعاويذ واسعة. أفراد من عشائر صغيرة وعائلات سحرية ذات مهارات غريبة وقوية، لكنها بالغة التخصص. متمرسون من دروب أخرى يصعب الحكم على قوتهم. تفوق الخخصم عليك رتبة ميزة هائلة، لكن لا يجب أن تستهين بأحد".

اعترافاً بالحق، كانت الهزائم المفاجئة أقل شيوعاً في الرتب الأعلى. لكنّ جزءاً من ذلك يعود لكون المتمرسين أشد خبرة بكثير في ذلك المستوى، وبالتالي أقل عرضة لسوء التقدير والاستهانة بخصومهم. ولم يرغب في الخوض في الجزئيات التقنية هنا. كان هدفه جعلهم يفكرون مرتين عند مواجهة الناس وألا يموتاً بسبب الغطرسة المحضة، وهو أمر أدى إلى هلاك العديد من السحرة الشباب الموهوبين عبر القرون.

سألت كلوديا: "هل يجب أن نقاتل؟"

هز ماركوس رأسه نفياً: "لا. لا يوجد شرط للقتال والقتل للتقدم عبر الرتب. يُزعم أن بعض النساك نجحوا في الارتقاء بالرتب والصعود إلى السماوات الخارجية بينما كانوا يتأملون وحددهم في كهوف أو يرسمون تحفتهم الفنية الأخيرة وما شابه".

رغم أن ماركوس لم يشهد شيئاً كهذا شخصياً قط.

"مع ذلك، كلما أصبحت أقوى، صار فعل ذلك أصعب".

سألت كلوديا: "لم؟"

"لكي تصبح قوياً، فأنت تقف على أتاف عمالقة على الأرجح. أنت وارث لتراث عريق وقوي. لقد استثمر أحدهم وقتاً وجهداً طائلين لتعليمك أساسيات الحرفة، وحماك حين كنت ضعيفاً. أنت فرد في منظمة على الأرجح، ولديك أصدقاء وعائلة. وحين تتعرض هذه الأشياء للتهديد ويطرق الناس بابك طالبين العون، يصعب البقاء على حياد. وحين تتورط في الأمور، تبدأ في جمع الأعداء على الأرجح، سواء أردت ذلك أم لا"، هكذا شرح ماركوس.

نقر ذقنه بتفكير، محاولاً استحضار مثال محدد.

"فلنفترض أنك عدت من تدريبك ذات يوم ورأيتني أتعرض لهجوم وحشي. ماذا ستفعلين؟"

ألقَت عليه كلوديا نظرة خاوية.

وضح ماركوس: "تخيلي أنني عاجز عن الدفاع عن نفسي. يحدث هذا كله حين تكونين بالغة وقوية، وقد صرت أنا واهناً وضئيلأ. أنا ملقى على الأرض ورجل ملتحث بثوب أحمر قاني، وقد توارى وجهه في الظلام، يقف فوقي ممسكاً بعصا مرفوعة فوق رأسه مستعداً للإجهاز علي. لا بد أنك ستأبين للدفاع عن معلمك، أليس كذلك؟"

بدأت كلوديا قائلة: "أنا..."

وابتلعت ريقها بصعوبة.

"سأصرخ ليساعدنا أحد، حتماً!"

اختلج فم ماركوس قليلاً. هذه الفتاة...

قال لها: "الآن بات يريد إسكاتك. لا يمكنه المجازفة بكشفك هويته لاحقاً. عليك القتال أو القتل".

أشار فوليسوس: "قلت إن وجهه يتوارى في الظلام".

قال له ماركوس: "أخرس. لم أكن أكلمك".

هز رأسه. لقد حادا عن الموضوع.

قال: "لا مهم. علينا العودة لمناقشة رتب السحرة على أي حال".

"وكما سمعتم بالفعل من إيريس وريجولوس، فالأمر الذي يجعل سحرة الرتبة الثانية مميزين هو أنهم شكلوا وعاءً روحياً مُستَمداً من البيئة لاستخدامه لاحقاً. يتيح الاستمداد من احتياطيات المانا الداخلية هذه لساحرة الرتبة الثانية تخطي خطوة جمع المانا في إلقاء التعويذة، ويمنحهم مانا آمنة ينهلون منها حين تنفد المانا المحيطة أو تفسد بتأثير ما. هكذا، يمكنهم إلقاء التعاويذ بسرعة أكبر وبتكرار يفوق ساحر الرتبة الأولى".

وتابع ماركوس: "خلق مخزون مانا داخلي ليس بالإنجاز الهين. عملية خلقه تعويذة شديدة التعقيد والتطلب في جوهرها. تحتاج إلى مهارات تشكيل ممتازة للغاية لتنفيذها، وصلابة عقلية للحفاظ على التركيز لفترات طويلة، والكثير والكثير من المانا. مانا تفوق ما هو متاح حول برجنا".

سألت كريكت: "ماذا؟ إذن من أين نحصل على مانا كافية لفعل ذلك؟"

قال ماركوس: "إما جرعة مانا قوية، أو مادة سحرية قادرة على إطلاق دفعة هائلة من المانا عند تدميرها. ستكفي بلورات أركانية متنوعة. كلا الخيارين باهظ الثمن، لكن لا داعي للقلق بشأن ذلك. حين يحين وقت تقدمكم، سأوفر لكم كل ما يلزم. جل ما تحتاجون لمعرفته الآن هو أنه لا يمكنكم تشكيل احتياطيات المانا هكذا لنزوة - ستحتاجون إلى مواد باهظة ومكان هادئ لن تتعرضوا فيه للهجوم أو التشويش بسبب أي شيء لفترات طويلة من الزمن. حين ترون أنكم مستعدون، تعالوا وابحثوا عني وسأساعدكم في الترتيبات اللازمة".

عرف ماركوس أن بعض تلاميذه، لا سيما فوليسوس، شعروا بأنه لا يوفّر لهم الدعم الكافِ، لكن ذلك كان حكراً على الأمور التي عَدّها ماركوس كماليات. لو ظن حقاً أن شيئاً ما سيساعدهم على التقدم عبر الرتب بشكل أسرع دون الإضرار بأسسهم، لما بخل به. كان بعض المتمرسين يحجبون عمداً موارد التقدم عن طلابهم ليدفعوهم إلى الاقتتال على الأشياء، معتقدين أن الصراع والتنافس بين الطلاب يغذي التميز.

مع ذلك، لم يكن ماركوس يولي تلك المدرسة الفكرية شأناً كبيراً. لم يرغب في التعامل مع طلابه وهم يكيدون لبعضهم ويلجأون إلى السحر الأسود لمجاراة تلاميذه الأوائل. كانت لديه توقعات دنيا معينة من طلابه، وما داموا يلبونها، فلن يتخلى عن أحد منهم. اعترافاً بالحق، كانت تلك التوقعات الدنيا عالية جداً بمعايير البحر العظيم. لكنّ ماركوس شعر أيضاً أنها قابلة للتحقيق للغاية. كان عليهم الارتقاء إلى اسم أكاديمية الزينيث.

سألت كاسيا: "إن كان سحرة الرتبة الأولى متدربين، فماذا يُدعى سحرة الرتبة الثانية؟"

قال لها ماركوس: "سحرة فحسب. الغالبية العظمى من السحرة هناك هم من الرتبة الثانية. وفي الأكاديميات الكبرى، لا ينجح سوى خمس سحرة الرتبة الثانية في التقدم إلى الرتبة الثالثة. والأرقام أسوأ حتى في الأكاديميات الأصغر. بالمقارنة، يتقدم كل ساحر رتبة أولى تقريباً إلى الرتبة الثانية في النهاية، ما لم يكن من تقاليد سحرية ضعيفة للغاية. لذا تعتبر أغلب القوى سحرة الرتبة الثانية المعيار الذي يُقاس عليه كل ما عداه".

سأل ريجولوس: "إذن ما الذي يجعل الرتبة الثالثة بالغة الصعوبة؟"

سأله ماركوس: "ألا تعرف؟"

ظن يقيناً أن شاباً مجداً مثله سيحفظ نظام رتب السحرة بأسره مئة مرة.

هز ريجولوس رأسه وقال: "لا أعرف. لا تسمح مكتبة أدريا بتوزيع كتب تتناول السحرة فيما بعد الرتبة الثانية على غير السحرة".

مم. كان ذلك صحيحاً، لكنّ ماركوس توقع أن تتجاهل عائلة أُتيسينس أموراً كهذه وتُعلم ريجولوس برتب السحرة وكل أنواع الأسرار على أي حال. أمر غريب.

قال لهم: "يُعرف سحرة الرتبة الثالثة أيضاً بسحرة الرموز. سمتهم المميزة هي نجاحهم في استيعاب شظية من رموز العالم داخل أنفسهم. قد يتذكر بعضكم خطابي عن كيف أن العالم مصنوع من كلمات، وكيف أن لغة الخلق هذه هي ما يُصنع منه كل شيء، أنتما وأنا ضمناً. ربما بدا ذلك هراءً محضاً، لكنّ الرموز، اللغة التي تحدد الخلق، حقيقية للغاية. بل إنكم تتفاعلون معها بالفعل حين تؤدون تقنية شجرة الروح، حتى إن كنتم لا تستطيعون استشعار رموز التقنية الكامنة في هذا المستوى من المهارة".

سألت جوليا: "هل يمكن لأحدنا أن يكون قد شعر بها بالفعل؟"

أثناء ممارسة تقنية شجرة الروح أظن أحياناً أن الأشجار تحدثني". ضحك ريناتوس وكريكت بسخرية منها، مما دفعها لإلقاء نظرة محتقرة عليهما. قال لها ماركوس: "تلك مجرد نتيجة لقرابتكم الخشبية على الأرجح". أو أنها تخيلت الأمر برمته وكان في رأسها وحدها. "أشك في قدرة أي منكم على استشعار رموز الأشجار من حولنا، وحتى لو فعلتم، فلن يجديكم ذلك نفعاً كبيراً في الوقت الحالي". سألت كلوديا: "أه!

لأننا لا نملك مخزونات مانا خاصة بنا بعد، أليس كذلك؟"

أكد ماركوس: "هذا صحيح. حتى لو استطعتم استشعار شظية رموز وعزلها، فلن تجدوا مكاناً تضعونها فيه. تحتاجون إلى وعاء يمكنه احتضانها. بالنسبة للسحرة، ذاك هو مخزون المانا الداخلي".

تمتم ريناتوس لنفسه بصوت خفيض لم يسمعه بقية الطلاب: "مساحة تخزين..."

"على أي حال، عزل شظية رموز ليس بالأمر السهل أصلاً، لكنّ المتاعب تحل حين يحين وقت استيعابها في مخزونات المانا لديكم. الرموز تحدد الواقع. المانا وقود السحر، سهلة التأثر. حين تسقطون شظية رموز في بركة مانا، ستفرض تأثيراً عليها وتهيجها حتى تثور. يشبه الأمر محاولة ابتلاع بذور عاصفة. إن كانت مخزونات مانا لديكم ضحلة جداً أو غير مستقرة، أو حاولتم فرض الأمور قبل أن تكونوا مستعدين، فقد تجعلون مخزونات المانا لديكم غير صالحة للاستخدام أو تمزقونها إرباً حتى. قد تهوون مجدداً وبشكل مباشر إلى الرتبة الأولى بدل التقدم".

بدا عليهم جميعاً الرعب من الفكرة. حسناً، باستثناء إيريس، التي ظلت ترمقه بتلك العيون الحمراء المرعبة. وهيلفران، الذي كان ينصت إلى درسه بلا صمت. كل ما قاله ماركوس كان معرفة شائعة بين القوى الكبرى، لذا فمعبد رافن بأسره يعلم هذا كله يقيناً... لكن ربما لم يكن هيلفران يعلم؟ سيكون عليه سؤاله عن الأمر لاحقاً. ربما يبدي الكاهن استعداداً لإخباره بالأساسيات حول كيفية عمل نظام رتب الكهنة بالمقابل؟

لم يكن ذلك سراً عميقاً على الأرجح.

سألت كلوديا: "مم، ما مدى شيوع الفشل هكذا؟"

كذب ماركوس: "ليس شائعاً جداً. أنا متأكد من أنكم ستؤدون بشكل جيد، بوجود معلم مذهل مثلي يرشدكم. على أي حال، فوائد استيعاب شظية رموز عظيمة. أخبرتكم سابقاً أن التعاويذ التي يلقيها المتدربون وتلك التي يلقيها السحرة القياسيون متطابقة في جوهرها. غير أن التعاويذ المعززة بالرموز أقوى وأكثر مرونة من التعاويذ العادية. إنها تضرب بقوة أكبر، ويمكن تعديلها بطرق محدودة لتناسب الساحر بشكل أفضل. ما يجب وضعه في الاعتبار هو أن هناك أنواعاً كثيرة من الرموز، ولا يمكن لشظية رموز إلا تعزيز التعاويذ المرتبطة بها بطريقة ما".

صرح أغرون: "السحر العنصري".

قال ماركوس: "الرموز العنصرية هي النوع الأكثر شيوعاً للرموز التي يستوعبها السحرة، لأنها أبسط أنواع الرموز للتعامل معها بفارق كبير. لكنها ليست الخيار الوحيد. هناك أيضاً رموز الحيوانات والمخلوقات السحرية، رموز الأشياء من صنع الإنسان كالسيوف والكتب، ورموز أشياء أشد ضبابية كالمرايا والقوة والبوابات. كقاعدة، كلما كان الشيء أكثر تجريداً وضبابية، زادت صعوبة عزل رموزه واستيعابها في نفسك. الأشياء السحرية مصادر رموز أفضل من الأشياء الدنيوية. والأشياء التي تربطك بها صلة شخصية أو تاريخ طويل أسهل استيعاباً".

أضاف هيلفران: "الأشياء التي لها ملك راعٍ أسهل استيعاباً".

حقاً؟ مم.

سأل أغرون: "لماذا الرموز العنصرية بسيطة إلى هذا الحد؟ الأشياء كالهواء والنار لا يمكن إمساكها باليد وهي ضبابية جداً. لماذا هي أسهل استيعاباً من، لنقل... رموز السيف والسهام؟"

أوضح ماركوس: "لأن الهواء والنار لهما مستواهما العنصري الخاص. كل عنصر هو في الأساس مُثُل سماوية. تُدعى المستويات العنصرية أيضاً بالسماوات الداخلية، وهي أقدم في الواقع من السماوات الخارجية حيث يقيم الملوك اليوم. يمنح هذا الرموز العنصرية وزناً أكبر، نظراً لكونها شبيهاً بصدى نظام قديم للع العالم".

سألت جوليا: "أقدم من السماوات الست؟ ألم يخلق الملوك العالم؟"

أخبرها ماركوس: "لا أعرف كيف يعمل ذلك بالضبط. هذا تاريخ يسبق حضارتنا برمتها، أخبرتنا به أرواح المستويات الأخرى والرحالة الجائلون بين العوالم من كواكب أخرى. لا يسعني إلا افتراض أن الملوك أقدم من السماوات الخارجية نفسها، لأن حتى قاطني تلك العوالم يتفقون على أن المستويات العنصرية وجدت أولاً. كانت هناك حرب كبرى في وقت ما بعد الخلق، وضعت المستويات الخارجية الناشئة في مواجهة القوى العنصرية في ذلك الوقت. خسرت المستويات العنصرية، وفقدت الكثير من قوتها وهيبتها. ورغم ذلك، فهي تظل شديدة التأثير، ورموزها العنصرية منسوجة بعمق في نسيج الخلق".

لاحظ ريجولوس: "هناك رموز عنصرية كثيرة جداً. أهناك حقاً هذا العدد الكبير من المستويات العنصرية؟ لا بد أنها تفوق السماوات الست بكثير!"

هز ماركوس رأسه: "لا يوجد سوى ستة مستويات عنصرية في الوقت الحالي. مثلما توجد المستويات الخارجية. غير أن الأمور لم تكن هكذا دائماً. المستويات العنصرية أشد فوضوية وقابلية للتغير بكثير من السماوات الخارجية. في نقطة ما، لم تكن هناك سوى أربعة مستويات عنصرية، ثم بلغ عددها ثمانية عشر، والآن أصبحت ستة. مع ذلك، مجرد زوال المستوى العنصري المرتبط لا يعني زوال رموزه للأبد أيضاً. العناصر الستة الشائعة - الهواء، الأرض، النار، الماء، الجليد، والبرق - لها سماؤها العنصرية الخاصة. أما العناصر الأخرى - الغريبة منها، فهي ببساطة تلك التي لم يعد مستواها العنصري موجوداً".

قال ريناتوس: "إن كان لكل مستوى عنصرري رموزه القوية وسهلة التعلم، أفليس للسماوات الست رموز أيضاً بالتأكيد؟"

قال ماركوس: "لا، وسأعود لسبب ذلك لاحقاً. لنعد الآن إلى رتب السحرة. استيعاب شظية رموز واحدة ليس النهاية حين يتعلق الأمر بسحرة الرموز. بوسع الساحر استيعاب أكثر من شظية رموز واحدة - بقدر ما يمكن لوعائه الروحي احتماله. وكلما كانت احتياطيات المانا لديه أعمق وأكثر استقراراً، زاد عدد شظايا الرموز التي يمكنه مراكمتها. عشرات، بل مئات شظايا الرموز يمكن لساحر واحد جمعها. وكلما استطاع حيازتها، كان ذلك أفضل... لكن ينبغي أن تكون متوافقة من الناحية المثالية، ليس مع الساحر نفسه فحسب، بل ومع بعضها البعض أيضاً، لأنه ولكي يتقدم الساحر إلى الرتبة الرابعة، عليه دمج أكبر قدر ممكن منها في جوهر واحد. عليه صهر تلك الشظايا المعزولة في أساس رموز حقيقي".

أخبرها ماركوس: "هذا صعب، ليس من الناحية المهارية فحسب. أي شظية غير متوافقة لا تستطيع الاندماج في الأساس يجب التخلص منها، وهو أمر قد يكون... صعب القبول. تخيل أنك أمضيت سنوات من عمرك في إدراك واستيعاب رموز النار ورموز الجليد في آن واحد، لتكتشف في النهاية عجزك عن إيجاد سبل لدمج الاثنتين معاً في أساس واحد".

سأل أغرون: "أهذا ممكن أصلاً؟ النار والجليد يبدوان متضادتين تماماً".

قال ماركوس: "طبعاً ممكن. كل شيء جزء من التصميم العظيم ذاته، لذا فكل ما حولنا متوافق مع بعضه البعض بطريقة ما بالفعل. لكن مجرد وجود السبيبل لا يعني أنك ستجده، وجمع متضادات حرفية كالر النار والجليد بالغ الصعوبة. في المثال الذي ضربته، سيتعين على الساحر إما التخلص من رموز النار برمتها أو رموز الجليد برمتها... أو التخلي عن فكرة التقدم متجاوزاً الرتبة الثالثة أبداً".

سأل ريناتوس: "ألا يكتفي بالإبقاء على جزء من الرموز كشظايا؟"

قال ماركوس: "لا. ما إن يصبح لديهم أساس رموز، حتى يكف السحرة عن القلق بشأن زعزعة استقرار احتياطيات المانا لديهم وبوسعهم استيعاب أكبر عدد يريدونه من شظايا الرموز التي يجدونها في العالم حولهم بحرية... لكن يجب أن تكون هذه الشظايا متوافقة مع أساسهم. أي شيء يعجزون عن دمجه في مُثُلهم الشخصي سيُرفض. إن بُني الأساس بدمج عدد صغير من شظايا الرموز، فسيسعَب البناء فوقه بعد خلقه، وستعسر للغاية دمج رموز واهنة الصلة به. على الجانب الآخر، فإن الأساس الشامل المصنوع بدمج مئات شظايا الرموز فيه سيكون من السهل التوسع فوقه وقد يستوعب حتى رموزاً غير ذات صلة بالمرة في بنيته".

سأل ريناتوس: "إذن لمَ لا يسعى الجميع لبناء أساس أكبر وأكثر شمولاً؟"

أطلق ريجولوس تنهيدة محبطة.

"أتحتاج إلى السؤال أصلاً؟ إنه مستحيل الصعوبة بوضوح. حسب ما أعرف، يكاد كل ساحر يتخصص في عنصر واحد أو نوع واحد من السحر فحسب. المعلم استثنائي للغاية لكونه بارعاً في أشياء كثيرة جداً".

حذره ماركوس: "هذا صحيح، لكن حتى بين المتخصصين هناك جيدون وسيدئون. هناك فارق كبير بين عنصري نار يملك أساساً شاملاً حقاً وبوسعه دمج عناصر ذات صلة كالدخان والحمم البركانية بحرية، وربما إضافة عناصر ضئيلة من شيء غريب كالسيوف والزهور... وعنصري نار لا يتقن سوى رموز النار النقية ولا شيء غيرها. لا بأس بالتخصص، لكن حتى المتخصصين يريدون أساساً واسعاً ومتيناً".

سأل فوليسوس: "إذن ماذا يجني سحرة الأساس من التقدم أصلاً؟"

أوضح ماركوس: "أولاً، امتلاك أساس يعني أنك تولد ماناتك الخاصة بشكل سلبي. سحرة الرتب الأدنى لديهم احتياطيات مانا خاصة بهم، لكنهم ما زالوا مضطرين لجمع المانا من البيئة لتجديدها. وجودة تلك المانا مطابقة أساساً للمانا المحيطة بنا، غير أنها أتركز وأيسر استخداماً. أما سحرة الأساس، فلهم مصدر مانا خاص بهم، بمعزل عن الأرض ومتوافق مع أرواحهم وتخصصاتهم. يتجدد بسرعة، وينحني بسهولة لإرادتهم، ويقاوم التأثيرات الخارجية. يصعب تلويثه وإفساده، وسيجد الأعداء صعوبة أكبر في استنزاف مخزونات مانا لديك، وتعطيل تعاويذ، ولعنك".

سأل فوليسوس: "وما زال بإمكانهم استخدام المانا المحيطة إن اضطروا؟"

قال ماركوس: "طبعاً. بالإضافة إلى ذلك، يتيح لك امتلاك أساس التأثير على العالم حولك بطرق بسيطة دون الحاجة لاستخدام تعويذة فعلية. ببساطة عبر تشكيل ماناتك الشخصية وتخيل أثر مرغوب، يمكنك تنفيذ آثار سحرية طفيفة كإضاءة الشموع أو إنتاج هبة ريح. بالطبع، لا يمكنك سوى إنتاج آثار مرتبطة بأساسك. عنصرري الجليد لا يستطيع إضاءة شمعة بلا تعويذة. لست بارعاً بشكل خاص في هذا النوع من السحر غير المهيكل، لكنّ بعض المتخصصين حولوه إلى فن حقيقي ويدعي آخرون أن هذه القدرة أنقذت حياتهم مرات أكثر مما يحصون".

قال فوليسوس بامتنان: "فعل السحر بمجرد التمني. هذا مذهل. أريد فعل ذلك يقيناً!"

قال ماركوس: "اعمل بجد وكل شيء ممكن. كما قلت، لست بارعاً في ذلك، لكن يمكنني إيجاد شخص يعلمك ما لا أستطيع تعليمه لك".

سأل ريجولوس: "إذن هل يفقد سحرة الأساس القدرة على إلقاء تعاويذ لا أساس لهم فيها؟"

أكده له ماركوس: "قطعاُ لا. كل ما يستطيع ساحر أدنى رتبة إلقاءه، يستطيع ساحر الأساس إلقاءه أيضاً. ومع ذلك، فهم عاجزون بوضوح عن تعزيز وتعديل التعاويذ إن فقدوا شظايا رموز مرتبطة بها. لذا فقد يضعفون فعلاً مقارنة بما كانوا عليه بالتقدم إلى الرتبة الرابعة، في بعض الجوانب على الأقل".

كان السحرة يرفضون أحياناً التقدم إلى الرتبة الرابعة لهذا السبب بالذات، مصرين إما على إيجاد سبيل لدمج كل شظايا رموزهم في أساس أو الموت كسحرة رموز بسطاء. ولهذا السبب، لم تكن بعض الأكاديميات تحب حقاً ممارسة السحرة لعناصر متعددة مثلما فعل ماركوس. وكان هذا سبباً آخر لعدم استيحسان أكاديمية البحر العظيم لتقنية شجرة الروح. فقد شجعت الطلاب على التجريب بالعديد من التعاويذ والعناصر المختلفة، مما أدى حينها إلى تركيز واسع النطاق يفرط في الاتساع ويصعب دمجه في أساس قابل للاستخدام.

انتظر ماركوس بضع ثوانٍ ليرى إن كان أحد سيطرح مزيداً من الأسئلة، لكن أحداً لم يفعل. وقرر الانتقال إلى الرتبة الخامسة التي ربما تكون أكثر رتب القوة غموضاً.

قال ماركوس: "وأخيراً، نصل إلى الرتبة الخامسة، المعروفة أيضاً بتجلي الروح. أنا متأكد من أنكم سمعتم بهذه. يخضع السحرة لتحول جوهري حين يبلغون هذه الرتبة. فهم يستهلكون جوهر رموزهم ليوقظوا روحاً خالدة داخل أنفسهم. ومنذ تلك اللحظة صاعداً، تصبح لتعاويذهم قدر من الحياة والوعي الخاص بها، وستسعى استباقياً لتنفيذ مرام الساحر، حتى الأمور التي لم يُؤمروا بها عمداً. لن تؤذي ممثلها وحلفاءها، وستبحث عن الثغرات في دفاعات خصومها، وستتطابق بانسجام مع تعاويذ أخرى صنعها الساحر نفسه. يصعب تبديدها؛ وبوسعها امتصاص المانا من البيئة لتغذية نفسها وتجديد التلف الطفيف اللاحق بها مثل كائن حي. يستطيع ساحر تجلي الروح أيضاً خلق تعاويذ مبتكرة تماماً عبر تسجيل جوانب محددة من روحه، مما يتيح لسحرة رتب أدنى استنساخ بعض قدراته. أه، كما أن صيرورة متمرس روح يطيل عمرك بـ 20 إلى 40 عاماً، حسب الشخص".

أشار هيلفران من على الهامش: "يستطيع متمرس الروح أيضاً الصعود إلى السماوات الخارجية والعيش إلى الأبد. حسناً، محتملاً. لا أحد يعيش إلى الأبد، لكن الكيانات الروحية لا تهرم. إن استطعت تفادي التعرض للقتل، فيمكنك العيش لآلاف السنين".

أكد فوليسوس: "نعم، الجميع يعلم بشأن متمرسي الروح ومدى روعتهم".

وسواء قالوا ذلك صراحة أم لا، فإن كل من صار متمرساً كان يحلم سراً ببلوغ هذا المستوى، وحتى الناس العاديون عرفوا ما يعنيه أن تصبح متمرس روح.

"لكن كيف يصبح المرء ساحر روح؟ سمعت أنه صعب حقاً، حقاً. أعني، مستحيل الصعوبة! لكنّ معلمنا المذهل يعرف تقنية سرية ما حتماً-"

قاطعه ماركوس: "يؤسفني إحباطكم، لكن لا أحد يعرف سر الصيرورة ساحر تجلي روح. تجلي الروح يتطلب... شيئاً غامضاً. شرارة استنارة. بصيرة بشأن العالم من حولك، اختراقاً في مهاراتك الشخصية، ربما إقراراً من الملوك أنفسهم. لا أحد يعرف، لكن ما إن تملكها حتى ستعرف. أساس رموزك سيحدد نوع الروح التي تتجلى لديك، وسيقدم وقوداً للتحول. ستتلفع بلهب شبحي وتجليات وهمية مرتبطة برموزك، صاعداً إلى رتبة متمرسي الروح. يمكنك قمع التحول إن جاءت شرارة الإلهام في وقت غير مناسب، لكن لا يمكن استحداثها اصطناعياً. لو أمكن، لكان هناك الكثير من متمرسي الروح يتجولون حولنا".

سأل ريناتوس: "إذن تقدمت إلى الرتبة الخامسة دون أن تعرف حقاً ما تفعل؟"

أومأ ماركوس برأسه.

"هذا غريب".

أخبرهم ماركوس: "تجلي الروح هو ربما أرقى رتب القوة غموضاً. على الجانب المضيء، لا أظن أن العملية يمكن أن تفشل حقاً ما إن تبدأ. أظن أنه يمكنك التعرض للقتل أثناء العملية نفسها، لكن إن تلقيت العلامة، فلديك كل ما تحتاجه يقيناً".

وتابع: "على أي حال، كانت هناك نظريات كثيرة عبر التاريخ عما يجعل المرء مؤهلاً لبلوغ رتبة روحية لذا سأذكر بعضها. ادعى بعض الناس أنها مجرد مسألة امتلاك أساس رموز جيد بالقدر الكافي - وإن لم تستطع التقدم، فهذا يعني وجود خطل ما في أساسك. وادعى آخرون أنها مجرد مسألة إيجاد الإلهام الصحيح، وأنك إن علقت في الرتبة الرابعة فعليك فعل أشياء كالسفر حول العالم، واتخاذ هواية، ولقاء أشخاص جدد إلى أن تلقي النرد الصحيح وتحظى بلحظة استنارة في جوهر الأمر. وافترض البعض أن الكون قصة عملاقة وعليك السعى لمحاكاة نوع من أنواع الشخصيات أو جعل نفسك أكثر إثارة للاهتمام بطريقة أخرى. ويعتقد البعض أن صيتك وشهرتك قوة ملموسة، ويسعون ليكونوا لافتين للأنظار ويؤدوا أفعالاً عظيمة ستجعل الكون يلحظهم. وأخيراً، يعتقد البعض أن الملوك هم من يتخذون القرار، وأنه يلزم المرء اختيار ملك وتكريس نفسه لنقطة سلطته وتعاليمه لنيل بركته".

ألقى نظرة على إيريس، متسائلاً بفضول إن كان أصلها الغامض يمنحها معرفة لا يملكها. بدا أنها خمنت أفكاره، إذ هزت رأسها بخفة رداً على ذلك. يبدو منطقياً. استناداً إلى التلميحات التي منحته إياها، كانت مملكة أوركيد النار على الأرجح من كوكب آخر، لا السماوات الخارجية. ربما كانت متقدمة قليلاً عن تاسلوا لا أكثر. وبالحديث عن السماوات الخارجية...

قال ماركوس مشيراً إلى هيلفران بجانبه: "بهذا ينتهي درسي عن رتب السحرة. إن كانت لديكم أي أسئلة أخرى بشأنها، فيمكنكم زيارتي في مكتبي في أي وقت وطلب الإرشاد. سأنتقل الآن إلى موضوع آخر. لقد ذكر معلمكم الآخر بالفعل أن متمرسي الروح يستطيعون الصعود إلى السماوات الخارجية والعيش هناك بلا هرم، لذا فلنتحدث عنها".

احتجت كريكت: "يا معلم، الجميع يعلم بشأن السماوات الست. تلك أشياء للأطفال الصغار. هناك العالم السفلي، حيث يسوق الحصادون أرواح الأموات إلى قصر القضاء ويخصصونها لأحد الحياة الآخرة الخمسة الأخرى. ثم هناك السجن الأحمر الذي يحكمه الشياطين، حيث يذهب كل سيء. وإن كنت صالحاً، تُرسل إلى تلال إليزيه حيث ترحب بك الملائكة، أو إن كنت أقل صلاحاً تُرسل إلى مدينة المطهر حيث يجبرك الأرخون على الكد بلا انقطاع حتى تتطهر. وأخيراً هناك الغابة العجيبة، حيث تمرح الجنيات بلا انقطاع، والعوالم البطولية، حيث يقاتل الأبطال القدامى التنانين. إنها... كنوع من الأشياء الخاصة بها".

كلما سمع ماركوس القصة الرسمية عن السماوات الست، تذكر أن البانثيون المضيء مرتبط بقوة بالجبل السماوي، وأن كهاتهم لا يحاولون حتى إخفاء انحيازاتهم عند تعليم الناس. أكان عليه إخبرها أن مدينة المطهر تُدعى في الواقع هليوبوليس، المدينة الذهبية، وأن سكانها سيشعرون بإهانة عارمة من فكرة تعرضهم للعقاب؟ أكان عليه توضيح أن تلال إليزيه ليست سوى سفوح الجبل السماوي؟ قرر البدء من الصفر وحسب.

التقط مخطوطة كبيرة أحضرها إلى هذا الاجتماع وألقاها بخفة في الهواء. فتحت نفسها بسرعة، كاشفة عن رسم توضيحي مرسوم بفظاعة. كان يصور عدداً من الدوائر، بعضها ملون، متصلة معاً في شكل يشبه العجلة نوعاً ما.

حدّق التلامذة في اللوحة مطولاً في صمت مطبق.

سأل هيلفران: "أفترض أنك من رسم هذه؟"

تمتمت كريكت بصوت خافت نحو ذقنها: "إذن هناك ما لا يبرع فيه المعلم..."

يا له من عالم قاسي.

بدأ ماركوس متجاهلاً تذمرهم من مهارته الفنية: "إذا تفحصتم الرسم البياني عن قرب، ستلاحظون اثنتي عشرة دائرة، دون احتساب الدائرة المركزية التي تمثل المستوى المادي الذي نعيش فيه. يعود هذا إلى أنني لم أدرج المستويات الخارجية وحدها فحسب، بل أدرجت أيضاً أركان الخلق الستة: نهر الأرواح، وشجرة الحياة، ودوامة الأحلام، وحجر الأساس، ومنارة الحكمة، ولهب الصراع".

تأمل ريناتوس بصوت عالٍ: "نهر الأرواح... يبدو هذا مألوفاً. أظن أن هيلفران ذكره مرات عدة".

قال هيلفران: "يسرني أن أحدهم ينصت إلى محاضراتي على الأقل. أركان الخلق هي معالم روحية تحكم نطاقات معينة من الوجود وترسم معالم السماوات الخارجية. إنها بالكاد مفهومة، حتى من قِبل سكان السماوات الخارجية، لكن نهر الأرواح، أخيرون، مسؤول عن دورة الأرواح في الكون، فينقل أرواح الموتى إلى عوالمهم الآخرة المختلفة والأرواح الطازجة إلى أجسادها الجديدة. إنها أهم واجبات معبد الغراب لضمان استمرار هذه العملية بلا انقطاع".

أشار ماركوس: "بقية أركان الخلق هكذا أيضاً. يحكم كل منها جانباً بالغ الأهمية من وجودنا برمته، وهي لا تقل أهمية عن المستويات الخارجية نفسها. سألني ريناتوس سابقاً عما إذا كانت المستويات الخارجية تمتلك شعارات سماوية خاصة بها، تضاهي الشعارات العنصرية، فأجبت بالنفي. يرجع هذا إلى أن المستويات الخارجية ليست مراكز روحية في الواقع. ربما لاحظتم على رسمي البياني أن أركان الخلق مترتبة كلها في هذا الشكل الشبيه بالعجلة، وتتوسط كل اثنين منها مرتبة خارجية واحدة".

أشار ماركوس بيديه نحو المخطوطة، فبعث الحيوية في الرسم البياني بوهم بسيط جعله يدور ببطء حول المحور المركزي.

"يعود هذا إلى أن كل مستوى خارجي مزيج من الطاقة والشعار الخاص بركنين مختلفين. إنها ملتقيات يمتزج فيها ركنان مجاوران من أركان الخلق ويضعف كل منهما الآخر، مما يخلق مستوى يجمع سمات كليهما. تقع غابة الأحلام، أو الغابة الغريبة كما سمتها كريكت، عند ملتقى دوامة الأحلام وشجرة الحياة. أما الجبل السماوي، الذي لا تمثل تلال إيليزيان سوى سفوحه، فيقع عند ملتقى شجرة الحياة ومنارة الحكمة. وهكذا دواليك. تشكل البنية بأسرها عجلة كونية نوعاً ما، ولذا يُدعى عجلتنا غالباً عجلة الوجود".

هتف ريناتوس: "آه، إذن لا تمتلك السماوات شعارات خاصة بها، بل الأركان هي ما يمتلكها! فهمت. لكن لمَ يركز الجميع دائماً على المستويات الخارجية في حين أن الأركان أبين أهمية بكثير؟"

أجاب ماركوس: "المستويات الخارجية ليست أساسية مثل الأركان، لكنها قابلة للسكن. يمكنك السفر إلى غابة الأحلام، بل والعيش هناك، واستمداد القوة منها. بالمقارنة، لو حاولت الاقتراب من شجرة الحياة أو دوامة الأحلام، لقتلاك".

رفع ريناتوس حاجبه نحوه.

احتجت كلوديا: "لكن شجرة الحياة تبدو لطيفة".

قال ماركوس: "طاقات شجرة الحياة جامحة وقوية للغاية لا يتحملها البشر، ولا حتى الأرواح القوية. لو تعرضت لذرة واحدة من قوتها، لتحولت دون رجعة إلى مسخ خيالي ثم انفجرت بسبب فائض الحيوية الخام".

عقب ريجولوس: "يبدو هذا مألوفاً".

أخبره ماركوس: "يفترض أن يكون كذلك. إنه الأثر ذاته الذي تخلفه عواصف الفوضى على الحياة هنا في تاسلوا. يتفق معظم العلماء على أن عواصف الفوضى الخاصة بنا ما هي إلا نسخة مخففة من الطاقات الأولية التي تسري عبر شجرة الحياة".

قال ريجولوس بنبرة مشككة: "م-مخففة..."

"حسناً نعم. لقد أخبرت للتو أن ملامسة شجرة الحياة تتسبب في تحول المرء إلى وحش مشوه ثم الموت. عواصف الفوضى ليست درامية ولا قوية إلى هذا الحد. على أي حال، رغم أن طاقات أركان الخلق أثقل من أن يتحملها أي كان، يتربط بكل منها شعار سماوي قوي. قوي وشامل لدرجة يستحيل معها على أي شخص استيعاب ولو جزء ضئيل منه. لهب الصراع، على سبيل المثال، يرتبط بالحرب والأسلحة والتحدي والنار والدمار وأشياء كثيرة غيرها. يمكنك استيعاب شعارها بيسر، لكنك تمارس في الحقيقة شظية صغيرة من قوتها. في غالب الأحيان عندما يركز السحرة على شعارات مجردة للغاية، كالدمار والموت والأحلام وما شابه، فإنهم يستمدون طاقتهم فعلياً من فرعيّات الشعارات السماوية، متكئين على أحد أركان الخلق".

حذرهم ماركوس: "مع ذلك، إياكم وازدراء المستويات الخارجية. مجرد كونها ليست الجوانب الأساسية للوجود بحد ذاتها، لا يعني أنها ليست هائلة القوة والأهمية. ورغم أن الأمر قد لا يبدو كذلك، فهي تؤثر على كل عالم في المستوى المادي، خاضعة لحرب أزلية من أجل قلوب وعقول سكانها. وهي تعمل كعوالم آخِرة لموتانا، وتؤوي ملوكنا. قد تكون أركان الخلق قضبان عجلة الوجود، لكنها صامتة وبعيدة. لن تستجيب لتوسلاتكم وستحيل أي شيء يقترب منها دماراً. أما ملوك المستويات الخارجية وأرواحها فمستعدة للمساعدة والإجابة عن أسئلتكم، وقد تعاقبكم بقسوة إن قللتم من احترامها".

تذمرت كريكت: "بعض هذه الأسماء تخالف ما أعرفه. يمكنني تخمين بعضها، مثل الجحيم الأحمر الذي صار سجناً أحمر، أو تلال إيليزيان التي صارت جبلاً سماوياً، لكن أين النطاقات البطولية ومدينـة المطهر؟"

أوضح ماركوس: "يستخدم سكان المستويات الخارجية أسماء لموطنهم تختلف عما يألفه معظم الناس في تاسلوا، وقد يتحسسون بشدة من إطلاق الأسماء "الخاطئة" عليها من قِبل استدعاة البشر. لا باس بأن تستخدموا ما شئتم مع زملائكم وتلامذتكم ومن حولكم، لكن إن تفاعلتم يوماً مع روح، فتأكدوا من مناداة موطنها بالأسماء التي وضعتها على الرسم البياني. على أي حال، مدينة المطهر، كما تسمونها، ليست سوى طبقة من طبقات الآلة الكبرى. اسمها الحقيقي هليوبوليس، مدينة الشمس، أو المدينة الذهبية – وإياكم أن تخبروا أي أرخون تستدعونه أنه ينتمي إلى نوع من المطهر أو أن العيش هناك عقوبة. لم أستدعِ أرخون قط، لكني سمعت أنهم عديمو الفكاهة تماماً".

وافقت كريكت بسرعة: "أه، حسناً. إذن، بما أن للآلة الكبرى طبقات، أهي تشبه البصلة أو شيئاً من هذا القبيل؟"

قال ماركوس محاولاً التقاط تشبيه يناسبه فلم يخطر بباله شيء: "حسناً... بطريقة ما. الأمر معقد. باختصار، المستويات الخارجية ليست شاسعة بشكل مذهل فحسب، بل تضم طبقات متعددة من الوجود أيضاً. إنها جوهرياً عوالم متعددة متراكبة فوق بعضها، وتحتاجون إلى سحر خاص وشروط معينة للتنقل فيما بينها. على سبيل المثال، يضم الجحيم الأحمر تسع طبقات، ويمكنكم الهيام في أي منها طوال الأبدية دون العبور إلى أي من الطبقات الثماني الأخرى".

علق ريناتوس: "كما تعلمون، لم أفهم قط كيف يمكن لشيء مثل السجن الأحمر والعالم السفلي... عذراً، متاهة النسيان... أن يكون جزءاً من السماوات الست. خصوصاً الآن بعد أن علمت أن اسم السجن الأحمر الحقيقي هو الجحيم الأحمر. حتى إن كلمة "جحيم" واردة في اسمه".

أخبرته كاسيا بنبرة عملية وهي تقلّب عينيها نحوه: "الأمر واضح ببساطة لأن الحصادين والشياطين سيغضبون إن حاولي استبعادهم. حقاً..."

ابتسم ماركوس خفيفاً وقال: "كاسيا على حق، لكن هناك ما هو أكثر من ذلك. أسيصدمكم جميعاً أن تعلموا أن أغلب الأرواح في الجحيم الأحمر... لا تعد وجودها عقوبة؟"

رمقوه بنظرات مشككة.

"هذا صحيح. ينتهي مطاف روحك في المستوى الجنبي الأفضل مطابقةً لمُثُلك ومزاجك. قد تتذمر الأرواح داخل الجحيم الأحمر من مآلها في النهاية، أو من النتائج السيئة لحملاتها الحربية، لكنها لا تكن ضغينة لهيكلة المجتمع هناك – الحروب التي لا تنتهي، أو الحكومات الطاغية التي تقهر مواطنيها، أو عقلية الأقوى بقاءً. هذه هي رؤيتهم لشكل الحياة والمجتمع كما ينبغي أن يكون، وتفرضها قواعد الواقع المحيطة بهم ذاتها. إنها رؤيتهم للجنة".

عقلت يوليا: "يبدو هذا شبيهاً بالعقوبة بالنسبة لي".

قال ماركوس: "هناك أماكن لطيفة في الجحيم الأحمر على ما يبدو".

إلا إن كان سيلير يغذيه بحكايات خيالية من جديد.

"المغزى هو أن الشياطين لا تبذل جهداً لتعذيب البشر وتخريب الأمور. ينتهي المطاف بالمكان ليكون فظيعاً فحسب لأن مُثُلهم فظيعة".

أشارت كريكت: "قلت إن أغلب الأرواح لا تعد الوجود هناك عقوبة".

أخبرها ماركوس: "حسناً نعم، يمكنك أيضاً أن تكون غبياً وتوقع عقداً للذهاب إلى الجحيم بمحض إرادتك. إن أبرمت عقداً مع شيطان وتنازلت عن روحك، سينتهي بك المطاف هناك بغض النظر عن مدى توافقك مع المكان. في هذه الحالة تُعاقب، لكن بسبب غبائك لا بسبب أي قضاء كوني. أثق بأنكم أوعى من أن تستدعوا شيطاناً، ناهيك عن إبرام صفقة معه".

أكدوا جميعاً له أنهم لن يفعلوا ذلك أبداً. استدار نحو كريكت.

أخبرها: "أما النطاقات البطولية، فهي بحر الفوضى. تتغير الأراضي هناك بلا انقطاع وتتبدل أماكنها، كأوراق اللعب حين تُخلط دائماً، لذا لا يستقر شيء قط ويصعب تأسيس إمبراطوريات ضخمة أو تحالفات طويلة الأمد. التنانين ليست أصيلة في المستوى على ما يبدو، لكنها غوته في مرحلة ما، وأطاحت بملوكه السابقين وسيطرت عليه. وكما قلت، فهي تمثل كيانها الخاص ولا أعرف الكثير عنها".

لم تكن التنانين تحظى بأحوال حسنة في تاسلوا، وصارت بالغة النادرة بحلول الوقت الذي سطع فيه نجم ماركوس، لكن بدا أنه لا شح فيها في الكون، وكانت قوة هائلة للغاية في المستويات الخارجية.

تفكر أرغون بصوت عالٍ: "إذن التنانين مخلوقات أحلام وصراع. ملائم".

في الواقع، بدت التنانين بالغة الأهمية في أساطير عشيرة التنين الأبيض. لا شك أن أرغون كان فضولياً للغاية بشأنها. ومما يحزننا أن ماركوس لم يستطع إرواء فضوله في هذا الجانب، لأنه لم يكن يعلم الكثير عنها حقاً.

هتفت إيريس فجأة: "أود سماع المزيد عن أركان الخلق".

أثار هذا همساً كثيراً بين التلامذة الآخرين. كانت إيريس بلا منازع الأشد غموضاً بينهم، إذ كانت تعتزل الناس في الغالب وتتسم بالهدوء والتأمل. تذكروا بالطبع إيريس من مواجهته مع شمشير، ورغم أن ماركوس اختلق لها خلفية معقدة بالكامل، إلا أنهم ظنوا على ما يبدو أنها ابنته غير الشرعية. ورغم إزعاج الأمر، فقد عنى هذا ترددهم في الضغط عليها طلباً للمعلومات أو مهاجمتها، لذا سارت الأمور بشكل مرضٍ.

أبلغهم ماركوس أن لإيريس ميولين عنصريين وسلالة دموية. في رأيه، كان من الصعب جداً إخفاء ذلك عن زملائها التلامذة، إذ كانت تتقدم بسرعة كبيرة. ولم يثير الأمر الغيرة بالقدر الذي توقعه ماركوس. بدا أن تلامذته وضعوها في التصنيف ذاته مع ريجولوس، وركزوا أكثر على ما إذا كان ماركوس أباها حقاً أم لا. ومما ساعد في ذلك أن إيريس لم تحاول قط إرهاب بقية التلامذة بخلفيتها.

اعترف ماركوس: "أنا لا أعرف حقاً ما تفعله أغلبها".

أومأ هيلفران: "أركان الخلق بالغة الغموض ومشهورة بذلك".

قال ماركوس: "سوى نهر الأرواح، لا أعرف إلا لهب الصراع".

فكر ريناتوس: "أيحكم كل الحروب أو شيئاً من هذا القبيل؟"

أجاب ماركوس: "لا، إنه يتصدى للقوى المعادية القادمة من خارج الخلق. تخيله كالجلد المحترق للواقع الذي يرفض باستمرار ويدفع بعيداً أي شيء لا يعد جزءاً منه. دونه، لكانت قوى الهاوية قد غزت كل شيء وفسدته منذ زمن طويل".

لم تنطق إيريس بشيء، لكنها استقامت فوراً وبدأت تولي كلامه اهتماماً أكبر.

سألت كريكت: "الهاوية قوة خارجية؟"

أجابها ماركوس: "نعم. واقع منافس يحاول التهام واقعنا. يحاول الحكماء ألا يسهبوا في الحديث عن الهاوية للعامة، لكن ذلك الكيان أبشع بكثير مما يدركه أغلب الناس، وقد ظلوا يهاجموننا لفترة طويلة جداً".

قال أرغون: "برج النحيب".

أومأ ماركوس: "نعم. برج النحيب رأس برهة هاوية في واقعنا. لولا قمع لهب الصراع المستمر، لكان البرج قد لوّث كوكبنا بأسره تدريجياً ولكانت الهاوية قادرة على تسليط جيوشها شبه اللامنتهية ضدنا، لتتجول بحرية في الأرجاء. على حالنا هذه، نحن في حالة جمود معها منذ قرون، دون أن يكتسب أي طرف أي أرض. تضعف كائنات الهاوية بشدة حين تغامر بالابتعاد عن البرج، لذا يلزم أن تمتلك أضعافاً مضاعفة من القوات – أو أن تكون أقوى منا بكثير – لتهزمنا. مع ذلك، ما إن تصيب الهاوية شيئاً بعدوى، حتى يستحيل استئصاله تماماً".

سألت إيريس: "إذن، إن أراد المرء مقاتلة الهاوية، فقوى لهب الصراع هي السبيل المنشود؟"

أومأ ماركوس: "على حد علمي، نعم. لهذا تجد جيوش الجحيم الأحمر في طليعة المعركة ضد الهاوية".

سألت كريكت مندهشة: "الشياطين تقاتل شياطين الهاوية؟"

قال ماركوس: "إنهم أشد المعارضين غيرة للهاوية. والسبب وراء قدرتهم على عقد الصفقات والاتفاقات مع البشر بينما تغض الملوك الطرف عنها، هو أن الجميع يعلمون حاجتهم إلى جيوش الجحيم لكبح الهاوية. حين تحتاجه بشدة، تكون أشد استعداداً لجز على أسنانك وغض الطرف".

سأل أرغون: "ألا تستطيع التنانين المساعدة؟ فهي مجاورة لـلهب الصراع أيضاً".

قال ماركوس: "التنانين أقل تنظيماً. إنها بالغة القوة، وتساعد بطريقتها الخاصة، لكن لمقاتلة الهاوية، لا يكفي وجود حفنة من الكائنات القوية التي تعمل بشكل مستقل. أنت بحاجة إلى جيش".

عقبت كريكت بوهن: "يبدو أن الهاوية مشكلة كبرى".

تردد ماركوس لحظة. لا، بل يستحقون معرفة الحقيقة.

أخبر تلامذته: "نحن نخسر الحرب".

رمقوه بنظرات مشكوكة.

"لم أراقب ساحات المعركة بنفسي، لكن حكماء أقوياء تحدثوا إلى ملوك وأرواح شتى واتفقوا جميعاً على شيء واحد: عجلة الوجود برمتها حبيسة حرب ضد الهاوية... والهاوية تنتصر. إنه انسحاب بطيء، لكنه انسحاب رغم كل شيء. ما لم يتغير شيء، ستلتهمنا الهاوية جميعاً".

ظل تلامذته يرمقونه بنظرات مشكوكة لبضع ثوانٍ بعد أن انتهى.

صرخت كريكت أول من استرد وعيه واحتجت: "م-ماذا!؟ لكنك قلت يا معلم إن لهب الصراع يمنع الهاوية من غزو كل شيء!"

هز ماركوس رأسه: "لا، قلت إنه دونه، لكانت الهاوية قد انتصرت بالفعل".

سأل ريناتوس بحرج: "إذن، أمم... ماذا يمكننا أن نفعل حيال ذلك؟"

اعترف ماركوس: "لا شيء. هذا أمر يفوق حتى قدرتي، ناهيك عن قدراتكم".

تذمرت كلوديا: "إذن لمَ تخبرنا به من الأساس؟"

أخبرها ماركوس دون أدنى ندم: "لأنني أردتكم أن تعلموا".

ما إن سقط ساديريت بيد أهل الهاوية، حتى لم يكن ماركوس ليُفاجأ إن ازداد نشاط برج النحيب وعادت العفاريت لتهديد الجنوب من جديد. ولهذا، رأى أنه من العبث محاولة حماية تلامذته من هذه الحقائق المزعجة. كان عليهم تعلم كيفية التعايش مع الرعب الوجودي المتمثل في إدراك أن الواقع بأسره سيلتهمه يوماً غزاة شياطين عابثون. من يدري؟ ربما يحفزهم ذلك على بذل جهد أكبر في دراستهم.

* * *

بعد أيام قليلة، قرر ماركوس أخيرًا استكشاف وتطهير شبكة الكهوف المختومة الواقعة أسفل البرج. كان يؤجل الأمر لانشغاله بإصلاح البرج والتأكد من تدرب تلامذته باجتهاد، لكنه شعر الآن بأن الأمور هدأت أخيراً بما يكفي ليتصدى لتلك المسألة. لم يظن الأمر بالغ الصعوبة، لكنه قد يستغرق بعض الوقت. وبما أن الأمر بدا روتينياً إلى حد ما، فقد نوى اصطحاب تلامذته معه في الاستكشاف. غير أنه ما إن هدم الجدران الاصطناعية التي بناها سحرة أكاديمية الجمشت الذين قطنوا هنا قبله، حتى أدرك أن الأنفاق لم تكن واسعة بما يكفي ولن تستوعبهم جميعاً بأمان.

عانى طويلاً في التفكير بكيفية إخبار تلامذته بأنه يستحيل عليه جلبهم جميعاً في تلك الرحلة، متجادلاً داخلياً مع نفسه حول من يصطحب، ليدرك في النهاية أن الأمر لن يشكل مشكلة أصلاً. حين طلب متطوعين لاستكشاف شبكة كهوف مظلمة ومنذرة بالسوء تعج بأم أربع وأربعين وحشية ومخلوقات خطيرة أخرى، لم يرفع يده سوى ثلاثة من تلامذته. أرغون، وديوكلير، وريناتوس. ظل الجميع صامتين سوى الثلاثة.

ظن ماركوس أن كريكت وكاسيا قد تكونان بالجرأة الكافية لخوض المغامرة، لكن لا. ليكن. ربما كان الأمر أفضل هكذا. على الأقل بدا هؤلاء الثلاثة متحمسين بصدق، لذا قل احتمال تذمرهم لديه حين تحتدم الأمور. جهز الفتيان الثلاثة بالعصي وأمرهم بالبقاء قربه طوال الوقت، ثم انطلقوا. بدأت الأمور بشكل جيد. ورغم أن الفتيان لم يكونوا سحرة بعد، ولا يملكون تعويذة واحدة باسمهم، فقد تعلموا جميعاً كيفية تلويح العصا الآن، والمخلوقات التي صادفوها لم تكن خطيرة للغاية.

ففضلاً عن أم أربع وأربعين، صادفوا سحالي الكهوف، وذباب التوهج، والهلاميات. كانت سحالي الكهوف ببساطة سحالي ضخمة تقطن كهوفاً كهذه – شديدة الصلابة خارقاً، لكن بحجم ساعد بشري فحسب، لذا لم تكن شيئاً لا تطيقه ضربة محترمة بالعصا. كانت أذكى من أم أربع وأربعين العملاقة وأفضل رؤية، لذا فرت هاربة من المجموعة في الغالب، ولم يشعر ماركوس برغبة في مطاردتها. كانت قوارث، ومستبعد أن تهدد أحداً في البرج، حتى وإن نجحت في الوصول إلى السطح بطريقة ما.

أقصى ما قد يحدث هو فقدانهم لبعض المؤن الغذائية. بدا ذباب التوهج كالنحل الملغز الضخم المتوهج بضوء برتقالي. وعلى خلاف النحل العادي، كان هذا الذباب شديد العدوانية، ويمتلك قدرة مقيتة على بث حمض برتقالي متوهج. استبعد أن يقتل أحداً، لكن الأمور قد تسوء لو أصاب أحدهم في وجهه أو عينيه، لذا كان ماركوس يقود المجموعة مبتعداً عن خلاياها متى لمحها.

وقد علم موقع الخلايا على الخريطة التي كان يصنعها، مخططاً لاستئصالها لاحقاً – فذباب التوهج يؤسس خلاياه سريعاً في المساكن البشرية، وبعدها "يدافع"

عن تلك الخلايا بطرد سكان المبنى المذكور. ولم يرد وجودها قرب برجه أبداً. أخيراً، وجدت الهلاميات. كانت غريبة للغاية – تكتلات بروتينية من الهلام الأخضر الشفاف تجر نفسها على أرضية الكهف بحثاً عن شيء لا يستطيع الهرب أو القتال. خالفت أي مخلوق سحري آخر عرفه ماركوس. لم تكن أرواحاً، وليست كائنات من لحم ودم أيضاً. تواجدت شتى أنواع الهلاميات هناك، لكن هذه كانت هلاميات خضراء أساسية وضعيفة جداً يستطيع حتى تلامذته التعامل معها.

كما بدت الأنفاق مضاءة بشكل مدهش، إذ غطت جدرانها تكتلات من الطحالب المتوهجة وفطرات ملونة كبيرة. بصراحة، بدا الأمر غريباً نوعاً ما. معظم شبكات الكهوف، حتى السحرية منها، لم تكن بهذه... الخصوبة. واستمروا في استكشاف شبكة الكهوف، بينما كان ماركوس يتوقف أحياناً لشرح ما يصادفونه.

حذرهم ماركوس حين صادفوا إحدى بقع الفطريات لأول مرة: "إياكم وأكل تلك".

رمقوه بنظرات غريبة.

سأل ديوكلير وهو يرمق البقعة بريبة: "من يأكل فطوراً متوهجاً غريباً يجده في كهف سحر؟"

قال ماركوس: "الناس مستعدون لأكل شتى الأشياء الغريبة. ألم يكن على أحدهم صنع تلك الجرع المكونة من مواد غريبة حقاً؟ لا يعني هذا أن لتلك الفطريات أي قيمة كيميائية".

وما لم يخبرهم به ماركوس هو أن هذا النوع من فطور الكهوف المتوهجة مخدر معروف جيداً. قد لا تستخدم في أي جرعة سحرية قيّمة، لكن الكثير من الناس يحصدونها لصناعة عقاقير مختلفة. راوده إغراء بتدمير كل بقعة يصادفونها، لكنها كانت كثيرة للغاية بلا جدوى. سيبدو الأمر مريباً فحسب. بعد قليل، بدأ ماركوس يشعر بقلق بالغ حيال تلك الكهوف. لأمر ما، أمضوا ساعات عدة يستكشفونها، ولم يبلغوا أي نهاية بعد.

وحتى حين استخدم ماركوس تعویذات التخطيط لمعرفة بنية المكان، لم يجد سوى مزيد من الأنفاق الممتدة نحو المسافات من حوله. حتى إنه استدعى تشومبي، عنصره الأرضي الوفي، ليساعده في اجتياز المكان. غير أنه في كل مرة أرسل فيها تشومبي لاستطلاع المقدمة، كان العنصر الأرضي يعود ليخبره بوجود مزيد من الأنفاق أمامه. وبدأوا يصادفون مزيداً من الهلاميات. كانت أضخم وأسرع وألوانها غير مألوفة وعجز ماركوس عن تفسيرها.

أخيراً، بعد فترة، لمح ماركوس وحشاً آخر أمامهم. كان خنفساء. صغيراً نسبياً، لا يزيد عن حجم سحالي الكهوف، بدرع أزرق غامق لامع. رقصت أقواس ضئيلة من البرق بين كل فك سفلي، وبالكاد تلاحظ. كان مخلوقاً ضعيفاً للغاية، ويستبعد أن يهدد تلامذته. غير أنه بعث برودة في عمود ماركوس الفقري، لأنه لم يتعرف عليه. امتلك معرفة شبه موسوعية بكل مخلوق سحري أصيل في تاسلوا، ولم يسمع أو يقرأ قط عن خنفساء كهذه.

بعد التحديق فيها لبضع لحظات واهتزاز الفكين، أدركت الخنفساء تفوق مجموعة البشر أمامها فتراجعت عائدة إلى ظلام نفق مجاور.

أعلن ماركوس: "سنعود".

قال ريناتوس: "نحن تائهون، أليس كذلك؟"

أنبه ماركوس منزعجاً وضربه ضربة خفيفة بعصاه على رأسه: "لا تقل هراء كهذا. هذه الكهوف اغرب مما حسبت، هذا كل ما في الأمر. سأوصلكم إلى السطح ثم أعود وحدي لأرى ما يجري هنا".

لكن الأمور لم تسر كما أمل ماركوس. مهما تراجعوا، لم استطاعوا العودة إلى السطح. ولا حتى تشومبي استطاع المساعدة. امتدت الأنفاق في كافة الاتجاهات، منذر بالسوء وغير مألوفة، والهلاميات الحائمة أصبحت أكبر وأكثر خطورة كلما مشوا. ومع إحراج الاعتراف بالأمر، لقد ضاعوا حقاً.