في لمح البصر زحف المخلوق فوق السقف ناثراً خلفه شظايا القرميد والخشب المتكسر. وقبل أن يستقر الغبار انطلق جابزاً الأسطح بسرعة مخيفة على الرغم من جروحه النابضة. انطلق آل ريختر خلفه ركضاً لكن ريتش تسلق الأبراج طوال حياته. تشبث بأنبوب تصريف ورفع نفسه إلى الأعلى وقفز مستقراً على السقف. في الوقت المناسب تماماً للمححة الظل المشوه أثناء قفزه الفجوة بين المباني. طارد ريتش الهاوية المتداعية مسابقاً الريح في الليل.
كانت أذناه لا تزالان ترنان من المعركة لكنه استطاع سماع خطوات الآخرين من الأسفل. زاد المخلوق من سرعته طارحاً نفسه إلى الأمام على أطراف مكسورة كحشرة مهروسة نصف هرس. بلغ حافة المقاطعة حدود المنطقة الصناعية الواقفة أمام الجدار الداخلي. قفز من سقف فوق سياج شائك مصطدماً بكومة براميل في الججهة الأخرى ليتهافت بالفعل نحو سقالات المصنع. كان ريتش على وشك بلوغ الحافة بنفسه بوجود فجوة معتبرة بين السقف والسياج المسنن في الأسفل.
هرب بسبب مني. علينا الإمساك به وإلا فلن أحصل على فرصة. دفع ساقيه ورئتيه المحترقتين ليسرع. قفز فاندفعت الريح أمام وجهه وأنت في أذنيه. اقترب السياج المعدني بسرعة فحلق على بعد بوصة فوق المعدن المسنن. اصطدم بالبراميل المتناثرة. انفجر الألم من كاحله لكن عقله كان صافياً. تدحرج على قدميه وعرج نحو الأمام. كان المخلوق قد قطع منتصف الطريق صعوداً على طول الأنابيب الملتوية لجدار المصنع.
كان بقية آل ريختر في الجانب الخاطئ من السياج خلفه في مكان ما وإن انتظر فسيهرب إلى جانب فرصه في النمو.
قال بأنفاس خشنة: "لن تذهب إلى أي مكان أيها المسخ الصغير".
وأجبر ناره على سقه المصاب. بانبثاق طقطق الطرف بشكل مستقيم وانفجر الألم مع استخدام مباركته. تجرع الألم محارباً إياه متحولاً من العرج إلى العدو. طارحاً نفسه على الجدار الأقرب وبدأ بالتسلق. كانت مخالب يده اليمنى كالكلاّب أثناء مطاردته في تسلق متهور متأرجحاً على العوارض المعدنية والأنابيب اللزجة بدم المخلوق. في الأسفل لمح إيلينيا تثني فجوة في السياج بيدين عاريين. كان بحاجة لإثبات خطأ المرأة ضخمة البنية.
وكان الوحش الساعي فرصته لفعل ذلك. تسلقا أعلى فأعلى. ساءت مواضع الأقدام والقبضة سقالات صدئة وأنابيب رطبة بالتكثف. تسلل الوحش فوق إحدى المداخن. كان يبطئ إما بسبب جروحه أو إهاقه. تتبع كائنين يرتفعان عبر البخار والضباب الدخاني مسابقين نحو قمة القرميد المتداعي في سواد الليل. تسلق المخلوق بارتفاع كافٍ ليعلو فوق الجدار الداخلي إلى جانبهما مباشرة. ثم قفز. حلّق فوقه ظل داكن لأطراف ممدودة مقابل القمر.
عبر الفجوة واختفى على الجدار الداخلي. اللعنة. رمى ريتش نفسه إلى النقطة ذاتها وصدره يعلو ويهبط. وقف الجدار الداخلي عن قرب بالرغم من كونها قفزة مميتة. إن اخطأ حسناً.. رمى نظرة إلى الأسفل. كان آل ريختر مجرد نقاط بعيدة في الأسفل.
قال: "على أي حال سيؤدي هذا إلى مظهر مؤثر".
استعد واستنشق نفساً ودفع نفسه نحو الخارج. كأن يقع أكثر من أن يطير وامتد الارتفاع تحته. عوت الريح في أذنيه واندفع الجدار الداخلي نحوه. مد ساقيه ليثبت هبوطه. اصطدم جسمه بالحجر وشيء ما طقطق بصوت قشور البيض تحت حذاء. صار العالم ضبابية من الرمادي والألم المكتوم.
أطلق: "أووه".
لاهثاً بحثاً عن الهواء. بعد لحظة أدرك أنه يرقد على بطنه. دفع نفسه ليقف وحاول الوقوف لكن ساقيه خارتان فوراً. نظر إلى الأسفل. كانت الساق اليسرى ملتوية بزاوية تسعين درجة إلى الجانب بينما برزت من الأخرى عظمة مدمية خارقة من تحت ركبة الركفة.
تمتم ورأسه لا يزال يدور: "لا يبدو هذا كالمعتاد".
أجبر النار على رأسه وساقيه المحطمتين. توهج اللهب عبره كحريق غابات احترقت عروقه عادت العظام إلى مكانها وانثنى الجلد فوق الجروح المفتوحة. صفا ذهنه وأطلق زفرة بارضة.
نهض على قدمين غير ثابتتين وقال متعرّقاً بعرق بارد: "هل سأعتاد يوماً على ذلك الألم اللعين".
وصل ممر ضيق قمة الجدار الداخلي بأحد الأبراج الصغرى. عكس أثر دم ضوء القمر. نظر إلى اليسار واليمن على طول الجدار. بعيداً في الأفق اخترق ضوء خافت لفانوس الليل.
"حراس؟ ربما يجدر بي الخروج من هنا".
عرج حتى أقرب بقعة دم. رائحة قوية حلوة لكنها لاذعة ما زالت تملا الجو.
حدث نفسه أثناء المطاردة: "إنه مصاب. يمكنني الإجهاز عليه أو على الأقل معرفة أين يختبئ".
كان المخلوق غائباً عن الأنظار لكنه استطاع استنشاقه. قاده أثره صعوداً على طول الآلات والأنابيب المتجمعة مختفياً أعلى برج متوسط الحجم. تسلق خلفه.
اختفى أثر الدماء على مسافة ربع الطريق نحو القمة. تحول تسلقه الجريء إلى مطاردة صامتة، متبعاً الأثر الخافت الباقي. كلما ارتفع، ازداد التسلق وعورة وقوي الرائحة. بدأ الفجر يشاحب السماء فوق الضباب الدخاني. احترقت ذراعاه وهو يتعلق بعمود فولاذي رأسي. امتدت الأحياء السفلى في الأسفل. واستمر البرج في الارتفاع بالأعلى. كان عليه الاستسلام قريباً. أصيبت ذراعاه وأصابع يديه بالكدمات وفقدت قوتها.
ستطرده شركة ريشتر، لكن ذلك أهون من السقطة المهلكة. حركة طفيفة إلى يساره. تجمد، مسمراً نظره نحو البقعة. كتلة ملفوفة محشورة في الفتحة بين أنبوبين على عارضة فولاذية صلبة. عشرات الأيدي البشرية تثبتها في مكانها. انتشرت ابتسامة على وجهه. ها أنت ذا! تذكرتي الصغيرة إلى كل ما أبتغيه في الحياة. سيطر ريتش على نية القتل لديه. إن رأاه الكلوق، فهو لا يريد تنبيهه باسمه المبارك، مهما كان مثيراً للشفقة.
تتبع الكلوق صعوداً وحوله في الإضاءة الخافتة، ليستقر على نتوء فوقه. صار يراه بوضوح الآن، مجرد كتلة من الأطراف مربوطة بجوهر ما في عمق تحت كتلة الأيدي الملتوية. بلا رأس أو وجه، مع أنه سمعه يصرخ. بعد استيعاب الشعور الممتع بكونه المفترس لا الفريسة، التفت حوله. كانا بين مستويين من البرج، جدار شديد الانحدار من الآلات والأنابيب. يستحيل تنبيه أي شخص، ناهيك عن محاصرة الكلوق.
لا، كان عليه ققتل الكلوق بنفسه. سحب ريتش خنجره في صمت، ونهض وصلب إرادته. إن كان جاداً في تنمية جمرته نحو أعمدة أبيه، فلا يمكن لهذا القدر أن يزعزعه. خطى خارج الحافة. هوى عبر الهواء بسرعة متزايدة، واقترب الكلوق بسرعة. تحركت بضع أيدي فجأة، لقد لاحظه. اصطدم بالكلوق بكامل وزنه، وغرز الخنجر عميقاً في الجوهر بصوت خفت أملس. أخرج الاصطدام الهواء من رئتيه. انطلقت الأيدي في كل الاتجاهات، قابضة على جذعه والآلات.
ومع نفس ضحل، أطلق كل ذرة عدوانية استطاع حشدها. تخللت يده الوحشية الخدش والتمزيق بينما طعن الخنجر الجوهر مراراً وتكراراً. أصدر صرخة تشبه صرخات الأطفال، ممزقة ملابسه، وحكت الأظافر جلده وانفجر ألم حاد من الجانب الأيسر من رأسه. لم يهتم ريتش، عميقاً في مكان مظلم ومريح. في دفعة مفاجئة من القوة، دفعه بعيداً. اصطدم ظهره بجدار الأنابيب. أصدر أنيناً متغرغراً وسحب نفسه نحو الحافة.
الأطراف تتدلى خلفه. رأى فرصة. منطلقاً نحوه، رمى بنفسه على الكلوق، ممدداً كلتا قدميه للأمام مثل رمح. ضربت ركلته بصوت خافت أملس، منزلقة الكتلة الملطخة بالدماء فوق الحافة. تخبط متمسكاً، وتصرخ أظافر الأصابع ضد المعدن لإبقاء نفسه في مكانه. انزلق، ومدت عشرات من أيديه نحوه. أخطأته بفارق شعرة، ثم اختفى أسفل حافة البرج. سقط ريتش على المنصة المعدنية. تحته جاءت سلسلة من الارتطامات الثقيلة، منتهية بطقطقة تعصر الأمعاء.
ابتسم، لاهثاً ومغرقاً في العرق والدماء، ولم يلاحظ إلا الآن الألم في ذراعيه وظهره.
قال بين الأنفاس الخشنة: "لا بد أن هذا يكفي. لا بد أن هذا كافٍ".
شيء ساخن تقطر على عنقه ولمس الجزء الأيسر من صدغه. دماء. أذنيه قد اختفت. نهض مع أنين، ملتقطاً خنجره. مباركته، سارق اللحم، تقول إنه يستطيع سرقة الأشكال بقتل وأكل وحش مبارك. لم يفعلها قط عن قصد.
قال بصوت عالٍ: "هل سيجدي هذا نفعاً حقاً؟".
لعق الخنجر الملطخ بالدماء بحذر وأغمض عينيه بينما هبت نسائم عبر شعره عالياً فوق المدينة. في عين عقله، كان ساكناً. ثم، امتدت يد من الظلام. زحفت للأمام، ميلي، الجامعة بلا كلل، منبطحة بأيديها الكثير إلى الأرض.
همس: "مرحلة أخرى".
جلست بجانب "كرييتش، الجرذ النهم في وضعية تقديس مرعبة. نما ضوء الجمر أقوى ومع نبضة حرارة تشكلت تشققات نارية جديدة على الجمر. تدفق النار من خلاله، مخالب حرارة وهمسات مسعورة جعلت صدغه يؤلمه. مثل وحش مسعور يعض في لحمه وعقله. أطلق: "أووه"، مقاوماً للحفاظ على محتويات معدته. أنين قائلاً: "إذن هكذا يبدو الإشعال؟
لم يذكر القائد كم هو مؤلم". بعد لحظات، استقر الألم، وتنفس. شيء ما داخله قد تغير.
البائس، آكل الجرذان موقد الأجيال: ١ تجديد: ابتلاع اللهب لترميم اللحم المهشم. تطهير التعفن والسموم. الجروح الأكبر تتطلب ثمناً أكبر. سارق اللحم: ابتلاع اللهب لإعادة تشكيل الجسد وتقمص شكل أي مبرك قتلته والتهمته، لا يمكن محو التغيير إلا بشكل جديد. كل تغيير يخفض الحد الأقصى للهب الخاص بك بشكل دائم.
قال نافخاً الدم المتخثر من أنفه: "أوقدت مرة، أليس كذلك؟ أمامك تسعة أخرى."
لم يشعر بقوة أكبر، ولم يغمره أي تدفق مفاجئ للطاقة أو القدرة. لكن اللهب بدا أعمق، وإن قليلاً. هز كتفيه ومشى نحو الحافة. في الأسفل بعيداً، كانت المدينة تنتظر الفجر، ونقاط ضوء مصابيح الغاز وأسطح المنازل تتلألأ عبر ضباب الدخان. وفي الأفق، خلف الجدار الخارجي الضخمة، ارتفعت الجبال المسماة شوكات الندوب كأنان أسنان مسننة. والشمسيتان تبدآن بالكاد في تجاوز القمم.
"الوقت يمضي حقاً."
منزلقاً عبر الأنابيب وقفزاً بين الممرات، شق طريقه هبوطاً حتى لمح جثة المخلوق في شارع بالأسفل، على بعد منتصف الطريق صعوداً في البرج. تشابك من الأطراف المكسورة بلا حياة في بركة متسعة من السائل الداكن، تضيئها مصابيح الغاز المقابلة لصف من المباني السكنية. تمزق الجذع وتناثرت الأعضاء على الحجارة المرصوفة. وهج خافت انبعث من مكان ما في حزمة العظام المكسورة. لم يكن المخلوق متماظراً البتة.
كل ذراع بشرية بدت مختلفة في الشكل والحجم ودرجة لون الجلد. خيطت جميعها إلى الجِذع بخيوط بنفسجية خشنة تفوح منها رائحة الأعشاب المجففة والعفن. يد واحدة ما زالت تقبض على شيء وانحنى البائس أكثر، لقد كانت أذنه. بشفتين متقلصتين، انتزعها من الأصابع الباردة. نفخ عليها ومسحها بمقدمة قميصه الممزق. ثم وضعها على جانب رأسه.
قال: "لنرى إن كان هذا سيفنج."
دفع ما تبقى لديه من لهب ضئيل في التجديد وترددت سلسلة من الاختلاجات الرطبة في جمجمته. عاد جلد أذنه وغضروفها للنمو في مكانهما. ابتسم رغم الألم.
"وحده المبرك يستطيع فعل شيء كهذا."
إلى الشرق، رسمت الأشعة الأولى للشمسين الأبراج بالذهب.
قال ماشياً ذهاباً وإياباً على طول الرعب الميت، دافكاً ذقنه: "الآن... كيف أنبه البقية؟"
تشكلت فكرة في ذهنه وهرع إلى السياج. متطلعاً نحو الأسفل وحامياً عينيه من الفجر، امتدت أمامه آخر مدينة بشرية حقيقية. خلف انحناءة الجدار الداخلي، تمكن من تمييز المصانع ومنزل المشرف.
قال: "ربما ما زالوا هناك؟"
أخرج السكين من غمدها، وبعد مسحها لتنظيفها، أمسك النصل بزاوية. التقط ضوء الصباح، عاكسًا إياه نحو منزل المشرف. لقد استخدم خدعة مشابهة لإبهار صاحب متجر ذات مرة. لا مانع من تجريبها الآن. أجرى وميضين قصيرين، تلاهما واحد أطول، واستمر على ذلك النحْو. ومع دقات ثقيلة، أعلنت ساعات البرج السادسة صباحاً ليجد نفسه أمام مشكلة أخرى تماماً. تفسير الجثة المكسورة للمخلوق المرعب للمتجهين الأوائل إلى البرج.