صرير باب ريتش مفتوحاً. استقبله نعيق حادّ. غراب واحد مربوط بإرادته كان يحوم في السماء منذ ساعات حسب أوامره. لكن رغم إجباره المخلوق على طاعته، كانت له خطط أخرى سوى التجسّس على حالة الحرب. أطلق الطائر نعيقاً آخر من النافذة المكسورة. هبت الثلوج للداخل حتى تركت طبقة خفيفة فوق السرير. قفز الطائر نحو الأرض. دار دورة حول قدميه قبل أن يتوقف ويؤدي انحناءة بجناحين ممدودين. كان منقاره محطماً، وأحد جناحيه متضرراً وقصيراً.
بنعيق آخر، أسقط شيئاً عند قدميه. يا للغرابة! فكر ريتش وهو ينحني لتفقد القطعة. كان زراً فضياً. التقطه مستمتعاً. لم يكن زراً من زيّ نوف يانوسك الرسمي. بل حمل نقش ترس. أطلق الطائر نعيقاً آخر ودار حوله دورة أخرى.
"لا فائدة حقيقية لي منه، لكنني أقدر الجهد. دعني أردّ الجميل. أزرار سيكون اسمك، إن نجوت من هذا".
أرغم المخلوق بفكره على الوصول إلى راحة يده. لم يطع أمره فوراً، بل رمقه بعينيه السوداوين لحظة قبل أن يرفرف محطماً الهواء إلى كفيه.
"لا داعي لهذا التحدظ".
سحب ريتش اللهب بحذر داخل الرابط بينه وبين الغراب. قطرة لهب ضئيلة فحسب، ليست بالكثيرة ولا بالقليلة. أشرقت عيناه. وتلوى الطائر ألماً. طقطق الجناح المقطوع وعاد الطرف إلى وضعه الطبيعي. تساقطت الريشات المتضررة على الأرض بينما انبثقت ريشات نقية طازجة من الجلد تحته. نجاح.
"ها قد انتهيت، أيها الصغير".
تأرجح أزرار في راحة يده محاولاً استعادة توازنه. بهزّة من رأسه استرد بعض هدوئه.
"والآن، إن استطعت إيجاد هذا، فهناك شيء آخر يمكنك البحث عنه. سهل بما يكفي ببصرك. هيا!"
لم يكترث أزرار بسماع كلامه. قفز نحو النافذة مرفرفاً بجناحيه الجديدتين ومتجاوزاً أمره بسعادة. لكن الطائر لم يكن معتاداً على القوة الكاملة لجناحه المعافى. انحرف إلى اليسار مخفقاً في بلوغ النافذة المكسورة ليصطدم رأساً بالزجاج السليم بصوت مكتوم. سقط على الأرض بصيحة مفاجئة.
"أزرار، أهكذا حقاً؟"
التف ذيله حول المخلوق قبل أن يتمكن من الهرب، ورفعه أمامه. مد مخلباً واعظاً.
"لقد انحنيت لي، فتصرف بناءً على ذلك. الآن انظر إلى هذا".
غرز ريتش مخلبين بعمق في بطنه. وأخرج من داخله صخرة متوهجة. جمرة احتفظ بها ذخيرة احتياطية للمفعم الخفي بين أحشائه.
"هذه الصخور المتوهجة ثمينة بالنسبة لي. قد توجد بعض منها في الأرض الواقعة بين الجيشين. جد لي بعضاً منها".
أدار الطائر رأسه ليحدق به بخبث.
"سأطعمك فأراً إن فعلت".
أدار الطائر رأسه في الاتجاه الآخر.
"أرجوك؟"
قال ريتش متنهداً. أصدر أزرار نعيقاً أدرك بحواسه أنه يعني الموافقة. وضحك بخفة لشخصيته الحية فأطلق سراح الطائر. قفز إلى حافة النافذة ومد جناحيه. رمقه بنظرة أخيرة حملت قدراً من الغرور، إن كان طائر قادراً على تعبير كهذا. أخدعه ليُشفي جناحيه؟ ألقى بنفسه من فوق الحافة، ساقطاً أكثر منه محلقاً بينما صارع ريشه الجديد.
"تباً. لا يمكنني حتى قيادة غراب جريح".
في زجاج النافذة المكسورة، حدق فيه انعكاسه.
"أنهيت اللعب بحيوانك الأليف الجديد؟ الوقت ينفد".
تهكم ريتش وحدق خارج النافذة. كانت الرياح الثلجية تهب بعرض المكان محجبة حتى حده الحادّ، لكن التفجيرات أنارت الضباب بوميض من الضوء. أبعد جهة الشرق، داعب صوت بعيد حواسه. شجرة تتكسر تحت وزء جبل. شيء ما يقترب، الشيء الذي نوى الجولشاك إنهاء الحرب به.
"أنت محق. بهذه السيرورة، سيصل هنا خلال يومين. ثلاثة على الأكثر".
أشر انعكاسه هديراً.
"إذن فلنتحرك وفق خطتك الصغيرة اللطيفة".
استدار ريتش مغادراً الغرفة من دون التفاتة للخراء. كان حراً في فعل ما يشاء، مقيداً الآن فقط بعهده الجديد للجنرال. لمساعدة القائد العسكري على الهرب حين يحين الحين. لكن لم تكن لديه نية للركض عائداً إلى المدينة، ولا ليكون كلب حراسة سياسياً متخفياً. كان لديه أعداء ما زالوا على قيد الحياة. غادر نازلاً الدرج ومخترقاً نقاط التفتيش. بدا أن الكثيرين عرفوا من يكون إذ استطاع التحرك بلا عوائق.
لم يكن الأمر غريباً، فكاد لا يتبقى سوى نفر قليل من المشتعلين في صفوفهم. الفئران القليلة المتبقية طوع أمره بعثها مسرعة عبر المستويات السفلى. ذكر الجنرال طريقاً سرّياً، وكان ريتش يعتزم إيجاده. نفقاً على الأغلب، ربما قرب وحدات التخزين حيث وعد باللقاء حين يحين الوعد. استنشق بعمق وألقى نظرة عبر القوارض المتجسسة على كاتلا. كانت هي ودالينجا تنسحبان بعدما كادت فرقتهما تحاصر.
من الأعلى، حلّق أزرار بحيوية متجددة ناعقاً بصوت عال من الفرح.
"حرّ كطائر حقاً"، همس.
امتلأت المستويات السفلى للحصن بالحركة. رغم بطونهم المتأوهة وعيونهم الغائرة، سارع الجنود سيراً ذهاباً وإياباً. كانت الأبواب تُحصَّن على عجل. ومدافع الدفاع تُوضع في مكانها. كل ذلك جرى بصمت مرعب. كانت الأوامر تُهمس، والخطوات خفيفة. أدرك ريتش قريباً السبب. ارتعاشات الطرقات. في الأعلى، في قاعات القيادة العليا، لم تكن ملحوظة قط. هنا، كانت منتظمة. كافية لتخبر الجميع بأن شيئاً ما آتٍ.
وأن ذلك الشيء سيمثل نهاية الحرب. تجاوز رجالاً ونساءً متجمعين معاً في صلاة لكل من القديس وجوستافيوس في طريقه لخروج الحصن. خرج عبر البوابة الرئيسية متوجهاً إلى تساقط الثلوج. الدرب صار مجهزاً الآن بأسلاك شائكة ومسامير معدنية ومدافع بخارية ترتجف. هب الهواء البارد على جلده. لسع أنفه وقود محترق وكاد الضجيج يصمه. امتد خارج الحصن ميل من المباني، مناشير خشبية محولة إلى معاقل ومرافق تخزين.
وراءها قام جدار فوسكا الحجري. وأبعد منه امتدت أميال من الخنادق، كلها الآن بأيدي العدو. بلغت المدفعية الجوار حولها ممزقة الدفاعات في انفجارات حجارة متكسرة وصرخات. عوت العاصفة الثلجية محجبة الموت البطيء لجيش نوف يانوسك. راقب ريتش كاتلا مسرعة عبر البوابة الخارجية بعيني جاسوسه. بأمر ما أُطبقت بقسوة مهلكة كل من بطأ أو لم يُخْطَرْ بالانسحاب. من الأعلى، أنبأته عيون أزرار بأن أولئك كانوا كثرًا.
لقد راقب كاتلا تحارب على الجبهة الشرقية، وآلمه الاعتراف بقوتها. كانت بشكل ما تحمل أكثر من ثلاثة أسلحة مباركة وأوسمة وميداليات تستخدمها بالتبادل. السيوف العديدة على ظهرها لم تكن قد احتاجت لمسها بعد. إن سارت الأمور بسلاسة فلن يضطر لاختبار بأسه ضدها. تحرك ريتش كطيف عبر العاصفة مسحباً الفئران من الزوايا المظلمة لتتسلل إلى الأزقة حيث كان يختبئ. كان هناك الكثير منها هنا، وسيحتاج إليها جميعاً.
منحئاً التقطها واحداً تلو الآخر مجبراً إياها على تغييرات بشعة عبر لحمها في محاولة لتعلم وتقوية سيطرته. شفاء جناح مكسور أمر، لكن تحويلها إلى كائنات غير طبيعية تطلب جهداً. هزت الانفجارات الجدران. واقتربت الارتعاشات. لكن ريتش عمل بلا انقطاع. في الزقاق، لمعت عيناه المشتعلتان عبر الثلوج المتطايرة، وفي كفه المخلبية تلوى فأر وتغير. برزت أجزاء من القفص الصدري وانزاحت. صرخ ألماً لكنه استمر بمنهجية مكبراً الأعضاء موسعاً الشرايين لدعم الضغط المتزايد وموسعاً الضلوع للسماح بالنمو ومضرماً الدماء إلى الوجود لإدامتها كلها.
انفجر الفأر متبعثر أشلاء. فشل آخر. وحلّ محله آخر. كان خزانه من اللهب كبيراً ومتجدداً كحريق منزل خارج عن السيطرة، لكنه سحب منه بلا توقف، خيطاً مشتعلاً تلو الآخر. حينها جذب أحد الجواسيس انتباهه مهلكاً بني جنسه بين مخالبه. في الأسراب السفلية، خلف غرفة تخزين محروسة بريبة، عثر فأر على تيار هواء. نفق مخفي خلف رزمة صناديق بسيطة. تسلل جاسوسه أعمق داخل ممر أملس صنعه عزم مبارك ما قلب الأرض رأساً على عقب.
أوه، أيها الجنرال. في غرف التخزين؟ يا للروعة.. غير الملهمة. استمر في عمله البشع بينما ركض جاسوسه في الأعماق. بمرور الوقت، تراكمت كومة من القوارض المشوهة بجانبه. بعد ساعات، حين لسع الصقيع أذنيه وجمد برقع أنفاسه تكاثفاً، نجح أخيرًا. عبر الخبرة، غيّر مقاربته. بدلاً من تيار مستمر من النار مركز على عضو واحد، غيرها كلها. العظام والدماء واللحم، في الوقت ذاته، مسحباً غالباً من عدة أشكال له دفعة واحدة.
أعطى ذلك التشريح الهش لمواضيعه فرصة لتماسك نفسها. بينما عثر جاسوسه على مخرج النفق -ممر ضيق جنوباً مخفياً تحت شجرة ساقطة على بعد عشرات الأميال- أمسك بالنجاح في كفه. فأراً متغيراً وعجيباً لدرجة يكاد يتعذر التعرف عليه. بحرص، أدخل المخلوق المكافح تحت برقعه. نهض بكامل قامته نافضاً الصقيع والثلج عن هيئته. كانت القوارض الباقية بصدد الولائم على جيف الفاسدين. مد عقله. ضمن مداه البالغ مئتي ياردة، استطاع رؤية كل قارض كبقعة سوداء في رؤيته.
حتى القمل على جندي يرتجف داخل المبنى عن يمينه استطاع استشعاره، لكن هؤلاء كانوا أصعب سيطرة، على الأقل الآن. ما تبقى من سربه أرسله مسرعاً نحو البوابة الرئيسية. استطاع التحكم بالآلاف، لكنه يتصل بعشرة فحسب، مما سمح له بالرؤية عبر أعينهم والشعور عبر جلودهم. ذلك الدور حجز لجواسيسه والكيان المندمج المختفي تحت برقعه. الباقون أحرار بمجرد مغادرة المدى. لكنهم سيتبعون أمره الأخير، لفترة موجزة على الأقل.
مع تراجع لهبه، جفلت همسات الجنون عبر الرياح العاتية إلى جانب صرخات الجدران المتداعية. لم يكن بهذه الخاوية منذ صعوده، وبدت الهمسات أوضح وكأنه يستطيع استخلاص المعنى بين فحيحها المتقطع إن ركز بما يكفي فحسب. لكنه وعد أحدهم بألا يستمع إليها. وكان ذلك البعض مهماً. خرج من الزقاق نحو الثلج المتطاير. أنبأه جاسوس بوضع جدار فوسكا الخارجي. لم يبدُ الجولشاك مهتمين بحصار مطول. عشرات من مسوخ البروفيسور المكتسية بالحديد رمت بنفسها نحو الجدران بغضب وحشي.
أجابت المدافع بينما تسلقت الحجارة ذابحة ما استطاعت قبل أن يلاقيها مباركوا نوف يانوسك. القسم الشرقي كان قد سقط بالفعل، وتدفق من الناجين فراراً نحو حصن فوسكا الحجري. عليّ الإسراع. شق طريقه عبر الأزقة نحو سيل الجنود الفارين. استطاع تخمين ما سيلي. مناوشة مضنية في المدينة حيث يلاقي ما تبقى من مباركي نوف يانوسك العدو بيأس. ودّ لو انضم إليهم، لكنه أولاً وجب أن يُفك قياده.
اتخذ منعطفاً يمنياً لكنه تجمّد بغتة. أعمق في الزقاق، تحرك شكل في الظلام. شيء ينقب في القمامة والنفايات. مرتدياً أسمالاً وموسوماً بالثلج والصقيع. بشريّ بمظهره. ربما فارّ يحاول الاختباء من موقعه؟ لا. لحواس ريتش الجديدة، كان الأمر جلياً. بقعة سوداء كالحبر في رؤيته. قارض. شيء يعيش على عمل الآخرين، منقباً بين النفايات وناشراً الشؤم. أبشريّ قارض؟ أيعقل هذا أصلاً؟ خطا مقترباً بينما قرمش الثلج تحت قدميه الشبيهتين بالمخالب.
مد إرادته وقابل وعياً. قوة الشخصية التي تصاحب الفطنة. لم يستطع حتى إجبار الغربان على طاعته، فكيف يؤثر في رجل؟ إلا إن انحنوا له طائعين بطبيعة الحال. تجمّد الشكل بينما تلوى إرادته ضد إرادتهم.
"أنت"، قال ريتش.
"كم لك تعيش في القمامة متخفياً؟ إن أردت النجاة حتى الصباح، فانحنِ لي و—"
توقف شاماً الهواء البارد. رغم الرياح العاتية، تميز ريتش الرائحة. ربما كان عليه توقع هذا القدر. أدار الشكل رأسه باتجاهه. ملامح فاتحة متخفية تحت الأسمال.
"أظنني لم أكن الكلب الأخير بعد كل شيء. أليس كذلك... أصابع؟"