شاهد الفصل 5 — عارٍ وجائع

اقرأ شاهد الفصل 5 — عارٍ وجائع باللغة العربية على مانجا تايم.

⟦1 تناولت معطفي وقبعتي ثم خرجت إلى الليل الممطر. احترقت مصابيح الغاز بسكينة على طول الشوارع وسمحت لدفء برتقالي بأن يخترق ظلمة حلكة السماء المائلة إلى الزرقة. قررت أن أتوجه صوب الموانئ بلا قصد محدد في نفسي. دفعني شي ما من حلمي السابق إلى تفحص تلك المياه الآسنة مع أنني لم أكن متأكدا حينها من صواب الاستجابة لمثل هذه الرغبات. ورغم ذلك واصلت قدماي تحريكي نحو الشرق. كانت المدينة تنبض بالحياة كعادتها بل وأكثر في مثل هذا الوقت من المساء. ذهبت العربات وجاءت. سار الأشخاص ذوو المكانة المرموقة في الشوارع بينما لزم سيئو السمعة الأزقة. دقت الأجراس وصاح الباعة من كل نوع على أمل أن يمنحهم أحدهم ذرة التفات. وبينما واصلت طريقي شعرت بوجود أحدهم يراقبني. في كل ليالي الطويلة التي تجولت فيها بلا هدف لم شعرت بأن شيئا يتجسس علي في تلك اللحظة بالذات؟ لم أكن قد فعلت شيئا يخرج عن المألوف فيما يبدو ومع ذلك ظللت أشعر بوجود كيان يرمقني عن بعد. شيئا يختبئ. شيئا ينتظر. كان التصرف الأثبت هو ألا أتبنى سلوكا مريبا وأن أمضي قدماً في طريقي نحو الموانئ وهذا ما فعلته. أجبرت نفسي على ألا ألتفت ورائي مراراً واكتفيت بتنفيذ خططي لزيارة الميناء. استطعت رؤية العديد من سفن الشحن وهي تتحرك عبر نهر التايمز محاولة إتمام رحلتها بينما كان المساء في أوله. وكما وصف برادلي ظهرت قمة سفينة شحن غارقة وهي تخترق المياه المظلمة بعيداً في عرض البحر. ثم انتظرت. كانت المنطقة التي أواجد فيها مضاءة أكثر من اللازم ومكتظة بالمارة بما يمنع سرقتي أو قتلي وكنت راضيا بالانتظار هناك حتى طلوع الشمس. الخياران الوحيدان لمن اهتم لأمري هما إما مواجهتي علانية أمام الناس أو الاستسلام. ربما نفعتني بارانويا الأرق هذه المرة أخيراً. لم تمض فترة طويلة قبل أن يحدث أمر غير متوقع البتة إذ صهل حصان وتوقف برفق. توقفت عربة بجانبي مباشرة وانفتح باب الراكب ليكشف عن داخل مخملي فاخر. على الرغم من أن ضوء المصباح الجانبي حجبه رأيت رجلاً نحيلاً يرتدي بدلة فاخرة من ثلاث قطع يلوح بيده. اقتربت بتردد بينما حاول رفع صوتاً ليعلو على العاصفة. قال: "أقول بحق! أكاد أظنني أعرفك! تيودور، أليس كذلك؟" كنت شديد الحذر بطبيعي. لقد علمتني كل تجاربي أن ألاحظ متى تخفي المواقف تحت سطحها ما هو أعمق ولسبب غريب لم ألمس أي شرور لدى ذلك الرجل داخل عربته. بالطبع حافظت على مسافة آمنة بيني وبينه غير أن معرفته باسمي ورفاهية عربته أنبأتا أنه لم يقصد سرقة ما تخفيه جيوبي من وبر. سألت: "من تكون أنت؟" تنقل الرجل في مقعده باضطراب كأنه لا يبالي بالإجابة عن السؤال. ومع ذلك حرك مصباح العربة مسلطاً إياه ليكشف عن وجهه متجاوزاً ارتباكه. حتى وأنا أتفرس في ملامحه لم أعثر على أي شبه يربط بينه وبين أي شخص في ذاكرتي. كان رجلاً طاعناً في السن أو لعله في منتصف العمر. مشط شعره الرمادي بعناية إلى جانب واحد وبدت بدلتة كلاسيكية سوداء يزينها ربطة عنق. بالتفحص أكثر بدأت عيناي تعدان تفاصيل وجهه... كانت هناك مئات الندوب النحيلة البادية بالكاد في الضوء الخافت والتي تكسو وجهه. بدت تلك الندوب دقيقة لدرجة تجعل أي ناظر أقرب مني يظنها تجاعيد لكن بصري كان أثقب من كثيرين. أدركت أن ندوباً كهذه لابد أن تكون من صنع يده... كمن يحك جلده بلا توقف بأظفاره... بعد أن رأى آثار التعرف في عيني تحدث الرجل بندم صادق: "أما زلت واقفاً تحت المطر؟ تفضل بالصعود. لا أضمر لك أي شر." صعدت إلى العربة مذهولاً من التغير التام في هيئته عما رأيته عليه آخر مرة. حتى وإن نظرت إلى وجهه مباشرة لما عرفت ذلك الرجل لولا الندوب. تحول من رجل مجنون يلف نفسه بمعطف ضخم إلى جنتلمان مهذب ووقور لم يحدث قط أن حاورته طوال حياتي. تكلمت طالباً المزيد من التأكيد على أن الموقف الغريب الذي وجدت نفسي فيه واقع حقيقي: "أنت من... عيادة الدكتور برسكو؟" أومأ برصانة. "نعم، نعم أنا هو يا بني العزيز. لقد رأيتك في الشارع قبل قليل وشعرت بأن لزاما علي التعبير عن أسفي لما جرى في لقائنا الأخير. أعلم أنني تسببت لك في فزع شديد وأريد فقط الاعتذار عن الطريقة التي بدوت بها..." جلست ببساطة داخل العربة الساكنة أتأمل الرجل. "حسناً، آمل أن ننسى كل ذلك ونعرف أنفسنا حقاً. أنا ألفريد هيوز، ممول أملاك نيو وندرز." مد يده فاسترجعت توازني أخيراً وصافحته. قلت: "تيودور تشاتوود." رد مبتسماً: "يسرني لقاؤك يا سيد تشاتوود." رددت الإيماءة. ساد صمت مزعج دفعني للاقتراب أكثر من باب العربة لكن هيوز تابع حديثه: "تبدو شاحباً للغاية. كنت على وشك الذهاب لتناول العشاء فما رأيك أن أدعوك لنأكل معاً لعلي أكفر عن خطئي؟" مع ذكر العشاء انتفض معدتي بأصوات خافتة. لم أتناول طعاماً لأيام وأنفقت بغباء كل ما أملكه من مال على كحول رخيص. كان الجواب واضحاً. قلت: "سيكون ذلك لطيفاً منك حقاً." مبتسماً، نقر هيوز على سقف عربته علامة على انطلاق السائق. "رائع. هناك مطعم حديث يمكنه استقبالنا دون حجز مسبق. أتمنى أن ينال إعجابك." ومع تصدر الجوع لجل تفكيري أجبت بذهول: "أي مكان سيكون رائعاً." لم نتبادل أطراف الحديث كثيراً طوال بقية الرحلة. أمضيت أغلب وقتي مراقباً المدينة وهي تنساب من أمامي بسلاسة. لم أستقل العربات سوى مرات معدودات وهو ما جعل رؤية المدينة التي كنت أستغرق ساعات لاستكشافها تمر بي بهذه السرعة أمراً طريفاً حقاً. انتهى بنا المطاف عند مبنى ساطع الارتفاع يعج بالرواد. غادر هيوز العربة وتبعه أنا الآخر. ذهب سائقه للبحث عن مكان ملائم لراحة الحصان بينما توجهنا نحو المدخل. اقترب هيوز من المضيف وتبادل معه أطراف الحديث قليلاً. بعد محادثة قصيرة التفت إلي بنظرة ثم عاد ببوصلته نحو الرجل. وما إن انتهى نقاش آخر أطول حتى أشار إلي بالدخول رفقته. لم تمض سوى ومضة حتى وجدنا مقاعدنا وعلق هيوز قائلاً: "نعم... ليس بالمكان الراقي حقاً لكنه سيؤدي الغرض..." غير أن ما قاله بدا بعيداً جداً عن الحقيقة من منظوري. جلس على كل كرسي رجل يرتدي سديرية متناسقة تماماً وإلى جانبه نساء بفساتين جميلة وباهظة الثمن بلا شك. كانت القاعة بيضاء وفخمة تطرز طاولاتها مفارش مزركشة وأدوات مائدة فائقة الجودة. نقيض تام للصعلوك المنعزل غير المغتسل وغير الحليق والمدلل قليلا قاطن الأحياء الفقيرة الذي كنت أثثله. في غضون لحظات قليلة أقبل نادل نحو طاولتنا. وقف ويداه مغلولتان خلف ظهره وقال: "مساء الخير أيها السادة. أولاً، هل أقدم لكما شيئاً من نبيذنا الراقي هذا المساء؟" على الأرجح استنشق هيوز رائحة الكحول من أنفاسي داخل العربة مما جعله يرفض بأدب. "لا شكراً لك. ما هي أطباق الليلة الرئيسية؟" أومأ النادل. "في الحقيقة يا سيدي نقدم اليوم مجموعة صغيرة من الأطباق. لدينا لحم البقر على طريقة بورغينيون وكيش لورين وبوشيه آلا رين وراتاتوي." قال هيوز: "سآخذ بوشيه آلا رين شكراً لك." بعدها التفت النادل إلي بانتظار. كانت كل كلمة خرجت من فم النادل غريبة عني تماماً مما اضطرني للاعتقاد بالكلمة الوحيدة التي فهمتها. قلت: "سأطلب... أم... طبق لحم البقر..." حدق بي النادل بتعبير فارغ محاولاً فهم كيفية السماح لشخص مثلي بالدخول إلى هكذا مكان. ورغم ذلك سرعان ما استعاد ابتسامته الباهتة وواجهته المبهجة. "حالاً يا سادة." وبينما ننتظر طعامنا شرع هيوز في محادثة تافهة. أعمال عقاراته. صناعة النفط الصاعدة. إلعاقه الريفية. كله كلام عديم الأهمية ولا يهمنا كثيراً. اقتصرت إجاباتي على موافقة عمياء وهز رأسي بانتظار وصول الطعام. وما إن وصل حتى أكلت بلا قيود. طعام شهي وهو أول ما استقر في معدتي حقاً طوال أيام. استمر هيوز في الحديث. تجاهلته حتى شرع في الخوض بمواضيع تمس اهتمامي بشكل أكبر. قال: "وتعلم لابد لي من الاعتذار مجدداً عن طريقة لقائنا الأول. لست أنا حقاً دون دوائي..." وأردف: "أثق أنك تفهم على الأرجح. فأنت مريض لدى الدكتور برسكو أليس كذلك؟" بين لقمات طعام كبرى رددت: "أنا كذلك بالفعل." استطرد: "حسناً، إن لم يكن لديك مانع... كم مرة تحصل على مواعيدك؟ وهل يسمح لك الطبيب الفاضل باصطحاب وصفاتك الطويلة إلى المنزل؟" رفعت بصري عن طعامي نحو هيوز. لم يكن قد لمس وجبته بعد وكانت أصابعه تنقر الطاولة باستعجال. بخلاف أظفاره المشعثة والحادة التي مزقت لحمه قبل أيام لم تكن هناك أظفار بالمرة. مجرد لحم يغطيه غشاء أبيض رقيق. لم تكن ظفراً واحداً بل غابت كل أظفاره بهذه الطريقة مما يعني أن الأمر لم يكن حادثاً انتزعها من جذورها. "مرة واحدة أسبوعياً فحسب... ولا أسلم دوائي إلا بواسطة الدكتور برسكو شخصياً... لماذا؟" انتقل من النقر بأصابعه إلى حك مؤخرة عنقه بقلق بينما كانت عيناه ترتجفان في أرجاء الغرفة. "أه... يعود الأمر ببساطة إلى أن كمية الدواء التي أتلقاها قد تراجعت مؤخراً. فضلاً عن عدم السماح لي باصطحاب أي منها إلى منزلي... كنت أمل أن تمتلك أنت... المزيد... منه..." انتقلت من الانحناء فوق طعامي إلى اعتدال الجوهر مستشعاراً تبدل الأجواء من الاسترخاء إلى التوتر الشديد. "لا. أنا أسف. على حد علمي كان الدكتور برسكو هو الشخص الوحيد المؤهل للتعامل مع الدواء..." عادت يداه إلى الطاولة بينما بدأت قدماه تنقران بعصبية. قبضت يداه على مفرش المائدة وهو يتململ متحدثاً بسرعة أكبر وبتأثر واضح: "حسنًا لم يكن الأمر كذلك فيما مضى. أتعلم ما أعتقده؟ أعتقد أنه ينفد منه. أعتقد أنه لا يمتلك ما يكفي من الدواء لأجلنا..." وهمس هيوز بصوت يكاد لا يُسمع: "ربما لو كنت ميتاً لتوفر المزيد لنكتفي به جميعاً..." وسط ذهولي استجوبت: "ماذا قلت؟" تمتم مجدداً ويداه تشد مفرش الطاولة بقبضتين بينما ظهرت العروق على جبينه: "أنت تستهلك كل دوائي اللعين..." احتجاجاً جلست منتصباً ونطقت بصوت عالٍ: "عذراً؟! أنا لم—" صفع هيوز الطاولة بيديه مطلقا زئيراً ليفرغ غضبه المكبوت: "لَقَد اسْتَهْلَكْتَ كُلَّ دَوَائِي اللَّعِينِ!!!" ساد الهدوء أرجاء المطعم بأسره إذ عاد المجنون الذي التقيته سابقاً فجأة إلى الحياة. أحاطت بنا العيون من كل حدب وصوب. رغم ذلك وبعد ثوان معدودات فقط استأنفت الأحاديث الجانبية دورتها وتابع جميع الرواد سهرتهم كأن شيئاً لم يكن. بصوت خخفض أجبت: "أنا... لم أكن أعلم بوجودك من الأساس قبل ذلك الصباح..." كان جسد هيوز بأكمله يرتجف بعنف. وما إن لاحظ مدى عنف ارتعاشه حتى أخذ نفساً عميقاً وأسدل رأسه منخفضاً. "أوه... أوه، أنا آسف للغاية... لقد كان أسبوعاً مليئاً بالضغوط بالنسبة لي... تغيرات في جدول دوائي..." نهضت بحذر من مقعدي. "أنا... أفهم الشعور... إن لم تمانع أظن أن الوقت قد حان لأعود إلى منزلي الآن..." وضع كفيه حول وجهه ليتحدث من خلالهما بعد توقف قصير: "لا بأس بذلك... أنا آسف حقاً لإحراج نفسي مرة أخرى... آسف حقاً..." غادر المكان دون تردد. لم أبال بركوب العربة عودة إلى شقتي. كنت أعتقد أنني اكتفيت تماماً من المخالطات الاجتماعية لهذه الليلة...