السحرة، الأولاد، والمخلوقات الأخرى [العمل على الكتاب الثاني] الفصل 11 — الكتاب: اوليفر

اقرأ السحرة، الأولاد، والمخلوقات الأخرى [العمل على الكتاب الثاني] الفصل 11 — الكتاب: اوليفر باللغة العربية على مانجا تايم.

شعَر أوليفر بوزن ثلاث قطع ذهبيّة من نقود السيّدة سكاجز يثقل جيبه، فمدَّ الكيس الذي يحوي البقيّة، سبعة وتسعين بعد أربعمائة، إلى حارس المزاد. راوده شعور بأنه طعنها في ظهرها للتوّ، لكنّها كانت هناك، تبتسم.

قال: "شكراً لك يا بني، ذكّرني بمنحك علاوة".

أشرق وجهها، وحين التفتت لتتأمل المكان، لان ملامحها لتبدو كفتاة مدرسة.

"الأمر يشبه عيد ميلادي، إلا أنني مجبرة على دفع ثمن كل شيء بالطبع".

كان الطابق الأرضي للراحل تيامور مكتبة ضخمة تكدست فيها المجلدات والأسفار أمام رفوف الكتب الممتعة عن آخرها. تجلت في أرجاء المنزل الخشبي المصقول والنحاس، وعوضاً عن صور الأقارب الموتى المعتادة، زُيّنت الجدران بالخرائط والمخططات والرسوم الهندسيّة، إلى جانب لقطات متناثرة للفراشات والعثّ المحفوظة في إطارات الصور. تسلل الناس بين الممرات.

ارتدى بعضهم رداءات، وارتدى آخرون بدلات، لكنّ أكثرهم بدا «غريباً»

بوجه أو باخر: أحدهم بنصف شارب، النصف الأيسر فحسب؛ وآخر بوشم عين على جبهته بدا كأنّه ينظر في اتجاه مغاير كلّما رآه أوليفر. حين اقتربا من السلالم، تجعد أنف سكاجز بطريقة تشبه الساحرات تماماً.

أشارت وقالت: "آه، هناك ثيليمول. ذلك العجوز بالملابس الزرقاء".

وحين التفت أوليفر، تفاجأ برؤية رجل يتمتع ببشرة داكنة وملامح واسعة تشبه أهل أكيبو. وعلى الرغم من لحيته الشائبة، بدا أكبر منها سناً بقليل فقط. وقفت بقربه امرأة بلون القشّ في رداء أحمر وذهبي وقد استدبرتهما، وعلى الرغم من انخراطهما في الحديث، كان ثيليمول يعبس إزاء أي نقطة كانت تحاول إثباتها. وحين التفتت المرأة عارضة ملامح وجه حادة وجذابة في آن، توترت سكاجز.

همست قائلة: "هذه محققة الكنيسة. يحبون تتبع أخبارنا. انظر، عليّ تصفح الكتب في غرفة الحفظ، وتلك مخصصة للسحرة وحدهم، ممّا يشملني لهذه المرة. ستكون بخير وأنت تتجول هنا، أليس كذلك؟"

أومأ أوليفر، محاولاً تجاهل ثقل نقودها في جيبه، قبل أن يراها تختفي عبر باب محروس، تاركة إياه يهيم وحده بين الرفوف. كل تلك الكتب المتراصة فوق بعضها... كان يجدر به سرقة شيء ما هنا. لكنّه ذكر نفسه بأنّ المكان مكتظ بالسحرة والمشعوذين، وأكثر من مئة عين قد تكون معززة سحرياً، لذا ربّما أصاب في اختياره بعد كل شيء— انقبضت بطنه. أهذا هو ما صار عليه الآن؟ شخص يفكر فيما يمكنه سرقته بمجرد دخوله غرفة؟

دفع تلك الفكرة إلى قفا عقله وشرع يستكشف. على الرغم من أنّ كتب المكتبة الرئيسة لم تكن تُعدّ معرفة سحريّة، إلا أنها ظلت استثنائية، ووجد أوليفر نسخة أضخم من كتاب الحيوانات الذي امتلكته السيّدة سكاجز، نسخة مزودة برسوم ملونة لحيوانات تحتل صفحة كاملة.

قلب الصفحات حتى بلغ «الزرافة»

ليرى إن كانت صورتها الأكبر ستجعل الأمر منطقياً أكثر. لكنّ الرسم عرض حيواناً غريباً بقرون تنتهي بكرات. هذا إلى جانب كونها صفراء فاقعة على نحو غريب. ثم قلب الصفحات حتى البداية تماماً وصُدم بما اعتقد الكتاب أنه شكل آكل النمل البري، غير أنّ المخلوق في تلك الصفحة لم يكن منطقياً البتة، فأغلق الكتاب وأعاده إلى الرف. كان هذا الساحر، تيامور، أياً يكن، مولعاً بالكتب المصورة، ووجد أوليفر سفراً بعد سفر من الخرائط والمخططات والرسوم.

وعلى الرغم من اختلاط الكتب المصورة بالكتب العادية، إلا أنها كانت أضخم، وأغلبها بظهر فاخر أو مميز، وجعل أوليفر من البحث عنها لعبة. في ركن قصيّ على رف منخفض بعيد عن الجميع، جلس سفر مهترئ بغطاء أخضر باهت، كُتبت الكلمات على ظهره بحروف فضّية. كان ضخماً لدرجة تجعل الإمساك به للقراءة أمراً شاقاً، فسحبه أوليفر إلى سجادة ممرّ وانبطح على بطنه ليلقي نظرة. انساب النص الفضيّ عبر صفحاته كنهر.

لم تكن اللغة التي رآها مألوفة لديه قط، لكن النص بدا شبه ثانوي قياساً بطريقة تنسيقه، وحين تراجع برأسه ليرى الصفحة ككل لا الكلمات المفردة، تداخلت المسافات بينها لتتحول إلى صور. رأى محبين، رجلاً وامرأة ينحنيان أمام شجرة، وعائلة تنمو قرب غابة، وقبيلة، وشعباً يخرج، ثم حريقاً مروعاً. عاد الرجل والمرأة وحيدين من جديد، وضممتهما الغابة إليها. علمتهما أن يصبحا زوجاً من السنوريات الضخمة، تجوب وتصطاد وتقتل.

تغيرت الفصول، وصاررا دببة لتنام طوال الشتاء، ثم طيوراً تستيقظ في الربيع. صفحة تلو أخرى، تحولا إلى حيوان تلو حيوان، حتى صارا الغابة نفسها. حتى الصفحة الأخيرة حين عادا بشراً، وبتبدل الفصول تحول الرجل إلى امرأة، وتحولت المرأة إلى رجل في دورة لا تنتهي... آه...

لم يفكّر أوليفر قط أن أحداً غيره يملك «المشكلة»

ذاتها، ولم يبدُ أنهم يعدّون الأمر «مشكلة»

أصلاً. استلقى يحدق في تلك الصفحة وهو مذهول. صدرت سعلة من الأعلى، فنظر أوليفر لأعلى ليرى وجهاً فضولياً. خصّ رجلاً أصغر سناً من سكاجز بقليل، رغم أن شعره الرملي خطه الشيب مبكراً. كانت سترته ذات الذيل، المصنوعة من الكتان الرمادي الفحمي، أكثر تجعداً مما ينبغي وتحمل لمسات أرجوانية باهتة. وبسبب ضعفه، تشبث الرجل بعكاز تحت إبطه.

قال الرجل وهو يجثو مطيلاً النظَر في الكتاب: "اعذرني لقرائتي من فوق كتفك. لديك حقاً شيء فريد هنا".

"أنا هنا مع السيّدة سكاجز فحسب".

طرف الرجل.

"الساحرة؟"

"تفضل لقب «ساحرة»".

تنهّد.

"نعم، سيناسبها. حسناً، يمكنك مناداتي ماركو إن رغبت في نيل رضاي، أو «الأعرج» إن لم ترغب".

"أنا أوليفر، لكنّ السيّدة سكاجز تناديني عادة بـ «هي, يا بني»".

أطلق ماركو ضحكة مكتومة.

"إذن، ما رأيك في هذا؟"

وأشار إلى الكتاب.

"يُعرض كتاريخ، لكنّ ربّما تكون مجرد أساطير أو حكايات خرافية. لا أستطيع قراءة الكلمات".

قال ماركو: "آه. كان هذا سؤالي التالي. لا بأس".

عاد الرجل فاستند على عكازه.

"لا تقلق، لن أشتريه من تحتك. فيما يخصني، هذا الكتاب لك، ولكن—"

رفع إصبعاً.

"إن وجدت أي كتب أخرى، فهي مباحة للجميع".

ترددت خطوات ثقيلة عبر الأرضية بينما التفت أوليفر ليرى شخصية ضخمة تلوح فوقه.

ارتدي هذا الرجل الضخم عباءة سوداء طويلة انتفخت بالقدر الكافي لتوحي بدرع خفيّ تحتها. شعره الأشقر مسترسل وملامحه دقيقة جميلة، لكن العضلات الصلبة المكتنزة تحتها منحته هيئة شرسة. امتدّت سلسلة فولاذية ثقيلة من تحت عباءته إلى مقبض سيف هائل يحمله بجانبه.

حدق في عيني أوليفر مباشرة، بدا للوهلة الأولى كأنه حائر، ثم كأنه يعقد العزم على أمر ما— "هي، هي!"

نادت سكاجز من أرجاء الغرفة. في طرفة عين، اجتازت المسافة الفاصلة بينما خطا الرجل المدرّع متخطياً أوليفر ليقف بينها وبين ماركو.

"عذراً، عذراً."

حاول ماركو إبعاد الجميع بيده، لكن العملاق سخر من سكاجز، رافعاً سيفه ليهدد بضربة. تعثر ماركو إلى الأمام، شارقاً طريقه ليقف بينهما. التفت إلى سكاجز.

"تراجعي خطوة للخور. من فضلك."

ثم التفت إلى العملاق.

"كان أوليفر يعرض عليّ كتاباً للتو. أظن أنك أفزعته. أرجو أن يتراجع الجميع خطوة للوراء."

رفع العملاق حاجبك على وجه بدا ساكناً تماماً، لكنه نفذ طلب ماركو.

"حسن، حسن"، خاطب ماركو السياف، "تم تدارك الكارثة. أولبريشت، بحكم واجباتي الرسمية، أحتاج إلى التحدث مع «الساحرة» هنا لحظة على انفراد. أتمتلك من اللطف ما يكفي؟"

تثاءب «أولبريشت»

في صمت، ثم استدار مبتعداً نحو الغرفة الأخرى. وما إن غادر العملاق، حتى رمق ماركو سكاجز بنظرة ساخطة.

"قد لا يروقني الأمر، لكن أولبريشت يضمن التزام الجميع بأفضل سلوك."

ركع، والتقط عكازه، ودفع به جسمه ليقف. وهي تحدق فيه مقاطعة، ألقحت السيدة سكاجز ماركو بنظرتها الأكثر برودة ورعباً وشبهاً بالساحات. وهو ما تجاهله تماماً، باستثناء التواء خفيف في عينيه.

"يا أوليفر، أرها الكتاب. انظر إن كان بإمكانها استخلاص شيء منه… سوى العناء."

أومأ باقتضاب وشق طريقه إلى الجانب الآخر من المكتبة.

"مَن يكونان؟"

سأل أوليفر.

"آه، حسناً، المتجهم ذو العكاز هو الأمير ماركو. يبدو أنه صدق كل الشائعات التي تحوم حولي"، تمتمت بضجر.

"إنه أصغر أبناء المالك، ولا حق له في أي شيء، لكنه وصي جريتوين، وممثل التاج هنا لتوفير ما يكفي من الأمن لجعل غرفة مليئة بالسحرة تتصرف بتعقل. أما الآخر، أولبريشت، فهو الحارس الشخصي. لا يتحدث قط، لكنني أراهن أنه قادر على الكلام، وإنما يكتفي بالصمت ليُبث الرعب في قلوب الناس. إذن، ما قصة هذا الكتاب؟"

أخذت سكاجز دقيقة تتصفحه، قبل أن تطبق غلافه بحسم.

"إنه كتاب تعويذات سيلفاني."

"أي نوع من التعويذات؟"

"يبدو أنه تحولات… ربما."

سقط قلب أوليفر في بطنه.

"إذن، أيمكنك إلقاؤها؟"

"حسناً، هناك سبب يجعل هذا لا يُعرض في المزاد مع كتب التعويذات. كتب السيلفان كانت— أو لعلها صارت— قطعاً نادرة للمهتمين، ولغة السيلفان صعبة التعلم، لذا فإن معظم من اشتروها لم يكونوا قادرين على قراءتها حقاً، مما جعل تزويرها أمراً في غاية السهولة. تُعد هذه الكتب في أيامنا هذه مجرد احتيال. لا يوجد في المدينة سوى نفر قليل يمكنهم قراءة السيلفان، لكنني واحدة منهم."

"ماذا تعني كلمة «سيلفاني»؟ هل هم القشر الموجودون في الكتاب؟"

هزت كتفيها.

"إنها غامضة بشكل مزعج. لابد أنك تعرف معناها القاموسي، «ابن الغابة»، لكن تلك ليست القصة الكاملة. ربما كانوا شعباً، أو ربما هو مجرد اسم المؤلف. سأحتاج إلى دراسة هذا الكتاب مطولاً لأعرف إن كان حقيقياً أصلاً."

"أهناك سحر آخر يحدث تحولات؟"

"واحد فقط حقق أي نوع من النجاح."

أطلقت ضحكة قصيرة مضطربة.

"قبل عشرين عاماً، أصبح ساحر يُدعى «ما اسمُه» مهووساً بالتنانين. لذا أمضى عقداً كاملاً محاولاً معرفة كيفية تحويل الخيول إليها… وفقد عقله قليلاً أثناء العملية. المشكلة أن التنانين لا وجود لها حقاً، ليس حسب علمي على الأقل، لذا كان عليه اختلاقها بطريقة ما. ثم ظلت بحجم الخيول، وهو ما قد يظل مخيفاً، لولا غياب أنفاس النار. أضف إلى ذلك أنها لم تكن تعرف كيف تطير، لذا حين دفعها من فوق جرف… سقطت لتلقى حتفها."

أظهرت تعبيراً منزعجاً بوجهها.

"ثم اختفى، ومعه كل ملاحظاته. لفترة من الوقت، كان هناك دائماً أحمق أو آخر يحاول تكرار أبحاثه، لكن بعد بضعة إخفاقات—مفزعة—أصبح الأمر أشبه بـ… تابوه."

"انتظر، اسمه «ما اسمه»؟ على غرار «مَن يكون»؟"

تأوه أوليفر. هزت سكاجز كتفيها.

"غيره من سميث أو ما شابه، قائلة إن النتيجة واحدة."

"حسناً، ولكن ماذا عن هذا الكتاب؟ إنه مليء بحيوانات حقيقية، لا تنانين."

"حقاً، أنا لا أقول إنها فكرة سيئة. أنا فقط أقول إن الكتاب غالباً ليس حقيقياً."

لكن ما رآه في تلك الصفحات الأخيرة، لم يستطع أوليفر تجاوزه هكذا.

"أعرف تيامور قراءة السيلفان؟ إن كان يفعل، فقد يكون حقيقياً، وإذا كان حقيقياً، فهو كتاب تعويذات بسعر كتاب عادي، شبه مجاني"، قال متوسلاً.

"ليس مجانياً، الكتب هنا بخمسة جنيهات معدنية."

بحساب الأمر في ذهنه، سيتعين عليه ادخار كل الأموال التي تعطيه إياه لمدة أربعة أشهر ليتمكن من شرائه.

"أراهن أن الناس قد يدفعون ليصبحوا نسوراً ليوم واحد. يمكنك استرداد المال سريعاً جداً."

"تعويذات السيلفان بالغة الصعوبة من حيث إلقاؤها—"

"لكنك تستطيعين، أعلم أنك تستطيعين. ولن يجرؤ أحد على التفوه بحرف، لأنهم إن فعلوا، بإمكانك تحويلهم إلى ضفادع."

"مم، نسور؟"

نقرت على أنفه دون أن تلمسه حقاً.

"حسناً، أظن أن البعض قد يفعل. انظر، هناك كتاب أحتاجه."

أشارت إلى غرفة الحفظ.

"إن بقي معي أي معدن بعد ذلك، فسألقي نظرة أخرى. إن كان حقيقياً، فهي لقية استثنائية. وهو ما يجعلني أظن، ربما لـيس كذلك."

بشعور مخمور، كأن الأرض تسقط من تحته، أعد أوليفر كتاب السيلفان إلى رفّه وتبع السيدة سكاجز عبر الباب المؤدي إلى المزاد.