استيقظْ. حان وقت التحرك. أول ما عاد إلي... شعور غريب بالألفة. الغرفة من حولي كانت مهجع مرضى كئيباً في مستشفى سانت ديمفنا. كان المطر ينهمر في الخارج، يتخلله أحياناً عصف رعدي هادر يهز الغرفة بأكملها. أأصلحتُ ضرب رأسي بهذه السوء؟ حدثت نفسي وأنا ألتفت حولي. لكن قبل أن أتمكن من تفحص محيطي جيداً، دخل ممرض عبر الباب، وفي يده كأس زجاجية شفافة فيها دواء. تلا ذلك، رغم أن الأمر بدا جديداً علي، تصرفات تلك الحلقة ذاتها التي علقت فيها لأسابيع.
أجبرت نفسي على تقيؤ الخليط. تناولت الفطور. التقيت ببرادلي. حاولت الهرب. اتخذت القرارات ذاتها مراراً وتكراراً. مع ذلك، فإن تغييراً صغيراً واحداً كان سيحررني من سجني. فارق واحد كسر حلقة اللانهائية. بدأ الأمر حين شرعت أركض من غرفة هيوز، بينما كان يئن ويبكي خلفي. نجوت بالكاد من الأبدية السوداء التي التهمت محيطي، ثم وقفت في الممر المظلم البارد، وعلى مقربة مني ضوء شموع. لم يكن هناك مكان أخْتَبئ فيه، ولا واقع أعود فيه إلى الأعماق السوداء ورائي.
كنت على وشك أن أُضبط، ولم يكن بيدِي حيلة. مستلماً لقدرائي، انتظرت الحارس ليراني. وقد فعل، لكن شيئاً ما بدا خاطئاً... كان الحارس رجلاً قبيحاً، عابساً، ضخماً. شيئاً ما فيه كان غير مألوف البتة. بينما بدا كل شيء في المستشفى مألوفاً بشكل غريب، كان هذا الرجل غريباً. في غير محله. في لحظة، ركض في الممر وأمسك بتلابيبي. كان الوضع بأسره جديداً ومصدوماً. كدت أشعر بالأمان في تلك الأفعال الحنينية الغريبة التي قمت بها، لكن هذا كان مختلفاً تماماً.
مع مقاومة تكاد تكون منعدمة، جُرِرت إلى غرفتي وأُلقيت على الأرضية الخشبية القديمة. دافعاً نفسي للوقوف، تكلمت.
"لا داعي للخشونة... لن أكررها".
في تلك اللحظة، كانت هناك جملة واحدة تكسر التعويذة. سلسلة كلمات لتصدع التسلسل. سخر الرجل الضخم الألفاظ، قائلاً.
"حقاً. قل ذلك للفتى الذي تسببت في طرده".
توقفت وأنا على ركبتيَّ، مذهولاً من رده. بعد صمت قصير، سألت.
"انتظر... ألم تكن هذه المرة الأولى؟".
رمقني الحارس بنظرة حانقة كأنني أحمق. مكتفياً بالقول.
"لا... لكن من الأفضل أن تكون الأخيرة، وإلا".
ودون كلمة أخرى، أغلق الحارس الباب بقوة، تاركاً إياي أتأمل ضخامة ما عرفته للتو. إن لم تكن تلك المرة الأولى التي أُضبط فيها بالممر، فلمَ لم أستطع تذكرها؟ ما الذي محا كل ذكريات تلك المحاولات؟ في تلك اللحظة أدرتُ علماً بأن دواءً آخر في طريقه إلي، وبأي وسيلة كانت، سيُفرض علي ابتلاعه. بتفكير سريع، قررت أن أترك رسالة لنفسي. بحثت أولاً في المكتب البائس في الطرف الآخر من الغرفة فلم أجد سوى قلم تحبير معوج.
التقطته، مفكراً بأن الخيار الأفضل هو ترك علامات إحصاء لنفسي كي أجدها لاحقاً. رافعاً مرتبتي، رأيت المصير القاسي لنسخ نفسي السابقة. عشرات الشقوق المحفورة مسبقاً في الخشب... ثم سمعت الباب الصرير يبدأ بالانفتاح. ملقياً مرتبتي بسرعة جنونية إلى مكانها، انتظرت الممرض. وكما توقعت، دخل بملامح محبطة وبيده كأس دواء جديدة. حاولت التصرف بطبيعية قدر الإمكان وانتظرت أن يناولني الكأس.
فعل، وشربت إذ لم يكن ثمة خيار آخر. شعرت بالغثيان، وكان جسدي يقاوم نفسه باستمرار، متمنياً لو أستطيع تقيؤ هذا الخليط البغيض. ألغى الممرض ذلك الخيار حين قفل النافذة. بعد ذلك، انتزع الكأس من يدي وخرج بخطى واسعة، مقفلاً الباب أيضاً. كنت محاصراً، وكنت أستطيع بالفعل شعور الدواء وهو يبسط سيطرته. مهما حدث سابقاً، كنت أدرك أن علامات الإحصاء لم تفد. كان علي ابتكار إستراتيجية جديدة، وبسرعة.
كان الوقوف عويصاً، إذ سُلب توازني تماماً جراء تأثير العقار. مع ذلك، سعيت بنجاح نحو النافذة. ناظراً إليها، رأيت أنه لا سبيل لفتحها دون كسرها، وإن رأى الممرض أنني كسرتها فسأكون في وضع أشد خطأ. لم أستطيع فعل شيء للتخلص من الوصفة المعدلة للعقول. الخيار الوحيد المتبقي هو ترك رسالة لنفسي... رسالة كنت أدرك أنني لن أستطيع تجاهلها... منتقلاً من النافذة ذاتها إلى انعكاسي الضبابي على اللوح الزجاجي، قبضت بإحكام على قلم التحبير في يدي.
لم يكن هناك سوى أمل أخير... استيقظْ. حان وقت التحرك. أول ما عاد إلي... ألم حارق في بطني. نهضت بوهن من السرير. كان المطر يهطل بلطف، والشمس لم تشرق بعد. الغرفة من حولي كانت مألوفة. مهجع مرضى في مستشفى سانت ديمفنا. أأصلحتُ ضرب رأسي بهذه السوء؟ حدثت نفسي. لكن، ما إن مر هذا الخاطر بذهني، حتى استبعدته. لم يكن رأسي يؤلمني، بل معدتي. رافعاً قميصي، رأيت تشكيلة من الجروح الغليظة؛ تلك التي لم أذكر أنني تلقيتها على القارب.
دار رأسي بينما كانت الأفكار في داخلي ترقص مع المذاق المتبقي الدوار لأي عقار وُضِعت تحته بغرض تعافيي. مع مدى ضبابية رؤيتي، لم أستطع تفحص الجروح بسهولة، خصوصاً في الظلام. ما استطعت تمييزه هو أن السطوح لم تكن عميقة، مما قادني للاعتقاد بأنها لم تُصنع لإيلامي. لم يكن هناك تفسير منطقي آخر، إذ كانت ببساطة ركاماً من العلامات العبثية. ناهضاً بقدمين غير ثابتتين، تفحصت الغرفة.
بما أن الشمس لم تطلع بعد، غمرت الظلال المهجع، مما جعل المهمة الأهم إيجاد شمعة. تعثرت نحو المكتب في الطرف الآخر من الغرفة. متحسساً السطح، لم أجد شيئاً. وفي كل درج، لم أجد شيئاً مجدداً. لم أكتفِ ببحثي بعد، فنزلت برفق على ركبتيَّ وتحققت من الأسفل. ما وجدته كان قلم تحبير معوجاً. لقد تدحرج إلى الحائط، وعند التقاطه لاحظت قشرة غريبة على الطرف. بالتدقيق مجدداً، أدركت أخيرًا أنه دم جاف.
نظرت نزولاً إلى بطني. تلك الجروح لم يصنعها أي كان. أنا من صنعتها. لمَ لم أستطع تذكر إيذاء نفسي؟ لمَ أحدثت تلك الجروح أصلاً؟ وقفت، محاولاً باستمرار إيجاد معنى لتلك العلامات العبثية. بحثت عيناي بجنون في الغرفة، دون العثور على مزيد من الأدلة... حتى شهدت انعكاسي في لوح النافذة المظلم. لم تبدُ الجروح منطقية عند رؤيتها مباشرة، لكن في صورة الزجاج المنعكسة، كانت تتهجى كلمة واحدة بسيطة.
س ر ي ر كفى ذلك لإرسالي مباشرة إلى المرتبة الغارقة التي استيقظت فيها قبل دقائق معدظة. نظرت تحت السرير، بلا جدوى. خلف لوح الرأس، فلا شيء. جردت كل ملاءة وغطاء عن المرتبة، لأجد بياضاً ناصعاً فقط. أخيراً، رفعت المرتبة وتحققت من الإطار أدناه، ورأيت أخيراً ما كان مقدراً لي رؤيته. عشرات علامات الإحصاء، كلها تساعدني في تجميع لغز واحد. كنت في ذلك المستشفى لفترة أطول مما توقعت، ولم أكن بالتأكيد صديقاً للعاملين.
الشخص الوحيد الذي أمل أن يلقي ضوءاً على ما حدث هو أمي، رغم إدراكي أنني غالباً توصلت إلى هذا الاستنتاج من قبل. إن قمت بالأول ما خطر ببالي دون تعديلات، فسأنتهي حتماً تماماً حيث بدأت... كان علي التفكير بشيء أعلم أنني لن أكون قد جربته من قبل... لم أكن يوماً مولعاً بالظلام، خصوصاً بعد احتجازي تحت أرضية النهر العكرة. مع هذا القدر من الوعي الذاتي، خمنت أنني لم أحاول التنقل في الطوابق تحت جُنح الليل.
أياً كان ما محا ذاكرتي فمن المرجح أنه جاء من الممرضين الذين يجوبون الممرات، وكان هناك عدد أقل بكثير منهم يقوم بالجولات ليلاً. ربما زاد الظلام عيون المراقبة حدة في الظلال، لكنه على الأقل أبعد الحراس المتجولين. آخذاً نفساً عميقاً، حولت انتباهي إلى باب غرفتي. وكما توقعت، كان مقفلاً من الخارج. لكنني كنت محظوظاً. رغم أنني لم أتذكر ما حدث منذ سُجِنت في المستشفى، إلا أنني تذكرت الأحداث التي وقعت قبله.
اقتحمت أنا وإميليا غرفة أحد المرضى عندما كنا نبحث عن مخدرات مسروقة، وبذلك، أرتني كيف أكسر القفل. تماماً كما في السابق، لويت المقبض بالاتجاه المعاكس ودفعت بأقوى ما أستطيع. تطلب الأمر جهداً كبيراً، لكن كما في السابق، بدأت الآليات الخشبية داخل الباب تتشقق وتتكسر. بعد فرقعة عالية، تحرر الباب. أنا وحدي، وهاوية سوداء لا متناهية، وإجابات.