همست سينثيا: "هيّا! لقد حان الوقت".
فتح المنبوذ مقلتيه الداكنتين ليجوب بنظره أرجاء الغرفة وقد أخذ لون السماء في الأعلى يستحيل درجاتٍ من الرمادي. لقد نحل جسمه ولم يعد يعبأ بالنتن المبعثر في الأرجاء مع أنه كان على يقين بأن المكان يزكم الأنفاس. أمدّ يده مستحضراً نصل الوميض إلى كفّه وكشفت فيكتوريا عن الحبل. مرّروا النصل إلى عزرا الذي أُخرس من جديد لكنه ظلّ يفعل ما طلبه منه المنبوذ عاكساً الضوء إلى نقطة تعجز الأعين الأخرى عن رصدها.
تأمّل المنبوذ جذوته وغاص بوعيه في قلب اللهب متخيلاً ذراعاً مخالبها تنمو وفكّاً سفليّاً يرمّم نفسه. أطلق العنان للنار هامساً لها عوضاً عن جرّها بالقسوة. سري الحرارة عبر جسده واختلجت ذراعه وفكّه الملتئم جزئياً وهما يتجددان. كان المفترض أن يتألم بالكاد أحس بشيء. تحكمه يتقدم بخطى واسعة. إن كان يحتاج فيما مضى إلى شحن كامل لإعادة إنبات ذراعه فإنه بات يكتفي بثلاثة أرباع الشحن الآن.
رمق بوريس المتهالك وهو يغط في النوم على كرسيه. سيلوح الفجر وتتكرر طقوس العذاب. نقرت الساعة معلنة السابعة وفكر في منزل ريشتر. أشتاق إليه. سأل البروفيسور مراراً وتكراراً عما إذا كان أولئك أحياء فكان البروفيسور يجيب من دون أدنى شك.
"لا".
التوأمان السعيدان والقائد المحنك والمركّز الذي يعتني بالجميع رغم غرامه بالمال. أستريد العارفة بكل شيء وفي غير محلها وإيلينا الفظة المدمرة. لعلهم لم ينجوا. ولعل الرجل الملتقى الذي مكث ليقاتل قد أبادهم حقاً بصمت. راقب وميض النصل في الأعلى وللمرة الأولى سمح للحقيقة بأن تضرب جذورها في وجدانه. أنا الوحيد الذي تبقّى. انتظر حزناً ساحقاً. لم يأتِ شيء. صار أجوفاً وهذا ما آلمه أشدّ من أي نصل مسنن.
ترددت أصداء خطوات من خلف الباب مبكرة أكثر من اللازم.
همس بحدّة: "سرعان ما أخفوا الحبل!".
قالت فيكتوريا: "تبّاً!"
وهي تحشر الحبل متخبطةً داخل خصلات شعرها الشعثاء. مدّ يده واستحضر الخنجر فاحترق خارجاً من بين يدي عزرا ليستقر في كفّه. شحنه بنار جديدة وألقى به في الدلو بصوت رطب أشبه بارتطام قطرة. أنّ الباب منفتحاً. داس البروفيسور وأتباعه المقنعون بخطوات ثقيلة إلى الداخل. تأوه بوريس فاتحاً عينيه ونهض متثاقلاً على قدميه المرتجفتين.
تمتم بأسنان مصفرة: "عذراً! لقد نسيت الوقت يا بوريس".
قال البروفيسور وهو يربت على كتف الرجل المنحني: "أوه لا داعي للاعتذار. أنا مبكر بعض اليوم فقد حطّ الإلهام علي. حاولت الانتظار ولكن هيهات فعبقريتي لم تمنحني راحة".
طفق قلب المنبوذ يخفق بقوة في صدره.
"ما الذي تبغيه؟"
اقترب البروفيسور منه بنظرة فضولية فيما اخترقت عيناه الباردتان روحه. لم يجب بل أخذ يتأمل المنبوذ المحشور في قفصه. ثم تلجلج حاجباه وللمرة الأولى منذ أسابيع رفع بصره نحو السجناء الآخرين.
قال أخيرًا: "كانت لدي خطة. ولكن على العلماء والمباركين أن يجيدوا التأقلم وأنا أجمع الصفتين".
مدّ المنبوذ عنقه ليتابع الرجل وهو يدور حول الغرفة محاولاً تبين مقصده.
قال المنبوذ: "أأنت قاتلي؟"
سخر الرجل.
"كفّ عن هذا الهراء. لن أؤذي ضيفاً للمنزل وأنت تعلم ذلك جيداً"
قال البروفيسور وبنبرته مسحة من الضجر.
أجاب المنبوذ محاولاً توجيه الدفة نحو نمطها المعتاد وإبعادها عن الآخرين: "إن لم تكن هنا لشقّ بطني فلمَ جئتَ إذن؟ أشكّ أن الغاية هي التعليم".
"التعليم؟"
دلك البروفيسور ذقنه ثم تابع: "بلى بطريقة ما أنا هنا للتعليم".
تظاهر المنبوذ بالتأوه يائساً فيما واصل قلبه محاولة تمزيق صدره.
قال وهو يمدّ ذراعه عبر القضبان: "لننهِ الأمر إذن".
ألوى البروفيسور يده زاجراً إياه.
وقال وهو يقف مستقيم القامة أمام القفص بملامح صارمة: "تعلّقتُ بالكثير إبّان أيامي في كلية فون أغير".
"و..."
اقترب أكثر ليصبح خارج نطاق الوصول تماماً.
"حين يخفي الطالب شيئاً... كنت أكتشف الأمر دوماً".
أخفى المنبوذ يداً مخلبية خلف ظهره فيما كان الرجل يلفظ الكلمات من دون أن يقطع التواصل البصري.
"يا بوريس اخفض الأجزاص. سنبدأ تفتيشاً مباغتاً".
انقض المنبوذ دافعاً بكامل ثقيله نحو القضبان ومخلبه الحادّ كالشفرة يلمع وميضاً باتجاه الرجل. كان أبعد من أن يطاله فالرجل يحافظ على مسافته دوماً غير أن شيئاً ما اشتعل في يده. اندفع نصل الوميض الناري غير المكتملقاطعاً الهواء ومُصْدراً أحيراً وهو يصفر نحو حنق الرجل. سيقتله هنا وفوراً. اعتراض طيف خاطف وحركة القناع الضاحك كالبرق. اصطدم الحديد بالحديد محدثاً رنيناً. أوقف السيف الرفيع نصل المنبوذ المستحضر على شعرة واحدة من بشرة البروفيسور.
تحرك القناع الضاحك ثانيةً بسرعة عجزت عيناه عن الإمساك بها. هوت يده على الأرض وقد فُصلت بضربة نظيفة. زار زئيراً ولكن ليس من الألم. كان يتلظى في قفصه ويصطدم بالقضبان كوحش حقيقي. ورغم ذلك كله لم يطرف للبروفيسور جفن. تناول النصل بهدوء مفحصاً إياه ومطوفاً ببصره في أرجاء البرج.
"أوه منبوذي الصغير والجميل. أنت داهية حقاً..."
ظل المنبوذ يمد يده نحوه فيما كانت القضبان تضغط على عنقه وجذعه.
قال البروفيسور بنبرة خفيضة: "إن لم تخبرني بما كنت تخطط له فسأقتل الباقين وأتركك هنا وحيداً".
حسمت سينثيا الأمر عوضاً عنه.
همست والدموع تنحدر على وجنتيها: "لقد عكسنا ضوء الصباح. كنا نرجو أن يرى أحدهم في الخارج..."
نظر البروفيسور إلى مساعده المقنع الذي كان يمسك بسيف ملطخ بالدماء ويحدق في المنبوذ داخل قفصه.
"ألم نعلم أنه يملك سلاحاً مباركاً؟ هذه هفوة جسيمة".
لم يرفع ذو القناع الضاحك بصره عن المنبوذ في قفصه.
"لم نتبينه بوضوح وسط العاصفة وظننا أنه فقده أثناء المطاردة. لقد كان خطأنا".
أومأ البروفيسور ثم اتسعت ابتسامته بجهامة.
"أعطِ هذا لـ ماريش لعله يلعنه مؤقتاً".
عضّ المنبوذ على أنواذه حتى امتلاء فمه بالدم.
"سأقتلك. سأمزقك أرباً بهذه المخالب. وأفقأ عينيك وأعصر رقابك. ستتوسل لي أعدك بذلك".
لم يبدُ البروفيسور مبالياً.
"أنت ذكيّ يا منبوذ ولكن الذكاء لا يعفينا من وزر أفعالنا. فما عسى البروفيسور أن يفعل لردع سلوك كهذا؟"
وقف البروفيسور متفكراً للحظة ثم انفجر ضاحكاً وهو يجاهد لالتقاط أنفاسه من شدّة الانحناء.
قال البروفيسور وهو يمسح دمعة من عينه: "يقولون إن الشرّ يُقابل بالإحسان. وما أنا سوى رجل محسن".
أزاح المنبوذ دموعه برموشه. كانت سينثيا تنتحب داخل قفصها فيما انطوت فيكتوريا على نفسها متمايلة بصمت. جلس عزرا بلا حراك بينما استند جونا بظهره إلى جدار قفصه مادّاً ساقه اليتيمة وهو يرفع بصره نحو التروس العلوية.
لا أحد آتٍ، هذا ما جال في خاطري المنبوذ قال البروفيسور وهو يعتدل في قفته: "لقد قررت لتوي. سينال أحدكم متعة مغادرة قفصه اليوم! هاتوا المفاتيح".
ألوى يده فانصرف أحد المساعدين.
"أمن متطوعين؟ قد أسمح لكم بالمغادرة من الباب الأمامي! إن استطعتم".
استهل المنبوذ كلامه: "خذني أنا. لقد كان..."
رفعت البروفيسور يده مسكتاً إياه: "ليس أنت يا شقّي الصغير لا. هم من سيتحملون وزر أفعالك. أتدري لمَ؟"
خطا البروفيسور مقترباً مجدداً ليقف على مقربة من النطاق.
"لأني أعرفك يا منبوذ".
"وأعلم أن هذا سيكسرك".
انقبضت حدقتا المنبوذ وسرى برد قارس في أعماقه.
همس قائلاً: "أنت مسخ. تجد متعة في هذا".
تألق البروفيسور بابتسامة عريضة وللمرة الأولى منذ التقيا وصلت الابتسامة إلى عينيه. وعادت كلماته همساً ببطء شديد لم يسمعه سواه.
"في البدء صحّ ذلك ولكن انظر لنفسك الآن، لجمالك وصمودك، إنني أصيغ منك شيئاً عظيماً، شيئاً يليق بعطايانا".
لم يجبه سوى صرير السلاسل.
قال جونا بساقه اليتيمة وهو يطالع من علٍ: "خذني أنا".
كانت عيناه صافيتين.
"حسناً جداً. ارفعوا الأجزاص الأخرى، لقد ظفر هذا الرجل بحريته للتو!".
تنشق جونا الهواء بعمق، تلك النبرة التي تسبق الغطس من فوق جرف.
قال بنبرة خلت من البهجة لأول مرة: "إن نجوتَ فاذهب إلى طريق سالفينجاد. واسأل عن عائلة إيفانوف وأبلغ إخوتي... أخبرهم أنني أحبهم".
وتابع جونا: "سيتعين عليك أن تصبح نارياً لأجلنا نحن الاثنين".
أوجع حلق المنبوذ وعجز عن الكلام.
"أنا آسف أشد الأسف".
عاد أحد المساعدين المقنعين فحُمِل جسد جونا المكسور برفق من القفص ونُقل كطفل عبر الباب. فوق كتف القناع الضاحك تبادل جونا والمنبوذ النظرات. تحرك فماه وشكلت شفتاه المشقوقتان كلمات. وداعاً أيها الصديق.