جلس ماركوس في مكتب "بليني"
العجوز بدار الأيتام، ينقر ذقنه بيده غارقاً في التفكير، باحثاً عن أفضل سبيل للتعامل مع هذا الأمر. كان قد طلب من بليني وتايتوس مغادرة الغرفة وإحضار ريناتوس ليخلو به، لكنه في قرارة نفسه لم يكن يدرك الطريقة المثلى لمعالجة موقف كهذا. لقد طاف العالم ورأى الكثير، غير أن رعاية الأطفال لم تكن يوماً من شؤونه. قاطع أفكاره طرقٌ على الباب. وقبل أن يأذن للطارق بالدخول، انفتح الباب قليلاً وأطل رأس صبيٍّ يتفحص الغرفة بحذر.
للحظة، همَّ ماركوس بتوبيخ ريناتوس لأنه لم ينتظر رده. ما جدوى الطرق إن كان سيفعل ذلك؟ لكنه اكتفى بالإشارة له صامتاً بالدخول. انزلق ريناتوس إلى الداخل وأغلق الباب خلفه. اعتاد ماركوس ألا يلتفت للتفاصيل الصغيرة، لكن لعلمه بحقيقة الصبي، لاحظ أن ريناتوس أغلق الباب بأقل قدر ممكن من الضجيج.
قال ريناتوس: "أوه، قيل لي إنك طلبت رؤيتي؟"
أومأ ماركوس: "أجل. اجلس يا بني."
احتج ريناتوس: "أه... يبدو من الغريب أن تُنادى بهذا."
ومع ذلك، مشى نحو الكرسي الذي أشار إليه ماركوس وجلس كما أُمر.
"أعلم أنك شيخ جليل من أكاديمية البحر العظيم، لكن هل تمانع لو ناديتني ريناتوس فحسب؟"
وافق ماركوس: "بالتأكيد. ريناتوس إذن."
تأمل الصبي أمامه لبرهة. كان قصير القامة بالنسبة لعمره، بشعر أسود وعينين حالكتي السواد. بدا ريناتوس متوتراً بعض الشيء، وهو أمر طبيعي لمن دُعي لخلوة مع شخصية ذات سلطة، لكنه لم يبدُ شديد القلق. كان واضحاً أنه لا يدرك مقدار ما يعرفه ماركوس عنه. كما بدا عاجزاً عن الثبات في جلسته؛ إذ كانت أصابعه وقدميه تتحركان وتتغيران باستمرار، لكن ماركوس علم من مراقباته السابقة أن هذا ديدن الصبي.
سأل ريناتوس، وقد نفد صبره من الصمت: "إذن، أوه، عمَّ أردت التحدث معي؟ هل اجتزت الاختبارات؟"
قال ماركوس وهو يشبك أصابعه أمام وجهه: "أبليت بلاءً حسناً. لديك الشجاعة، والذكاء، وأحسنت في اختبار المواهب السحرية. أعتقد أنك ستُقبل بسهولة في أكاديمية الشجرة العظيمة."
خمن الصبي: "لكن ليس بما يكفي لأُقبل عندك."
بدا صوته مخذولاً، ومستسلماً في الوقت نفسه. كأنه كان يتوقع الفشل سلفاً.
رد ماركوس: "لم أقل ذلك. ربما كان أداؤك أفضل، لكن بقية الأطفال ليسوا بتلك الروعة أيضاً. أنت بالتأكيد أحد مرشحي المفضلين الآن."
أشرق وجهه وقال: "أوه! لكنني نوعاً ما..."
ثم توقف فجأة.
رفع ماركوس حاجبه: "نعم؟"
سارع ريناتوس لطمأنته: "لا شيء! أنا، أوه، أعلم أن بليني العجوز ربما أخبرك ببعض القصص عني، لكنها مبالغ فيها جداً، حسناً؟ ذلك الرجل يلاحقني دائماً لسبب ما."
قال ماركوس: "حقاً؟ بليني العجوز كان في الواقع سخياً جداً في مدحك بشكل غير معتاد. قال إنك كنت تنتبه دائماً خلال دروسه، بل وتتابع الدراسات الأكاديمية في وقت فراغك دون أن يضطر لملاحقتك."
"إيه!؟"
بدا ريناتوس عاجزاً عن الكلام.
"أظن أن العجوز... أعني الشيخ بليني-"
أضاف ماركوس: "قال أيضاً إنك كنت تثير المشاكل. لكنني لن أؤاخذك على ذلك كثيراً. كلنا ارتكبنا حماقات هنا وهناك."
وافق ريناتوس وهو يهز رأسه بحماس، وبدأ يلوح بيديه بعنف: "كما تقول يا سيد ماركوس. سأفتح صفحة جديدة بالتأكيد ولن أسبب أي متاعب، ها ها ها! لمَ قد أخاطر بالطرد من تحت يد معلم عظيم مثلك؟ سيكون ذلك جنوناً!"
قال ماركوس: "همم. هذا جيد. مع ذلك، لم أحسم الاختيار بعد. هل لديك ربما أي قدرات خاصة أو سمات سحرية لم تخبر أحداً عنها؟ هذا بالتأكيد سيحسم الأمر ويضمن اختيارك. فكل الناس يبحثون دائماً عمن يملك شيئاً مميزاً."
انكمش ريناتوس في مقعده واتسعت عيناه. ثم بدا وكأنه أدرك أن رد فعله مريب، فحاول استعادة هدوئه. لكنه تجمد بعد ذلك ورمق ماركوس بنظرة طويلة، بينما كان الإدراك يرتسم على وجهه.
اتهمه وهو يشير بإصبعه نحوه: "أنت... أنت تعرف!"
وقاحة.
أكد ماركوس: "أعرف."
كان الأمر ممتعاً طالما استمر، لكنه لم يكن ليواصل اللعب للأبد.
ضيق ريناتوس عينيه: "انتظر. ماذا تعرف؟"
قال ماركوس وهو يكبح رغبته في التحديق بملل: "أن لديك مباركة سماوية، أيها الغبي. من تظن نفسك تخاطب؟"
سأل ريناتوس وقد تهاوت كتفاه قليلاً: "أنت... أنت تعرف حتى أنها مباركة سماوية؟"
قال ماركوس: "لو كانت أي شيء آخر، لما استطعت إخفاءها كل هذا الوقت. ميزة المباركات السماوية والمعجزات أنها لا تُرصد بالسحر البشري. يمكن ملاحظة آثارها، لكنها لا تستهلك مانا ولا تُسجل كسحر بأي شكل. لو كان ما تملكه طفرة فوضى أو قدرة سحرية موروثة، لتم كشفك منذ زمن طويل. ناهيك عن أنني كنت سأرصدها حين فحصتك على المنصة قبل قليل."
سأل ريناتوس: "انتظر. ألم ترصدها حين أمسكت بيدي؟"
سأل ماركوس استنكاراً: "كيف لساحر بشري أن يرصد مباركة سماوية؟ بالطبع لم أرصد شيئاً غير مألوف حينها."
"إذن كيف...؟"
بدلاً من الشرح بالكلمات، مد ماركوس يده وأنشأ شاشة وهمية أمام وجه ريناتوس.
عُرض عليها مشهد واقعي للصبي وهو يتسلل في قرية "ويلوهيل"
المجاورة. كان الصبي في المشهد يتفادى ببراعة أنظار القرويين والعجائز اللواتي يراقبن من النوافذ لتمضية الوقت، حتى انزلق أخيراً إلى كوخ تخزين، حيث اتجه نحو مجموعة من الأكياس الكبيرة. وضع يده على أحدها، فما كان من الكيس إلا أن... اختفى. بعدها، فر ريناتوس الذي في المشهد من المكان، ليصبح فجأة غير مرئي تماماً تجنباً لأن يلحظه أحد القرويين. شاهد ريناتوس الوهم بنظرة ذهول مستسلم، مفتوناً بوضوح بسحر الوهم الذي جعل هذا العرض ممكناً، لكنه أدرك أيضاً أنه لا سبيل لخداع ماركوس بعد أن رأى كل شيء بوضوح.
أخيراً، ضاق الصبي ذرعاً بالأمر. لوح بيده عبر الشاشة الوهمية بضع مرات، مشتتاً إياها حتى تلاشت. ثم تنهد بعمق. كانت تنهيدة عالية ودرامية جداً. مسرحية ومبالغ فيها للغاية.
فكر ماركوس في نفسه: "سيلير سيحب هذا الصبي."
قال ريناتوس بحزن: "لقد أفسد كل شيء كيس جوز واحد. كنت أعلم أنها فكرة سيئة بينما يزور ساحر قوي دار الأيتام."
أشار ماركوس: "لكنك فعلت ذلك على أي حال."
قال ريناتوس مدافعاً عن نفسه: "لقد استخدمت قدراتي بينما كان هناك سحرة آخرون يزوروننا، ولم يلحظوا أبداً أن شيئاً ما كان خطأ."
لم يكن ذلك مفاجئاً. مهما بلغت قوة الساحر، لا يمكن رصد السحر السماوي. ما لم يكن لدى الساحر سبب للشك في أن ريناتوس بصدد ارتكاب أمر ما، ووصول إلى سحر تجسس متطور بما يكفي لمراقبته خفية، فسيكون من الصعب ضبط الصبي متلبساً. صمت ماركوس لثانية، ينقر بأصابعه بعضها على بعض متأملاً وهو يحدق في ريناتوس. أما ريناتوس، فقد زاد توتره تحت نظراته.
قال ماركوس: "أتعلم، أنا في الواقع لا أمانع أنك أبقيت مباركتك السماوية سراً."
سأل ريناتوس متفاجئاً: "لا تمانع؟"
"لا. السحرة لديهم دائماً حصتهم من الأسرار، حتى عن معلميهم. إنها في طبيعتنا. السبب الرئيسي لعدم كتمان الأسرار هو أنها تحد من فعاليتك. إذا كنت تخفي بعض قدراتك، فستفوت فرصاً كنت ستحصل عليها، وقد تخسر أشخاصاً وأشياء تهتم لأمرها فقط لأنك لم ترد كشف كل أوراقك لخصومك. لكن، حسناً، أنت لا تزال طفلاً، ولا أحد يعتمد عليك. يمكنني احترام ضبط نفسك في كتمان شيء كمباركة سماوية بدلاً من كشفه للجميع طمعاً في معاملة خاصة. لكن ما لا يمكنني احترامه هو السرقة."
فتح ريناتوس فمه ليدافع عن نفسه، لكن ماركوس أسكته برفع كفه. لم يكن هناك سحر في الحركة، لكن الصبي كان ذكياً بما يكفي ليدرك أن ماركوس يأمره بالصمت والاستماع.
قال ماركوس: "أعرف ما ستقوله، وسيكون ذلك مهيناً. إذا كنت مستهتراً إلى هذا الحد في استخدام قدراتك للسرقة لدرجة أنك خاطرت بالانكشاف من أجل كيس جوز، فهذا يعني أنك كنت تستخدم مباركتك السماوية للسرقة باستمرار. هذا ليس أمراً حدث مرة أو مرتين، أو حتى خمس مرات. بل باستمرار."
خفّض ريناتوس رأسه خجلاً. حسناً، إن كان لا يزال قادراً على الخجل من الاتهام، فثمة أمل فيه بعد. كان ذلك مشجعاً.
قال ماركوس: "على أي حال، إليك ما سأفعله. سأقبلك طالباً عندي."
رفع ريناتوس رأسه، رامقاً إياه بنظرة مفاجئة.
تابع ماركوس: "لكن، سأعوض قرويي ويلوهيل عن الضرر الذي ألحقته بهم على مر السنين."
على الأقل، افترض أن هذا كله كان يحدث منذ سنوات. لم يكن لديه فكرة متى حصل ريناتوس على مباركته.
"ستدين لي بهذا."
وافق ريناتوس على عجل: "بالطبع. سأعيد كل شيء بالتأكيد، الأمر فقط-"
أضاف ماركوس: "وستعتذر لشيخ القرية عن أفعالك."
تجهم وجه ريناتوس، بدا غير سعيد بفكرة الاعتذار. لكن يُحسب له أنه لم يعترض بكلمة.
سأل ماركوس ببطء وتردد: "أعلم أن عليَّ تصحيح الأمور، لكن هل من الجيد حقاً إخبار الجميع بأن لدي مباركة سماوية؟"
طمانه ماركوس: "أوه لا، سنحتفظ بهذا الجزء لأنفسنا بالتأكيد. من المستحيل التغطية على الأمر تماماً. لقد أخبرت بليني العجوز بهذا، كبداية. لكن، كلما قل عدد من يعرفون بمباركتك السماوية، كان ذلك أفضل. الشيء الوحيد الذي يجب أن يعرفه القرويون هو أنك كنت تسرق منهم. لا تذكر حتى أن هناك سحراً متورطاً، ناهيك عن سحر سماوي."
حدق ريناتوس فيه صامتاً.
هز ماركوس كتفيه: "كما قلت، السحرة لديهم دائماً حصتهم من الأسرار. إنها في طبيعة المهنة."
لم يرد أن يعرف أحد أن طالبه يملك سحر تسلل لا يمكن رصده. فمن جهة، مثل هذه القدرة تكون أقوى كلما قل عدد من يعرفون عنها. والأهم من ذلك، لو انتشرت المعرفة بقدراته، لكان الكثيرون حذرين جداً منه، ولأُغلقت في وجهه أبواب كانت ستُفتح لولاه. سحر التسلل القوي هو تلقائياً سحر اغتيال قوي، والسحرة -حتى الأقوياء منهم- عرضة جداً للاغتيالات.
سأل ريناتوس وهو يعض شفته: "ماذا سيحدث لو... رفضت أن أصبح طالباً عندك؟ هل لدي خيار في هذه المرحلة؟"
قال ماركوس: "لديك خيار دائماً. وعلى أي حال، أنا لست مهتماً بطلاب مكرهين. إذا كنت تظن أن التعامل معي مزعج جداً، يمكنك البقاء هنا حتى تصبح مستعداً لمغادرة الدار. لكن تذكر، سأبلغ الشيخ بليني بكل ما أعرفه، وبصفته المسؤول عنك، فمن المؤكد أن لديه أفكاره الخاصة عما يجب فعله بخصوص... سلوكك."
ابتلع ريناتوس ريقه بصعوبة.
سارع ريناتوس وهو يلوح بيديه: "لا، لا حاجة لذلك! كنت أتحدث افتراضياً فقط، يا سيد ماركوس. بالطبع أريد أن أكون طالبك!"
قال ماركوس: "هذا رائع."
في الحقيقة، لم يكن ممكناً السماح لريناتوس بالركض طليقاً في العالم العادي دون رقابة من أحد.
"أسدِ لي معروفاً واشرح لي كيف تعمل مباركتك السماوية فعلياً. سأكون معلمك، وأنا أعرف بالأمر بالفعل، لذا أثق بأنه لا مشكلة لديك في هذا."
بدا ريناتوس متردداً قليلاً بشأن الفكرة، لكنه أومأ في النهاية وبدأ يتحدث.
قال ريناتوس: "من الصعب الشرح لأنني أحياناً لا أفهم الأمر بنفسي. لكن لدي القدرة على توليد هذه الفقاعات غير المرئية. إذا جعلتها تبتلع الأشياء، تصبح عديمة الوزن وغير مرئية، وتتبعني الفقاعات أينما تحركت، حاملة الأشياء لي."
تأمل ماركوس: "آها. هكذا حملت ذلك الكيس الكبير الضخم دون جهد على ما يبدو."
كان يتساءل عن ذلك. لقد استنتج بالفعل أن قدرات ريناتوس تتجاوز مجرد جعل الأشياء غير مرئية، لكن كان من المثير سماع كيف تعمل المباركة فعلياً.
أومأ ريناتوس: "أجل. الفقاعات غريبة. يصبح من الأصعب إنشاء المزيد منها مما لدي بالفعل، لكن لا يبدو أن الأمر يهم إن كنت أحمل فيها خمسة أكياس من الدقيق، أو خمس أوراق شجر فردية. كلاهما يتطلب خمس فقاعات للحمل. خمس فقاعات هي الحد الأقصى الذي يمكنني إنشاؤه في الوقت الحالي."
سأل ماركوس: "في الوقت الحالي، تقول. إذن أخمن أن العدد الذي يمكنك إنشاؤه زاد بمرور الوقت؟"
أومأ ريناتوس إيجاباً.
"وبالتأكيد يمكنك تجميع تلك الأوراق الخمس في كومة واحدة ووضعها في الفقاعة نفسها؟"
هز ريناتوس رأسه: "أوه، لا. جربت ذلك ورفضت الفقاعات التعرف على كومة الأوراق كشيء واحد. لها عقلها الخاص، وتقرر بنفسها ما هو الشيء وما ليس بشيء. كما أنها لا تريد ابتلاع أي شيء حي غيري. في الحقيقة، لا يمكنني حتى جعلها تتحرك بالطريقة التي أريدها – فهي تتبعني فقط مثل مجموعة من صغار البط. كل ما يمكنني فعله هو أمرها بابتلاع الأشياء أو لفظها."
حدث شيء في ذهن ماركوس عند سماع هذا الوصف.
سأل ريناتوس: "إذن حين أصبحت غير مرئي أثناء سرقتك للجوز، كنت تضع إحدى هذه الفقاعات فوق نفسك؟ لهذا لم تقم بالرحلة كاملة وأنت غير مرئي. لا يمكنك التحرك بينما أنت داخل فقاعة."
أكد ريناتوس: "نعم. كما أنني لا أرى جيداً بفقاعة فوقي. كل شيء رمادي وضبابي، والأصوات مشوهة. قد يكون من الصعب معرفة ما يحدث حولي. لا أحب استخدام تلك الخدعة، لكنها قد تكون مفيدة أحياناً."
بدا منطقياً لماركوس أن مباركة ريناتوس السماوية تتمحور تماماً حول الفقاعات الغريبة التي يتحكم بها. لم يصادف ماركوس مباركة سماوية سوى مرتين في حياته قبل لقاء ريناتوس، لكن في كل مرة كان لها طابع ضيق جداً. إحداهما منحت محارباً شاباً القدرة على استدعاء نسخ من أي سيف يلمسه، بما في ذلك السيوف السحرية، والأخرى كانت تجبر أي شخص في الجوار على الإجابة عن الأسئلة بصدق.
سأل ماركوس: "لا أظن أنك تعرف أي ملك منحك قواك؟"
هز ريناتوس رأسه: "لا. استيقظت يوماً ما، قبل عام ونصف تقريباً، وكان هذا معي. لا أعرف كيف، لكنني علمت في قلبي فوراً أن هذه مباركة سماوية."
همم. تماماً كما لم يستطع ماركوس إخراج رؤية الكوكب المنهار من عقله، ربما؟ كان للرؤية ثقل، وكانت تطالب بأن تُتذكر وتُؤخذ على محمل الجد، بطريقة لا يمكن أن تكون طبيعية. كان من الممكن تماماً أن المباركة التي تلقاها ريناتوس جاءت مصحوبة بوحي مماثل لطبيعتها السماوية. أومأ قليلاً، غارقاً في التفكير لبرهة. مما قرأه ماركوس، كانت هذه القصة شائعة جداً بين من يملكون مباركة سماوية.
مثل هذه الهبات السماوية نادرة، لكنها أقل ندرة مما يدركه معظم الناس، وتحدث في جميع أنحاء الكوكب دون نمط محدد.
بعضها يُمنح صراحة من قبل ملوك مجمع "المستنيرين"
أو المعبدين الآخرين، لكن في تلك الحالة تُمنح في الغالب لكهنتهم وأتباعهم، عادةً مقابل إنجازات كبرى وخدمة مدى الحياة. ومع ذلك، فإن معظم من يتلقون المباركات السماوية يبدون أشخاصاً عشوائيين، عادةً أطفالاً أو شباباً، لم يفعلوا شيئاً خاصاً ليستحقوها. تأتي المباركات من مصدر مجهول، ولا تأتي معها أي التزامات. كان هذا غريباً جداً، بما أن الملوك كائنات فخورة وتحب أن تنسب الفضل لأفعالها.
القصة الرسمية من مجمع المستنيرين هي أن الملوك تبارك أحياناً بشراً عشوائيين كتعبيراً عن طيبتهم وكرمهم الفطري، لكن ماركوس سمع بعض النظريات الهرطقية التي تقول إن هذه المباركات تأتي من مصدر خارجي. قوة غريبة عظيمة وقوية لدرجة أن حتى ملوك مجمع المستنيرين لا يجرؤون على ملاحقة وكلائها البشريين. على أي حال، كان ماركوس يفضل في الواقع أن تكون الأمور على هذا النحو. لو مُنح ريناتوس مباركة من ملك محدد مسمى، لما كان أمام ماركوس خيار سوى تسليمه لأي معبد يرتبط به ذلك الملك.
وبما أن الأمر هكذا، فلا حق للكهنة في التدخل في شؤونه، وقد أحب ماركوس ذلك. ناقش بعض التفاصيل الأخرى مع ريناتوس ثم أرسله خارج المكتب ليتمكن من التفكير في الأمور التي اكتشفها على انفراد.
* * *
بعد ذلك، استدعى ماركوس المرشحين الستة المختارين أمام دار الأيتام، وعرض أن يكون معلمهم. لم يعتقد حقاً أن أياً منهم سيرفض، لكن التقليد يقتضي أن يقبل الساحر طلابه رسمياً أمام شهود حتى لا يكون هناك غموض في هذه الأمور. في الأكاديميات الكبرى، قد تستغرق المداولات بشأن نتائج الاختبارات عدة أيام لحلها. في هذه الحالة، استغرقت العملية برمتها بضع ساعات فقط، حتى مع احتساب استجوابه لريناتوس.
كان معظم الحشد لا يزال هنا، حيث كان الناس فضوليين بشأن من سيتم اختياره في النهاية - كان القرويون قد عادوا لمنازلهم حين انسحب ماركوس إلى دار الأيتام لمناقشة النتائج، لكنهم عادوا بسرعة بمجرد انتشار الخبر بأنه مستعد لإعلان اختياره. نادى ماركوس بسرعة ستة أسماء وجعلهم يتقدمون أمامه. توقع بعض التعليقات المحبطة من بقية المرشحين الذين لم يُختاروا، ربما حتى نوبة غضب أو اثنتين، لكن الحشد انفجر في الغالب بالتمتمة والنميمة.
بدا أنهم يجدون أهمية كبيرة في حقيقة أن أربعة من أصل ستة من المختارين كانوا فتيات، مما جعل ماركوس يشعر ببعض المرارة في الداخل. بالطبع هذا ما ركزوا عليه... أي نوع من الأشخاص يظنون أنه؟
تحدث ماركوس: "جوليا، ريناتوس، ليفيا، كلوديا، كاسيا، فوليسوس. أنتم الستة تمتلكون الدافع والموهبة لتكونوا طلابي. هل تقبلون توجيهي وسلطتي؟"
هتف الستة فوراً: "نعم!"
قال ماركوس لهم: "سأبذل قصارى جهدي لأجعلكم جميعاً سحرة متميزين، لكن يجب أن تفهموا - أنا معلم متطلب جداً. أمامكم طريق صعب إذا قررتم السير فيه معي."
حدق فيهم لثانية، لكن أحداً منهم لم يبدُ متردداً أو ميالاً للانسحاب.
"حسناً جداً. في هذه الحالة، دعونا لا نطيل الأمر أكثر. تقدموا، وتلقوا مباركتي."
اقترب الستة من ماركوس واحداً تلو الآخر، وحين فعلوا، قام ماركوس بأمرين. الأول أنه تلا تعويذة قصيرة ووضع كفه فوق رأس الطالب، ثم غرس بذرة الروح داخلهم. لم تكن التعويذة وكف اليد ضروريتين وكانتا للعرض في الغالب. لقد أنشأ بذور الروح بالفعل بعد التحدث مع ريناتوس وحسم قائمته للطلاب المختارين، ولم تكن عملية الغرس تتطلب مثل هذا العمل السحري الواضح. ومع ذلك، فإن القيام بالأمور بهذه الطريقة سمح له بالتركيز على العملية، التي كانت لا تزال جديدة بالنسبة له، دون إثارة الكثير من الشكوك من طلابه الجدد.
إذا كان أي منهم يظن أن هناك شيئاً غير معتاد في وضع ماركوس يده على رؤوسهم وتلاوة كلمات غريبة كجزء من مراسم انضمامهم، فإنهم لم يقولوا ذلك بصوت عالٍ. سارت عملية الغرس بسلاسة حتى حان وقت تلقي جوليا لبذرة الروح.
وبصفتها شخصاً قُبل بالفعل في أكاديمية الشجرة العظيمة، كانت جوليا تملك بالفعل بذرة روح "البلوطة المقدسة".
وبناءً عليه، فشلت محاولات غرس بذرة روح جديدة فيها. كان ماركوس يتوقع ذلك - فقد جعلته حدسه يشك بالفعل في أنه لن ينجح. ومع ذلك، ما توقعه أن يحدث هو أن تتداخل بذرة الروح الموجودة مع غرس الثانية، مما يسبب رفضاً. ما حدث بدلاً من ذلك هو أن جزء روح البلوطة المقدسة داخل جوليا التهم تماماً بذرة ماركوس الخاصة. لقد قبضت على بذرة الروح التي أرسلها ماركوس في اللحظة التي تلامسا فيها، ممزقة إياها ومقتاتة بطريقة ما على بقاياها الممزقة.
ورغم أنه لم يشعر بألم، إلا أنه استغرق كل ما لديه من ضبط للنفس كي لا ينكمش صدمة حين شهد ذلك عبر حواسه الروحية. يا للقسوة. على الرغم من أن ماركوس كان قريباً روحياً للبلوطة المقدسة، إلا أن جزء روح الشجرة لم يتردد على الإطلاق في مهاجمته، وكان من الواضح أنه أكثر قدرة في قتال الأرواح مما كان عليه ماركوس. كما كان ماركوس متأكداً تماماً من أن هذا الدفاع سيعمل على أكثر من مجرد بذرة روح منافسة.
من المرجح أن أي نوع من محاولات التملك أو الهجوم على الروح سيتم مقاومته بواسطة بذرة الروح المغروسة. وهذا يعني أن امتلاك بذرة روح يمنح المرء أساساً مستوى معيناً من الحماية الروحية التي تتجاوز أي شيء يمكن لساحر مبتدئ أن يحشده بنفسه. شردت أفكاره إلى حوادث ثانوية مختلفة في شبابه، حيث قاوم محاولات لإغوائه أو مهاجمته روحياً. في ذلك الوقت، افترض معظم الناس، بمن فيهم هو نفسه، ببساطة أنه فرد قوي الإرادة ذو روح قوية وأن قدرته على مقاومة أشياء لم يكن ينبغي أن يكون قادراً عليها كانت مجرد نتاج لمواهب فطرية، لكن ماركوس يشك الآن في أن هناك أكثر من ذلك.
إن إنتاج بذرة روح من خلال استخدام تقنية شجرة الروح يتطلب أن يكون المرء على الأقل في رتبة تجلي الروح، لذا فإن وجود واحدة تدافع عنك يشبه وجود ملاك صغير من رتبة الروح على كتفك يراقبك.
سألت جوليا، دون أن تحاول إزالة يده عن رأسها: "هل هناك شيء خاطئ؟"
لا بد أنه سرح لفترة أطول مما ظن.
قال لها وهو يسحب يده: "لديك روح قوية بشكل مدهش."
بدت محرجة من الإطراء، وتمتمت بشيء بدا كشكر وتراجعت عن متناول يده. الأمر الثاني الذي فعله ماركوس هو إعطاء طلابه الستة الجدد خاتم تعريف على شكل ميدالية دائرية كبيرة.
كانت بيضاء شاحبة، مصنوعة من عظام حيتان "الليفيتان"
البيضاء التي كانت سفن صيد الحيتان التابعة للبحر العظيم تصطادها غالباً - مادة سحرية قوية ولكنها غير مكلفة نسبياً يصعب الحصول عليها للسحرة الذين ليسوا أعضاء في أكاديمية البحر العظيم. نُقشت على العظم الأبيض اللامع صورة شجرة عملاقة تعلو الجبال، وتغطي المشهد تحت مظلتها الواسعة. كانت الميداليات في المقام الأول أداة تعريف يمكن لطلابه إظهارها لأي شخص يشكك في ولائهم، مؤكدين وضعهم كطلابه.
ومع ذلك، كانت أيضاً عناصر ثانوية مشبعة بتعويذات حماية - نتاج تجارب ماركوس الأخيرة حول إمكانات بذور الروح عند استخدامها في بناء العناصر السحرية. لقد صنعها بنفسه في الفترة التي سبقت مراسم الاختيار. درس الأطفال الميداليات البيضاء باهتمام كبير، يقلبونها مراراً في أيديهم ويتتبعون النقوش بأصابعهم، ربما مستشعرين أنها لم تكن أشياء عادية تماماً. بعد ذلك، كان على ماركوس التعامل مع مجموعة من القضايا الثانوية المزعجة ولكن الضرورية.
كان عليه التحدث مع والدي كلوديا، على سبيل المثال، بما أنهم لاجئون مسافرون وكان عليه أن يجد طريقة لمعرفة خططهم وكيفية البقاء على اتصال بهم. عملياً، كان عليه مساعدتهم قليلاً حتى لا تضطر كلوديا لإضاعة وقتها في القلق بشأن ما سيحدث لعائلتها أثناء غيابها. كما كان عليه التحدث مع بليني وتايتوس بشأن ريناتوس. انتهى به الأمر بإخبارهم أن مباركة الصبي تمكنه من أن يصبح غير مرئي.
لم تكن الحقيقة كاملة بالطبع، وكان ماركوس يدرك أن كلاً من بليني وتايتوس فهما ذلك، لكن الرجلين لم يضغطا عليه كثيراً للحصول على تفاصيل إضافية. بعد تسوية تلك الأمور، أبلغ طلابه الجدد أن لديهم بقية اليوم والغد حرية لتوديع عائلاتهم وتسوية شؤونهم، قبل أن ينطلقوا جميعاً نحو أماكن إقامتهم الجديدة.
* * *
وقف ماركوس أمام برج حجري صغير، وطلابه الجدد منتشرون خلفه. كان المبنى قد شهد أياماً أفضل. السقف منهار جزئياً، والعديد من بلاط السقف مفقود مما يكشف الهيكل الخشبي تحته. كانت هناك آثار لحديقة واسعة تحيط بالبرج، لكن لم تتم صيانتها منذ فترة طويلة وكانت مغطاة تماماً بالأعشاب الضارة الآن. يبدو أن الباب الأمامي انتُزع من مفصلاته في مرحلة ما وكان الآن ملقى على الأرض على مسافة ما من المدخل.
كانت هذه هي أكاديمية الجمشت، أو على الأقل ما تبقى منها. كان ماركوس قد اشتراها من آخر عضوين ناجيين أثناء انتظاره لبدء مراسم التحكيم. على الرغم من أنها بدت سيئة نوعاً ما، إلا أن الهيكل العام للمبنى كان صلباً والتعويذة الدفاعية الأساسية للبرج كانت لا تزال سليمة، لذا لم يكن الوضع سيئاً كما بدا للوهلة الأولى.
قالت كاسيا خلفه: "هذا المكان خراب."
قال ماركوس وهو يستدير ليواجه طلابه: "إنه خرابنا. كمهمة أولى لكم، ستساعدونني في إصلاحه."
احتجت كريكيت: "ماذااا!؟"
بدا الآخرون مصدومين بنفس القدر.
قال ماركوس لهم: "سيكون هذا منزلنا من الآن فصاعداً. إعادته إلى حالة صالحة للعيش في مصلحتكم بقدر ما هي في مصلحتي. لا أريد سماع أي شكاوى."
احتجت كريكيت: "لكن، لكن... انظر إلى المكان! قد يستغرق هذا أسابيع!"
"لا تقلقوا. سأقوم بالمهام الصعبة مثل إصلاح الشقوق في الجدران، وحمل الأشياء الثقيلة، واستبدال بلاط السقف. أتوقع أنها ستستغرق منا ثلاثة أو أربعة أيام فقط لاستعادة المكان إذا عملتم بجد."
سأل فوليسوس: "أنا، أوه، هل ستعلمنا بعض تعويذات التنظيف والإصلاح لجعل العمل أسرع؟"
كان صبياً عادياً جداً متوسط الطول بشعر بني قصير. الميزة الوحيدة الملحوظة التي كان يملكها هي ندبة طويلة رقيقة على خده الأيسر، حصل عليها على ما يبدو أثناء تقريب قطة صغيرة جداً من وجهه كيتيم صغير.
قال ماركوس وهو يشبك يديه على صدره: "لن تبدأ أي دروس سحر حتى يتم إصلاح المكان ويكون جاهزاً لاستقبال الطلاب. إلى جانب ذلك، كيف سأعلمكم أي تعويذات؟ أنتم لستم حتى سحرة من الرتبة الأولى بعد."
رؤية كيف كان الجميع باستثناء جوليا يرمقونه بنظرات فارغة لعدم الفهم، تنهد ماركوس داخلياً وقرر إعطاءهم درساً سريعاً في نظرية السحر. كان جاداً بشأن عدم وجود دروس سحر حتى يتم ترميم البرج، لكن هذه كانت نظرية بحتة، وستمنحهم بعض المنظور للطريق الطويل أمامهم.
"من أجل إلقاء حتى أبسط التعويذات، تحتاجون إلى استخدام المانا، الطاقات السحرية التي تغمر الأماكن والمخلوقات الصوفية في العالم، لتزويدها بالطاقة. ومع ذلك، أنتم لا تملكون أي مانا، لذا تحتاجون إلى الحصول عليها من العالم من حولكم."
مد ذراعيه في الهواء وأشار إلى الأرض من حولهم.
"بُني هذا البرج على إحدى عقد الطاقة الطبيعية على الكوكب. هناك طاقة من حولنا، لكنني أراهن أن أياً منكم لا يستطيع الشعور بها."
تبادل الطلاب نظرات التساؤل فيما بينهم، مدركين بصمت أنه لا أحد منهم يشعر بأي شيء خاص حول هذا المكان. رمق بعضهم جوليا بنظرات بحث. كانت فتاة الشجرة العظيمة تبقي نفسها بعيدة بشكل ملحوظ عن بقية الأطفال، مترددة على ما يبدو في التفاعل معهم حقاً. تمنى ماركوس ألا يستمر ذلك، وإلا فسيضطر للتدخل بطريقة ما.
قال ماركوس لهم: "لا، حتى الآنسة أرجينتا لا تستطيع استشعار المانا المحيطة بهذا المكان. ليس ما لم تكن تؤدي تقنية شجرة الروح بنشاط، بالطبع."
قالت كلوديا: "أوه! فهمت! تقنية الأساس التي جعلتنا نؤديها تسمح لنا بالاتصال بالسحر من حولنا!"
أشار ريناتوس: "لكنني بالكاد أستطيع التفكير بينما كنت أخوض في ترانيم وحركات تلك التقنية. تطلب الأمر كل تركيزي فقط لأبقى منغمساً فيها وأفعل كل شيء بشكل صحيح. كيف يمكننا إلقاء أي شيء أثناء القيام بذلك؟"
قال ماركوس: "لا يمكنكم. لقد أصبت كبد الحقيقة. ساحر غير مبتدئ مثلك لا يمكنه الاتصال بشعارات العالم من حوله واستشعار المانا المحيطة إلا أثناء أداء تقنية أساسية. لكن بينما تفعلون ذلك، من الواضح أنكم لا تستطيعون إلقاء أي تعويذات. مما يعني أنكم عاجزون عن إلقاء أي شيء."
كان من الممكن في الواقع للأشخاص العاديين تماماً غير المدربين استخدام السحر من خلال طقوس معقدة ودوائر سحرية مصنوعة من مكونات سحرية غريبة. ومع ذلك، كانت هذه خطيرة للغاية حتى على السحرة الكاملين، لأنها غالباً ما تستدعي مساعدة الأرواح والقوى الخارجية المختلفة. لم يرد ماركوس أن يعرفوا عن هذا بعد، لئلا يغراهم تجربتها بأنفسهم سراً.
سأل فوليسوس، وعيناه تلمعان: "إذن ماذا نحتاج أن نفعل لكي نلقي تعويذات؟"
بدا متحمساً جداً لاحتمالية السحر. حسناً، ربما كانوا جميعاً كذلك.
قال ماركوس له: "كونوا مثابرين، في الغالب. أدوا تقنية شجرة الروح التي أريتكم إياها يومياً، كلما كان لديكم بعض وقت الفراغ وشعرت روحكم بأنها منتعشة بما يكفي. مرة أخرى، ومرة أخرى، ومرة أخرى، حتى تصبح تقنية الأساس غريزية جداً، ومتجذرة جداً في روحكم، بحيث لا تعودون بحاجة إلى القيام بالحركات وتلاوة الترانيم لتنشيطها. ثم تدربوا عليها أكثر، حتى لا يصبح الرنين معها سوى فعل إرادة واحد، ولا تعودون بحاجة إلى بذل أي انتباه على الإطلاق لإبقائها مستمرة. في تلك اللحظة، ستكونون متصلين صوفياً بالعالم من حولكم في أي وقت ترغبون، وستكونون قادرين على التركيز على أداء تعويذة دون أن ينشغل جسدكم وانتباهكم بتقنية الأساس التي تمارسونها. في تلك اللحظة ستكونون حقاً سحرة من الرتبة الأولى، وستكونون قادرين على عد أنفسكم كأحد المتبحرين."
كانت هذه العملية التي وصفها ماركوس، على حد علمه، متطابقة لجميع المتبحرين. لا يهم ما إذا كان شخص ما يتدرب ليصبح ساحراً، أو محارباً، أو صانعاً، أو قاتلاً، فقد كُلفوا جميعاً في البداية بدمج تقنيتهم الأساسية في روحهم من خلال التكرار العنيد قبل أن يتمكنوا من البدء فعلياً في ممارسة سحرهم. بالطبع، السرعة التي يمر بها شخص ما عبر هذه العملية تختلف اختلافاً كبيراً اعتماداً على مدى موهبة الشخص وتفاصيل أخرى، لكن ماركوس يتوقع في الواقع أن يتخذ معظمهم تلك الخطوة الأولى قريباً جداً من بعضهم البعض.
الاستثناء الوحيد هو جوليا، التي ستجعلها تقاربها للخشب تستوعب تقنيتها الأساسية في وقت أقرب بكثير من الآخرين. أما بالنسبة للآخرين، حسناً... كانت مواهبهم جميعاً متوسطة، وكان هناك حد لعدد المرات التي يمكن للمرء فيها أداء تقنية أساسية في اليوم. إن ممارسة تقنية أساسية تضع ضغطاً كبيراً على الروح، خاصة إذا لم يكن ماركوس حاضراً لجعل الأمور أسهل من خلال تجسيد روحه كما فعل في مراسم التحكيم.
بدون مساعدته، لن يتمكن طلابه الستة، المفعمون بالحياة والحماس كما هم، من الاستمرار في ممارسة تقنية شجرة الروح لأكثر من نصف ساعة في المرة الواحدة. على أي حال، كان ماركوس ينوي دفعهم جميعاً إلى أقصى حدودهم، لذا ما لم يكن لدى أحدهم روح مرنة بشكل غير عادي، فلا ينبغي أن تهم أخلاقيات عملهم كثيراً في هذه الحالة المبكرة.
قال ماركوس: "على أي حال، لقد أضعنا الكثير من الوقت في التكاسل بالفعل. أنتم الستة ابدأوا بحمل كل الأثاث المكسور وانظروا إن كانت هناك أي عناصر بالداخل تستحق الإنقاذ. في هذه الأثناء، سأتخلص من عش حريشات الرعب التي تغزو القبو حالياً."