صفير الريح في أروقة القصر. هبت عاصفة ثلجية بينما كانت رينا ترتجف وهي تعدو صعوداً على السلالم بكعبيها السخيفين. قدماها تجاوزتا مرحلة الألم وغرقتا في تنميل مخدر مع كل خطوة. حين بلغت القمة كان الحراس قد اختفوا وباب ماركو مشرعاً. كان عمها ممدداً على فراشه فوق الأغطية وبكامل ملابسه بينما وقف شخص ضخم مغطى بردائه وهو أولبرخت يحرس من ركن مظلم.
سألت رينا وهي تلتقط أنفاسها: "أانت بخير؟".
أجاب ماركو وهو يصارع النهوض: "إنها أعصابي اللعينة لا أكثر. متى ما حدث أي شيء... مزعج تحدث لي هذه الحالة".
كانت أصابعه ترتجف.
"برج الساعة؟".
"الجميع يلقون باللوم على شيفار ويطالبون بالحرب. الأمر... أسرع من اللازم. شيء ما يبدو مريباً في كل هذا".
رفع ورقة ملفوفة ذات ختم شمعي مكسور.
"تشاندا السفير الشيفاري جاء ليراني لكنهم لم يسمحوا له بالدخل. اضطر لترك رسالة. يقول إن ثمة ما يجب أن أعرفه لكنه لا يغامر بكتابته".
"أي فكرة عما يعنيه؟".
"لا. لو علمت بوجوده لجعلت الحراس يحملونني لأسفل لألقاه. القصر مغلق تماماً لذا سأضطر للانتظار حتى الغد. أتمكنت من دخول رؤية سكاغز؟".
نقلت رينا نظرتها إلى أولبرخت. قد يكون ماركو معتاداً على وجوده لكنه ظل يثير الريبة في نفسها.
لحسن الحظ التقط عمها التلميح وألوى بيده مطروداً العملاق: "أتردنا وحدنا؟".
تثاءب أولبرخت واتجه نحو الباب مؤدياً ركعة ساخرة لرينا أثناء مروره.
حين تلاشت وقع خطواته في الممر قالت: "دخلت".
"و؟".
"لم تتركني جوزيفين وحدي مع سكاغز حتى ضربتها بعصا شرارة".
ارتجفت.
"كان رأسها محلقاً وبدت شبه عارية وقد بدا جلدها رمادياً. وُجدت جروح على عنقها. كانت نحيلة... أنحف من اللزوم وتذوي".
شحب وجه ماركو ورفرف قميصه وتراقصت عضلاته تحته.
"أ-أقالت شيئاً؟".
"كنت معها حين انفجرت القنبلة".
"و؟".
"قالت إنها إحدى أزهارها".
سأل ماركو متسائلاً: "أكانت تعترف؟".
هزت رينا رأسها: "لا. أظنها كانت تحاول تحذيرني. لم نمتلك سوى ثوانٍ معدودات قبل عودة جوزيفين. أخبرتني سكاغز بشيء آخر. انتهت من دفعة القنابل الأولى وأخفتها. وحدها وفيف تدركان مكانها".
عقد ماركو حاجبيه: "أخبرتك بتورط فيف؟".
"لا. لم تقصد ذلك. إنها قلقة عليها فحسب. وأنا كذلك".
عضت رينا شفتها.
"وأنا أيضاً".
أومأ.
"أي تلميح لمكان وجودها؟".
"لم نملك الوقت".
سهد ماركو مفكراً للحظات. وقعت عيناه على يديه وبدا محبطاً وهما ترتجفان. فكرت رينا بأمها وبكيف قضت بذات المرض...
قالت: "أستطيع المساعدة. أرجوك دعني".
لم يرفع رأسه: "حسناً. بالكاد أستطيع الوقوف. علي الذهاب إلى السفارة الشيفارية غداً. أنا... نحتاج لرؤية تشاندا".
"سأحملك إن اضطررت يا ماركو".
"جيد".
لمس زاوية عينه فخرج إصبعه متألقاً بالرطوبة. فركه بإبهامه.
"بهذه الأسلحة سيتطلب الأمر ممثلاً سيئاً واحداً أو شخصاً من أي من الجانبين ليدفعنا جميعاً إلى الحرب. سيحتاج الأمر صراخ الجميع بلا لإيقافه".
جزت رينا على أسنانها.
سأل: "ما الأمر؟".
"في طريق العودة كانوا ينعتونهم بالشيفس ويرمونهم بالحجارة في الشارع... لحسن الحظ هبت العاصفة في وقته".
أومأ متنهداً: "لقد قضى أربعة أشخاص في برج الساعة لكني أخشى أن تلك مجرد بداية. لو تمكنا من إخراج سكاغز فلربما استطاعت إيقاف هذا ومساعدتنا في تحديد مكانهم".
"ألا تستطيع فعل شيء؟".
هز رأسة بحزن: "اختطاف فرد من العائلة المالكة جريمة كبرى. لا أستطيع تغيير هذا".
بعد لحظات من قضغمة رينا لظفر إبهامها داهمتها فكرة.
"ماذا لو لم تخطفني؟".
رفع ماركو رأسه.
"ماذا لو... لو كان عيد ميلادي السادس عشر ولم أنل القدر الكافي من الاهتمام فدفعت لها لتفعل ذلك؟".
رمش: "لقد رأينا جميعاً".
أومأَت: "أستطيع الذهاب للصحف وإخبارهم... أستطيع الوقوف أمام المجلس وأمام الكاردينال وأقسم للأب الصامت أنني كنت فتاة مدللة تلعب مقلباً".
همس: "الأب الصامت؟".
"إلى الجحيم معه".
ابتسم ماركو ابتسامة طفيفة رغم ارتعاشه: "مع التفجير سيكون لدى معظم الناس أمور أخرى تشغلهم. أما السحر فقد يهتمون بإعدام إحدهم وأظنهم حساسين قليلاً إزاء فعل الكنيسة ذلك تحديداً. يستطيع دريك التعامل مع هذا".
"إذن أنزور الصحف بعد السفارة؟".
"أمتأكدة من قدرتك على لعب الدور..."..
رتبت فستانها ذاك الذي ارتدته للسجن وبألوان الكنيسة الأحمر والذهب مع صورة أم الأغاني مخيطة على الصدريّة: "هذا كل ما أحسنه".
"أي فكرة عن فيف؟".
هزت رأسها.
قال: "حسناً سنكتشف ذلك لكنه... ارتياح. ألا نضطر لفعل هذا وحدنا. شكراً لك".
"غداً إذن مع أول ضوء؟".
"نعم. والآن علي الراحة أو محاولة ذلك على الأقل".
انلت من الباب بشعور أقل عجْزاً ودون أن تبدو طفلة بكثير رغم أن الخطة دارت حول تصديق الجميع بأنها كذلك فحسب. حين بلغت رينا نهاية الممر تذكرت فستان فيف ذاك الذي ارتدته للحفل. رأت عملاً مماثلاً من قبل وكانت واثقة تقريباً من امتلاكها شيئاً من الصانع نفسه. بدا الأمر تافهاً لكن إن كان سيساعد فستسهر طوال الليل منقبة في خزانة ملابسها لتعرف من أين أتى. حين عادت رينا إلى غرفة ماركو لتخبره وجدته الباب لا يزال مشرعاً.
طرقت الإطار: "لا أظن—".
كان ماركو متدلياً وتتخبط ساقاه ويتلوى جسده وعنقه معصوراً في إحدى يدي أولبرخت الضخمتين. كان العملاق يصب قارورة سائل شفاف في حلق ماركو. ضغط بيده على أنف عمها مجبراً إياه على الباب. تخرج الرغوة من شفتي ماركو والتصقت عيناه بعينيها.
غرغرة بصوت خافت: "اجهري!".
ناظرة العملاق يطرح عمها على الفراش كدمية خرقاء تراجعت رينا متعثرة. استدارت ركلة حذائها ورنت الممر باحثة بيأس عن حارس. صدر صوت خافت من الخلف بينما ترنح الهواء. انزقت قدما رينا يمنة ويسرة وهي تركض بكل قوتها. التفتت ورائها ولم تجد شيئاً. وأمامها لا شيء أيضاً. ليتها تبلغ حارساً... أو تصرخ. فتحت فاها لتفعل ذلك حين ظهر أولبرخت متوقفاً بتقطع عند التقاطع التالي.
"آه!—"
انقطع عويحها مع وميض من الفولاذ الأسود وسيف طائر نحو رأسها. لدغ الريح وجنتها حين مر وارتد العملاق بسيفه مخلخلاً سلسلته ولاثماً به الهواء.
انصاعت رينا نحو فجوة جانبية، واندفعت نحو النافذة في نهايتها. راحت تعالج المزلاج مع اقتراب وقع أقدام مدرعة، وفتحت النافذة على مصراعيها. عصف الهواء حين قفزت عبرها. حطت قدمها على سقف جليدي، تحيط بها دوامات ثلجية متراقصة. نظرت من فوق الحافة، فلم يكن الأرض موجودة البتة، بل مجرد ضباب أبيض. لكن في البعيد، تلألأ ضوء من جناح الملك. كانت تجري، وتتزحلق، وتتعثر نحوه عندما انفتحت النافذة أمامها فجأة، وخطا ظل ضخم إلى الخارج، والتفت ليواجهها.
ثبتت قدميها لتتوقف، فانزلت بعرض السقف. تعثرت، ومع تجاوز رأسها للحافة، أصاب الدوار بصرها من شدة الدوار. في الثلج الدوامي بالأسفل، لم تستطع رؤية أي حراس، ولم تدر إن كان هناك أحد. استعادت رينا توازنها، ونهضت، وركضت في الاتجاه المعاكس. أصرت يد باردة كالحديد على كتفها، وأدارتها بعنف نحو وجه قاس، يطفو عليه مكر الرضا، كطريقة نظرة قط إلى فأر ظفر به للتو. حفرت رينا أظافرها في ذلك الوجه، فوق عينيه، على طول وجنتيه، فاجتاحها ألم حاد، كأنها خدشت قناعاً من حديد.
التقطها العملاق، رافعاً إياها من مؤخرة فستانها. كانت متدلية، وتتخبط بقدميها بينما اقترب، بغرابة، ضوء جناح الملك. ثم توقف.
صرخت في وجه الريح: "دعني أرحل!"، فأومأ أولبريخت بأدب.
اصطدم سيفه بالثلج حين أسقطه. وفي يده التي أصبحت طليقة، أمسك بقارورة، أكبر بكثير من القارورة الصغيرة التي استعملها مع ماركو. قبض على سدادتها بأسنانه، ونزعها، وأفرغ محتواها عليها. كانت الرائحة لا تُمطى. ويسكي، مثل الجرعة التي سقاه إياها جدها. جرها نحو الحافة بينما لمعت ومضات من فناء الحجارة بين زوابع الثلج أسفله. فكرت، تباً، الأميرة المدللة تثير المشاكل، وتسكر، وتواجه السقوط من السقف، و...
قوسّت رينا ظهرها، ممددة يديها نحو رباط صدرية فستانها. وحين عثرت أصابعها عليه، جذبت بكل ما أوتيت من قوة. تمزق فستانها مفتوحاً، مسقطة إياها على السقف. لم تملك سوى لحظة واحدة—اندفعت مبتعدة، قاصدة الحافة الخارجية، بعيداً عن الفناء ودون أدنى فكرة عما يكمن بالأسفل. ثم اصطدم مقبض سيف أولبريخت بظهرها ودفعها متجاوزة الحافة. وبينما تلاشى ظل العملاق وسط العاصفة، هوت رينا بصمت، موبخة نفسها، يا له من هروب عظيم، لقد ساعدته لتوي على قتلي.