قال: "في هذا العالم الشرير والقاسي، يمكن للبشر أن يكونوا أكثر قسوة من أي وحش يجوب الليل".
مضت الأيام وكرّت، وفقد الوقت معناه. أحياناً كانت الأقنعة تنشر أطرافه، وأحياناً تسرق عينيه، أو تقتلع فكه السفلي من مفاصله تماماً. وجد البائس أنه عندما ينظر إلى العالم، يبدو كل شيء بعيداً، كأنه يراقب عبر زجاج ملون. أما الألم، فبقي قريباً. احتضنه كأم تضم طفلها. أُمر ذات يوم بأن ينمي ذيله، ففعل. ولمَ لا يفعل، فقد أخذ يوناه معه آخر بصيص أمل. تاركاً الليل صامتاً. والآن، لم تكن الكلمات الوحيدة الموجهة إليه سوى كلمات الأستاذ.
يهمس بكلمات التشجيع والثناء بعد كل مذبحة، كأنه تلميذ نجيب لا وحش حبيس. التفت إلى ذكرياته. استحضار كل تفصيل من منزل ريختر، المنزل الوحيد الذي عرفه قط. تشبث بها كالقش في مهب الريح. أستريد في فستان صيفي أبيض، تسقي الزهور الملونة في الشرفة. إدموند يدخن غليون النصر بابتسامة رضا وعينين شاخصتين في الأفق. إيلينا تحضن القط المشاكس، وسويسكي بين ذراعيها. التوأمان يهمسان بالأسرار عبر مائدة العشاء.
لكن كلما أمعن التفكير فيها، أصبحت باهتة، وتحولت إلى درجات الرمادي ذاتها التي تميز بها نظره الجديد. أقسم لنفسه أنه إن التقى بهم مجدداً، فسوف يقدر كل نفس يتردد منهم، وكل فعل صغير من أفعال كونهما على طبيعتهما. نظر إلى اللهب في داخله، لقد كان الشيء الوحيد الذي ما زال يشتق في داخله. لساعات لا تحصى، حدق فيه، واستمع إلى همساته. ربما كان يفقد صوابه من كثرة الاستخدام، كما قيل للمرء إن استنفده كله.
ومع ذلك فقد توصل إلى إدراك. اللهب كان حياً. وكان يريد الخروج. حثه على العنف، لكي يتحول إلى شيء مرعب. ماذا سيصنع كائن من كائنات الليل؟ تغيرت ألسنة اللهب في الجمر. سيخرج أو يُذبح محاولاً. كان الأمر مستحيلاً. القبان كانت أسمك من اللازم. الفراغات أضيق من اللازم. لا يوجد شكل يعرفه يمكنه الإفلات، ولا حتى جثة إيفان. لا أحد يستطيع ثني المعدن، ولا حتى مخلب السرطان من بلافش، طفل الجثة.
سيففشل وسيأخذون شخصاً آخر، سينثيا، فيكتوريا أو عزرا. مع ذلك... يمكن لذراع أن تمر. لكن ليس رأسه. فسيسحق وجهه، ثم تحشر الكتفان. وعلاوة على ذلك، كان بوريس يراقبه، بينما كانت الأقنعة تتفقد المكان بين الحين والآخر.
همس بين أسراره الحادة في العتمة: "لكنني لا أحتاج إلى كتفيَّ، ولا أحتاج إلى وجهي".
تخبط جمره، الذي بلغ ثلاثة أرباع سعته، مرة أخرى. رفع نظره إلى الساعة، متجاوزاً السجناء الصامتين قفص يوناه الفارغ. أكانت الإجابة هي التجدد دائماً وليست سرقة اللحم؟ سيحدث ذلك الليلة. حين بدأ بوريس يطد، لوّح البائس بذيله ذهاباً وإياباً داخل القفص، ليعتاد تحريك الطرف. كان جديداً، لم يمض على ظهوره سوى أيام لكنه نما بكامل طوله، بعضلات سميكة وطويلة وبجلد خشن. ثم بدل مواضع عظامه السوداء، محولاً الخطوط النحيلة في لوحي كتفيه وأضلاعه إلى عظام ميلي الهشة.
ولن يحظى مجدداً بعظامه وأذرعه الخاصة، لكنه استطاع تجاوز ذلك بشكل جديد. انتظر، مراقباً لهبه يبلغ أقصى طاقته، ثم انفتحت عينان سوداوان في العتمة.
قال بصوت جهير: "سأجرب شيئاً ما".
نظرت فيكتوريا وسينثيا إليه بعينين واسعتين. تململ بوريس وأرفع رأسه، بينما ألقت نيران الموقد الآخذة في الخمود ظلالاً على وجهه.
استهل البائس بالقول: "حين التقيتك للمرة الأولى يا بوريس، كرهتك".
شوش النوم تعابير بوريس وهو يتمتم: "لا... تتكلم".
قال البائس بنبرة رتيبة: "يا بوريس، مهما كانت الضربات التي تلقيتها، فلم تكن كافية. كان يجب أن يحطموا يديك ورجليه، وأن يعموك بحديدة ساخنة. وأن يهشيموا جمجمتك. ليس لشيء سوى لتجنيب العالم بشاعتك".
لبرهة، جلس بوريس هناك فحسب. ثم غيّر الغضب ملامحه، فأمسك بالعصا من بجانب المقعد وخطا بخطى ثقيلة نحو قفصه، متمتماً بكلام غير مفهوم تحت وسنته.
أردف البائس وهو ينحني في قفصه: "وهذا مجرد مظهرك. أما في داخلك، فأنت قذر إلى حد تجعل جثة متعفنة تخجل منك".
زأر بوريس، دافعاً بالعصا المدببة إلى الأمام. انطلق مخلب البائس خاطفاً. أمسك بها بيد مخلبية وجذبها نحوه. لم يترك الأحمق العصا، متعثراً بخطوتين إلى الأمام. بالقرب الكافي تماماً. انطلق الذيل للأمام عبر القضبان، ملتفاً حول عنق بوريس. اختنق الرجل، وهو يركل ويلتوي. كان قوياً لكن الذيل كان أقوى، دافعاً إياه تدريجياً نحو المخالب المنتظرة الممدودة عبر القفص. وأخيراً، قبضت مخالب البائس السوداء على ياقة بدلته القذرة.
قال البائس ببرود: "لا يهمني ما عانيته يا بوريس، أنا فقط أريدك أن تموت".
برزت عيناك بوريس. حاول الرد، لكن قبضة الخنق لم تسمح له. انزلق مخلب واحد تحت الالتواءة، شاقاً عنقه بحركة واحدة سلسة. تطاير الدم الدافئ عليه بينما فقد بوريس لونه. حدق الرجل فيه بعينين واسعتين بينما تفجر الدم من فمه، وراقب البائس عينيه حتى غدا هامداً. سقط الرجل الذي كان يدعى بوريس على الأرض بصوت مكتوم. عم السكون لبرهة.
ثم كسرت فيكتوريا الصمت قائلة: "رؤية ذلك بدت ممتعة للغاية!"
ارتجفت سينثيا.
"أكان الأمر يستحق العناء حقاً، فسوف نعاقب".
همس البائس وهو يلعق الدم عن شفتيه: "سأخرج الليلة، أو سأموت".
لم يقم السجينان سوى بالحديق.
"إن لم أنجح... فاقطعا لسانيكما".
سألت سينثيا بصوت يكسره التوتر: "لكن، كيف ستهرب؟"
أخذ البائس نفساً عميقاً: "سأريكم".
كور يديه المخلبيتين على شكل قبضتين، مسدداً بهما ضربات قوية إلى أضلاعه. ترددت طقطقة مسموعة في الغرفة، فقد غير مواضع العظام السوداء لتسمح لها بالانكسار. واستمر، بشكل منهجي. شعر ببعض الألم بالطبع، لكنه صار مألوفاً للألم. واصل الطرق، حتى تصدع قفصه الصدري بأكمله. كان كتاب التشريح الخاص بأستريد واضحاً في ذهنه. سيتوجب عليه شكرها، في هذه الحياة أو في الحياة الأخرى. شرحت مخالبه عظم الترقوة، متابعاً إلى الذراع العليا ولوحي الكتف.
وأعاد توليد الأوعية الدموية المقطوعة أثناء تقدمه، مما منعه من النزف حتى الموت. كان تحكمه باللهب وموهبة التجدد لا يضاهيان محاولاته المتعثرة الأولى لاستخدام القوة قبل كل تلك الأشهر. قريباً لم تعد تتدلى سوى خيوط نحيلة من الأعصاب من ذراعيه شبه المبتورتين. وأخيراً، التفا ذراعه حول ذراع، وبجذبة واحدة، انتزعت. كانت المعاناة أسوأ من المنشار، ولكن ليس بالكثير. سقطت الذراعان السوداوان على القضبان في كومة واحدة، تنزفان دماً.
حدق السجينان الآخران فيه، بفضول أكبر من الرعب. أخرج نفساً، رغم أن الأضلاعه المكسورة جعلت الأمر أشبه بأزيز محتضر. لقد نفذ وقته. منكمشين معاً، داست قدماه العاريتان على لوحي الكتف، محطمتين إياهما بطقطقة مدوية. والآن يأتي الجزء الصعب. وضع قدميه مقابل جانب واحد من القفص الصغير وقمة رأسه على الجانب المقابل، في الفجوة بين القضبان. ثم، بكل قوته، دافع. أول ما حشر كان حاجبيه، فتقشر الجلد إلى شرائط، واقتلعت أذناه وقطعت أسنان حادة لثته وهو يضغط برأسه ببطء ليمر.
مع تمزق الجلد، انزلق رأسه متجاوزاً القضبان. لاهثاً، استنشق الهواء رغم وجهه المهشم، ثم اشرأبت عيناه. تحرك اللحم، حائكاً نفسه معاً في سيمفونية من الطقطقات واللحم الملتوي. لم يكن هناك وقت للراحة، فلم يستطع جذعه المكسور استنشاق ما يكفي من الهواء وبدأ بصره يغشاش. نفس آخر، ودفع رجليه بكل ما أوتي من قوة. اصطدم الجذع عديم الذراعين بالقدبان. ومع ذلك واصل الدفع. شيئاً فشيئاً، انزلق عبر الفجوة، بينما كان الجلد مزلقاً بالدم.
انضغط قفصه الصدري، فاخترقت الأضلاع المكسورة رئتيه. واصل التقدم وسط تصاعد من العظام المتهشمة والجلد الملتوي. تجمعت الظلال بينما انكمش بصره، وتماثيل لكائنات مخيفة تقف بجانبه، تهمس بكلمات لم يستطع سماعها تماماً. ثم، فجأة تلاشى الضغط، وسمع نفساً خشناً يُستنشق. صفا ذهنه، وأدرك أنه نفسه من يفعل ذلك. لقد مر لمسافة كافية لكي تغرس القضبان في معدته. ضخ اللهب في أضلاعه، ليعيدها إلى مكانها بسلسلة من الطقطقات.
مستخدماً ذيله، دفع ذراعيه المقطوعتين عبر القضبان، ممسكاً بهما ضد الجرحين المفتوحين على كتفيه وظهره. ومع اللهب، التوى اللحم ككيس من الديدان، جائباً الذراع المقطوعة إلى مكانها مجدداً.
همست سينثيا من الأعلى، ناظرة إلى أسفل بعينين مظلمتين: "استمر".
كان صدره حراً، لكن رجليه ووركه لا تزال محجوزة. لم ينتظر. باستخدام مخلب حاد، قطع عبر وركيه، وصولاً إلى العمود الفقري، مجدداً الأوعية الدموية المقطوعة أثناء تقدمه. كان كل قطع ضحلاً، لكنه رفض التوقف. حافراً للأسفل تماماً تحت أمعائه حتى فصل العمود الفقري. أرسل ذلك تياراً من التشنجات عبر جسده وبعد مزيد من العمل البشع، انفصل جزءه السفلي. أصبح مجرد جذع بذراعين الآن، متدلياً خارج القفص.
وهكذا، استنفد نصف لهبه. ولن يكون ذلك كافياً لتجديد الساقين ومنتصف الجسم من العدم. سحباً لما تبقى منه إلى قمّة القفص المرتج، استلقى هناك لاهثاً، ناظراً إلى أعلى البرج. لم تكن هناك قضبان تحجب رؤيته. أنا خارج القفص. لقد هربت. تزامن مع تلك الأفكار وميض من الذنب البارد، فتشبث بها لبرهة، مشاعره الخاصة في فراغ من اللامبالاة. ثم شرع في العمل، ممزقاً حوضه إلى نصفين وجاذباً الجزأين إلى خارج القفص.
كان الأمر بشعاً ودامياً، لكنه لم يكترث. وبعد حشر رجلين مهشمتين ومكسورتين عبر القضبان الضيقة، أعادهما إلى مكانيهما، جامعاً أحشاءه داخل معدته. اشرأبت عيناه بينما انتشر اللهب في جسده وخيط اللحم نفسه معاً، وعاد إحساس رجليه إليه. كان مفترضاً أن يؤلم الأمر. لكن بالاستلقاء على القفص وجسده ممدد، لم يشعر بشيء، لا سعادة ولا خوف. ترك الجروح الصغيرة، الأذن المتمزقة، الجلد المخدوش.
أطلقت فيكتوريا ضحكة خافتة: "ظننت أن الأستاذ هو الوحش. لكن انظر إليك، أيها الأحمق المجنون".
تدحرج إلى الصفل وهبط على قدميه، متعثراً للأمام وهو يكابد ليتعرف إلى إحساس الوقوف. أخذ نفساً، رافعاً ذراعيه الملطختين بالدماء وميل رأسه إلى الخلف.
ووسم بعينين مغلقتين بينما تقاطر دموعه على طول جسده العاري: "لم يستطيعوا الإمساك بي".
تطايرت شرارة صغيرة من جمره وسرعان ما تبعتها أخريات، نامية إلى ذروة قبل أن تنهار إلى الداخل، منفتقة في نبضة من الحرارة والهمسات عبر عقله وجسده. أوقدت. للمرة الخامسة، أمر غريب. اعتاد أن يؤلم. أخرج نفساً وفتح عينيه. متقدماً بخطى غير متزنة على ساقيه، فتش جسد بوريس الشاحب، مرتدياً بنطاله وقاطعاً ثقباً لذيله. عثر على سكين جيب صغيرة حفنة من الفواكه المجففة في المعطف. أنزل البائس عزرا والسجناء الآخرين باستخدام مجموعة من العجلات الثقيلة المتصلة بالسلاسل.
وأعطى عزرا السكين والفواكه بينما نالت فيكتوريا وسينثيا بقية الملابس. استقرت مرآة صغيرة بجانب المقعد. توقف البائس، محدقاً في الانعكاس الماثل أمامه. نحيل، يكاد يكون هيكلياً. عيناه، كرتان سوداوان كالفحم فوق فم مليء بأسنان كشفرات الحلاقة. كانت اليدان المخلبيتان أطول مما ينبغي وذيل عاري يتدلى خلفه. وتحت الجلد عضلات مشدودة، أوتار وعظام سوداء. وحش أكثر منه بشراً.
سأل عزرا بصوت أجش جراء أسابيع من الصمت: "أترفعني إلى الزجاج المتصدع مجدداً؟"
التفت البائس، مدرساً الصبي لبرهة. حبيس في قفص، هزيل، معذب ومكسور.
وقال بلطف: "بالتأكيد".
رفع القفص مجدداً، وأظهر وجه الساعة المتصدع الخامسة والنصف صباحاً. كان عليه أن يكون سريعاً، فالظلام كان نطاقه الآن.
همست سينثيا: "عليك أن تتركنا. امض فحسب. ابحث عن والدك، واتصل بالضباط. طالما عاش أحدنا، فسيكونون قد خسروا".
صمت البائس لبرهة، استطاع محاولة التسلق خارج الساعة، رغم أن الزخارف المعدنية ستثبت أنها تحد، حتى لو هرب، فماذا سيفعل الغولشاك بالآخرين؟ هل أراد ذلك أصلاً؟ تحسس عقله. لم تكن هناك إرادة للعثور على والده، ولا شوق للدفء أو حزن على الرفاق المفقودين. كان فارغاً، قشرة بلا مشاعر. لكن في الأعماق، تحرك شيء ما، شيء خفي. وميض صغير من الغضب، الألم، الكرات. لقد أبقاه مدفوناً لكنه حي خلال كل ذلك.
همس البائس: "لا".
ترك الأمر يتصاعد، غاسلاً إياه بذكريات متطايرة. المنشار. هيئة يوناه المعذبة وهي تُحمل بعيداً. عزرا ناظراً من النافذة. ابتسامة الأستاذ. الأقنعة.
"سأقتلهم جميعاً".