كانت أرشيفات نوف يانوسك ثمرة تعاون بين الفروع المباركة الثلاثة، حيث تولت كنيسة القديسة رعاية تاريخ الصيادين والجيش. في منتصف أحد الابراج، تداخل الزجاج والحديد ليكوّنا نصف اسطوانة تطل على الضباب في الأسفل. التوت اثنا عشر مستوى صعوداً، واكتظ كل منها برفوف الكتب والخرائط والمجلدات. صُفّت منحوتات القديسة على طول الجدران كافة، وهي هيئة ذات أجنحة اربعة تحجبها الريش وتراقب الأشكال المترملة التي تتحرك بين الممرات الضيقة.
جلس في احدى الزوايا صياد وحيد يلتفت يميناً ويساراً.
تمتم ريتش مع نفسه: "تباً، المكان يعبق برائحة البخور"
وفتح مجلداً آخر. استقرت بجانبه طاوله غطتها الكتب والأوراق، وبلغ ارتفاعها هامته. مرر إصبعه على الصفحة الأولى، ناطقاً بالحروف المطبوعة على الورق. سجل الموظفين - مكتب الصيد، العام 589. تبع ذلك أعمدة من الأسماء والأرقام، بلا أوصاف، بلا وجوه. بلا فائدة. فكر قائلاً، من دون اسم لا يوجد مكان للبدء. أفلتت منه تنهيدة وأغلق الكتاب بصوت حاد. استطاع محاولة البحث عن والدته، لكن الفكرة عصرت جوفه.
إن كانت لا تزال على قيد الحياة، فهي ضائعة في مكان ما في الأعماق السفلى، وكان ليزحف عبر المجارير مرة أخرى على أن يواجهها. احتاج إلى طريق آخر للبحث. لقاء المزيد من الصيادين، طرح الأسئلة. هز ريتش رأسه ورفع نظره مع اقتراب خطوات خفيفة. خرج من بين رفوف الكتب أحد الكتبة، مرتدياً ثوباً أبيض بالكامل من الرأس إلى القدمين، وقد اختفى وجهه خلف حجاب التصق بملامحه الفاتنة. الزي المعتاد لكهنوت القديسة.
كانت رائحة القماش حادة لأنفه، ترتر محترق وثمار حمضية لاذعة.
قالت وهي تنحني قليلاً: "أيها الصياد الشاف".
"سجلات الموظفين التي طلبتها. تفاصيل مهمات الصيادين بين عامي 589 و590".
قرص ريتش أنفه.
قال: "شكراً لك، هل توجد أي وثائق تخص الصيادين ذوي الرتب والمباركات؟"
في الذاكرة الآفلة، كانت لعينيه والده ومضات متوهجة، وهذا يعني قوة مستمرة. على الأرجح برتبة الشعلاني أو أعلى. إن كانت الكاتبة قد أظهرت أي تعبير، فقد اختفى تحت الحجاب. لكنها مالت برأسها إلى الأعلى نحو أعالي الأرشيف.
"قوى المباركين المقدسة محروسة بشدة. يمكن العثور على مزيد من المعلومات في الطوابق العليا، ولكن بصفتي جمراً، يؤسفني أن أقول إن رتبتك غير كافية".
تبع ريتش نظرتها، سلالم حديدية وممرات تصعد نحو الأعلى، وقد غُمر كل ذلك بنور الصباح النافذ عبر النوافذ الزجاجية البانورامية. في مكان ما هنا، اختبأت الإجابة. التفت ناظراً إلى المكتب مرة أخرى. استقر كتابه السحري مفتوحاً، والصفحة الأولى تكشف عن رسالة بخط يد والده. أنمِ لهيبك والقني عند القمة. وما تبقى منك، سأدعوه أهلاً.
ارتج المصعد وانهبط، واقتربت سطوح المنازل البارزة وجدران الأحياء السفلى بسرعة عبر الزجاج الاصفر الملطخ.
قالت إيلينيا وهي تعدل الرمح المغطى المعلق فوق كتفها: "إلى أين نحن ذاهبون مجددا إذن؟"
ردت أستريد وهي تمنح إدموند نظرة من تحت قبعتها السوداء: "إلى الطابق الأرضي في وسط الأبراج. لكن القائد لم يخبرنا بالسبب."
رسم إدموند ابتسامة جعلت التجاعيد تظهر عند أطراف عينيه.
قال: "لم أرد إخفة التوأمين، لكن شيئا ما زحف من داخل بئر الليلة الماضية. كلفنا المكتب بالتحقيق بعد أن عاد الضباط خائبين."
كان ريتش يعدل معطك داكنا أكبر بمقاس واحد.
"أي نوع من الأشياء؟"
وبضربات إيقاعية، استعدت المسننات وبطأ المصعد، واهتزت ألواح الزجاج ضد الزخرفة النحاسية وشحت الجاذبية معدته.
رد إدموند مستهزءا: "هذا ما سنراه، أليس كذلك؟"
قالت إيلينيا بتنهيدة بينما انفتحت الأبواب بصوت مكتوم، ويتصاعد خيط من البخار من تحت المنصة: "ما زلنا نحصل على مهام قاع الحفرة، أليس كذلك؟"
ركبوا عربة عبر الشوارع الضيقة، متكدسين في الشقاق الشبيهة بالأخاديد بين الأبراج. كانت الطرق مظلمة بشكل مدهش على الرغم من وقت النهار، وفهم السبب. من الأعلى، حجبت الأبراج الشمس، تاركة الشوارع مضاءة بمصابيح الغاز حتى في منتصف النهار. كانت هذه الأحياء تقع تقنيا في الأحياء السفلى، لكنها لكونها داخل السوار الداخلي وقريبة جدا من الأبراج، كانت عالما مختلفا تماما عن الأحياء الفقيرة.
كانت المنازل طويلة ونحيلة، مصنوعة من الآجار والحجر ذات سطوح مسننة. لا شك في أنها تأوي أغنياء المواطنين خارج الأبراج المواتية. وصلوا إلى ساحة، غارقة في ظل أبدي ومكتظة بين محطة ضخ من أربعة طوابق ومصعد. فرضت فرقة ذات خيوط ذهبية وزرقاء طوقا حول المنطقة. وقفت امرأة ذات شعر رمادي وبزي ضلوط تحت عمود إنارة، وألوحت بينما سلم إدموند قطعا نقدية للسائق قبل أن يترجل. كان الوقت مبكرا لكن أكواق السوق كانت مهجورة، وتلصصت وجوه من النوافذ المغلقة للمنازل المحيطة.
في وسط الساحل وقف بئر حجري، يحرسها ثلاثة ضباط يمنحونهم نظرات سريعة.
قالت المرأة ذات الشعر الفضي بإنحناءة مهذبة: "آمل أن تكونوا ريتشر."
تثبت دبابيس معدنية على شكل أبراج مسننة بزيها الأزرق والذهبي.
قال وهو يمد يده: "القائد إدموند ريتشر. في خدمتكم."
إيفانكا بيتروفيتش، القائدة الأولى لمحطة شارع ماسون. تصافحا وسط صرير القفازات الجلدية.
قال إدموند وعيناه تتجولان في الساحل من تحت قبعته: "سررت بلقائك في ظروف مختلفة، أطلعنا على التفاصيل."
أومأت الضابطة معترفة بغياب التأخير وأشارت نحو البئر.
قالت إيفانكا وهي تشير إلى بركة من الدم الجاف بجانب البئر: "في تمام الساعة الرابعة صباحا هذا اليوم، أيقظت الصيحات السكان المجاورين، وسمع ضابطان يافعان متمركزان في أسفل الشارع الضجة."
وتابعت وهي تشير إلى أثر أحمر جاف على الأرض: "مخلوق، شبيه بالبشر، هاجم رجلا كان يتسكع بجانب البئر."
سألت أستريد وهي تدون ملاحظات في دفترها الجلدي: "الضحية؟"
قالت إيفانكا: "متوفى، مشرد على ما يبدو، لا بد أنه تسلل عبر البوابة الداخلية."
سألت إيلينيا وهي تتكئ على رمحها المغمد: "والمهاجم؟"
"شبيه بالبشر، رغم أنه بدا... حسنا... عتيقا. قتله الضباط فور رؤيته. بقاياه في المحطة أسفل الشارع، ونعتقد أنه أتى من البئر."
نزل ريتش على أربع وتشمم الآثار المتروكة على الحجارة المتسخة. حملت رائحة الدم الشبيهة بالحديد. لكن كان هناك شيء آخر، رائحة زيتية غنية ممزوجة بها. أمال أحد الضباط بجانب البئر رأسه بجبين مقطب عند رؤية الصياد ذي اليد المخالبة يمرر أنفه على التراب.
"أهو..."
قال إدموند بنبرة لا تقبل المساومة: "دعه وشأنه."
زحف ريتش على أربع، حتى وصل إلى البئر، واتخذ الضباط خطوة حذرة بعيدا عنه بينما رفع نفسه فوق حافة العمل الحجري. محركا أنفه إلى الجانبين مثل كلب صيد. أدت مجموعة من القضبان المعدنية النحيلة إلى الأسفل المظلم بمثابة سلم.
سأل إدموند: "ما رأيك يا بني؟"
أجاب ريتش وهو ينحني داخل البئر، واختفى جذعه وراء الحفقة وغادرت قدمان الأرض: "إنها على حق، شيء ما صعد من هنا، منتنا بالزيت، قطعا."
أومأ إدموند موافقا: "لنقحص الجثث."
رفعت إيلينيا ريتش مباشرة من ساقه. وأطلقت صرخة خافتة بينما رفعته في الهواء. حاملة إياه متجاوزة ثلاثة ضباط مذهولين كحقيبة يد من النوع الذي يوشوش ويتخبط.
تمتم ضابط بينما اختفوا على طول الطريق: "أكل الصيادين هكذا؟"
أجاب الآخر: "ربما يتوجب عليهم ذلك. لأنني لن أزحف إلى هناك لحي القيوم."
لاحقاً، في محطة أسفل الشارع. وقف عائلة ريختر والضابط إيفانكا في قبو رطب. استلقى شخصان تحت ملاءات متسخة. عبق المكان برائحة قوية وكثيفة. لم تكن نتانة تماماً، لكنها قاربتها.
قال الضابط وأزاح الملاءة،كاشفاً عن رجل فوق الطاولة المعدنية الباردة: "الضحية".
كان نحيلاً، ومصاباً بكدمات وجروح. لا يرتدي سوى خرق ممزقة. شقت جروح عميقة أخاديد في الجلد المغطى بالدماء، وشوهتها خدوش وآثار عضة، مع فقدان أجزاء عدة من اللحم. انحنى إدموند إلى الأمام وأزال قبعته،مرراً إصبعاً مغطى بقفاز على الجذع المكشوف،بينما تطلع وريتش إلى الأمام من خلف إيلينيا ممسكاً بأنفه بإحكام.
قال إدموند بصوت عالٍ بينما كانت أستريد تدون الملاحظات في دفترها: "ذكر، في الخامسة والعشرين تقريباً، متوسط الطول، شعر أصفر".
وقال ببرود مهني: "آثار عض، بقوة كافية لاختراق الجلد. أسنان بشرية، لا أنياب".
أومأت أستريد.
"بعضها طازج، والبعض الآخر تجلط وتفتق من جديد".
صلبت إيلينيا ذراعيها وحاربَت تثاؤباً.
"عملية مطاردة؟"
أومأ إدموند وأمسك بالرأس المتصلب،ثانياً العنق المتيبس إلى الجانب.
"ربما".
قال إدموند وهو يمرر عينيه إلى الشخصية الأخرى المستقيمة بهدوء تحت الملاءة: "سبب الوفاة المحتمل، جرح في الوداجي فوق الترقوة اليسرى. والجاني؟"
تردد إيفانكا، ثم سحب القماش الأبيض. جثة تقترب من الهيكل العظمي، جلد بني جلدي مستلقٍ بسلاسة فوق العظام، جاف لدرجة التقشر عند المفاصل. شقت سلسلة من الجروح المسننة جلد الجذع الثكيف، وأكبره امتد من الكتف فوق العنق،فاصلاً الرأس عن الأوتار المكشوفة والعضلات المحنطة. كانت محاجر العيون جوفاء فوق فم منكمش، والأسنان والشفاه ملطخة بالدماء حمراء. انحنى إدموند فوق الجسد.
"أنثى، بشرية في نقطة ما، مخيطة عمودياً من السرة إلى عظمة القص، دماء تحت الأظافر وحول الفم..."
شعر وريتش، الذي كان يراقب الجسد من خلف كتفي إيلينيا العريضتين، بوخزة أسفل ظهره. غربلت أذناه الحساسوتان الجديدتان الأحاسيس. من الرأس المقطوع،صدر صوت خفيض. يشبه صخرة خشنة تُسحب على الحجر. ماذا؟ اهتز شيء ما، تشنج دقيق عند حافة الشفاه الملطخة بالدماء.
قال ب أعلى صوت استطاع الجرأة عليه: "إنه يتحرك".
نظر إليه البقية،بينما كانت يد إدموند المغطاة بقفاز تحوم فوق الجسد. انطلقت يد نحو الأعلى. قابضة حول معصم إدموند.
لهث الرأس المقطوع،ساحباً الهواء عبر أحبال صوتية جافة وقصبة هوائية مشقوقة،ومع ذلك تكلم: "اهبطوا"، صوت خشن وغير بشري يزداد قوة: "اهبطوا."
"اهبطوا!"
اصطدمت قبضة إيلينيا المحمرة بالرأس،مفجرة إياه كإناء فخاري. تطايرت السوائل السوداء وشظايا العظام عبر جدار القبو. انتزع إدموند يده حرة بينما تشنج الجسد بعنف،مقعقعاً ضد المعدة،ماداً يده نحوهما قبل أن يرتخي ويسقط عن الطاولة بصوت مكتوم. صمت المكان. أعاد إدموند قبعته بهدوء إلى رأسه.
قال بينما كانت أستريد تكتب شيئاً في دفتر ملاحظاتها: "قادر على الحركة حتى وهو مقطوع الرأس. لقد أحسنتِ صنعاً بدعوتنا إلى هنا".
كانت إيفانكا على الأرض،وضاغطة ظهرها ضد الجدار. بدا جلدها أبيض من الملاءات التي تغطي الجثث.
قال إدموند وهو يضع يداً على كتف وريتش: "هل التقطت الرائحة أيها الفتى؟"
انحنى ليستنشق ما تبقى من الرأس.
وقال بابتسامة متوترة: "أجل، لقد أمسكت بها، أيها القائد".
قال إدموند وهو يصعد السلالم وخلفه بقية الصيادين مباشرة: "جيد،يبدو أن جانينا يحثنا على النزود بالماء،فلنلبِ طلبه".
جلست الضابطة البيضاء كالشبح وحدها في القبو،محدقة في الجسد المقطوع الرأس بينما أصبحت أصوات أحذية الصيادين بعيدة. انتفضت متيقظة وهي تلهث. مهرولة إلى أعلى السلالم.
أخرج إدموند درعه الصدري من حقيبته،مثبتاً إياه عبر بدلته وربطة عنقه بصوت نقرة.
سأل ضابط مبتدئ بينما كانت إيفانكا تشعل سيجارة بيد ترتجف: "هل أنت بخير، أيها الرئيس؟ لم أرك تدخن سيجارة منذ سنوات".
تمتمت إيفانكا وهي تأخذ نفساً عميقاً بجانب البئر: "أخرس".
عدلت إيلينيا الأشرطة على تنورتها المدرعة،قماش ثكيك منسوج حول صفائح حديدية وصلت إلى كاحليها. حتى أستريد ارتدت درعاً صدرياً بسيطاً فوق فستانها الأسود. اختفى وريتش في أسفل البئر أولاً،حاملاً مصباحاً في يده. تتبعته إيلينيا،ثم أستريد. قبل أن يهبط إدموند أسفل حافة البئر،توقف،بينما ظلت عيناه على الضباط الثلاثة وهم يراقبونهم وأفواههم مفتوحة.
قال: "احرسوا هذا المخرج. إن لم نعد بحلول ظهر غد،فاتصلوا بالمكتب،فسيريدون إحكام ختم هذا الشيء".
بهذه الكلمات،اختفى القائد في الظلام خلف صياديه، بينما كان الضباط يحدقون إلى الأسفل مثل القمم العالية فوقهم.