بدا الممر الأسود الممتد كأنه بلا نهاية. خلافا لغرفتي التي يغمرها ضوء القمر الخافت، لم تكن للممر نوافذ. ولا سبيل لرؤية أي شيء قط... إن أردت الوصول إلى غرفة أمي، وجب عليّ إيجاد مصدر للضوء أولا وقبل كل شيء. فحصت كل شق في غرفتي مسبقا، ولم أجد طريقة لإنارة طريقي. لم يكن الخيار سوى الانعطاف يساراً نحو ردهة الجلوس. كانت رحلة سهلة، وستقودني حتما إلى الشموع وعيدان الثقاب. أخذت لحظة لأستجمع نفسي، ثم خطوت خارج المدخل.
تعثرت حتى الطرف الآخر، وانتظرت حتى اصطدمت بجدار لأنعطف نحو اليسار. كانت هناك نوافذ مفتوحة كثيرة في ردهة الجلوس إن صدقتني ذاكرة زياراتي القديمة، مما يعني أنني سأغرق في ظلمات الممر لحظات معدودة فحسب. كان الأمر بسيطا، حقا. كل ما كان عليّ فعله هو تتبع الجدار حتى أبلغ الغرفة المفتوحة. ضاءلت فرصة الفشل لدرجة تكاد تلغى. مشيت مسافة لا بأس بها في الممر، خطوة حذرة تتبعها أخرى.
طالما بقيت يداي ملامستين للجدار، حظيت بحس مكاني جيد وأمكنني تبين مدى تقدمي. إن خضت الأمور ببطء وتدقيق، ستكون مهمتي يسيرة. هذا ما ظننته على الأقل، قبل أن أسمع صوتا خلفي. تجمدت مكانی فور تمييزي للصوت. هرولة مترددة تصدر من أعماق أداكن زوايا الممر. لظننت في البداية أنه مُعِين أو حارس، لكن لم تكن هذه إيقاعات قدمين بسيطتين. بل كانت عشرات الأطراف وهي تسعى على الأرض. لحم يتخبط على ألواح خشبية صצيرة.
مهما يكن ذلك الكائن، فلم يكن بشريا. كانت خطواته بطيئة ومثقلة، مما دفعني للحفاظ على سير هادئ وثابت. كان يقترب حتما، لكن الأجدر ألا أفزع طالما تيقنت أنه لم يلاحظني. وهو فعل أيسر قولا منه فعلا. حرصت على أخذ أنفاس عميقة، فواصلت السير في الممر، وتتبعت يدي الجدار وأنا أمضي. واصل المخلوق شق طريقه في الممر جارا خطاه، ببلادة وبطء. لم أسمع حركة على الأرض فحسب، بل وأطرية الأبواب وهي تئن ومقابضها ترتج بينما كان ما يوراء ظهري يقبض على ما حوله ليدفع نفسه قدماً.
بدت حركته شاقة ومتصلبة كأنه يقتلع نفسه من شيء ما. أسرعت في مشيتي، لكن الأرضيات كانت صاخبة وغير مستقرة. لم أملك متسعاً من الوقت لأكون هادئاً وأسرع من الكائن خلفي في آن. بالسرعة التي نسير بها، سيسبقني قبل أن نبلغ ردهة الجلوس. تذكر جانب مني كلمات الدكتور بريسكوت. لقد كانت في عقلي فحسب... لا يمكنها إيذائي... ومع ذلك، بينما كان ذراعي الأيمن يحتك بالجدران الرخيصة، شعرت بألم نابض في الندوب الملتفة حول ذراعي صعودا وهبوطا.
إن كانت حروق قنديل البحر الصادرة عن الكائن ذي المجسات في القارب قادرة على إيذائي، فلم أكن مستعدا لمعرفة إن كان ما يقع خلفي قادرا على ذلك أيضا. بدأ قلبي يتسارع بينما كنت أمنع نفسي قسرا عن الركض، رغم أنني صرت أكثر يقينة باستمرار بأن الركض بات خياري الوحيد. ومع ذلك، لم أكن من هواة المخاطرة، خصوصا حين يتعلق الأمر بحالة حياتي. مع ذلك، لم أستطع إنكار وجوب تغيير ما في الخطة.
كان المخلوق يكتسب سرعة، وسنتصادم حتما قبل أن أتمكن من الاحتماء داخل ردهة الجلوس. قررت إبعاد يدي عن الجدار. كانت مجازفة، فالتنقل في الظلام بلا توازن أمر خطير، لكن الأرض كانت غير مستقرة قرب الأبواب. إن أردت التحرك بسرعة أكبر دون أن تفضحني ألواح الأرضية المئنة، توجب عليّ التوجه نحو منتصف الممر. سحبت يدي بتردد وتحركت إلى وسط الممر. كانت مخاطرة، لكني لو واصلت حذري فلن أملك أي أمل قط.
مضيت قدماً وبدأت أكتسب سرعة. بالقدر الكافي لسبق الكائن دون إحداث صوت. ومع ذلك، حين تقدمت عليه، بدأ الكائن في رفع وتيرته هو الآخر. كلما أسرعت، علا صوتي، وشرع هو في الحركة بوتيرة أسرع. تحولت من مشية متسللة إلى هولة خفيفة، وفعل الكائن المثل. ورغم ذلك، إن خدمتني ذاكري، فقد كنت أقترب من الأمان في ردهة الجلوس. كلما زادت سرعتي وحافظت على أدنى قدر من الصوت، باتت مشيتي محرجة وغير متوازنة.
العدو وأطراف الأصابع لم يكونا مزيجاً متوافقا. بينما كنت أحاول مواصلة التسارع، خانتني خطاي الخرقاء، واشتبكت مقدمة قدمي بالأرض. هويت مترنحا نحو الأرض لحظة رؤيتي لضوء القمر عبر النوافذ في الأمام. كان المخلوق خلفي مباشرة، لكن ردهة الجلوس باتت في متناول يدي. لم يكن الوقت مناسبا للاستسلام وفقدان الأمل بعد. زحفت بجنون إلى الأمام بأقصى سرعة أمكنني إيجادها. في تلك اللحظة، أقلعت تماما عن محاولة التخفي، وصرت أتشبث بهلع بأسرع ما أستطيع.
كاد الكائن يدركني حين عبرت عتبة ردهة الجلوس. في طريقي، أطحت بطاولة جانبية صغيرة وبإناء زهور. تهشم الزجاج وتناثر الماء خلفي، مما جعل أيا كان الكائن الذي يتبعني يطأ السكاكين غير المرئية ويعوي ألما. لقد أخرته بالقدر الكافي لأزحف أعمق داخل ردهة الجلوس، لكن الألم أثار غضبه أيضا. بينما كان صامتا طوال حركته، تمتم المخلوق وثرثر الآن. بدا كأنه مزيج من أصوات عدة؛ عجوز، شاب، رجل، امرأة.
وكلهم يئنون من الألم. انحنيت محتميا خلف حزمة كراسي وبدأت التقط أنفاسدي. في غمرة الفوضى، بدا أن الكائن قد فقد أثري. بعد أن استجمع أمره، شرع يفتش المنطقة المحيطة، ولا زال عازما على إيجادي. كنت في ردهة الجلوس، لكني لم أكن بأمان بعد من ذلك الشيء. في ضوء القمر الخافت، بالكاد استطعت تبين هيكل ضخم. لم يكن هناك الكثير مما يمكن تمييزه في ظله المشوه، لكنني استطعت رؤية مزيج من الأطراف واللحم وهي تتلوى لتتحرك، إلى جانب عشرات العيون المائية اللامعة في النضوء.
ورغم أن كل جزء مفرد من هذا الشيء بدا بشريا، إلا أن مجموعه لم يكن كذلك أبدا. واصل البحث عني، زاحفا نحو وسط الغرفة ومتلفت حوله. لم أرد الركض، إذ عرفت ما يحدث إن قرر بدء المطاردة. احتجت إلى إلهاء يبقيه منشغلا، لكن قبل ذلك، احتجت إلى ما جئت إلى ردهة الجلوس لأجله في المقام الأول. تسللت إلى أقرب عتبة نافذة، فوجدت شمعة هناك. ثم شققت طريقي نحو إحدى الأريكات الأكبر حجماً.
بجانبها طاولة، طاولة أملت أن تحتفظ بعود ثقاب. لا شيء. بينما واصل الكائن مسح الغرفة، انزلقت إلى الطرف الآخر من الأريكة، وفتشت طاولة جانبية مطابقة. وجدت على الطاولة علبة عيدان ثقاب، بل وشمعة أخرى أيضاً. لم تكن لي حاجة بشمعتين... لكني فكرت في فكرة أخرى. دسست عيدان الثقاب في جيبي وأمسكت بالشمعة، مقتربا ببطء نحو الممر. كان المخلوق لا يزال يبحث، وأدركت أنه إن وقفت منتصبا بدرجة تكفي لتجاوز الزجاج المكسور، فسيراني.
قابضا على شمعتي الإضافية بإحكام، أخذت نفسا عميقا ودعوت ألا يكون بليدا لدرجة تفشل خطتي البديلة. ألقيت الشمعة إلى الجانب البعيد من الغرفة، فاصطدمت بنافذة ونقرت بصوت عال كاف لجذب انتباه الكائن. تخلل بغضب نحو النافذة، صافعا بيديه ببلادة على الزجاج. بينما كان يواجه الاتجاه المعاكس، وقفت. كانت أحشاء تجر على الأرض خلف المخلوق. خمنت أن تلك كانت القوة التي جعلت المخلوق يتكبد عناء الحركة في البداية.
مهما كان ما يتصل به، فلم أرد معرفته. محرصا على تخطي الأحشاء والزجاج، عدت إلى الممر بينما استمر ذلك الشيء في خدش النافذة. بعد فترة لا بأس بها من المضي بهدوء في الممر، أخذت نفسا. شعرت كأنه فقد أثري، وأخيرا، سأتمكن من إشعال ثقاب وإنارة شمعتي. مع النضوء، حظيت برؤية جيدة لكل باب ورقمه. ودون إضاعة أي وقت، بدأت أشق طريقي نحو غرفة أمي. وجرتها سريعا نسبياً، وبما أنني أتيت من الخارج، فكل ما احتجت إليه هو تدوير القفل وفتح الباب.
وهناك وجدتها، جالسة بهدوء في كرسيها، شاهرة بصرها نحو نافذة لا تعرض سوى جدار من الآجر. وحين دخلت، التفتت لتواجهني. حدق بي محجرا عينيها الفارغان بينما أغلقت الباب.
تحدثت برفق: "لقد كنت في انتظارك".
رغم أنها مبهمة دائما، إلا أن تلك الجملة أقضت مضجعي.
ولضمان ألا تذهب جهودي سدى، سألتها: "أليس هذه المرة الأولى التي أتواجد فيها هنا؟"
قالت: "أوه، لا. لم تأت لزيارتي منذ وصولك... لكني عرفت أنك ستفعل في النهاية".
أطلقت تنهيدة طويلة من الارتياح. لقد نجحت على الأقل في كسر الحلقة اللانهائية. تالياً، احتجت لمعرفة إن كانت تملك إجابات.
تمتمت مستغرقا في تأمل كلماتها: "منذ وصولي... أتعرفين ما حدث؟"
عندها، أخفضت رأسها.
"لا أعرف سبب مجيئك، لكني أعرف كيف".
ثم تحركت في مقعدها، مستعدة لاستحضار ما تعرفه.
"كنت أول الوافدين. لقد أحضروك على محفة، حسبما أبلغت. لم أستشعر حضورك إلا بعد انقضاء أسابيع..."
أخذت لحظة للتفكير.
"بعد ذلك، أُدخل رجل عجوز الصياح إلى الحبس الانفرادي".
تنهدت.
"بقية النزلاء كانوا هادئين. مسيطرا عليهم. لا يمكنني القول إن هناك الكثير من المعلومات لأقدمها".
قلت بيأس: "أهذا كل ما في الأمر؟ هذا يترك الكثير من الأسئلة المعلقة. لماذا انتهى بنا المطاف هنا؟"
"لو كنت أعلم، لأخبرتك يا بني".
نهضت من كرسيها، متحركة ببطء نحو المكتب في الطرف الآخر من الغرفة.
"المعلومة الوحيدة الأخرى التي يمكنني إضافتها هي أنني سمعت طبيبك النفسي يتحدث إلى كلكم حين أُدخلتم. إنه غالباً الوحيد الذي يملك الصورة الكاملة".
الدكتور بريسكوت... كانت أمي محقة، لقد كان الشخص الذي اعتنى بنا ونظم الأمر برمته. الرجل الوحيد الذي يعرف ما حدث سيكون هو... لكنني أدركت أنه إن حاولت الركض نحوه وسؤاله ببساطة، فستقع مشكلة. إن كان هناك وقت دخولنا، فهذا يعني أنه كان يعلم علم اليقين بما يدور حولنا. كان متورطا في الأمر. لكن بغض النظر عن مواجهته، لم أجد سبيلا لمعرفة أسراره. لم أكن محققا بارعا، ولم أملك مكانا آخذ إليه الدكتور بريسكوت حيث لا يمكن العثور علينا.
لم تكن هناك طريقة للمعرفة...
تابعت التفكير بينما كانت أمي تنقب في أدراج مكتبها: "هذا أسوأ شخص يمكنه الإمساك بجميع الأوراق..."
ثم، ومضت الفكرة في ذهني. لم أكن بحاجة لاستخلاص المعلومات من الدكتور بريسكوت. فقد فعل هو ذلك بنفسه. الدفتر ذو الغلاف الجلدي في مكتبه. كان يحتفظ بسجلات لكل واحد منا فيه، وسأكون ملعونا إن توقف عن ذلك حين أُدخلنا. كل ما احتجت فعله هو إيجاد الدفتر، وسأعرف كل ما أخفاه الدكتور بريسكوت. وجدت أمي أخيرًا ما كانت تبحث عنه في الدرج، ساحبة صندوقا خشبيّاً صغيرا.
"خذ هذا. ستشعر بالحاجة إليه".
أخذت الصندوق، وفتحته. فوراً، انطلقت نغمة خفيضة. مفزوعا بالصوت، أطبقته مرة أخرى. كانت علبة موسيقى، وعليلة الصنع في ذلك. كانت صغيرة، خشبية، وبسيطة الصنع إجمالاً.
سألت ببساطة: "لماذا؟"
أطلقت أمي ضحكة خفيفة لوهلة، ثم هزت رأسها.
"احتفظ به قريباً منك فحسب".
بقينا وقتا طويلا في الصمت وضوء القمر إثر ذلك، غير مستقرين على ما يقال. أخيراً، تحدثت أمي.
"أنا أعلم ما تنوي فعله. لا يوجد سوى خيار واحد لإيجاد الحقيقة..."
تنهدت، عائدة إلى كرسيها لتجلس.
"تذكر أنك لا تستطيع فعل هذا وحدك. قبل أن تغامر بالعبور إلى أقصى الطرف المعاكس من هذا المكان الخطر، سيكون من الحكمة أن تجد دعماً".
قلت متأملاً كلماتها: "إن قُبض عليّ، فسيفسد كل شيء..."
وبعد مداولة، وافقت على رأيها. قبل أن أجرؤ على الذهاب كلياً إلى مكتب الدكتور بريسكوت في الجناح الغربي، احتجت لتحرير رفاقي من المخدر تماما كما حررت نفسي... وهذا أيسر قولا منه فعلا. داسا علبة الموسيقى في أعماق جيبي، مددت الشمعة في يدي إلى الخارج وفتحت الباب. لم تكن هناك أي إشارات تدل على وجود الكائن، وبدأ ضوء الفجر ينير الممرات أخيراً. قبل أن أرحل، مع ذلك، تحدثت أمي مجدداً.
"أشعر بترددك... لقد رأيت شيئاً، أليس كذلك؟"
ابتلعت الغصة في حلقي، وأجبت: "لقد رأيت أشياء كثيرة..."
عندها، ضحكت أمي بملء فيها.
"لم ترَ شيئاً بعد..."