شاهد الفصل 1 — شيء هش

اقرأ شاهد الفصل 1 — شيء هش باللغة العربية على مانجا تايم.

وسط سديم أسود خانق، عكس جرم سماوي درجات ألوان غير مألوفة ومن أصل غريب. ارتفعت يدي بغريزة أولية. متوسلةً الرعب المستخرج من تحت الأرض والراقد بسبات داخل الكرة الغريبة. رغم أنني لم أُرَ سوى ألوان تكاد لا تُفهم ودخان يلتهم المكان، ترددت الطاقة في صدري مثل الاهتزاز العميقة لطبول الحرب. توهج الجرم بأطياف متفاوته، مصيغاً إجابة لرجائي. بيد أنني قبل أن أتمكن من صياغة كلمات من الألوان، غزت الغيوم الحالكة حواسي وغامت رؤيتي. انقلب العالم من حولي إلى سواد، ثم، من العدم، عادت المادة للظهور. برز فراشي النحيل عندما استيقظت. انفتحت عينائي، عارضتين مشهد شقتي خافتة الإضاءة. أخفق ضوء الصباح الباكر في التسرب عبر ستائري بأكثر من الحد الأدنى الضئيل من الإنارة، تاركاً صورة مقفرة ورمادية. كشفت رؤيتي تدريجياً عن محيط مسكني المتقشف أكثر بينما رفعت رأسي بذهول عن مستقره الممحو المليء بالريش. ساعة البندول تدق مع كل تأرجح للبندول. مصباح الزيت المستقر على منضدتي البلوطية المتوترة. لكن فقط عندما تفحصت الخطوط العشوائية لشقتي بوعي تام، تمكنت من رؤية الشيء. وقف كيان غير بشري مجسماً بظله أمام السطوع الشحيح الهارب من صدع بابي. تدلت كتفا الكيان إلى الأمام من جذعه المقعر، ورأسه مائل بفضول. بدأت يد طويلة ومستدعية في الارتفاع ببطء من بجانب جسده. تخلف قلبي عن النبض نبضة. نما عقلي بوضوح هذيان فوري بينما تشبثت رئتاي بيأس بالأوكسجين داخلهما، مانعتين إياي من الاستنشاق. انطلقت ذراعاي من تحت أغطيتي وفتحتا بسرعة درج منضدتي. بحثت يد بعشوائيّة عن علبة الثقاب الضائعة وسط كومة من الأشياء الحميدة، بينما تحسست الأخرى طريقها صعوداً حتى معدن المصباح البارد. وأخيراً حين ظفرت بمسكات الحريق، عدلت عن فتح غطاء المصباح المعدني وركزت تماماً على إشعال أي من عيدان الثقاب القليلة المتبقية في العلبة. مررت أصابعي باهتزاز على رأس عود الثقاب الخشبي فوق خشب منضدتي الخشن، باعثة اللهب المـُصْدِر أزيزاً إلى الحياة. حولْت انتباهي مجدداً إلى الكيان النحيل، لكن بينما فقدت تركيزي على النار، اصطدمت باليد التي كنت أُمْسِك فيها بعلبة أعواد الثقاب. انطفأ الضوء الذي أوقدته بكل حماسة حين أطلقته عفوياً من أصابعي وجعلته يتدحرج في الأعماق أسفل سريري. نبض قلبي بإيقاعات أسرع فأسرع بينما تدفق الدم عبر ساقي. لم يعد الثقاب سوى عبء وعقيم، مما دفعني لإسقاطه وسحب الأغطية عن نفسي. دكّت قدماي الخشب البارد بينما حافظت على تركيزي تجاه الكيان المتربص في زاوية الغرفة. في لحظة قبضت يداي على الستائر السوداء السميكة أمام نوافذي وأبعدتهما عن بعضهما، غامرة غرفتي بضوء الخارج الرمادي والمغيم ومكحلةً الشوارع المغطاة بالأوساخ وراء شقتي. وأخيراً، انحسار الظل الخانق ليُظهر المخلوق وكأنه ليس سوى معطفي وقبعتي الملقيين بإهمال فوق الحامل الطويل بجوار الباب. وعوضاً عن يد مرتفعة كما كنت مقتنعاً سابقاً، لم يكن سوى النسيم المتسلل إلى غرفتي عبر عيوب بابي الأمامي، مما جعل ذراع سترتي تتموج وكأنها تقوم بحركة مصارعة صعوداً. امتلا صدري أخيراً بهواء جديد بينما حدقت بتأمل في زاوية غرفتي. بالنظر إلى النافذة خلفي، رأيت الشخص الغريب يرمق هيئتي المرتدية ملابس غير محتشمة باستياء. لا بد أنه كان وقتاً مبكراً جداً من الصباح حيث بالكاد شق الشمس طريقه عبر مداخن الدخان في الأفق، مع ذلك لم أبالِ بالعودة إلى سباتي. حتى مع نظرات الحكم من المشاة النادرين، كسيت نفسي بخجل على مرأى من العامة بدلاً من أن أغرق في الظلام مرة أخرى. نظرت إلى ساعة البندول القديمة التي تركها سكان الشقة السابقون كرماً لاستخدامي. تأرجح البندول عند الساعة الرابعة. تشنج بطني، دافعاً إياي للرمق بجسدي المنهك. لم أستطع تذكر آخر مرة تناولت فيها وجبة مشبعة، وأعمدة أضلاعي البارزة تحت الجلد أظهرت ذلك. لن يكون المطبخ القاحل داخل شقتي ذا فائدة، مما يجعل خياري الوحيد هو متجر الجزارة عبر الشارع. بهذه الفكرة، استعدت ملابسي من مكانها المبعثر على الأرض. سراويل بنية قديمة. قميص أبيض مصبوغ بخفة. حمالات فضفاضة. أحد أزواج ملابسي القليلة التي تُعاد مستعملة. كانت الملابس باهظة الثمن، وكذلك الطعام. كان العام ثماني عشرة ومائة وألف، ومع انقضاء كل فصل أصبح العالم أكثر ظلمة ومليئاً بالمخاطر. فضلاً عن ذلك، أصبح سعر العيش أعلى فأعلى. لا بأس. لقد وجدت بضع عملات معدنية تركت في جبي ستكفي لقليل من الطعام. مع وضع ذلك في الاعتبار، فتحت بسرعة مزلاج باب حجرتي وأطلقت نفسي نحو شوارع شباط الباردة. أقفلت الباب، والتفتُّ وبدأت في عبور الطريق المليء بالحجارة المرصوفة الرديئة. عادة، يجعل ضباب المدينة من الصعب رؤية العربات القادمة، ولكن في ذلك الوقت كان الهواء منعشاً وضوء المصابيح يسطع ببريق. بمجرد أن شققت طريقي أخيراً إلى الباب ذي الألواح الزجاجية، أمسكت بالمقبض النحاسي ودرته، سامحاً لنفحة من اللحوم القديمة والأجبان البائتة باقتحام المدخل. عرفني الجزار عندما دخلت في ساعتي المعتادة. "صباح الخير، تشاتوود." أومأت متبادلاً التحية. "صباح الخير، بين." "المعتاد؟" "نعم." دون قول المزيد، غطس بين إلى خزانة اللحوم الرخيصة الخاصة به، منقباً بين اللحم المنوع. بينما كان يبحث، تجولت عينائي في الفضاء المظلم خلف منضدته. لم تكن الشمس قد شرقت بعد، تاركة ضوءاً رمادياً مريضاً وحيداً يسطع عبر النافذة، خافتاً لدرجة أنه بالكاد أنار نهاية الغرفة. غير أنه في الظلال، شهدت خنزيراً مذبوحاً، وقد فُرِشت أضلاعه بينما كان يتأرجح بلطف رأساً على عقب على خطاف لحم. لسبب ما، لم أستطع رفع عينيّ بعد أن وقعتا على المخلوق، ومع الوقت الكفي الذي قضيته في الحدق وجدت سبب غرابة الوحش. لم يكن التأرجح بسبب النسيم. تشنج جسده الميت بضعف، محدثاً حركة. كلما حدقت برعب، أصبحت التشنجات أكثر جنوناً. ذهاباً وإياباً، ارتعش الخنزير، حتى بدأت حركة منفصلة تماماً تحت سطح جسده البارد. تسللت حشرات دقيقة لا تعد ولا تحصى ببطء من كل مسام على الخنزير. متلوية برهبة أقرب إلى وجه الخنزير. تجمعت كلها قرب العينين وفتحت جفني المخلوق. قريباً أصبحت تلك العينان نفسيهما كتلة من السواد المتلوّي. ضربت نوبات الخنزير العنيفة السلسلة المعدنية بقوة أكبر. أصبح معدتي حاضراً بشكل بشع مع سيطرة الغثيان. تجمعت صرخة في صميم عظم قصّي. كان عليّ أن أنادي! لكن اضطراب رعب فجأة بينما وقف بين مرة أخرى من خلف المنضدة، مما دفع الحشرات إلى التراجع داخل الخنزير. ارتفع حاجبه. "أنت شاحب. هل أنت بخير، ثيودور؟" ابتلاع الصرخات في الداخل، تمتمت بضعف. "ن-نعم. أنا بخير..." رغم أن العرق البارد المتألق على وجهي أظهر غير ذلك. لاحظ بين نظراتي المتقطعة إلى الخنزير وتكلم. "هل تريد بعضاً من المقطع الطازج؟" "لا!" صرخت بنقص تامة للتفكير المسبق. كانت هناك استراحة طويلة ومحرجة بيننا، طوال الوقت الذي حاولت فيه عبثاً استعادة رباطة جأشي. "أتعلم ماذا. لا تدفع اليوم، تشاتوود." قال، مخللاً أصابعيه بلحيته الملح والفلفل بيد بينما وضع لوحاً خشبياً من اللحم والجبن على المنضدة باليد الأخرى. تجعدت عيناه مع سيطرة القلق على وجهه. كان رجلاً ضخماً، لأسباب متساوية تعود للشُّحْم والقوة. ومع ذلك، ظل اهتمامه ظاهراً عبر وجهه الكثيف، وقبلت هديته بامتنان. "شكراً لك، بين..." قلت، ممسكاً بالصينية ومبتسماً بأفضل ما يمكنني. قبل أن أستدير لأجلس، طرح بين سؤال وداع. "هل أنت بخير؟ متى كان موعدك الأخير؟" واصلت الجلوس، محتاجاً للراحة. "منذ وقت طويل... لكننا أعدنا جدولة المواعيد. إنها الآن أيام السبت، بدءاً من اليوم." "جيد، جيد." بعد ذلك، تفحصت قوتي. جبن متعفن ولحم رطب بشكل مقلق. أدى وخز اللحم بالشوكة الخشبية المزودة مع الوجبة إلى ظهور برك من عصارات اللحم، مما سمح بمزيد من التفتيش... رغم أن اللحم كان رمادياً مائلاً للوردي، كان السائل أسود حالكاً. أدى تحريك السائل في الضوء إلى الكشف عن لمعان ملون كما لو كان نوعاً من الزيوت. كانت هذه الألوان غريبة تماماً. كان كل لون داخل طيف الضوء لوناً يكاد لا يُفهم. لمعان بنفسجي لنور سماوي. درجات كنت على أُلفة بها... كانت هذه الألوان التي لا توصف هي التي لمحتها في حلمي، ومع ذلك كانت الرسالة التي صنعتها باهتة وغير مفهومة. أثار السائل اشمئزازاً مروعاً في بطني، لكنني لم أستطع الاسترخاء ولا التخلص من الطعام. عبر ضغط بين الذي كان يراقبني وجوعي الهائل، أغمضت عيني ببساطة وبدأت الأكل. لقد كانت دقائق قليلة من العذاب قبل أن توقف معدتي السماح لي بالانغماس في اللحم، متحولة فوراً إلى كومة هائجة من العذاب. وضعت أدوات المائدة بحماسة وأومأت بضعف لبين، مغادراً الجزارة بعجلة. فور إغلاق الباب، سارعت إلى أقرب زقاق وتقيأت كل ما تناولته، إلى جانب كمية وفيرة من حمض المعدة المحارق. لم تكن بركة القيء سوى أسود زيتي... سواد حالك يلتف في فسيفساء مقرفة من القوام. في خفة رأسي، حدقت ببساطة في خليط العصارة المرة... مدركاً في النهاية انعكاسي في السواد الحالك. بالنظر إلى نفسي، فكرت. تذكر. العقل شيء هش... دعه ينكسر وتنتهي في نفس حالة الأم... عليّ إيجاد طريقة لجعل ذلك يتوقف. واصلت الحدق في نفسي، محاولاً استيعاب وضعي المزري. لم أتلقَ دواء منذ فترة طويلة... كان ذلك جُحراً مظلماً يجب التحقيق فيه، لكن عقلي فكر مع ذلك... ماذا كانوا يحاولون قولي؟ عندها اتسعت شفتاي المزمومتان والمكفهرتان في الانعكاس. أولاً إلى ابتسامة خبيثة، ثم إلى ابتسامة كاملة ومكشوفة الأسنان... باستثناء... لم يكن فمي يبتسم... هززت رأسي ووقفت مستقيماً، متנفساً بسرعة على هواء الشتاء البارد. أنا أحتاج إلى طبيبي النفسي.