التقطت أنفاسي وتهيأت للمتابعة. خلا هذا الممر من النوافذ تماماً، فبدا كل ما حوله غارقاً في عتمة شبه داحسة. بدا بديهياً افتراض وجود مصدر إضاءة للطوارئ داخل كل غرفة، وقررت أن هدفي الفوري هو العثور على فانوس. للبدء، زحفت على ركبتي ويداي نحو الجدار الأيسر، ثم سرت متخبطاً إلى الأمام حتى اصطدمت بمدخل غرفة. لم تكن لدي أي فكرة عما تحويه الغرفة القادم إليها، لكن كان عليّ ببساطة أن أتوسل وجود ضوء فيها.
تحسسْت الجدران بعشوائية، آملاً أن أظفر بخزانة أو دولاب. حتى عثرت أخيراً على حقيبة معلقة على الجدار. مدست يدي داخلها، فلمست أشياء شتى، عجزت عن تمييز معظمها. غير أن ما أدركته فور الإمساك به، كان علبة كبريت. أخرجتها، فتحسست بداخلها ثلاثة أعواد ثقاب. لم أكن لأعتمد كلياً على الضوء الذي تمنحه على المدى الطويل، لكن بمقدوري قطعاً استخدام واحد في الوقت الراهن لاستجلاء ما يحيط بي.
كانت الأعواد مبللة قليلاً، لكن بضعة هزات كفيلة بتجفيفها بما يكفي للاشتعال. وضعت الرأس مقابل الجزء الخشن من العلبة ومررته بسرعة، فأنار ضوء برتقالي باهت المكان في ومضة. تراجعت إلى الوراء مذهولاً على الفور. لم تكن الرطوبة على عيدان الثقاب والجدار بأسره ماء نهر كما ظننت، بل دماءً. غطت بصمات كفوف حمراء ملطخة الجدار بأسره. وبدت الحقيبة التي عثرت عليها متألقة بحمرة دم طازج.
إن من ترك الغرفة على تلك الحال لا يزال قريباً. كدت أُفقد السيطرة على أعصابي قبل أن يخبو الثقاب. ودون تفكير يذكر، أخرجت العود الثاني من الثلاثة وأشعلته. لم يكن لدي متسع من الوقت، لذا تصدّرت الكفاءة قائمة أولوياتي. بفحص متعجل، تبين لي أن الحقيبة لا تحوي أشياء نافعة تذكر. وحتى وأنا أحاول تثبيت الثقاب، أخذ اللهب في الخمود. وجب عليّ الإسراع. أمعنت النظر في الغرفة. بدت وكأنها حجرة خاصة...
سرير. كرسي. مكتب... ومحفظة شمعة أُضرمت على جانبها فوق ذلك المكتب. انطفأ الضوء، لكنني حفظت موقعه بدقة تسمح لي بالشق نحو المكتب، ثم إلى الشمعة الكبيرة. أشعلت الثقاب الأخير، ومنه الشمعة. تاركاً العلبة تسقط أرضاً، أمسكت الشمعة بيدي اليسرى واستليت المسدس باليمنى. حان الوقت أخيراً لإيجاد مخرج من هذا السرداب الفولاذي، وكنت محظوظاً بما يكفي لحمل ما يدرأ عني وحشية الهائم في الممرات.
عدت إلى الممر، فما زلت لا أرى إلا القليل. لم تسمح لي الشمعة برؤية سوى أمتار معدودة أمامي، وجعلتني مرئياً بوضوح لأي كائن يزحف في الظلام. لكنها ظلت أفضل من العمى، هكذا قلت لنفسي. أنا صاحب المسدس وينبغي لي أن أجيد التسويب به. واصلت السير بحذر عبر الممر المرتفع. ساد هُدُوّ مميت لدقائع، ثم ترددت صرخات حادة عبر الحجرات المعدنية. بغريزة عمياء، انقبض إبعادي على الزناد. لو ازددت توترًا بجهد قليل، لأطلقت رصاصة في العتمة.
لحسن الحظ، أفلحت في كبح نفسي، وظل وجودي مجهولاً إلى حد كبير. ومهما كرهت الاقتراب من المنطقة التي انبعثت منها الصرخة، لم يكن هناك بدّ من الصعود إن أردت النجاة. ارتجف المسدس واهتز وأنا أسدد بتوتر نحو الممر المظلم أمامي. كانت ذراعاي قد أُنهكتا بفعل السباحة المحمومة قبل دقائق معدودة، ومثلهما عقلي الهائم والدائر. توجب عليّ الاحتفاظ بأقصى تركيز ممكن. بالحالة التي كنت عليها، كنت مرشحاً لإطلاق النار على قدمي أكثر من أي شيء أمامي.
أخذت البقع الدموية على الجدران تزداد طزاجة. وظهرت آثار على الأرض تخص أيدي أحدهم وأقدامه العارية، مما يعني أن رفيقي كان يتنقل زحفاً على الأربع كحيوان... غرقت السفينة منذ يزيد على شهر من وصولي، ولم تكن هناك طواقم أخرى تحاول اقتحام الداخل، مما يعني أن هذا الشخص لابد وأن يكون فرداً من الطاقم... لم أستطع سوى تخيل ما يحل بنَفْسية شخص أُجبر على الشروع من النهر والزحف في ظلام سرمدي طوال تلك المدة.
بالطبع، من خلال الصرخة، أدركت وجود آخرين لا محالة. غير أن صالة الطعام كانت غارقة بالكامل، مما يعني أن أي طعام مُتبقٍ قد زال. إما أن تجوع أو تغدو... كائنًا غير بشري تماماً، في الروح والذهن على الأقل. لكن لزاماً عليّ إبقاء ذهني مشدوداً للمهمة الماثلة. تطلب مشيي قدراً عظيماً من الحذر. فمن جراء بلل حذائي، كنت معرضاً للانزلاق أو لصدور صرير ضد المعدن الأملس. وفي الحالتين، سأفقد السيطرة تماماً أمام المعتوه المختبئ أمامي.
امضِ ببطء، حدثت نفسي. طالما أنني أصعد، فأنا أحقق تقدماً. مع اقترابي من بقعة انطلاق الصرخة، سمعت الصوت الخافت لأقدام عارية وأيدٍ تصفع المعدن. وكان يعلو شيئاً فشيئاً. كان مقبلاً نحوي. غطيت الشمعة واقتحمت أقرب غرفة. بأقصى ما أمكنني من هدوء، أغلقت الباب وأدرت المزلاج لأقفله، بدا معطلاً على ما يبدو. وُجدت كراسٍ وقطع أثاث كثيرة بدت وكأنها استخدمت لتحصين الباب، غير أن جميعها رُميت جانباً وبدت عديمة الفائدة في تلك اللحظة.
اضطررت للاكتفاء بكون الباب مغلقاً، لا مقفلاً. بينما كنت أتألف حجرة النوم، سمعت أنيناً. كان رجل ممدداً على الأرض ومغطى بالدماء، يرفع رأسه بألم ليرمقني. تنفس بصوت خشن بينما أضاء ضوء الشمعة جسده. تدفقت الدماء ببطء من آثار عضّات كبرى متناثرة فوقه. عضّات بشرية. مُزقت خصلات طويلة من اللحم عن ذراعيه وساقيه، فغدا معوقاً بالكامل. بُتر جزء من حنجرته، لكنه مع ذلك نجح في الكلام بهمهمة متحشرجة.
"اقتلني..."
لم يكتفِ آكل البشر في الخارج بأكل البقاء الآخرين... بل أبقى طعامه حياً... طازجاً حتى ينفد لحمهم... عاد البحار يتكلم، رافعاً أصبعه بجهد ليشير إلى المسدس في يدي.
"أرجوك... اقتلني..."
أمعنت النظر في مسدسي، ثم التفتُّ إليه. الصواب إنهاء عذابه... لكن... لو استخدمت مسدسي، سيعرف آكل البشر مكاني تماماً... بشعور مؤلم بالذنب، هززت رأي ببطء.
همست بالمقابل: "لا... لا أستطيع..."
شرع الرجل يتخبط حزناً وألماً. تجمعت الدموع في عينيه وهمس عبر قصبة هوائية مختنقة.
"أرجوك..."
انقبض حلقي بالمرارة. اهتز جسدي بعنف أشد من ذي قبل وأنا اقف عند مفترق طرق بشأن ما ينبغي فعله... إن أطلقت النار عليه، سينتهي بي المطاف في ذات الحال... فكرت. لم أستطع استخدام المسدس، وإلا هلكت. وهذا يعني أنني إما أتركه هناك، أو... مدركاً أنني في حجرة خاصة مرة أخرى، وضعت شمعتي على المكتب العادي ودسست المسدس في مؤخرة سروالي. رافعاً يديّ، وجهت سؤالاً صامتاً للبحار. ابتلع لعابه بقلق، مؤوماً بتثاقل.
اقتربت منه ببطء. جثوت على ركبتي، ولففت يدي حول حلقه النازف.
همست: "أنا آسف..."
فيما استمر هو يحدق في عيني بنظرة مستسلمة. جلست هناك مطولاً متردداً. لاحظ فرد الطاقم ترددي، فحثني بإيماءة عاصرة وأنين واهن. أخيراً، أغمضت عيني وشرعت في الضغط. أطلق زفيراً عميقاً بينما تصلب جسده. استُغلت حركات ضئيلة تبقى في ذراعيه وساقيه المأكولتين غالباً إذ تلوتا بوهن. انطلقت سيول أخرى من الدماء من رقبته لتلطخ يدي، مبللة كل إصبع بالسائل الحار القاني. عجزت عن تحمل النظر في عينيه أثناء فعلي ذلك، فأغمضت عيني بينما أمضيت الثواني القادمة ضاغطاً عليه.
تساقطت الدموع على وجهي وأنا أعد الثواني في رأسي، محاولاً إلهاء نفسي. دقيقتان وإحدى عشرة ثانية... حين انتهى الأمر، كانت يداي ومعصماي وركبتاي مبللة بالدماء. صعُب عليّ الوقوف بعدها، سواء من شدة الغثيان الذي شعر به أو من فرط لزوجة كل شيء. لاحظت وجود سرير في الطرف الأقصى للغرفة، فمكّنني ذلك من تجفيف يدي على الشراشف قدر الإمكان. بالعودة إلى المكتب حيث وضعت الشمعة، أبصرت صورة مستقرة على الخشب.
كان هو الرجل نفسه الملقى على الأرض، وإلى جواره زوجة وطفل رضيع يبتسمان بسعادة. وإلى جانبها ورقة وقلم رصاص. بدا وكأنه حاول كتابة رسالة، لكن نظراً لغياب مصدر ضوء في الغرفة، بات كل ما خُطَّ عليها غير مقروء تماماً. دفعه الأمل للكتابة، بينما منعه الواقع من الإفصاح عن الكلمات. التقطت الصورة ووضعتها في يده الهامدة قبل أن أشرع في المغادرة. رأيت الموت من قبل، لكنني لم أُضطر يوماً لفعلة كهذه...
عند وصولي للباب، استرجعت المسدس من سروالي. امتدت يدي الأخرى نحو المقبض، لكنها ارتعشت بعنف حتى عجزت عن الإمساك به. كلما واجهت صدمة، حاولت تجاهلها وتناسي حدوثها... لكن ها هي يدي، ملطخة بالدماء... أسندت جبهتي برفق على الباب محاولاً التنفس. قاومت رغبة عارمة في النحيب إزاء ما ارتكبته، ووقفت هناك مطولاً مجبراً نفسي على أخذ أنفاس عميقة. لم أكن من هذا الصنف. كل ما أردت عيشه هو حياة عادية...
ومع ذلك، بدا قدري محسوماً بالاستحمام في المعاناة. مضى الوقت سريعاً. لما أدركت وقوفي هناك لفتزة معتبرة لولا قطرات من شمع الشمعة الساخن تساقطت على يدي. ما زال لدي متسع من الضوء، لكن تلك الصدمة كفت لأدرك أنني أهدر الوقت، وسيعود آكل البشر طالباً وجبة ثانية عاجلاً أم آجلاً... تحررت من ذهولي أخيراً، فمددت يدي للباب مجدداً. لم تكن يدي بأفضل حال من ذي قبل، لكنها كفت للإمساك والتدوير.
ما إن عدت إلى الممر، حتى سارعت في صعود الرواق بخطى حثيثة. إن أحسنت الحدس، فإن آكل البشر عائد إلى حيث ظهرت بحثاً عن الماء، مما يعني أنه سيغدو خلفي حال عودته لضحيته. مبقياً عيني والمسدس خلفي، واصلت التقدم. انقضت دقائق من الصمت وأنا أكسب مزيداً من الارتفاع. غير أن صوت اللحم الرطب وهو يعدو على الفولاذ القاسي عاود الظهور بوضوح. عَبث أحدهم بطعامه، وهو يبحث عن ثأر. لم أملك سوى لحظة لأقرر إن كان عليّ الاختباء، أو الهري، أو الثبات في مكاني.
كان يعلم بوجودي هناك، وامتلك القدرة على انتظار انقضائها. لم يكن الاختباء خياراً. استطعت الركض، لكن حذائي كان زلقاً على المعدن بينما أَلِف هو ساحة صيده. أفضل رهاناتي تمثل في إسقاط الشمعة عند قدمي، ووضع بكلتا يدي على المسدس، والدعاء بأن تسبق رصاصتي أسنانه. أخذت الشمعة تتدحرج ببطء نحو أسفل الممر بينما تسارع خفقان قلبي. اقترب العدو أكثر فأكثر وأنا أحاول تثبيت تسديدي.
غلبتني أعصابي فضغطت على الزناد بطريق الخطأ مطلقة أول طلقة. مع عدّ لاشعوري، أدركت بقاء أربع طلقات. بعد أن تردد دوي الطلقة المصمم للآذان عبر الممر المعدني، توقف آكل البشر لثانية. وبدل العدو، بدأت أسمع قهقهة حادة تتردد من الأسفل. وجد زاحف السرداب طرافة في خوفي. استأنف العدو ركضه، هذه المرة بثقة أكبر بكثير. ومع ذلك، لم تعرض الشمعة المتدحرجة شيئاً، مما تركني أخمّن بعده فحسب.
أطلقت طلقة أخرى، آملتاً أن أصيب موضع آكل البشر. أخطأت مجدداً. تبقت ثلاث طلقات. تسارعت الحركة مع اقترابه أكثر. وأخيراً تدحرجة الشمعة لمسافة كافية تتيح لي لمحة من آكل البشر. كان مغطى بشعر متشابك ومبلل. بدت أطرافه واهنة ونحيلة وكأنه يتضور جوعاً، لكنه حاز بطناً منتفخاً كأنه تخمّص. حين حظيت بالرؤية أخيراً، حاولت التسديد مرة أخرى، فارتطمت مجدداً بأرضية المعدن فحسب. طلقتان.
شرعت في التراجع مع اقترابه أكثر. نفد وقتي، وكل طلقة ابتعدت هائلة عن هدفها. حينها، سرى شيء صاعداً في ذراعي اليمنى. اجتاح الألم الحارق اللاذع ذراعي بأكملها بقسوة مخلفة ذات نقوش الرموز القديمة. من شدة الألم، تحركت ذراعي واختلجت، ناقلة تسديدتي إلى موضع مغاير جذرياً. تشنجت يدي بينما جذب إصبعي. رأيت وجه آكل البشر الملطخ بالدماء وأسنانه المكسوة باللحم وسط ومضة الفوهة وهو ينقض نحوي.
اخترقت رصاصة المسدس ما بين عينيه، ولم تترك سوى جثة هامدة لتصطدم بجسدي. هدأ الألم في ذراعي وأنا آخذ أنفاساً عميقة دافعاً الرجل المشوه عني. غُطيت بدماء أكثر، لكني لم أبالِ قط. لقد مات، وعليّ التقدم. تلاشى أثير الشمعة منذ أمد، ولم تكن لدي نية لاستعادتها. لابد وأنني اقتربت. واصل التقدم فحسب. لا يمكنك التوقف الآن. هكذا حدثتني أفكاري مشجعة. تسلقت الممر بأسرع ما يمكن، بلا خوف هذه المرة.
ازداد الممر انحداراً، ليتحول إلى تسلق أحرى منه مشياً. وعلى أي حال، واصلت، وفي غضون دقائق بلغت النهاية. تسرب الضوء من شقوق الجدار المعدني الملتوي. واصلت تتبع الضوء، لأعثر أخيراً على نافذة دائرية صغيرة تشبه تلك التي كانت تحت الماء في الممر. كانت مغلقة وأصغر من أن أهرب عبرها، لكنها منحتني رؤية الخارج. تعذرت رؤية سماء الليل الملبدة بالغيوم، لكنها ملأتني بالأمل مع ذلك.
كنت قريباً جداً. تلطخت النافذة بأيدٍ دامية في كل مكان حولها. بدا وأن آكل البشر عثر على الفتحة أيضاً، لكنه مثلي، كان أضخم من أن يفر عبرها. ظل لدي أمل وأنا أشرع في تفقد الغرف القريبة من النافذة. وجدت بضعة صناديق طعام، كلها مفتوحة ومأكولة. حصص طعام مقضمة متناثرة هنا وهناك. الشيء الوحيد النافع الذي عثرت عليه تمثل في مجموعة من المفاتيح الإنجليزية والمطارق الملطخة بالدماء والمنثورة على الأرضية.
راودني أمل أخير إذ تشكّلت فكرة في ذهني. التقطت مطرقة كبيرة وعدت إلى النافذة. كانت مغطاة بالدماء والشعر والمادة الرمادية. بدت وكأنها سلاح آكل البشر المفضل قبل أن يدرك قدرة أسنانه. حاولت تحطيم النافذة، لكن بما تيسر لي من قوة ضئيلة، لم أحدث سوى شرخ يكاد يُرى. بإصرار، واصلت، وتحول ذلك الشرخ أخيراً إلى شبكة عنكبوتية متنامية من الكسور. بعد ما بدا دهراً، سددت ضربة أخير إلى النافذة ففجرت فتحة بحجم معتبر.
أخيراً، نظّفت الفتحة من شظايا الزجاج المتناثرة ومددت ذراعي خارجاً، موجهة المسدس نحو السماء، وضغطت على الزناد لأطلق الطلقة الأخيرة، باعثاً بدوي انفجار يتردد صداه عبر النهر. كل ما تبقى عليّ فعله هو الانتظار والدعاء بأن يسمعني الآخرون. كان كابوساً، لكنني ظفرت بالزهور وحياتي معاً. ربما تعود الأمور للطبيعة حتى... على ألا... كنت أعلم عدم صحة ذلك.