ريتش الفصل 115

اقرأ ريتش الفصل 115 باللغة العربية على مانجا تايم.

كانت تحصينات فوسكا تتهاوى. أحس المسخ بهذا ولو من دون التجسس عبر العيون الصغيرة. كان الجنود هزيلين، بأخدود في الوجنات وبزات مرتجفة. لم تكن رحلة العودة إلى فوسكا من الجبهة تأخذ سوى نصف يوم عند بداية الحرب. باتت الآن لا تتعدى خمس عشرة دقائق من الخنادق المحترقة إلى سور فوسكا الحجري، وعشرة أخرى حتى الجسر المجوف المنحوت في الحصن. عاد كونراد معه صامتاً. تذكر وجه الرجل من مكان ما، لكن الأمر لم يكن ذا بال.

كان أمامه شغل كثير قبل أن تبدأ قذائف العدو حتماً في تحويل أسوار حصنهم إلى ركام. بدأ فوراً، مرسلاً أوامره إلى الجرذان ضمن مداه. اتبعوني في الخفاء. كانت الهوام تحسن فعل ذلك. واحتاج إلى الكثير منها لتجارب كان يخطط لها. لم يفاجئه أن حصن فوسكا، الذي غلا بالحركة يوماً، يرقد الآن في صمت. ووري الآلاف في التراب من حولهم، ولا شك أن كثيرين رقدوا في حفر الجثث تحت مستشفى الحصن.

ما فاجأه حقاً هو أنه لم يُقَدْ إلى القاعة الفارغة الخاصة بمأوى كلاب الجنرال القديم. كلا، بل قيد إلى ما هو أبعد، صعوداً عبر دروج نحتت من الصخر. صعوداً إلى ممرات لم يرصدها قط إلا عبر عيون كشّافته من الهوام. أرباع المباركين. أنا أتسلق حقاً، يبدو ذلك. حتى وإن ظل يحمل رداء الجنازة الأسود لكتيبة المحكومين، لم يعبأ بذلك. ظل غير المباركين يتجمدون عند رؤية هيئته الطويلة المكسوة بالفراء.

لو كشفت عن رأسه المشوه المطبوع بخطم وأنياب معقوفة، لربما أُغشي عليهم. كانت غرفته الجديدة في نهاية ممر طويل. أخبرته أذناه أنها خالية، لكن حاسة الشم المحتدمة لديه كشفت أنها لم تخلُ إلا حديثاً. كان مباركو نوف يانوسك يموتون. ولم تبدُ قوة قائدهم على رد الموتى كافية لإنقاذ الجميع. توقف كونراد والمَسخ أمام باب.

قال كونراد: "هذا المكان لك الآن. يخبرونني أنك ستُدعى إلى القيادة العليا في المساء. حتى ذلك الحين، استرح قدر ما استطعت".

التفت إليه المَسخ، فتراجع الرجل خطوة بغريزته.

"أود مد ساقي. أيمكنني التجول في الحصن؟"

هز كونراد رأسه.

"لا. حتى نقل إلى هنا يتجاوز الحدود. معذرة".

اكتفى المَسخ بالايماء، لكن الرجل عاد للكلام.

"أنت، أنت الرجل نفسه الذي أنقذني هناك في ستيرنثال، أليست كذالك؟ في الكنيسة؟"

تأمل المَسخ الرجل بجدية. شارب كث ومطرقتان حربيتان عند حزامه. تذكر ما قبل سجنه باهتاً. لم يجسر على إطالة النظر في تلك الذكريات لئلا يشتد الغضب وشغف الدماء في داخله.

"أه، أنت ذلك الجندي الذي ارتقى قبل أن يغادر القطار".

حنى الرجل رأسه بحركة سريعة.

"أنت محق. كنت فتاكاً يومذاك، لكنك كنت فتى فحسب. أما الآن... حسناً... ماذا جاب هذه الحال؟"

أمال المسخ رأسه.

"التقيت بـمُحتَرِق. قتل قائدي. والآن أنوي قتله بالمقابل... هممم، ألم تعد بتقديم صنيع؟"

قدم كونراد نصف ابتسامة.

"لا أستطيع إلا ما هو في وسعي. ولا أملك خرق القواعد".

التفت المسخ نحو غرفته، متحدثاً من فوق كتفه: "لا تمت".

إن كان كونراد قد هز رأسه استجابة، فلم يعلم. لكن خطاه ما لبثت أن ترددت أصداءها في الممر. وما إن أتى صريف باب حتى دخل المسخ مقره الجديد. كانت غرفة مرتبة بعناية. نظيفة، لكنها ما زالت تحمل آثار ساكنها السابق. خزانة بملابس مدنية، ومكتب تحت نافذة، وسرير بفرش وثين. إذن، مات أصابع، فكر المَسخ متنهداً. أبدى المبارك الصغير وعداً ما في القتال، لكنه تميز دائماً بتلك السمة التي تجعله يتعثر ويقع متى كان ذلك أقل ملاءمة.

حملت مباركته، إحراق الأصابع المجمعة من أجل القوة البدنية وإنماؤها من الجسد، إمكانات واعدة. لكن الحرب آلة تدار بأرواح أصحاب الوعد. من بين كل الكلاب، بدا هو وحده القادر على النمو ليغدو شيئاً فتاكاً يكفي لكي لا يُنبذ. على الأقل في الوقت الحاضر. تثاقل بخطاه نحو النافذة ونظر إلى ما وراء الزجاج. استقر الجليد في الخارج وشق تيار بارد طريقه تحت الإطار الخشبي. كانت الغرفة مرتفعة فوق ساحة المعركة، ربما عشرة طوابق، مقدمة مشهدًا خلابًا للفوضى التي لا تنتهي على الجبهة.

تسللت الانفجارات عبر جدارهم. لم تكن تفصلهم سوى أيام معدودات قبل أن تُدفع قوات نوف يانوسك بأكملها للوراء داخل حصنهم. ولم يكن ذلك بالحسبان شيئًا مما يقترب من الشرق بثقل يكفي لجعل الأرض ترتجف. أياً ما كان، حين يظهر، لابد أن يتداعى شيء ما. سيتعين على الجنرالات الآخرين وغوستافيوس نفسه النزول إلى الميدان، ما لم تكن لديهم خطط أخرى. انعكاسه الخاص، البادي بالكاد على الزجاج، أومأ.

"آن أوان البداية".

جلس على الكرسي إلى جوار المكتب ومد يديه. كان يستطيع استشعارهم. الجرذان التي سحبها بهدوء أثناء تجوالهم عبر الحصن وأخفاها في زوايا مظلمة. ما لا يزيد عن درزنين، فأي زيادة ستثير ضجة، وقليل نادر من الهوام الأخرى ما استوطن هذا المكان. كان الطابق العلوي المحافظ عليه بعناية أكثر انضباطاً من أن تزدهر فيه هكذا مخلوقات. جذبهم أقرب بأمر هادئ. انطلقت مخالب هاربة عبر باب صخري ترك موارباً.

أرسل معظمهم إلى الغرف المختلفة، مختبئين يحسب لزومهم. وامر واحداً فقط بالوقوف أمامها. أطلق الجرذ الصغير صريرًا وهو يجري نحو قدمه العارية الشبيهة بقدم كلب صيد.

أمر: "اسجد".

بدفق بسيط من لهيبه، أشعل صلة بينه وبينه. صار يراه الآن، المنظور من الأسفل، إلى جانب الجرذ في الشرق المترقب لـكاتلا. أمر المخلوق بالتلولب صعودًا على ساقه وجذعه وذراعه ليستقر في كفه المفتوحة.

"الجرذان مخلوقات خفيفة الحركة حقًا".

بحذر، نقر الصلة. كان لهيب الوحش الذي يحس به مائلاً إلى العنف والشراسة والشره، ومع ذلك تطلبت هذه القوة المكتشفة حديثًا براعة إن أريد لها أن ترقى لأكثر من إرسال بضع جرذان. جذب هيئة متأصلة حول لهيبه، إحدى المخلوقات المباركة التي قتلها وأكلها. اختار بشريًا هذه المرة، شخصية نسيها تمامًا، ربما كان أحد مباركي غولشاك. جمراً وضيعاً بحسب ملمس لحمه. سقط التغييرات التي تخيلها في المخلوق المقيد بيده.

أمرًا دقيقًا باستطالة عمود فقري. بحذر. أفلت صرير ألم من حنجرة الجرذ، سرعان ما طغى عليه صوت تشقق الفقرات واستطالتها. انتفخ العمود الفقري تحت الفراء الزيتي. جيد، الآن الكتفان والساقان. همس بقوته للأمام، دافعًا لهيبه الهادر عبر الصلة الهشة. بدا الأمر كتحويل نهر هائج إلى قشة ورقية. استطالت الساقان الأماميتان، ومسخت المخالب بهيئة أيدي. تطلب الأمر لحظة من تشتت التركيز ليكون الهلاك.

اخترقت العظام الجلد كشظايا محطمة، غاصة في كفه. تشنج الجرذ، مزبدًا عند الخطم. ثم سكن. فشل آخر. منح المخلوق البائس نظرة، فيما تقاطر الدم بين مخالبه بينما برزت شظايا العظام في كل اتجاه، حادة كالزجاج المحطم. قد يكون هذا مفيدًا أيضًا. اخترقت قبضته النافذة بفرقعة. علّق المخلوق الميت من ذيله. هب البرد والثلج إلى الغرفة الدافئة، لكنه لم يعبأ بذلك. كان مكسواً بالفراء، وقليل من البرد لا يضر من كان مثله.

نادى مرسلاً أمراً هادئاً: "التالي".

سرعان ما أتى جرذ آخر ليأخذ مكانه. حاول تغيير هذا إلى كلب صيد بدلاً من ذلك. بل به مبلغ قط صهير قبل أن يهلك هو الآخر في النهاية. رمى البواقي من النافذة. واصل على ذلك المنوال، مغيرًا درازن الجرذان حتى عجزت عن الاحتمال. ببطء، بدأ يألف الأمر. صار قادرًا على جعلهم أضخم فأضخم، لكن المحنة كانت عرضة للفشل عشوائياً فيما يظهر. تنهد أخيراً. كان استخدام قوته الجديدة مرهقاً، وينحت من لهيبه الهادر شيئاً فشيئاً.

أبعده ارتقاؤه عن العالم الفاني، ولم ينم منذ ثلاثة أيام، كما لم يشعر بالحاجة إلى ذلك. لكن الآن، في أمان الحصن النسبي، غمره الإפיاء أخيرًا. كان قوياً. جمرة عارمة. مسخاً. لكنه لا يزال بحاجة إلى وقت للاستجمام، على الأقل في الوقت الحاضر. قيد الجرذان الأربعة الأخيرة لإرادته وأرسلها إلى الممر لتتسلل في أرجاء الحصن. انكمش في زاوية الحجر تحت النافذة، معرضاً عن السرير والفرش الوثين.

هبت الريح الباردة عبر الزجاج المتصدع في الأعلى، مبعثرة فراءه بإحساس ممتع. وغط في نوم عميق. كان سباتاً ممتعاً، أبعدت الأحلام عنه بغزارة إعيائه. لم يومض في عقله إلا القليل النادر. جرذان تتسلق القمم، الأبراج الضخمة لمدينته الأم. محارب أحمر الشعر يبتسم باتساع فوق شموع وامضة وأستريد تعزف بلطافة على عود. نما لحنها ناشزاً أكثر فأكثر. النبرة حادة وخاطئة. كصوت غرابان. انفتحت عيناه ببطء.

كشف الضوء المندفق على الجدران الباردة عن اقتراب المساء. ومض ظل في الجانب المقابل من الغرفة. طائر ذو ريش، يتوليمة على الجثة شبه المتجمدة لتجروبته الأولى، المعلقة حتى الآن من النافذة المحطمة. كان ذيله ذيل جرذ. أداة مرنة للمواجهات القريبة ذات يوم، فرُقِّيَ إلى طرف رشيق مع تغير جسده. انثنى حبل العضلات صعوداً على الحجر دون صوت، بينما جلس الباقي منه بلا حركة. ثم تخيل تمزيق المخلوق، مرسلاً نية القتل نحو الخارج بكل خشونتة وعظمته الفتاكة.

تجمد الطائر. مذهولاً لبرهة. كانت تلك زيادة عن الكفاية. التف الذيل حول الطائر ذي الريش. أفلت نعيب يائس من المخلوق الدنيوي.

قال المسخ، جلب الطائر الأسود أمامه: "شش، أيها الصغير".

غراب سمن على أجساد الأموات. ينشر المرض والقذارة. هوام. استطاع رؤية السواد بداخله الذي يوسمه بذلك. لم تكن هذه المرة الأولى التي يحاول فيها قيادة هكذا مخلوق. لكن الطيور أثبتت أنها أصعب مما توقع. وحين مد يده إليها بعقله، طارت مبتعدة، مستشعرة الخطر. هذه المرة، لن يكون هناك تراجع. نعيب الطائر، طاعناً بمنقاره الموشوم بخدوش من جرح ماضٍ في كفه. لم يعره التفاتاً، ومد عوضاً عن ذلك إلى السواد الكامن في المخلوق.

قاومه بإرادة تخصه. ربما كان محظوظاً أن هذا الغراب بالذات كان أضعف من أغلب بني جنسه، صغيراً وعليلًا بجناح مشوه. مع ذلك، لن يصغي لأي أمر لمجرد أنه أراد ذلك. كان ذكياً، ليس كالجرذان. رغم أن له بلا شك صلة بالقوارض لأنها أصغت لكل أمره. بل وبلت تبدو مقدسة إياه. دفع بخيط من قوته الملتهبة داخل الطائر، محرقاً إياه حتى الاستسلام. تلوى بعنف حتى غدا بعض الريش يطفو على الأرض. لكنه لم يعدو كونه طائراً.

مع قطرة من القوة، استسلم. وتشكلت الرابطة. صار بصره بصره فرأى صورته المخيفة الخاصة، فرائه الموشوم بالثلج وقد طار عبر النافذة دونه أن يشعر. كان كل شيء حاداً وملوناً، منافساً يكفي تقريباً عينيه الحمراوين المسروقتين من كلب صيد مبارك.

"ها هو ذا جاسوس يستحق عناءه!"

ترددت خطوات في عمق الحصن، متجهة نحو الممر الخاص به. كانت لا تزال بعيدة عن سمعه. لكن الجرذان امتلكت آذاناً حادة حتى وإن افتقرت لعيون الطائر الصافية. همس بأمر هادئ للطائر الأسود الصغير وأطلقه. وحين نهض، دار حول قدميه لدورات معدودات، ثم انحنى بجناحين ممدودين. كان الأيسر فاقداً لبعض الريش ووقف بزاوية غريبة طفيفة. يبدو ذكاؤه مبدياً لعرض مثير للاهتمام من الإعجاب. يا للغرابة.

أرسله بعيداً، مشيراً إليه بأن يأكل تخمة من جثث الجرذان التي ألقاها للأسفل سابقاً. وثب من النافذة دون مبالاة، ومع اقتراب الخطوات من بابه، أرخى ذيل جثة الجرذ المتبقية. انفتح الباب على مصراعيه.

"أيها الجمرة المعظمة، الجنرال..."

وقف أمامه يافع في بزته، متجمداً عند رؤيته. شعر مرتب للجانب وملابس منسقة بعناية. لربما ظن المرء أنه مدني. كاتب حسابات ربما. لكن المسخ رأى تفاصيل قد يغفلها الآخرون. ثفنات اليدين. العينان الباردتان حتى برؤيته. الندوب المخفية بالكاد بواسطة الأساور عند معصميه. جندي. جندي حقيقي.

قال اليافع أخيراً: "لقد حطمت النافذة..."

رد المسخ بإيماءة تحت الرداء الممزق: "فعلت. هل أنا على موعد مع شخص مهم؟"

"طلب الجنرال فريدريك ذو الأيمان الكثيرة، قائد فوج الهاربين الثالث، حضورك. يريد عرض عرضاً عليك".