Chapter 018Incursion لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يتساءل فيها ماركوس عما تكونه عواصف الفوضى حقاً. كانت حقيقة واقعة يعيشها الجميع على كوكب المنطقة منذ مئات السنين، لكن السجلات التاريخية أخبرته بأن الأمر لم يكن هكذا دائماً، وبلغ مسامعه أن كواكب أخرى في النظام تخلو منها. أي حدث أشعل شرارة عواصف الفوضى، ولماذا لم تتبدد بعد كل هذا الوقت؟ لابد أن الظاهرة التي أطلقت العنان لهذه القوى كانت هائلة الحجم بلا شك.
قد يظن المرء أن حدثاً كهذا محفور بوضوح في كل سجل تاريخي على الكوكب، لكن ماركوس عجز طوال حياته عن انتزاع إجابة واضحة من أي منها. بدا الجميع بارعين في رمي مسؤولية أصلها على عاتق الآخرين. بينما تاقت أفكاره في هذه الاتجاهات، أطال ماركوس النظر من النافذة نحو البلدة في الخارج. كانت أنهار متوهجة من الضوء متعدد الألوان تتشابك بين المباني وتضفي على كل شيء بريقاً أخاذاً.
ووصلت إلى أذنيه بضعف نغمات رنين غريبة عبر زجاج النافذة. كانت عواصف الفوضى تعربد بلا هوادة. علق ماركوس وتلاميذه هنا في الوقت الراهن. اضطروا إلى الالتجاء إلى إحدى المدن الساحلية حين أبصروا العاصفة مقبلة، ولحسن الحظ لم يواجهوا صعوبة في العثور على نزل محلي يضم متسَعاً يكفي لاستيعابهم العشرة. كان ماركوس يمني نفسه بأن تخمد عاصفة الفوضى المفاجئة هذه بنفس سرعة اندلاعها، لكن الحظ لم يسعفه وبدا أن عليهم قضاء الليل هنا.
لحسن الحظ، نادراً ما كانت عواصف الفوضى تدوم لأكثر من يوم.
– لا أثر لانحسارها بعد، هاه؟
جاءه صوت من خلفه. استدار قليلاً ليدرك أنه صاحب النزل. رجل طاعن في السن، هزيل البنية، وكسى الشيب رأسه بالكامل. بدا من طينة البشر الرحيمة، إذ آوى حفنة من المتشردين ومعدمي المدينة داخل المكان مع بدء العاصفة، رغم عجزهم عن دفع ثمن وجبات الطعام أو الغرفة للمبيت. قال إن تركهم يوتون في الخارج قسوة بالغة.
– يبدو أن علينا الانتظار حتى الصباح إذن.
هز ماركوس رأسه مجيباً.
– ها ها، لا تجهر بكل هذه الكآبة!
هتف العجوز وهو يربت على ظهره بحماس. ولم يبد عليه أي توجس من كون ماركوس ساحراً من نوع ما.
– توقف عن القلق وامضِ للعب جولة أو جلتين من الورق مع تلاميذك.
فقد وجدوا جميعاً سبلاً لتسلية أنفسهم ريثما ننتظر. وأنت الوحيد الذي يعتريه هذا التوتر حيال الأمر. اشكر حظك فحسب لأنك لم تعلق في البرية بينما تعربد العاصفة الشريرة. فهذا حقاً ما يستدعي القلق...
– أظنك على حق.
أقر ماركوس بذلك. فقد كان من حسن الطالع حقاً ألا تداهمهم عاصفة الفوضى أثناء تحليقهم فوق المحيط المفتوح، حيث ينعدم وجود ما يمكن الاحتماء به هناك. خطر بباله أنه كان يستطيع تجميد بعض الماء وصناعة ملجأ من الجليد، لكنه افتقر إلى أي تعاويذ ملائمة لتشكيل الجليد، لذا لكان الأمر محفوفاً بالعقبات. ناهيك عن أن الجلوس داخل كتلة جليدية في عرض المحيط سيكون... ضاراً بالصحة على عدة صعد مختلفة.
ابتعد عن النافذة وتوجه نحو إحدى الطاولات حيث جلس ريجولوس وجوليا وكريكيت. كان تلاميذه متفرقين في المكان، فبعضهم يتفاعل مع النزلاء الآخرين، بينما يتلى الآخرون أوقاتهم بلعب النرد أو الورق أو تبادل أطراف الحديث. جلس بجوار ريجولوس الذي كان منهمكاً في قراءة كتاب أحضره معه من أدريا. نوع من حكايات المغامرات الخيالية، وفقاً لما استنتجه ماركوس من العنوان. أهوى الفتى الكتاب لحظة إحساسه باقتراب ماركوس.
– خذ راحتك في القراءة.
قال له ماركوس: – لا داعي للتوقف من أجلي. أنا هنا فقط لأريح قدمي قليلاً. يبدو أن علينا قضاء الليلة هنا.
– في الواقع، كنت متسائلاً بشأن أمر ما.
تحدث ريجولوس وبدت على محياه مسحة من عدم الارتياح.
– هل نحن أمنون هنا حقاً؟
تبدو الأبواب والنوافذ هنا بعض الشيء... آه، واهية. أطلق ماركوس ضحكة خافتة.
– لا تقلق.
قد تبدو عواصف الفوضى كأنها منسوجة من مادة أثيرية منسيابة، لكن تيارات الضوء تحمل قدراً معيناً من التماسك والعطالة. فهي لا تتسرب ببساطة عبر أي شق تصادفه على عكس الماء. المساحة المغلقة الخالية من الثقوب الظاهرة تكفي لمنع دخولها. هذا المكان متين بما يكفي وزيادة.
– هذه معلومة بديهية.
أشارت جوليا قائلة: – ألم تشهد عاصفة فوضى في حياتك قط؟
– عشت في أدريا طوال حياتي.
أجاب ريجولوس: – نحن... مدينتنا محمية بدرع ضخم يصد عواصف الفوضى تماماً. إنها لا تبلغ المباني البتة.
– يبدو هذا مذهلاً حقاً.
قالت كريكيت وهي ترمقه بنظرة.
– هل سنحصل على شيء مشابه في برجنا؟
– لا.
رد عليها ماركوس: – لا أملك دراية بكيفية فعل ذلك. الحواجز السحرية تؤدي بلاءً حسناً في مواجهة عواصف الفوضى. فطبيعة الفوضى الخام تقضي بنحت الحدود والفواصل بين كل الأشياء، وسرعان ما تبدد الدفاعات السحرية أو حتى تتجاهلها بالكامل. تمتلك أكاديمية البحر العظيم قسم مخصص يشرف على مصفوفة الرون الرئيسية للأكاديمية والتي تغذي تعاويذها الدفاعية بالطاقة، ولا يُسمح لأي شخص من خارج طاقمها بمجرد إلقاء نظرة عليها، ناهيك عن تعلم أسرارها.
كان إيجاد حاجز سحر يقي من عواصف الفوضى أمراً ممكناً بوضوح، نظراً لأن كل أكاديمية كبرى توصلت إلى طريقة لتحقيق ذلك، بيد أن ماركوس جهل كيفية صنع واحد. فكل تعويذة دفاعية امتلكها أثبتت عدم جدواها ضدها، باستثناء تلك التي تخلق حاجزاً مادياً فعلياً لصد تيارات الألوان. وظن أن جميع الطرق المعروفة تستهلك قدراً هائلاً من المانا، إذ لم يسبق له أن رأى تلك الدفاعات تُستعمل خارج المواقع السحرية الكبرى.
– ومع ذلك، أتمنى أن تتوقف عواصف الفوضى غير العادية هذه عن الهبوب عما قريب.
عقب ماركوس: – إن استمرت في الهطول حتى موسم الحصاد، فقد تفسد المحاصيل بآثار الفوضى الخام، ولا يعلم أحد ما قد يترتب على ذلك من عواقب. غالباً ما تهب عواصف الفوضى خلال أشهر الشتاء وبداية الربيع. ويُعد ذلك أفضل توقيت ممكن لها جدلاً، بالنسبة لسكان التحالف الفضي على الأقل. كانت هناك مناطق في الجنوب تنعكس فيها الفصول، ولم تكن النباتات هناك مأمونة الأكل. لم تكن عواصف الفوضى خطيرة على النباتات ذاتها في الواقع، بل إنها في الواقع كانت تنمو بحجم أكبر وتزدهر تحت تأثيرها، لكن استيعاب الطاقات الفوضوية التي تشبعت بها خلال العواصف استلزم وقتاً.
وإن واصلت عواصف الفوضى المتقطعة هبوبها حتى عمق الخريف، ستتأزم الأمور بسرعة بالغة... لا شك أن البعض يواجهون خيارات مزعجة بالفعل، نظراً لأن بعض المحاصيل تُحصد مبكراً نسبياً من السنة.
– أيها المعلم، أتستطيع التحدث عن جهاز التقييم ذاك من حفل التحكيم؟
باغتته جوليا بالسؤال فجأة. تنهد ماركوس باطناً.
يكاد يكون مؤكداً أن إيكيوس و"أثرة القديم"
أُرسلا إلى حفل التحكيم لافتعال المتاعب عمداً. كان إدراك ذلك سهلاً للغاية، لكن ماركوس لم يعر الأمر اهتماماً يُذكر حينها. وافتترض أن الهدف يتمثل في الإيحاء لكل مشاهد بأن ماركوس لا ينتقاء أفضل التلاميذ، وربما أيضاً تحويل الحدث برمته إلى نوع من السخرية. لقد نجح في منع الأخيرة ولم يكترث للأولى. بيد أنه أدرك خلال اليومين الماضيين أنه ربما غفل عن شيء ما. لم تقتصر مسألة التقييم برمتها على إلحاق الضرر بسمعة ماركوس في الأكاديمية...
بل تعدتها لبث الشقاق بين تلاميذه أيضاً.
– حريٌّ بك نسيان أمر ذلك برمته.
قال لها ماركوس: – أريد فقط معرفة ما إذا كان هناك مسحة من الصحة في الدرجات التي منحها، هذا كل ما في الأمر. أصرت جوليا: – وفوق ذلك، صار فوليوس لا يُطاق منذ أن اكتشف أنه يحمل أعلى تقييم بيننا. لاحظ ماركوس ذلك حقاً. وعموماً، لو طُلب منه تخمين من سيكون الأكثر تأثراً بتقييم تلك الكرة، لرجح أن تكون كاسيا وكلاوديا وكريكيت، نظراً لحصولهن على أدنى الدرجات. بيد أن أياً منهن لم يبدُ مهتماً بذلك كثيراً.
مع ذلك، بدا كل من كريكيت وريجولوس كأنهما يميلان بجهد أكبر نحو ماركوس لاستيعاب إجابته بوضوح. لذا فهما يهتمان قليلاً على الأقل...
– ثمة نصيب من الصحة في الأرقام التي أطلقتها، نعم.
أقر ماركوس بذلك. وعجز عن تحديد الآلية الدقيقة التي تقيس بها الكرة سمات الأشخاص، لكن بمقارنة نتائجه الخاصة بالدرجات استطاع أن يفكك خيوط السمات التي أخذت بالحسبان.
– إنها تتجاهل تماماً الانتماءات العنصرية، وقوة الروح، والشخصية، وتقتصر بدلاً من ذلك على قياس السمات المرتبطة بالمانا لدى الشخص.
وهي تخبرك جوهرياً بمدى براعتك المحتملة في تشكيل المانا وإلقاء التعاويذ العامة. وعلى الأرجح، لم ترصد الكرة السلالات السحرية وطفرات الفوضى أيضاً، رغم خلو حفل التحكيم من أي منهما، لذا تعذر على ماركوس التيقن من ذلك.
– ألا تقيس الانتماءات العنصرية على الإطلاق؟
بدت جوليا منفرجة الكرب وفي حيرة في آن. قطبت حاجبيها.
– انتظر إذن.
فهذا يعني أن الدرجات المرتفعة التي مُنحت لريجولوس كانت... ضحك ماركوس.
– أجل يا جوليا.
لقد تجاهلت تلك الدرجة تماماً تجاوبه العالي مع عنصر الماء، إلى جانب قوة روحه الاستثنائية. وبصراحة أمنحه تقييماً أعلى بكثير مما فعلته الكرة. أدرك ماركوس أن هذا ليس ما تمنت الفتاة سماعه، لكنه شك أيضاً في أنها حدست بذلك مسبقاً. وما هذا إلا تأكيد لظنونها. تنحنح ريجولوس.
– لا داعي للشعور بالسوء حيال هذا يا آنسة أرجنتا...
استهل الفتى كلامه فقاطعته: – لست غيورة!
– لم ألمح إلى ذلك.
قال ريجولوس وهو يشير بحركة مسكنة.
– بل أنت غيور للغاية.
عقّبت كريكيت من جانبها، والتفتت إلى ماركوس.
– لكن الأمر غريب.
لماذا تتجاهل الكرة الانتماءات العنصرية؟ أليست تلك أموراً هامة؟
– يُرجح أن من صنع الكرة عجز عن منحها القدرة على رصد الانتماءات العنصرية.
قال ماركوس: – لتحقيق ذلك، لا بد أن تضم الكرة لُب شعارات شاملاً قادراً على اكتشاف عناصر متعددة في الأشخاص. لم تبسُط الثلاثة بكلمة ردّاً على ذلك. فربما افتقروا إلى السياق اللازم لاستيعاب مدى صعوبة إنجاز كهذا.
– أتدرون لمَ استطعت التجاوب مع تقنية شجرة الروح، دون أي تقنية تأسيسية أخرى؟
سأل ريجولوس: – ما الذي يجعل التقنية التي تمارسها مميزة إلى هذا الحد؟
– إنها تقنية تأسيسية بالغة المرونة يمكنها استيعاب أي تعويذة أو عنصر تقريباً.
أجاب ماركوس: – لكن بالمثل، فالنجمة العنصرية تتسم بالشيء ذاته. لذا فلست متأكداً مما يجب أن أقوله لك. ومع ذلك، ربما ارتبط الأمر بروح الفتى. فقد شعرت... بكونها قديمة. عتيقة حتى. لم تبدُ قوة روحه الاستثنائية كميزة فطرية، بل ثمرة لتقوية روحية بسيطة واكبت مرور الزمن ومعايشة خبرات شتى. ومع ذلك، انعدم أي دليل يفيد بأن ريجولوس أكبر سناً مما يبدو عليه، أو أنه خبر الكثير في حياته.
ولم يكن شبحاً يتقمص جسداً غريباً كذلك – فقد غرس ماركوس بذرة روحية فيه بعد حفل التحكيم، مثلما فعل مع أغرون ودايوكليس، ولم يصدر عن ريجولوس أي اعتراض على الإجراء. مجمل القول، وقف ماركوس حائراً عاجزاً عن فهم ما يشاهده. وربما متى ما نضجت الرابطة بينه وبين بذور روحه، فسيتسنى له لمس ما يفسر هذا اللغز. ولما رأى انعدام أي تعليق إضافي، نهض ماركوس من مقعده.
– حريٌّ بي تفقد بقية تلاميذي.
أخبر الثلاثة بذلك، شاكراً في عدم قدرتهم على الاسترخاء بحضوره هنا.
– ولا تقلقوا بشأن فوليوس.
إن لم يهبط إلى أرض الواقع بعد عودتنا إلى الديار، فسأشرع في تكديس المهام والأعمال المنزلية عليه حتى يهدأ. فالموهبة العظيمة ترافقها مسؤوليات عظيمة بالنتيجة.
– ينطبق ذلك عليه وحده، وليس عليَّ، أليس كذلك؟
قال ريجولوس مبتسماً. بادله ماركوس الابتسام.
– أمم، أيها المعلم؟
لكن ماركوس كان قد استدار ومضى.
* * *
مرت بقية الرحلة هادئة نسبياً. حط ماركوس بالمجموعة على مسافة لا باس بها من برجهم بعدما لمح جماعة من المسافرين يتعرضون لهجوم ذئب ضارية أثناء تحليقه، فهبط لمساعدتهم في طرد الوحوش. إثر ذلك، ارتأى قيادة المجموعة بقية الطريق مشياً على الأقدام عوضاً عن استئناف التحليق. فلم يكونوا بعيدين عن وجهتهم وستشكل الخطوة تغييراً مرحباً به في الإيقاع. وحين لاح البرج في الأفق، نال تلاميذه الجدد أول نظرة على المكان الذي سيقيمون فيه في المستقبل المنظور.
وسر ماركوس لرؤيتهم خالين من أي خيبة أمل ظاهرة.
– لا يبدو هذا سيئاً إلى هذا الحد.
سمع ماركوس أغرون يقول للآخرين بصوت خفيض. ولم يحسن خفض صوت للأسف، رغم عدم جدوى ذلك في مواجهة ماركوس.
– توقعت حطاماً كاملاً بناءً على ما حكيتموه لي يا جماعة.
– يعود الفضل في ذلك إلى كداحنا نحن الستة لإصلاح المكان.
تذمر فوليوس: – وأيضاً، هل أتوهم أم أنني أحمل أغلب الحقائب لسبب ما؟
– بل تتوهم فحسب.
أخبرته جوليا. غير أن انتباه ماركوس انصرف عن الحوار حين لمح هيلفران في انتظارهم قرب البرج على مسافة بعيدة. فقد تركوا كاهن الموت وراءهم في البرج لحراسته من اللصوص وغيرهم من العابثين – إذ سُلب المكان من كل ما هو ذي قيمة مرة حين هُجر، ولم يستبعد ماركوس إقدام المحليين على سلبه مجدداً إن تركوه بلا حراسة لأيام قليلة. ثمة خطب ما. عادة ما اتسم هيلفران بموقف جاد يخلو من الدعابة، لكن قوام تعبيراته اليوم طغى عليه تجهم لافت.
وفوق هذا، غاب غرابه الدائم عن الأرجح.
– ماذا حدث؟
طالب ماركوس بالإجابة فور اقترابه، وأشار بيده إلى التلاميذ المتخلفين خلفه آمرًا إياهم بالتوقف والصمت. تفحص البرج بحثاً عن علامات دمار، لكنه لم يلحق أي شيء بارز في الخارج. لا شيء لم يكن موجوداً من الأساس حين انتقل ماركوس وتلاميذه إليه، على أي حال.
– أنا آسف.
قال هيلفران، وبدا مضطرباً بطريقته الرواقية المعهودة.
– حاولت منعه، لكنني لم أكن نداّ له.
– ابدأ من البداية، أرجوك.
أمره ماركوس.
– جاء رجل لرؤيتك بالأمس.
أخبره هيلفران: – زعم أنك تعرفه، وتجاهل قولي بغيابك وضرورة انتظاره لك في الخارج. فرض نفسه داخل المكان، بل واقتحم مكتبك وعاث في مخازن طعامنا. حاولت اعتراضه، لكنه أقصاني تماماً ببضع تعاويذ معدودة. لم يبد مهتماً بإيذائي، لكن...
– ابقَ هنا.
أمر ماركوس والتفت نحو تلاميذه المحتشدين خلفه.
– وأنت ابقَ هنا معه.
إن سمعتم أصوات انفجارات وقتال، فاركضوا نحو الغابة وابتعدوا عن البرج قدر المستطاع. دون انتظار ردهم، فتح ماركوس باب البرج الرئيسي بقوة مفرطة واقتحم الداخل، حريصاً على إحداث جلبة صاخبة وواضحة بخطواته. من ذا الذي يجرؤ على اقتحام برجهم في غيابه؟! أياً كانوا، فقد تجردوا تماماً من الحياء، إذ بلغ ماركوس صدى حديث وضُحك صادر من مكتبه في أعلى البرج. ولم تبدُ أصوات اقتحامه الواضح كفيلة بإزعاجهم.
كان في منتصف السلم حين تميز الصوت. وأسود وجهه على الفور.
– لا أستطيع تصديق هذا.
هتف بصوت عالٍ وهو يكز على أسنانه: – هذا الرجل... صعد بقية الدرج ودفع باب مكتبه بقوة. واستقبله مباشرة منظر شمشير جالسًا في مقعده، يرتشف النبيذ مباشرة من الزجاجة ويلقي بنكتة ما لشاغل الغرفة الآخر. وكان ذلك الشخص الآخر بالطبع، الفتاة الجنية الغريبة التي حاول تمريرها كابنة لماركوس في أدريا قبلئذٍ. بدت الفتاة الجنية متجاهلة لمقالب شمشير حتى تلك اللحظة، جالسة على أحد مقاعد الضيوف وعيناها مغمضتان ويداهما مستقرتان في حجرها، لكن لحظة اقتحام ماركوس للغرفة تنبهت في ومضة، وثبت عينيها القرمزيتين نحوه بصمت دون أن تبجس بكلمة.
أما شمشير، فكان أكثر تفاعلاً وتعبيرًا بكثير.
– ماركوس يا صديقي.
قال بصوت طافح بالود لدرجة قد تخدع الغريب وتجعله يحسبه حقيقياً: – ها قد أتيت!
– أيها النذل.
رد ماركوس: – لأي سبب جئت بحق الجحيم؟ لقد قلت لك لا. ولاحظ عرضاً أن كليهما استبدل ملابسه بأخرى محلية. فقد ارتديا أزياء بنية باهتة رُجح شراؤها بثمن بخس في مكان ما بأدريا. وربما كان الرجل فاراً حقاً... لكن إن كان الأمر كذلك، فما بملك يتصرف هكذا؟ فبالنسبة لرجل مطارد، بدا شمشير مولعاً بإثارة الاستفزاز إلى أقصى حد.
– لا، أتذكر بوضوح تام اتفاقنا وبأني سأمر حين تهدأ الأمور قليلاً.
أجابه شمشير، واحتسى جرعة أخرى من زجاجة النبيذ بعد قوله، غير آبه بغضب ماركوس.
– على أي حال، أحضرت معي إيريس.
يمكنك فحص مدى توافقها مع تقنيتك التأسيسية إن شئت، لكنني واثق من أنها ستبلي بلاءً حسناً.
– وكيف تثق إلى هذا الحد؟
سأله ماركوس. فقد يتسم التوافق مع التقنية التأسيسية بقدر كبير من عدم التوقع. وكان ريجولوس مثالاً صارخاً على ذلك.
– لأنها تمتلك انتماءً مزدوجاً للعنصرين الخشبي والناري.
أجاب شمشير مبتسماً بعريض وجهه.
– همم.
تمتم ماركوس مفكراً. لم يضمن ذلك الأمور بعد، لكنه سيظل أمراً غريباً حقاً لو أن شخصاً يملك انتماءً خشبياً خلا من أي تجاوب مع تقنية شجرة الروح. وربما توقع شمشير منه ذهولاً تاماً حيال امتلاك فتاة جنية لا تمس بصلة لكلا العنصرين في وقت واحد، لكن العالم رحب، وسبق لماركوس أن صادف ساحراً بثلاثة انتماءات عنصرية. صحيح أن الأشخاص ذوي الانتماءين أو أكثر نادرون للغاية، بيد أنهم لا يخرجون تماماً عن نطاق إدراك ماركوس.
في الواقع، قيل إن سيسا، المؤسس العتيق لأكاديمية الفصول الأربعة، امتلك أربعة انتماءات عنصرية – الهواء، والأرض، والنار، والماء – وكان ذلك جلياً سبباً رئيسياً لكونه أقوى ساحر في عصره.
– من باب الفضول، هل أنت مدرك للوضع المحلي فيما يخص تقاليد العنصر الخشبي؟
سأله ماركوس. زالت ابتسامة شمشير.
– أنا...
استفسرت بعد حديثنا. يبدو أن الانتماءات الخشبية شائعة نسبياً، غير أنها لا تؤسس تقاليدها القوية الخاصة لسبب ما. لا يبدو ذلك منطقياً، ما لم... صمت شمشير.
– في الماضي السحيق، طارد أحدهم كل تقاليد العنصر الخشبي على الكوكب وأبادها.
أخبره ماركوس: – وثمة أدلة على استمرار هذا القمع حتى الآن. يميل الحكماء الأقوياء لأكاديمية الشجرة الكبرى إلى ملاقاة نهايات مؤسفة في سن مبكرة. ولأول مرة، تبددت مبالاة شمشير المعهودة.
– أرى ذلك.
قال بانزعاج.
– والأدهى، لا يقتصر الأمر على التقنيات التأسيسية للعنصر الخشبي، بل يطال التعاويذ أيضاً.
أردف ماركوس: – رغم كوني ساحر تجسيد روحي...
– أيها الكذاب.
عقب شمشير وهو يقلب عينيه بوضوح تجاهه. –...إلا أنني لا أملك سوى ثلاث تعاويذ خشبية فحسب. أنهى كلامه دون أن يكلف نفسه عناء الرد على اتهام الرجل. هم شمشير باحتساء جرعة أخرى من زجاجة النبيذ التي سلبها من مخبأ ماركوس، لكنه توقف عند الاعتراف.
– ثلاث فحسب؟
سأل بعدم تصديق. ووجهت إليه الفتاة الجنية نظرة غريبة أيضاً، وإن ظلت على صمتها.
– وجميعها تعاويذ منخفضة المستوى للغاية.
عقب ماركوس. تمثلت التعويذة الأولى في خشب الحديد – تعويذة بسيطة للغاية تتيح للمُلقي تعزيز الأجسام الخشبية وجعلها أكثر متانة. وهي تعويذة تعلمها ماركوس من أكاديمية الشجرة الكبرى؛ التعويذة الخشبية الوحيدة في أرشيفهم. وحملت بعض الفوائد عندما كان المرء مجرد ساحر مبتدئ والأسلحة والدروع الحقيقية باهظة الثمن وعسيرة المنال، لكنها سرعان ما غدت عديمة الجدوى مع تنامي قوة المرء ورتبه.
وحملت الثانية اسم الجذور الملتفة. وهي تعويذة وجدها ماركوس منقوشة على قطعة من لحاء شجرة في بعض الخراب المنسي. وُعدت تعويذة جيدة نسبياً لشل حركة الأعداء في مستويات الطاقة الأدنى، غير أنه بحلول الوقت الذي اكتشفها فيه، كان قد صار بالفعل حكيم تجسيد روحي وضعفت التعويذة بما يعجزها عن النفع. وامتلك وسائل أكثر فاعلية لشلل البشر، سبل لا تتطلب وجوده في العراء وبالقرب من شجرة ذات نظام جذري راسخ.
وأخيراً، اتسمت التعويذة الثالثة بغرابة طفيفة، ودعيت الوتد المستنزف. وهي تعويذة تسخير يمكن إلقاؤها على وتد مُعد مسبقاً. وما إن يُغرز وتد كهذا في جثة أو خصم محتضر، حتى يمتص دماؤهم إجبارياً. وصارت هذه التعويذة الغريبة المنفرة التعويذة الخشبية الأكثر شيوعاً على الكوكب – فقد عثر عليها ماركوس في مئات المواقع حول العالم، في مكتبات التعاويذ الكبيرة والصغيرة. ويبدو أنه وُجد فيما مضى نوع من الشياطين الأشرار الذين يقتاتون على دماء البشر ويصعب القضاء عليهم حقاً.
إذ كان بمقدور المرء طرحهم أرضاً، ليعودوا لاحقاً متعافين تماماً. وشكل هؤلاء الشياطين خطراً طاغياً ومستشرياً لدرجة أن الناس حرصوا، حتى بعد إبادتهم، على حفظ شتى طرائق التعامل معهم، تحسباً لأي عودة محتملة لهم. ويبدو أن هذه الطرائق الحفظية أنقذت الوتد المستنزف عرضة للتطهير الكوكبي لتعاويذ الخشب. وبذل قصارى جهده لشرح هذا لمششمير، آملًا في تخلي الرجل عن فكرة إقحام الفتاة الجنية عليه حين يدرك أن ماركوس ليس بارعاً في سحر الخشب.
فقد يمارس تقنية تأسيسية لعنصر الخشب، لكنه لا يملك سبيلاً لـ...
– لا يهم هذا البتة.
قاطع شمشير حديثه فجأة. قطب ماركوس حاجبيه.
– ماذا تقصد بأنه لا يهم؟
أنا أخبرك...
– لا يهم لأنني سأمنحك بعض التعاويذ الخشبية.
انتظر لحظة. استحضر شمشير كومة ضخمة من الكتب من جيب بعدي في ملابسه. وسقطت جميعها على طاولة ماركوس التي أصدرت صريراً مشؤوماً تحت الثقل الهائل المفروض عليها فجأة. ثم راح الرجل يبحث في كومة الكتب سريعاً عن شيء ما، منقباً في الركام بينما يتمتم لنفسه بلغة لم يفقهها ماركوس... مما أثار تساؤله حول كيفية تحدث شمشير وفهمه للغة المحلية بهذه البراعة، رغم عدم انحداره من تاسلوا وجهله المطبق بالكثير من بديهيات الثقافات هنا.
هل وُجدت طريقة يسيرة حقاً لتعلم اللغة المحلية لم يعلم بها ماركوس؟
– آה!
هتف شمشير وهو يدس بكبرياء كتاباً ذا غلاف أخضر طحلبي في يدي ماركوس. وسرعان ما اختفت بقية الكومة في مخزن شمشير البعدي بينما أمعن ماركوس النظر في الكتاب بين يديه مقلبًا صفحاته. وكما زعم شمشير، كان كتاب تعاويذ بالفعل. ودُوّن في داخله نحو ثلاثين تعويذة عنصرية خشبية، ورغم انخفاض مستواها نسبياً...
– لا شيء من هذه يتجاوز الرتبة الثالثة.
أقر شمشير بذلك.
– لكنها ينبغي أن تكون كفيلاً بمنح إيريس ما تعمل عليه لسنة أو سنتين، وحينها يفترض أن أتمكن من العودة لأخذها.
وبالطبع، لك أن تتعلم أي تعويذة تنال إعجابك، أو حتى تعليمها لتلاميذك الآخرين. لا مانع عندي، فليس أي من هذه سراً في موطني.
– يعد هذا أول جزء مثير للاهتمام سمعته من عرضك حتى الآن.
أقر ماركوس. لم يكترث كثيراً لتلك التعاويذ لنفسه – فهي أضعف من أن تفيده في شي – لكن تلاميذه الجدد... وخصوصاً جوليا، سيستفيدون كثيراً من الوصول إلى هذا.
– ها ها، يا صديقي العزيز، لو علمتُ أن كسب تعاونك يقتصر على منحك حفنة من تعاويذ الخشب المبتدئة، لبدأت بذلك فوراً!
قال شمشير وهو يحاول احتساء جرعة أخرى من زجاجة النبيذ، ليدرك أنها فارغة.
– وعليك شراء المزيد من النبيذ.
لقد نفد عن آخره. قاوم ماركوس الرغبة في إشعال شجار. فمكتبه هو من سيلحقه الخراب إن أطلق معركة.
– لم أوافق على أي شيء بعد.
أشار ماركوس: – لقد قلت للتو إنك سرت على الدرب الصحيح أخيراً. ارشني بمزيد وساأفكر في الأمر.
– ماركوس يا صديقي، أنا وإيريس فاران.
تحدث شمشير بملامح حزينة مبالغ فيها: – اضطررنا للفرار من موطننا لا نحمل سوى ملابسنا وبضع أشياء استطعنا التقاطها عجلين في طريق خروجنا.
– أيها الجاحد!
اتهمه ماركوس: – لقد حاولت تلويث سمعتي، وتنمرت على كاهني المعلم، وشربت كل نبيذي، وتعجز حتى عن دفع ثمن تعليم ابنتك. أما تستحي من نفسك؟ راهن ماركوس على استحالة عجز شمشير عن إخراج أشياء أثمن مقابل هذا.
– سأرد لك كل شيء مع الفوائد.
أبدى شمشير إيماءة متوسلة: – أنا في ضائقة يسيرة حالياً فحسب. أما يمكنك منح بعض الائتمان بحكم صداقتنا؟ وكاد ماركوس يواصل الضغط عليه حين وقع ما لم الحسبان. ولأول مرة، نطقت الفتاة الجنية التي اصطحبت لتغدو تلميذته.
– سمعت أنك تلتقط الأيتام ليغدوا تلاميذك.
قالت بصوت خفيض لكنه عُدّ مألوفاً بشكل مدهش لشخصية غامضة ومبهمة كهذه. أطال ماركوس النظر إليها، فبادلتها بالمثل.
– أغلب تلاميذي أيتام، نعم.
– وأنا يتيمة أيضاً.
أخبرته، مسمرة عينيها القرمزيتين الثاقبتين نحوه.
– إيريس...
تذمر شمشير، لكنها تجاهلته.
– مات والداي الاثنان، وضاع موطني عني.
تابعت: – لا أطلب معاملة خاصة، وسيرحل عمي من هنا قريباً ولن يقدر على إزعاجك. ومن يدري أسيظل حياً بعد عام؟
– حقاً، اكتبوا نعوتي إذن لما لا تفعلون.
تمتم شمشير بتذمر.
– أرجوك اقبلني تلميذة لك.
توسلت إيريس متجاهلة إياه. ورغم توسلها من الناحية التقنية، طفحت سلوكياتها بكبرياء فطري أوحى لماركوس بأنها تتقدم بطلب رسمي عوضاً عن ذلك.
– سأعمل بجد وأجلب المجد لتعاليمك.
وأعدك بأن آخر سلالة ناجية من سلالة أوركيد النار لن تنسى هذا المعروف طالما بقيت حية.
– إيريس!
هسهس شمشير، وتنقلت عيناه خلسة بينها وبين ماركوس، ممزقاً بين إيلاء الاهتمام لرد فعل كليهما.
– لا يمكنك قول أشياء كهذه جهاراً!
لقد اتفقنا على أن...
– يكفي.
قالت. وأنصت شمشير لها بالفعل، ساكتاً فوراً.
– لم تكن طريقتك لتجدي نفعاً على أي حال.
حدق ماركوس في الفتاة الصغيرة أمامه لبضع ثوان، ممعناً النظر فيها بصمت. ولم تبسُط بأي قول إضافي لإقناعه.
– هاتِ يدك.
أمرها ماركوس. فعلت، واستحضر ماركوس شند روحه خلفه ليبدأ بتقييم سماتها الروحية والمانوية. وأول ما تنبه له ماركوس بالطبع هو امتلاكها لانتماء عنصري مزدوج. الخشب والنار، تماماً مثلما زعم شمشير. وامتازت كذلك بنوع من السلالات السحرية المضخمة بانتمائيها... لا. ليس مضخماً. تطلب الأمر هذين الانتماءين العنصريين لكي يعمل. فشخص يخلو من الانتماءين الخشبي والناري سيعد حاملاً للسلالة، لكنها ستظل خاملة تماماً بداخله.
يا لها من شروط قاسية. فالأشخاص ذوو الانتماءين العنصريين نادرون للغاية. وتطلب انتماءين عنصريين محددين فحسب لتتجلى سلالة سحرية بدا كأمر مخصص بصورة سخيفة. أفمتلكت سلالة إيريس طريقة لفرض الانتماءات العنصرية على نسلها؟ حسب فهم ماركوس، تورث الانتماءات العنصرية بضعف شديد – وانعدم وجود سبل لضمان حتمي لحصول طفل مثلاً على انتماء خشبي، حتى لو أنجب شخصان بانتساب خشبي طفلاً معاً.
لذا فإن تمرير انتماءين عنصريين بشكل موثوق سيزداد صعوبة لامحالة. ناهيك عن التساؤل حول ما إذا كان كل طفل يرث السلالة السحرية ذاتها من الأساس. فأغلب السلالات لا تورث بشكل موثوق، وستشرع في الضعف إن بقيت خاملة لأجيال مفرطة. لا بأس. اشتُهرت سلالات السلالات بكتمانها المطبق حول قدراتها، لذا فلن ينقب. وركز على بقية سماتها. تمتعت بحساسية مانا وإمكانيات تشكيل... جيدة. أفضل من فوليوس، لكنها بساخرة أقل من ريجولوس.
وبالنظر إلى حديث شمشير عنها، توقع ماركوس أن تبز أهل الأرض في قدرتها السحرية العامة. أما روحها، فكانت متأججة بإطلاق. قوية ونابضة على نحو لم يسبق لماركوس رؤيته لدى مبتدئ صغير لم يطأ دربه الحكيم بعد. فاقت بكثير قوة روح ريجولوس، وإن غاب عنها عراقة تلك الأخيرة. لن تمنح روح بمثل هذه القوة الفتاة أي منافع فورية، لكنها ستغدو ميزة بارزة تصاعدياً مع ارتقائها في الرتب. إذ اكتسبت طاقة الروح أهمية مضطردة كلما غدا الحكيم أقوى.
أفلت ماركوس يدها.
– حسناً.
قال: – ولم يتبقَ سوى أمر أخير. رددِ ورائي... أخذ نفساً عميقاً وسرد ببطء تقنية شجرة الروح، مترقباً رد فعلها.
– أزرع في روحي بذرة شجرة باسقة.
تثبت جذورها الأرض. وتمتد أغصانها نحو السماوات. ومن التراب تستمد القوة. وفي السماء السرمدية تجد غايتها. وتلتف جذورها حول مخاوفي. وترتشف أوراقها الشمس... كان تجاوبها مع تقنية شجرة الروح جيداً حقاً. وطابق تقريباً رد فعل جوليا، مما جعل ماركوس يعتقد أن انتماءها الخشبي يتحمل المسؤولية كاملة عن ذلك. وهناك سبب وراء تقدير أكاديمية الشجرة الكبرى لمرشحي الانتماء الخشبي بهذا القدر.
– مذهلة أليست كذلك؟
علق شمشير حين انتهى: – أراهن أنك لم ترَ قط من هو موهوب أكثر منها، صحيح؟
– إنها مقبولة، أظن ذلك.
أخبره ماركوس، ثم أعاد تركيزه إلى الفتاة الجنية.
– أقبلُك تلميذة لي.
استل تميمة عظم حوت من أحد جيوبها وناولها إياها. لحسن الحظ، صنع عدداً إضافياً من الزيادات أثناء اختباره بعض الأمور. تقبلت القلادة بتردد، وقلبتها بين يديها مرات عديدة، ثم علقتها حول عنقها.
– سيشكل تفسير امتلاكي لتلميذة جنية بعض الإزعاج.
أخبرها ماركوس: – لكنا سنبتكر حلاً ما على الأرجح.
– أيكره البشر والجنس الجني بعضهم بعضاً هنا؟
سألت: – لا. نكاد نخلو من أي تواصل معاً. أخبرها ماركوس: – يعيش الجان على جزرهم الكبرى الخاصة غرباً، ونادراً ما يتاجرون معنا أو يزورون مدن البشر. سيشكل وجودك هنا أمراً بالغ الغرابة. ناهيك عن عينيها. فحتى لو ارتدت قبعة أو عصابة رأس أو ما شابه دائماً، ستظل عيناها خطافتين للأنظار بشكل لا يصدق وتجلبان اهتماماً غير مرغوب فيه. أيا يكن. بما أنه ألزم نفسه بضمها، فسيتعامل مع الأمر على طريقته المعتادة مع المسائل المزعجة: بتقبل الأمور بروية ومعالجة المشاكل واحدة تلو الأخرى.
وربما استطاع إخبار الآخرين بأنها تنحدر من جيب جنيني سري في الأراضي الشرقية. فهم بعيدون حقاً، وعرضة لكل شائعات جمة. فما ضر شائعة إضافية؟ ولن يلتقي بشخص من هناك يفنّد روايته السخيفة على أي حال.
* * *
بعد مزيد من الحديث، تبادل شمشير كلمات خاصة مع إيريس ثم غادر البرج... وفعل ذلك بالترجل ماشياً نحو الأفق. تفاجأ ماركوس قليلاً، إذ توقع مغادرة شمشير بشكل مبهر للغاية، لكن بدا خلاف ذلك. وعرف ماركوس إيريس ببقية تلاميذه، مخبراً إياهم بانضمام مفاجئ للمجموعة. وأشعل ذلك عاصفة من التخمينات والهمسات، لكن لم يبدُ أي منهم معادياً أو مستاءً من حضور الفتاة الجنية لحسن الحظ. وانقضى أسبوع.
وحرص ماركوس على إبقاء الجميع منهمكين بالتدريب ومساعي تجديد البرج. ونظراً لوجود عشرة تلاميذ الآن، وثلاث غرف فقط، غدت الظروف داخل البرج أضيق مقارنة بالبدء. ومثلت الأوضاع إشكالية من نواحي أخرى أيضاً. إذ أخلَّ انضمام إيريس بالأمور من الناحية العددية، لعجز ماركوس عن تخصيص ثلاثة أفراد لكل غرفة وفق ما نواه، علاوة على مشكلة رفض الأولاد والبنات الاختلاط بعضهم ببعض. وانعدمت طريقة يسيرة لتقسيم خمس فتيات وخمسة أولاد على ثلاث غرف فحسب.
وفي الوقت الراهن، حُشر الأولاد جميعاً في غرفة واحدة، بينما قُسمت الغرفتان الأخريان بين الفتيات. وولد الوضع استياءً... معيناً. سيلزمه فعل حيال ذلك، لذا رتب اجتماعاً آخر مع ذلك البناء الذي ساعده في تشييد مسكن لهيلفران بجوار البرج. وتمثلت خطته الحالية في بناء عشرة بيوت صغيرة لتلاميذه خارج البرج وإعادة توظيف غرفتهم الحالية في البرج لغرض آخر. غرف ضيوف، ربما. ونوى كذلك تنظيف المرافق الجوفية أسفل البرج، تحسباً لتعرضه للحصار واضطراره لإيواء الجميع بالداخل لفترات مطولة.
بيد أن عليهم تحمل الوضع في الوقت الراهن. وحرص ماركوس على إشغالهم قدر الإمكان ليتفرغوا بدرجة أقل للتفكير في الكماليات الصغيرة تلك. واتسمت الإضافات الجديدة بأهميتها الخاصة. فعلى سبيل المثال، كان أغرون رماحاً شغوفاً. إذ اصطحب قوسه معه لدى مغادرتهم أدريا، وراح يدرب بجد على الرماية عند أطراف الغابة متى ما أتيح له وقت فراغ. ومع هذا القدر من التفاني، استغرب ماركوس عدوله عن اتخاذ درب محارب، أو ربما صياد، لكن بما أن أغرون لم يتخلف عن أي من تدريباته السحرية لحساب الرماية، فلم يكلف نفسه عناء سؤاله كثيراً عنها.
بل ساعد ماركوس أغرون في بناء ميدان رماية صغير، ناصباً بعض الأهداف الخشبية ليتدرب عليها. وعزم تاليًا على شراء بعض النشاب وتعليم تلاميذه الآخرين كيفية استخدامها على أي حال، لذا لم يضيع الجهد على المدى الطويل. وبدا ريجولوس أقل تكبراً بكثير مما خشي ماركوس، ولم يحاول عزل نفسه عن بقية المجموعة. ويا للأسف، افتقر تماماً للبراعة في شق طريقه عبر الغابة، وبدا خائفاً من البراري المحيطة بهم.
ولم يتيقن ماركوس تماماً، لكنه ظن أن هجوم الذئاب الضارية الذي واجهوه عند وصولهم الأول قرب البرج قد أفزعه ربما. ولم يُعر ماركوس الحادثة اهتماماً يُذكر ظاناً إياها خطراً طفيفاً، لكن ريجولوس ذكرها ثلاث مرات بحضرته. وتمنى تخطي الفتى للأمر قريباً. أما دايوكليس فكان طفلاً لعائلة غير معروفة نسبياً انتقلت حديثاً إلى أدريا. وعلم ماركوس أن اختياره تلميذاً أثار حفيظة البعض، فهو ليس بموهوب عظيم – إذ تعادل تقريباً مع جوليا وريناتوس وأغرون، بلا ميزة استثنائية حقيقية – ولا ينحدر من خلفية مرموقة.
ومع ذلك، وبمراقبة أولئك الذين أرسلوا إيكيوس لمحاولة تخريب الحدث عليه، لم يعر مشاعرهم اهتماماً كبيراً. وعلى كل حال، عُد دايوكليس فتىً جاداً ومجداً أخذ كل مهمة أسندها إليه ماركوس بمحمل الجد. وبدا مستمتعاً بصدق بالمهام المنزلية المتنوعة الموكلة إليه، أو أتمها على الأقل بحماس عجز ماركوس معه عن تمييز الفارق. وواظب على العمل بجد في تدريبه كذلك، وهو ما أمل ماركوس برؤيته عند اختياره.
وأما إيريس، فبدت موهوبة للغاية جلياً حين تعلق الأمر بممارسة تقنية شجرة الروح، لكنها عانت من سوء بنية جسدية بالغة. إذ كانت قصيرة وهزيلة الهيكل، تكاد تخلو من العضلات. وتعبت بسرعة فائقة، ومثل ريجولوس جهلت سبل البقاء في الغابة – لكنها بدت أقل خوفاً منها على الأقل. وانتظره درب طويل شاق إن أراد تقويم بنيتها الجسدية. وألزم الأربعة جميعهم باختيار شجرة شخصية لهم. اختار أغرون الصنوبر – ظاهرياً لكونه الشجرة الأكثر شيوعاً على المنحدرات الجبلية لموطنه.
واختار ريجولوس شجرة الزيتون، رغم أن الصفصاف كان ليشكل خياراً أنسب نظراً لتجاوبه العالي مع عنصر الماء. وزعم أن الزيتون خاطبه على مستوى شخصي، وحسناً، من يكون ماركوس ليعارضه؟ وبدا دايوكليس أقل غرابة، فاختار البلوط بكل بساطة. وعلى نحو غريب، فعلت إيريس المثل. وظن ماركوس أن اختيارها سيكون غريباً وغامضاً للغاية. ربما شجرة غريبة لم يسمع بها قط؟ رغم أن ذلك سيخلق مشاكل نظراً لحاجتها للوصول لتلك الشجرة للتجاوب مع شعاراتها...
ومع ذلك، لم يتوقع ببساطة اختيارها للبلوط. وغاب أي تردد عن اختيارها أيضاً.
– لا أملك مشاعر قوية تجاه أي خيار.
أخبرته: – إن قلت إن الخيار المعتاد هو البلوط، فسأختار البلوط.
– ألست سلالة لتقاليد سحرية عنصرية خشبية؟
سألك: – لابد أنك تملكين تفضيلات ما.
– لا، ليس حقاً.
أدرك أن الأمر يدعى عنصراً خشبيّاً، لكنها مجرد محدودية للغة البشر. في الواقع، يشمل العنصر عالم الحياة النباتية بأسره... وترتبط سلالتي بالزهور عوضاً عن الأشجار. قالت إيريس: – لذا فالبلوط هو الخيار. أزعجت تفميرة التفسير تلك ماركوس حقاً. فقد بدت منطقية، لكنها بدت كذريعة عوضاً عن السبب الحقيقي بشكل ما. ورغم إصرار شمشير على حاجة إيريس لاستخدام تقنية تأسيسية لعنصر الخشب لإبراز كامل مواهبها، بدت متحيرة بشكل غريب حيال التقنية التأسيسية التي تتعلمها.
ثمة خطب ما في الأمر. مجمل القول، سارت الأمور على ما يرام. برزت مشاكل طفيفة هنا وهناك، لكنه أيقن أنها ستُحل في أوانها. وهكذا، في نهاية الأسبوع، استدعى جميع تلاميذه لإعلان مفاجئ. فقد حان أوان لقائهم بـ سيلير واختيار شرنقتهم.