جلس شرطيان في مقصورة طليت بالأزرق والذهبي ليتوقيا المطر الهادر بلا انقطاع بنقير متواصل. تكاثف دخان المصانع في هذه الأرجاء وصنع مزيج سماء داكنة وضباب عصراً كئيباً. سعل أحد الشرطيين بعنف.
قال ونفث في المطر وقرع بأصابع على سيف في حجره: "تباً للسفليين. ضباب كثيف يكاد يقطع".
ورفع بصري إلى زميله ذي الشارب الكثيف: "كيف وقعتَ في هذه الوضيعة من المواقع أصلاً؟"
أجاب الشرطي الآخر وهو يحشو التبغ في غليون قصير: "انسحاب تكتيكي. بعد أن نسي قائدي إصدار الأمر البديهي".
"هربتَ؟"
"مهلاً، احذر ما تقول. قلتُ انسحاب تكتيكي".
كشر الشرطي الأملس، الأصغر سناً بيّنةً بينهما.
"معذرةً. لم أرد أن تخرج هكذا".
قامت المقصورة وحدها في ساحة خالية وتابع المطر قرع الخشب المطلع. وساد هدوء ما خلا طنين المصانع البعيد.
"أكان ذلك في الأنفاق؟"
تابع الشرطي الشاب.
"بلى"، أجاب الآخر وأشعل غليونه بعود ثقاب.
أرسل الشرطي الأملس عينيه تحومان إلى مصباح غاز مُسمّر في الجدار وترفرف على زجاجه عشرة حشرات مجنحة.
"سمعتُ أنها كانت مجزرة. إن وُجِد لائمٌ على تلك المهزلة، فهم القادة".
تنهد الشرطي ذو الشارب ونفث دخاناً التوى داخل المقصورة الضيقة ليملأها بعبير حلو ولاذع.
"إن أنصفنا، كنا مستعدين تماماً. خمسة ناريين بيننا وجمع من الجمرات. غير أن ذلك الشيء..."
تصاعد جو من التوتر مع تكاثف دخان التبغ وتابع الشرطي: "جريندل، الموت الأبيض. حاربتُ وحوشاً مباركة من قبل. لا وحدي قط، بل دائماً كدعم للمباركين من الجيش أو الصيادين. يقولون إنه رجل مبارك. لست متأكداً من تصديقي لذلك".
نفث دخاناً من أنفه ورفع حذاءيه على الطاولة الضغرى في المقصورة.
سأل زميله الأملس: "من أين يأتون؟ المسوخ أعني؟"
"سمعت أنهم مثلنا، ينالون المباركة أيضاً. اللهب محايد. لكن كيف تُختار... أنا متأكد أنه أمر سري".
أومأ رفيقه مفكراً: "ما عسى ذلك الرجل أن يفعل إذن؟"
حدق ذو الشارب في قعر الغليون والجمرات التي تلعب في داخله وعقد حاجبيه: "حين أحكمنا حصاره في شرك، بدا كأي إنسان. ثم تغير... نوع من المسوخ. نفض مدافع البخار وكأنها قطرات مطر. ظهر ضباب في الأنفاق. فقدنا أثره".
اختلج إحدى عينيه وهو يستعيد الذكريات.
"واحد تلو الآخر، اختفى الناس. انسحبت، وهنالك وجدتهم. أولئك الذين اختلفوا في الضباب والتوت أعناقهم وراء ظهورهم، عصرهم كخرق مبللة".
جلس زميله صامتاً يحدق إليه بشدة.
"ولم يكن ذلك أسوأ ما هنالك. كانت لدينا نقطة تجمع. مخرج مخفي إلى السطح. وجده و..."
قال صوت من المطر: "مهلاً".
وثب الشرطيان على قدميهما بصيحات سريعة وتعثرا بالكراسي بينما سقط الغليون والسيف على الأرض. وفتحا عينيهما على وسعهما وارتخت فكوهما من الصدمة. وقف شاب في فتحة المقصورة. كان قصير القامة وتبرز خيوط رفيعة من العضلات على عنقه وعظمة ترقوته. وكان في إحدى قدميه حذاء واسع للغاية وفي الأخرى حذاء ضيق. وتغطى جسده بطبقات ممزقة ومتهالكة من القماش. طبقة خارجية ربما سُميت معطفاً يوماً.
لم يحمل وجهه أي توتر بل خطته ندوب رقيقة عبر وجنتيه وأنفه وجبهته. وشق أعظمها حاجبه الأيسر وامتد نازلاً على وجنته. تسرّب المطر على هيئته وقطر من خارجه المزري. وبدى كملك للصعاليك.
قال ريتش بإمالة رأسه: "معذرةً. لم أرد إفزاعكم".
رفع الشرطي الشاب الأملس سيفه وقبض على مقبضه مستعداً لسله.
وقال مرتبكاً: "أي لعنة تبحث عنها متسللاً في عاصفة!"
نظر الفتى من فوق كتفه مستوعباً المطر والضباب ثم استدار مبتسماً: "ليس سيئاً للغاية".
تنحنح الشرطي ذو الشارب واستقام في زيه مستعيداً بعض رباطة جأشه: "لا أذى يذكر أيها المواطن. ببساطة لم نتوقع أحداً في هذا الطقس اللعين. كيف نخدمك؟ أحدث شيء ما؟"
قال ريتش بحذر وهو لا يزال واقفاً في الهطول: "صرتُ مباركاً في اليوم الأخير".
ورفع بصري يترقب رد فعلهم باهتمام. حدق الحارسان مذهولين.
وتابع: "أريد أن أكون صيداداً".
طرف الشرطيان: "أنت؟"
قال الشرطي الشاب الأملس بعد هنيهة.
"أنت مبارك؟"
التقط الشرطي ذو الشارب غليونه المتوهج من الأرض.
"أمتأكد أنت؟ نادر صعود المدنيين".
نظر إليه ريتش بعينين سوداويتين تبدوان أوسع من اللازم لوجهه المندوب وقال: "أنا متأكد. أستطيع شفاء جسدي. وأفعل أموراً أخرى أيضاً. انظر إلى هذه اليد فحسب".
سحب كمه كاشفاً عن يد مشوهة. كانت أصغر من اللازم وجلده ناعم كجلد مولود حديثاً.
"قُضِمَت، ويلزمها قدر من اللهب لتتجدد وتؤلم كالجحيم".
تعثر الشرطي الشاب إلى الخلف لرؤية الطرف الغريب. غير أن رفيقه أومأ.
"يبدو لي هذا غير طبيعي، كيف صرتَ مباركاً إذاً؟"
ضاقتا عينا زميله: "أآذيت أحداً؟"
رفع ريتش يديه: "أوه لا، لا. لقد التقيت جرذاً ضخماً بحق، في الأسفل بالمجاري".
سادت هنيهة صمت.
قال الشرطي ذو الشارب بعدم تصديق: "جرذاً؟"
أومأ ريتش ناشراً ذراعيه إلى أقصى مد للإشارة إلى حجمه: "ضخماً بحق. ومباركاً أيضاً".
مسح الشرطي شاربه رافعاً حاجبه: "للتأكد فحسب. أيمكنك تخيل طعن زميلي هنا؟"
قال وهو يطرق كتف زميله.
"مهلًا!"
ثم أردف مدركاً لتوّه أن الصغير ما زال خارجاً في المطر: "أوه، وبوسعك الدخول الآن قبل أن تغرق".
خطا ريتش إلى المقصورة ورمشت عيناه نحو الشرطي الأملس. وتراجع الرجل خطوة حذرة بينما حدق فيه ريتش بتركيز.
قال ذو الشارب مستمتعاً ومستديراً لشريكه: "ها هنا، ها هنا، لا يعض. أتشعر بشيء؟ أشرارة اسم في جمجمتك؟"
طرف الشرطي الأملس وانشدّ وجهه مزيجاً من الاقتمات والدهشة: "ريتش آكل الجرذان..."
تمتم. صنع ريتش وجهاً غريباً وفرك حذاءه الكبير بالأرض. وعادا للصمت مجدداً محاولاً كل من الثلاثة العثور على الكلمات المناسبة.
وأخيراً تكلم الشرطي الأقدم: "أتعض؟"
أمال ريتش رأسه: "أأنت جرذ؟"
فنال بذلك نظرتين خاويتين: "لا. لا أعض"، قال أخيراً دافعاً يديه في جيوبه.
أطلق الشرطي ذو الشارب قهقهة مجهدة وتنحنح مستعيداً رسمياته: "ريتش آكل الجرذان، هه؟ اسم غريب، لكنك أحسنت صنعاً بمجيئك إلى هنا".
وانطلق في مونولوج: "يُطالب كل مبارك حديث بالإبلاغ لدى موظف حكومي فوراً وفق قانون المدينة. ستُسجل وتُفهرس مباركاتك".
ونفث في غليونه ليجد أنه انطفأ.
"من الآن فصاعداً، ينبغي أن تلبي إن احتاجت المدينة إليك. وحينها ستُدفع أجرة خدمتك. هذا هو القانون على أي حال".
تحسس معطفه باحثاً عن ثقاب ثم استسلم: "ثمة بعض الأوراق، ولكن إن شئت، أفنسير بك إلى المكتب المدني؟"
قال ريتش محنياً رأسه: "نعم من فضلك".
قال الشرطي ذو الشارب مشيراً إلى زميله الأصغر: "حسناً، أنا أليك، وهذا هنا بابلو".
مد أليك يده من تحت الطاولة وأخرج مظلتين، وخطا الثلاثة معاً إلى المطر. وما زال الشرطي الأصغر بابلو يحافظ على مسافة آمنة. وكان الشارع الضبابي شبة خال ما عدا عربة وحيدة تعبر مسرعة فوق الحجارة المرصوفة.
سأل بابلو: "قل لي يا بني. ريتش اسم غريب. أأنت من إحدى القلاع وراء السور؟"
نظر إليه ريتش بعينيه السوداويتين وشعره المبتل يلتصق بجبهته: "لا. أنا من نوف يانوسك، وُلِدت في الأحياء الفقيرة، ولست متأكداً أين حقاً"، قال بابتسامة معوجة.
"لم تكلف أمي عناء اسم حقيقي قط. سمتني ما ظننتها تراه، صعلوكاً. ثم باعتني لقاء نقود".
تمتم الحارس: "هممم... أرى ذلك".
وصلا إلى مبنى حجري عال. وكان المكتب المدني مكتظاً رغم الطقس. واصطف المدنيون في طوابير طويلة لمخاطبة الموظفين خلف النوافذ الزجاجية. قاده الشرطي ذو الشارب أليك خلال البيروقراطية. مستخدماً ريشة وحبراً، وقع ريتش على عشرة أوراق بخربشات بالكاد تُقرأ، شملت اتفاقية سرية. وقدم تقريراً منطوقاً عن مباركتيه دونه الموظف بحماسة. وأصدرا له بطاقة تعريف وأخبراه أنها ستمنحه حق العبور عبر البوابة الداخلية.
وخرج الثلاثة من المبنى. ريتش تحت مظلة وأليك بابلو تحت أخرى، ويقف الاثنان بقرب مزعج في زيهيهما. اقترب الغسق ولم يخفّ المطر. وتلألأت مصابيح الغاز عبر الضباب ملقية توهجاً مخيفاً على الشارع شبه الخالي.
سأل ريتش رافعاً بصره إلى أليك: "شكراً للمساعدة. أتعرف أين أسجل لأكون صيداداً؟"
تنهد الشرطي الأقدم كأنه كان مستعداً.
"أيها الفتى، أفهمك. تريد أن تكون أحد عظماء العسكرية مثل غوستافيوس الأسد أو ساشا مد البحر. لكن الجيش ينتقي في تجنيد المدنيين المباركين. ومع اسم كهذا، فإن..."
قاطعه نقر على الكتف.
هز بابلو رأسه: "لم يقل الجيش. قال الصيادون".
قال أليك بارتباك: "الصيادون؟ يموتون كالذباب. من يكون في كامل وعيه لكي..."
توقف ناظراً إلى الشاب. رسم ريتش ابتسامة عريضة.
تنحنح الشرطي الأقدم: "يقود الصيادون ماريا الناخسة، وهم... منظمة فضفاضة"، قال أليك هازاً رأسه.
"مجموعات مختلفة تعلو في القمم، لكل منها طرقها. يحاول مكتب الصيد الإشراف على ذلك كله".
أومأ ريتش: "عظيم، لا بد أن لديهم نوعاً من الأرشيف"، قال لنفسه أكثر مما قاله لأحد.
تنهد أليك: "أيها الفتى، لقد مررت بالكثير. أستطيع رؤية ذلك. لكن اذهب للخيار الثالث. الكنيسة تحت القديسة نفسها ستأوي أي مبارك. بلا معارك. ساعد المدينة بطرق أخرى، انل أجرًا، عِش بكرامة. تلك حياة تستحق العيش".
انحنى ريتش بلطف: "شكراً مجدداً. أنتما ناس طيبان، رغم كونكما شرطيين"، قال مرجعاً المظلة قبل أن يخطو مجدداً في المطر.
واستدار أثناء مشيه مطلقاً ابتسامة تظهر أسنانه ولوح مودعاً قبل أن يختفي في الضباب. وخلفه في البعيد، نظرت ظلال القمم إلى الأسفل عبر المطر، أبراج المدينة الضخمة البارزة في قلبها.
قال أليك ناظراً إلى المطر: "ثمة مكافأة إحالة. جنيهان لكل مبارك. أَنقتسمها بالتساوي؟"
أجاب بابلو مستنداً إلى واجهة المبنى: "بالتأكيد".
وقفا صامتين لبرهة يراقبان الشوارع الضبابية ومصابيح الزيت المتوهجة وسط الضباب.
كسر بابلو الصمت: "لا بد أنه كان جرذاً مهيباً".
أعاد أليك إشعال غليونه وأخذ نفساً طويلاً نافثاً خيوط دخان: "أتصديق أنهم لا يسمون أطفالهم في الأحياء الفقيرة بعد الآن؟ مسكين شقي".
شد بابلو معطفه عليه أكثر: "أخبرتك، هذا مكان لعين للخدمة فيه".
"وأيضاً... لا يمكنك الصعود لمجرد أكل الجرذان، أليس كذلك؟ ما عسى أن يكون قد حدث لذلك الفتى حقاً؟"
نظر أليك في الليل: "لست متأكداً من رغبتي في المعرفة. لكن ذلك الفتى، لن يعيش طويلاً صياداً. لا يفعلون أبداً".