شاهد الفصل 20 — تسللٌ يكسر الصمت

اقرأ شاهد الفصل 20 — تسللٌ يكسر الصمت باللغة العربية على مانجا تايم.

مددت في فراحي أراقب الشمس وهي تزحف ببطء نحو الأفق. تفككت الغيوم تدريجياً لتسمح لأشعة النور بالتسلل إلى غرفتي معلنة حلول الصباح أخيراً. لم أنم ولم يصدر مني أي صوت منذ عودتي إلى غرفتي. اكتفيت بالاستلقاء في العتمة أستمع إلى وقع خطوات تلك الفظاعة المترنحة وهي تحوم في الممرات. وكالعادة قطع تأملي اللامتناهي مشرفي فتقيأت دواءى وخرجت من مهاجع النوم إلى قاعة الطعام. كانت المصانع اللانهائية قد بدأت تشغيل طاقتها القصوى بالخارج فخلف ذلك ضباباً كثيفاً يلف الجو.

أُغلقت النوافذ والأبواب كلها تقليلاً لكمية الضباب السام الذي نستنشقه جميعاً. كان المرضى يتخبطون هنا وهناك في الداخل بلا هدى ولا وعي. أما قاعة الطعام فكانت مكاناً ضيقاً وموحشاً. طاولات صغيرة يعلو كل منها كرسيران. وجزء مغلق يؤدي إلى المطبخ ومنضدة كبرى عليها أطباق من عصيدة خالية من الروح قطعاً. اصطففت محاولاً الاندماج قدر الإمكان مع الحشود المترنحة. وبينما كنت أنتظر دوري لأخذ وعاء من تلك الوجبة الباهتة لمحت منظراً غريباً في أعماق المطبخ.

تدلت على الجدار لحوم مملحة ونقانق معلقة بأغلافها. لم تكن لحوم كهذه ضمن حميتنا نحن المرضى وعلى حد علمي لم يكن هناك مطعم خاص بالعاملين. السبب الوحيد لوجود أمثال تلك الأشياء في المطبخ هو أن أشخاصاً آخرين غير المرضى يعيشون في المكان. بناء على جودة تلك اللحوم استنتجت أنها لا تؤكل من قبل الطاقم أيضاً. أكان يعيش أطباء في المستشفى؟ وإن كان الأمر كذلك فأين؟ وقبل أن يتشعب عقلي أكثر دفعني الرجل الواقف خلفي بخفة.

كنت قد عطّلت الصف وقتاً أطول مما استغرقه المرضى أمامي للحصول على طعامهم فبات من خلفي نفوراً. والأهم من ذلك أنني أُلصقت الأنظار بي وخشيت إن أمضى حارس وقتاً أطول في تفحّصي أن يدرك أنني لست غارقاً في الذهول ذاته الذي يعاني منه الآخرون. نظرت إلى الأرض وأسرعت بخطاي نحو أطباق الطعام. التقطت صينية من بين صوانٍ عدة ورمقت جزء تناول الطعام في القاعة. جلبت لنفسي اهتماماً مفرطاً بغير قصد مما جعل البقاء في الظل عند طرف القاعة ومراقبة محيطي هو الخيار الأفضل.

بعد أن وجدت طاولة منعزلة لحد ما أخذت أراقب من حولني. وقف حارسان عند طرف القاعة يراقباننا. أُغلقت مصاريع خشبية عند فتحة المطبخ لتحجب عنا الطهاة. وجلس على الطاولات أناس غائبون عن الوعي بالكاد يستطيعون نقل العصيدة من أوعيتهم إلى أفواههم. ميّزت شخصين وسط الحشد. برادلي وإميليا. كانت المهمة الأولى هي إخراج أحدهما من الغشاوة التي وقع في شركها… لكن عقبتين بارزتين اعترضتا طريق ذلك المسعى.

من أختار أولاً وكيف لي بحق الجحيم أن أُفقيهما وعيهما دون أن أُكشف؟ الخطوة الأولى كانت حسم من أريد إيقاظه أولاً… كنت أثق ببرادلي ثقة عميقة وكان صديقاً رائعاً لسنوات طويلة. أردت إخراج برادلي وسماع روايته لما يتذكره عما حدث لنا ومع ذلك وحتى من مقعدي المعزول عند طرف القاعة لاحظت شفتيه تتمتمان برفق بلغة غير مفهومة ولهجات تزداد استعصاء على الوصف. وحين يتجرد برادلي من الدواء كان يتحدث برموز وألسنة غامضة.

وكنت متأكداً تماماً من أنه لن يقدر على مشاركتي ما يتذكره أو الأسوأ من ذلك أن فمه الثرثار سيوقع بنا بطريقة ما. أما إميليا فستكون عملية تحريرها عسيرة لكني شعرت أنها الخيار الأفضل على أي حال. بعد ذلك ظننت أن كل ما علي فعله هو مجرد مجاراة الأمور وأن خطوتي الأولى تتلخص في الإمساك بها لا أكثر. كان وقت الإفطار منظماً بأكثر من أن يسمح بأي تحرك. كان علي انتظار فترة راحتنا في ردهة الجلوس.

بعد نحو عشرين دقيقة من تجرع وعاء الوحل الشاحب فتح المشرفون أبواب ردهة الجلوس. بدأت فترة راحتنا القصيرة وحان وقت العثور على إميليا وصياغة خطة. أولاً حرصت على إبقاء بصري معلقاً بإميليا بينما كنا نُساق جميعاً إلى الردهة. وخلال مسيري خلفها لاحظت البقعة التي أسقطت فيها المزهرية وهشمتها لكن المشرفين نظفوا المكان لحسن الحظ دون أدنى تفكير. نأمل ألا يكونوا قد انتبهوا للشموع والثقاب المفقودة…

وجدت إميليا موضعاً مريحاً على مقعد وثثير كبير وجلست. لم تفعل شيئاً سوى الجلوس والتحديق بحيرة في محيطها. كانت تغمض عينيها مراراً وتأخذ أنفاساً عميقة وتجفل برأسها في أنحاء القاعة وتتحرك بعدم ارتياح. كأنها تحاول حجب تدفق المعلومات عنها لكن دون جدوى. بدأت بالاقتراب. لم يكن من الحكمة مقاربتها مباشرة وبدل ذلك جلست بتخفٍ على مقعد مقابل لها منتظرتاً إياي أن تلاحظني. وبعد هنيهة فعلت ولما وقعت عيناها عليّ لم تقطع نظراتنا المتبادلة.

تحدق كل منا في الآخر دقائق معدودات قبل أن أقدم على أي حركة. وبينما كنا نتفرس في بعضنا البعض حاولت تخمين ما يدور في ذهنها. بدت مرتبكة وتائهة لا سيما لرؤيتي. تمتمت لنفسها بهدوء وكأنها تحاول استذكار شيْ ما. كان جبينها ينقبض وينبسط بينما مال رأسه. المعلومة الوحيدة التي استطعت استخلاصها بثقة هي أن إميليا لم تكن تتذكرني حتى؛ ليس تماماً على أقل تقدير. وبصرف النظر عن فقر ذاكرتها فقد تعرفت عليّ على الأقل وبدت واعية جزئياً.

أومأت برأسي نحو مدخل المهاجع آملة أن تستوعب لغة جسدي. نهضت فنهضت هي الأخرى. ودون توجيه إضافي بدأ كل منا بالتحرك نحو الممر. بدا الحراس متبالدي المشاعر وكسالى. خيارنا الأفضل كان الأمل في إهمالهم لواجباتهم أو أنهم ببساطة لا يكترثون. تجمعنا عند المدخل. وبنظرة واحدة إلى الخلف نحو الحراس الذين كانوا أكسل من أن يلتفتوا حتى نحو جهتنا انطلقنا. كانت نزهة قصيرة إلى غرفتي لكن ما إن نصل حتى ننال متسعاً من الوقت لترتيب الأمور نرجو ذلك.

ومع أن السبل كانت شحيحة لمعرفة الوقت في المصحة اعتقدت أن أمامنا ساعة كاملة على الأقل قبل انتهاء فترة الراحة وتكليفنا بأعمالنا الحقيرة. حين التقينا قرب الممر حرصت على ترقب ضوء الشموع. كان حارساً يجوب الممرات لكني فطنته قد دخل فور انتهاء الإفطار. سيمضي وقت طويل للغاية قبل أن يبلغ النهاية ويدور عائداً. واصلنا التقدم وبدا كل شيء على ما يرام. لم تكن هناك طريقة جيدة للتواصل مع إميليا ولكن حتى في حالتها المخدرة استطاعت الالتصاق خلفي ببساطة.

فضلاً عن ذلك بدا أننا نحن الوافدين الجدد لم نُستهلك بالدواء مثل الآخرين ومن المرجح أننا احتفظنا بقدر من الوعي. لعل كل سنوات تناولنا لوصفة زهرة أندها السابقة بنت فينا مناعة من نوع ما. حاولت استيعاب الوضع وحالنا الراهن فغفلت عرضاً عن وقع الخطوات أمامي… وقبلنا مباشرة انبثق طيف من إحدى الغرف. توقفنا نحن الاثنين مسمارين في مكاننا بينما استدارت المشرفة برشاقة وأغلقت الباب خلفها وبيدها ملاءات سرير مجعدة.

بدت هادئة إلى أن رأتني واياها على الأقل. تجمدت أنا وإميليا معاً بينما هجمت تلك المرأة نحونا بخطى مسموعة. لقد كُشف أمرنا وإن علمت المستشفى بتآمرنا ضدها فلا يمكن تخمين عواقب فظيعة ستنصب فوق رؤوسنا.

تلعثمت المشرفة: "م-ما الذي تظنان أنكما تفعلانه!؟"

"أنا… نحن… أم…"

بحثت عن أعذار لكن لم يخطر ببالي أي منها. كان الأمل يتلاشى من عقدي. إلى أن تنبهت لأمر غريب. لم تكن المشرفة غاضبة بل كانت وجنتاها محمرتين وبدت محرجة أو منزعجة تقريباً… عندئذ أدركت أنها ظنت أننا بصدد أمور مختلفة تماماً عن التآمر ضد المستشفى.

قالت مستعادة هدوءها أخيراً: "عليكما العودة إلى الردهة. حالاً. الآن."

ولرغبتي في عدم تفويت طوق نجاة أومأت بتوجس. بدأت إميليا تتراجع بينما استدرت ببطء محاولاً نزع فتيل الأزمة قدر الإمكان. لحسن الحظ سمحت لنا المشرفة بالعودة إلى الردهة ببساطة. ومما لا شك فيه أن بقية المشرفين سيبلغون بتسللنا وستُسلط أعين أشد ترقباً علينا نحن الاثنين لكن ذلك ظل أهون شرور جرجرناها لأنفسنا. كانت تلك الخطة حمقاء إلى أبعد حد. بماذا كنت أفكّر!؟ توجب علي ابتكار أمر أكثر تسترأ إن أردت البقاء خافياً عن الأنظار.

عُدنا إلى الردهة وافترقنا فور اجتياز العتبة. لم يتبقَّ من فترة راحتنا سوى دقائق معدودة. لم أستطع تحمل مواصلة السير بمفردي وخصوصاً بعد أن رأتني تلك المشرفة. ومع الوقت توقعت أن تدرك أن الجموع البليدة لا تملك القدرة على التسلل هكذا. ولو فطنت لكوني لا أتعاطى دواي ووشت بي فلن تفصلني سوى دقائق معدودة عن وقوعهم عليّ مستندين إلى وصفها. احتجت إلى ملجأ بديل. شخص أعتمد عليه إن كُشف أمري.

احتجت إلى شريك. لم تتدهور الأمور إلا أكثر مما استدعى خطة بديلة. وجب أن تكون محكمة بحق هي الأخرى. زلة قدم أخرى وستكون سترة المجانين بانتظاري…