غرقت إليزا في ذكرى، إلى زمن لم يغزُ فيه الشيب شعرها بعد: كانت منحنية في المقطرة، وقد حُشرت يداها في قيود حديدية، يتدلى من كل قيد سلك نحاسيّ متصل بمشبك يلتف حول لسانها. حاولت إطلاق شرارتها— تخبطت في ألم، وتفشى خدر وامض في فمها. على بعد عشرين ياردة فقط، قامت الكنيسة التي كان أهل هذه القرية الملعونة يصدحون فيها، ظاهراً، بالأغاني عنها. كان مخيفاً كيف بدا وقع أبيات الشعر المناهضة للسحر والأفعال غير الطبيعية مهيباً حين تُرتل بصوت الجماعة بأسرها.
كانت تلك إحدى الترانيم القليلة في الآيات المنورة التي حفظها الجميع. في المقابل، وعلى مدار المرات النادرة التي سمعت فيها كاهناً يرنم آية إطعام الفقراء، كانوا يضطرون دائماً للترنيم وحدفرة.
بعد أن انتهى الترتيل وهدأت الحشود، علا صوت الأب بنديكت: "الشر ليس قبيحاً، الشر يرتدي وجهاً جميلاً. الشر ليس قاسياً، الشر إغواء..."
ومع استمرار خطبته، كانت تعدّ نفسها للأسوأ: الجلد، ونبذ المجتمع، ووسم الجسد، كلها بدت فظيعة. أياً ما يكن المصير، فإن حياتها، بالشكل الذي تعرفه، قد انتهت. برزت من باب الكنيسة شخصية وحيدة، فتاة نحيلة بشعر أشقر قشيّ وفستان أزرق بسيط، قبل أن تقترب. كانت جو.
همست جو: "أنا سعيدة لأن الأمر انتهى. إنه لأمر جيد، كما تعلمين. سأتمكن أخيراً من مسامحتك."
رمقتها إليزا بنظرة حارقة.
هزت جو رأسها قائلة: "كل هذا منطقيّ. لم أكن أودّ شيئاً من هذا قط، وأنتِ..."
ثم تابعت: "لم تهتمي لأمري حقاً قط."
بينما كانت إليزا تسبر عيني الفتاة باحثة عن صديقتها، تضيق هاتان العينان باشمئزاز. رفعت جو يداً وأطبقت على عنق إليزا، دافعة أصابعها داخل فمها. لفت المشبك حتى انفتح، وانتزعته عن لسانها. تذوقت إليزا طعم الدم.
قالت جو بنبرة يغلفها الزهو والبرر: "أردت منحك فرصة أخيرة لطلب الغفران. إنها السبيل الوحيد لإنقاذ روحك. شرارة لا تستطيع مساعدتك الآن".
أخذت إليزا نفساً عميقاً. رغم ضلال هذه الفتاة، كانت أملها الوحيد.
قالت بصوت خفيض: "جو... أنا آسفة لما حدث لك".
ألم تعني ما فعلت بي؟ هزت إليزا رأسها.
"ما طلبت مني فعله".
أفعلي؟ أفعلم؟ لم يكن شيء من ذلك حقيقياً.
"عم تحدثينك؟ بالطبع كان حقيقياً"، قالت إليزا.
التعويذة لا تجعل الأمر واقعاً.
"اسمعي يا جو، لقد طلبت تعويذة، لذا سحرت..."
—"لم أطلب شيئاً من هذا. إنه أمر غير طبيعي".
التوى فمف الفتاة.
"هل اهتممت بي حقاً يوماً؟"
بالطبع، فعلت... ما زلت أفعل، لكن أعني، ظننت أننا كلتينا كنا نمرح فقط. لم أكن أعلم أنك شعرت هكذا...
"كاذبة"، نفثت جو الكلمة.
شعرت تماماً بالطريقة التي جعلتني شعورها. الشرارة، شرارتي... هل وضعت تلك في داخلي أنا أيضاً؟
"لا"، همست إليزا.
كانت جو متقلبة المزاج دائماً، لكنها تبدو مجنونة الآن.
"لا تعمل الشرارات هكذا، المعلم غريغوري..."
ميت. اتسعت عينا إليزا عن آخرهما.
"ماذا؟"
أخذوه البارحة. لم يذهب بهدوء.
"جو، ماذا فعلت؟"
لقد كبرت. لست أطفالاً صغاراً بعد الآن. أصبحت جوزفين الآن. استدارت وأحمدت السير نحو القرية. مع انتهاء الموعظة، بدأت الجماعة البيت الختامي... —لو أمسكوا بها والملاقط بارزة— نفضت إليزا معصميها، دافعة بها نحو فمها حتى أمسكت بها بشفتيها. كان طعم الدم، دمها، لا يزال عالقاً عليها بينما عضت بقوة. بدأ المصلون بالتسلل خارجين. عبس بعضهم أثناء المرور، لكن معظمهم أشاحوا بأعينهم، غير آبهين بالالتفات في اتجاهها.
بعد دقائق قليلة، جرّ رجلان ضخمان، من أهل القرية، ما بدا وكأنه زوج من المجارف، مفصلية كالملاقط، عبر الطريق وبدءا العمل. انتزعا كتلة تلو كتلة من التراب من الأرض، حافرين حفرة تتجه مستقيمة إلى الأسفل. ثم مر أربعة رجال آخرين حاملين عموداً كبيراً. سخر منها أحدهم. بصقت إليزا الملقط.
"أرجوك! أنا آسفة جداً. لن أعلها أبداً مرة أخرى. إن تركتني أذهب، فلن تراني أبداً مرة أخرى!"
صاحت مراراً وتكراراً بينما غرس الرجال العمود في الحفرة.
"أرجوك، أنا آسفة جداً!"
كررتها مراراً وتكراراً، والدموع تنحدر من عينيها، بينما ردموه بإحكام. من الخلف، أقبض أحدهم على شعرها من الجذور، مشبتاً رأسها. ثم فرضت يد طريقها إلى فمها وأمسكت بلسانها. عض الملقط في الحفرة ذاتها التي سحب منها، ولفتها اليد، مغلقة إياها بإحكام.
"لكن إن تركناك تذهبين الآن، لرأيناك مجدداً، عاجلاً أم آجلاً. ستكونين بوجه مختلف وحسب"، قال الأب بينيديكت بصوت متأمل.
"لكنك ستعودين. اللقيط يعود دائماً".
أطلق سراح شعرها وابتعد.
كان الرجال يكومون جذوع الأشجار حول العمود عندما ضربها أول جزء من "ذاك الشيء"
في مؤخرة رأسها.
كان أنفها مسدوداً أكثر من اللازم بسبب البكاء لتشم "ذاك الشيء"، لكن أياً ما كان "ذاك الشيء"، فقد كان بارداً، ورطباً، ولزجاً.
"ساحرة!"
صرخ صوت شاب.
"فاجرة!"
"شيطان!"
وما هو أسوأ بكثير، بينما مزيد والمزيد من أياً ما كان "ذاك الشيء"، يضربها من الخلف.
تحررت المقطرة، وتم الإمساك بها. تخلخلت وركلت، صارخة بشتائم ممطورة فوق الملقط. هتفت أصوات شبان بينما قيدت إلى العمود. عندما نظرت إلى الحشد، عرفتهم. كان وجه امرأة كانت تشتري منها الخبز كل سبت موجوداً، وكذلك الرجل الذي ساعد المعلم غريغوري في إصلاح السقف. كان ولد وبنت لعبت معهما لعبة الحجلة يحملان ملفوفاً فاسداً، ذلك الشيء الرطب اللزج الذي ظلوا يلقونه عليها. أولئك ومائة غيرهم، لقد جاءوا جميعاً من أجل العرض، بلا وميض من رحمة.
بمجرد أن انتهوا من تكديس الخشب، اختفى أهل القرية، تاركين إياها لتتأمل وحدها. رفعت عينيها إلى مبنى الكنيسة، إلى الحلقات الثلاث المترابطة، رمز ثالوثهم المقدس: أم الأغنية والأب الصامت في الأعلى، واللقيط في الأسفل. لم تفهم قط لماذا كان اللقيط عليها، حتى ذلك الحين. إنهم يحبون أم الأغنية، ويخافون الأب الصامت، ويكرهون اللقيط. لا ينجح الأمر، كله، إلا إن كان لديهم شخص ليكرهوه.
مع غروب الشمس، عاد أهل القرية للظهور. كان ذلك أفضل وقت لمشاهدة حريق بعد كل شيء.
"لا تأخذوا رأفة بها، فهي وعاء للظلام"، دوى الأب بينيديكت، ممسكاً بشنعل عالياً.
بيأس، حاولت إليزا استخدام شرارتها. تشنج لسانها. امتلاء فمها بالدبابيس والإبر.
"نعرض فرصة أخيرة للخلاص، نوراً لتطهير الظلام".
رمى بينيديكت الشعلة الأولى على المحرقة بينما كان القرويون يغنون آية المعاناة. ليست خاصتها، بل خاصتهم. بالنسبة لهم، كانوا يعانونها. في الهواء الليلي البارد، رائحة الخشب المحترق تشبه نار المخيم، دفء اللهب، مريح تقريباً. لكن مع كل شعلة ترمى على المحرقة، ارتفعت النيران. كان الدم يقطر من فمها، وأصابعها خدرة، عندما لسعت أول لعقة من اللهب أصابع قدميها. دوي صدع كبير، وانهارت جذوع الأشجار، محاصرة ساقيها تحت الخشب المحترق.
فرضت رائحة اللحم المتفحم طريقها إلى منخريها، وفي مكان ما في صرختها، صرختها الرهيبة، اشتعلت شرارتها للمرة الأولى على الإطلاق. رغم أن ساقيها ظلتا معلمتين بالنار، إلا أنها مرت الآن فوق بشرتها كالريح، بلا احتراق أو ألم. تدفقت شرارتها في اللهب، لتصبح واحدة معه، مسيطرة عليه. ذابت الأصفاد، ساقطة من معصميها، وبصقت البقايا المنصهرة للكمامة. ضحكت، مقهقهة، بينما احترق شعرها، مستبدلاً بعمود من اللهب.
أخذت النار كنيسة القرية في ذلك اليوم، لكن لم يمت أحد.
⬩ ⬩ ⬩
هازة رأسها، عادت إليزا إلى هنا والآن، عودة إلى كوخ أوليفير، باكية على غطائه. متعبة، كأنها لن تننام أبداً، نهضت وشرعت في السير وسط ضباب الصباح الباكر.
⬩ ⬩ ⬩
لم تكن قد رأَت الأرصفة في ضوء النهار، وحين راحت تخترقها تحت المطر بحثاً، رأت إليزا أيّ مكان مقفر ويائس كان في الواقع. انكمش الأطفال تحت أغطية قماشية بالية بينما ألقى رجل ناحل للغاية خيط صنارة في الماء. ابتسم حين مرّت. كان نصف أسرّته مفقوداً. وفي زقاق خلفي، بدا الأمر كأنّ قطةً تحتضر. كانت تطلق صريفاً عليلاً خافتاً يتلاشى ببطء. ثم بعد دقيقة أو دقيقة، تبدأ من جديد.
غالبتها خيبة الأمل فتمتمت: "ألا يضع أحد حدّاً لعذاب هذا الشيء الملعون؟".
وحين عبرت زقاقاً، رأت ما ظنّت أنّه القط. كان أوليفير منحنياً، ويرتجف رأسه من الألم، بينما تدفق جرح عميق فوق عينه اليمنى بلون قاني في بركة من الماء العكر. تداعى الإنكار بأسره. كان هذا ذنبها، عواقب قسوتها تحلّ بالشخص الوحيد الذي تعلّقت به حقّاً. هرعت إليه. كان في حالة هذيان، يتلوى بينما بدأ الصريف العليل الخافت من جديد. لم يكن هناك أحد ليساعد، ولا حراسة مدينة، ولا مركبات تمر عبر هذه الأرصفة.
تملّص الصبا حين محاولتها حمله. قد يقتله تحريكه، لكنّه سيموت لا محالة إن لم تفعل شيئاً. التقطت إليزا كيساً متروكاً ودحرجته عليه بينما صرخ. لم يكن الأمر جيّداً، لكنّه أفضل ما استطاعت فعله، فجرّته لشارعين حتى أقرب طريق معبّد. في البداية، لم يتوقّف أحد؛ بل أبقوا رؤوسهم متّجهة بثبات في الاتجاه المعاكس، غير أنّه انبعث جدار من النار فجأة بين رجل يرتدي بزة أعمال ومركب لم يعد ملكه ليستأجره.