خطوتُ إلى غرفة ذهبية مبهرجة تضيئها لآلئ بيضاء متوهجة. حمل عملاقان سقفاً عالياً مظلماً. وخلفهما قامت درج تؤدي إلى تابوت رخامي. وقف رجل شفيف يرتدي رداءً أحمر داكناً بكبرياء بين العمودين. كانت ملامح وجهه متناسقة، وتجلت تجاعيد عند زاويتي عينيه، وشعره الأسود الطويل قد ابيضَّ عند الصدغين. وثبّت تاج يشمي بسيط جزءاً من شعره إلى أعلى. أطرق بصره نحوي كأنه يقيم حجراً نادراً لا يتيقن إن كان يريده حقاً.
قال: "تهانينا! من الجيد حقاً أن أراك بشحمتك ولحمك أخيراً. ولقد اجتزتَ كل اختباراتي أيضاً... ما عدا واحداً!"
ورفع إصبعاً. ضيّقتُ عيني نحوه، لكنني انحنيتُ إذ كان ذلك واجباً أدبياً.
"التحية لك أيها الشيخ".
"إذن. أنت تعترف أخيراً بوجود عبقريتي الفذة؟"
مستخدماً حيلةً رأيت لين تستخدمها، رمشتُ نحوه وملتُ برأسي كأنني محتار: "كيف لي أن أعترف بك إن كنت لا أراك؟"
تذمّر وتمتم بكلمات مبهمة عن الصبية الأغبياء الذين لا يعلمون شيئاً— "حسنًا! هذا هو الاختبار الأخير!"
أومأتُ برأسي، مستعداً لخوض أي شيء خطط له.
"اختبارك هو اختيار إرث يناسبك".
أومأ بيده وألقى بضع أقمشة وبدأت تطفو أمام كل عمود مغطى بالذهب. طفا أمام العمود الأيسر كتاب ضخم ومجموعة سكاكين بدت عادية للوهلة الأولى. وكل نصل كان مختلف الشكل. وبدا النصل الأكبر سميكاً للغاية وثقيلاً. وبدا وكأنه أداة لا سلاحاً. وخلف العمود الأيمن، طفا كوم كتيبات خلف السيف الأحمر الذي رأيته مرسوماً على الجدرانيات. كان السيف ينبض بطاقة كأنه يدعو دمي وعظامي. لا بد أن هذا فخ.
"هذا كل شيء؟"
أومأ. التفتُّ حولي لأرى إن كان بإمكانى إيجاد المخرج والمغادرة فحسب. كان هذا الرجل غير جدير بالثقة، وكان إرثه على الأرجح لا يستحق العناء. انتفض عرق في جبين الشبح.
"ماذا تفعل؟"
"أبحث عن المخرج".
تنهد.
"المخرج داخل عمود، ولن يفتح العمود إلا بعد أن تختار إرثاً".
"تش".
لم يبدُ أي منهما جذاباً حقاً.
"أيمكنك أن تخبرني عن كل واحد منهما؟"
"الذي على اليسار هو إرث صديقي. مدين له بدين عظيم ووعدته بأن أنقل مهاراته إلى الجيل القادم إن وجدت موهبة جديرة. الكتاب هو خلاصة حياته. ويحتوي على وصفات طهي خالدة وتقنيات سكاكين".
وأشار إلى النكاكين البراقة التي تبدو مألوفة.
"كانت هذه السكاكين أفضل مجموعة أدوات لديه".
ثم لوح بكمه وأشار إلى اليمين.
"أما هذه فهي كتيبات تقنيات السيف الخاصة بي. وهي أقوى بكثير من أي هراء كنت تتدرب عليه بمفردك. بل إن تلك الحركة التي استخدمتها لتحطيم جدرانيات المسكينة لم تكن قريبة حتى من قوة حركتي".
قهقه.
"لو استخدمت الأوضاع التي كانت في الجدرانية لما تطلب الأمر سوى ضربة واحدة بدل عدة ضربات. بتقنيتي، ستتمكن من سحق أعدائك بقوة خالصة".
وبينما استمر في سرد محاسن طرقه الخاصة، تذكرت الدرس الذي منحته إياي أختي. *** رمت إليَّ بسيف مغمد فأمسكتُ به.
"هناك أمور كثيرة يجب مراعاتها عند اختيار أفضل تقنية سيف. وبما أن كل جسد يختلف عن الآخر، فلن تجد تقنية تناسب كل ممارس. ستحتاج إلى التدرب على ما يناسبك ويناسب تقنية ممارستك".
توقفْت. ومسحت عيناها البنيتان الداكنتان جسدي من قمة رأسي إلى أسفل رداءي، ومع ذلك بدا كأنها لا تنظر إليَّ بل إلى ما يمكن أن أصيره.
"حتى وإن توافقت تماماً مع ممارستك، عليك أيضاً الإلمام بالخصائص الرئيسة الأربع للتقنية قبل الشروع الكامل في تعلمها. وهي الدقة، والانضباط، والسرعة، والقوة".
وعدّتها مستخدمة كل إصبع.
"حسنًا، هناك الحجم أيضاً، وبعض التصنيفات الفرعية لكننا سنتناولها لاحقاً إذ إنها أقل أهمية بكثير".
"لكنك قلْتِ إن القوة المطلقة هي الأهم".
عبست بانزعاج وضغطت على ما بين حاجبي بإصبعين، لتأمرني صمتًا بالتفكير.
"بالطبع هي الأهم في هذا العالم!"
فركتُ موضع ضغطها.
"لكن القوة أوسع بكثير من مجرد امتلاك قدرة الإيقاف؛ رغم أهميتها أيضاً. تأتي القوة بأشكال شتى وتساهم فيها مجموعة من الأمور. ليس هناك نوع قوة طاغٍ وحيد. بل هناك ما يناسب الفرد ضد خصم ما وما لا يناسبه".
"مثل الفرق بين ممارس سيف وممارس طاقة طبية؟"
"هذا صحيح!"
رفعت يدها لتحية الأيدي المتبادلة التي علمتني إياها، فاستجبتُ على كره.
"بالطبع، سيختلف كل خصم تواجهه، لذا ستحتاج إلى تعلم شتى طرق الهجوم والدفاع والانسحاب، لكننا سنتناول ذلك لاحقاً".
عبستُ وأنا افكر كم سيكون ذلك شاقاً لاحقاً. أسيساعد تعلم كل هذه الأمور حقاً في تحسين قدرتي القتالية؟ تجاهلتني.
"الآن، لجسد تمتلكه في المستقبل، سترغب طبيعياً في تقنية تجمع أفضل ما في كل شيء. لكنك لن تجدها".
"لماذا؟"
ابتسمت.
"لأن الكمال—"
"—لا يمكن أن يوجد إلا في فراغ"، أكملتُ العبارة المألوفة.
"هذا صحيح! إذن، إن امتلكت تقنية بالغة القوة، فمن المرجح افتقارها إلى السرعة والدقة والانضباط. وإن امتلكت تقنية بالغة السرعة، فمن المرجح افتقارها إلى الخصائص الأخرى أيضاً. وإن عثرت على تقنية نادرة تتسم بالقوة والسرعة معاً، فمن المرجح أنك تضحي بالدقة والانضباط. ولن تكون بقوة وسرعة تلك المصممة خصيصاً لإبراز تلك الخصائص".
أخرجت دبوس الشعر الذي استعاره مني وحولته إلى سيف. وبعد غمس نصلها في البركة الصغيرة بجانبها رفعته ليوازي الأرض، تاركة قطرة ماء واحدة تستقر على الطرف.
"الأمر كله مسألة توازن. ورغم أن موهبتك الخاصة في تلك الخصائص قد تعوض قصور تقنيتك، إلا أن ذلك لحدود معينة فحسب. سيتطلب الأمر تدريباً شاقاً لبلوغ البراعة وتجاوز نقاط الضعف. علاوة على ذلك، سيتطلب طاقة ذهنية لإجراء تعديلات مستمرة لتناسبك وتلبي احتياجاتك".
"بالطبع، يتعلق هذا حين تبلغ بها أعلى المستويات. وقبل ذلك، ستكون أبعد ما تكون عن الكمال لدرجة لا تجعل أياً من هذا مهماً للغاية. لكن هذا لا يعني ألا تفكر للمستقبل منذ الآن".
"إذن ماذا عن تلك التي ستعلميني إياها الآن؟"
ثم شرعت في حركات بسيطة عدة أثناء حديثها. ومن العجيب أنها نجحت في إبقاء قطرة الماء مستقرة على الطرف كلما أصبح سيفها موازياً للأرض.
"هذه هي أبسط البسائط. ولن تفيد نوع جسدك الحالي كثيراً. أعني، ستتمكن من استخدامها حسناً، لكنها لن تظهر قيمتها إلا بعد أن تنمو لبلوغ جسد البالغ وترفع مستوى ممارستك".
توقفت ثم بدت سلسلة حركات أشد تقدماً مما عرضته للتو. ومرة أخرى، حافظت على قطرة الماء ذاتها على طرف نصلها. بحالتي الراهنة، لم أكن قادراً على تنفيذ تلك الحركات، ومع ذلك كانت تؤديها بعفوية كأنها تمرنت عليها بليون مرة.
"لكن، متى بدأت تعلم تقنيات أفضل وأكثر تقدماً، ستكون هذه هي الأساسيات التي تعود إليها، ومعرفتها ستعزز قدرتك على ممارسة وتعلم ما سيأتي بعدها".
أومأت برأسي. قرقرت معدتي. وتردد صدى الأصوات في الفناء. ضيّقت عينيها.
"أمتأكد أنك فهمت كل هذا؟"
بهز كتفي، قلت: "ليس الأمر بالغ الصعوبة".
ابتسمت بمكر ولوحت بسيفها نحوي. طارت قطرة الماء إلى الأمام وتناثرت على جبيني. عبستُ ومسحتُ الماء بمنديل.
"إذن ما هي الخصائص الرئيسة الأربع؟ وأيتها ترجح أنها الأهم بالنسبة لك؟"
*** أخرجتني ضحكة الرجل من أحلام اليقظة.
"من تلك البريق في عينيك، أستطيع أن أرى أنك توصلت للاختيار الصحيح".
أومأت.
"كيف أستحوذ على إرث؟"
"فقط امسكه".
تحركت نحو العمود الأيسر.
"مهلا، أنت تسير في الاتجاه الخاطئ".
قلت وأنا أمد يدي نحو كتاب الوصفات والسكاكين: "لا أظن ذلك".
وما إن أمسكت يداي بهما، حتى اختفى كل ما كان يحملهما. قفزت إلى الوراء حين سمعت طقطقة مدوية.
تحطم العمود من المنتصف كاشفاً عن غرفة صغيرة كُتبت على جدرانها الداخلية أحرف "اخرج"
بخط جميل. حشوت كتاب الوصفات الجديد والسكاكين في حقيبتي المكانية. ثم حين كنت على وشك خطو الخطوة إلى داخل الفجوة، سقط ذراع الشبح ليعترض طريقي. توقفت ونظرت في عينيه الباردتين اللتين بدتا كأنهما تطعنانني.
"لماذا لم تأخذ إرثي؟ أترى أنه لا يستحقك؟"
ملتُ برأسي بحيرة.
"لا يهم إن كان يستحقني أم لا، ما يهم هو إن كان يناسبني. ولست أعرف عنه ما يكفي لأقرر".
"ما أهمية تلك الأمور؟! نحن نتحدث عن أقوى تقنية سيف! القوة الساحقة هي كل ما يهم!"
"إن كانت تقنتيك قوية إلى هذا الحد، فلم أنت ميت إذن؟"
تمتم بكلمات غير مفهومة. لَفَفْتُ عيني.
"علاوة على ذلك، القوة أوسع بكثير من مجرد القدرة على سحق أحدهم بقوة خالصة. ورغم أهمية القوة، إلا أنها عديمة الفائدة إن لم تستطع بالفعل اصابة الشخص الذي تريده بهجومك".
فتح فمه كسمكة تختنق في الهواء.
"لذا اخترت بناءً على ما أريد تعلمه. أريد الطهي لنفسي ولأختي. شيئاً يمكننا الاستمتاع به معاً. لذا، سأخذ الوصفات وتقنيات السيف".
انحنيت.
"شكراً لك، أيها الشيخ".
"انتظر! لقد اجتزت اختباري الأخير! يحق لك أخذ إرثي أيضاً!"
تجاوزته جانبياً، لكنه استمر في الوقوف بيني وبين مخرجي. محبطاً، توقفت وحدقت فيه.
"أتريد القول إنه يتوجب عليّ أخذ إرثك أيضاً؟"
"لديك سلالة مثالية لاستخدام إرثي! ستندم بالتأكيد إن لم تأخذه معك".
لم تكن هناك أي فرصة لأثق بهذا الرجل. خطوت خطوة للأمام، عازماً على المرور عبر الشخص الشفيف... وانتهى بي المطاف بالاصطدام برأس بشيء صلب. عبستُ بوجه الشبح وفركت جبيني. ابتسم بخبث.
"سترى أنني لن أدعك تمر ما لم تحضر إرثي معك أيضاً".
::حاذر، أيها الصبي!
هذا الرجل روح حقيقية وليس مجرد إرادة متبقية.:: أرسلت الرسالة للروح في وعيي: "ما رأيك؟"
::تخضع هذه الروح للترقية حالياً. كن حذراً! لن يكون مكانك متاحاً أثناء حدوث هذا.:: حسنًا... كان ذلك مزعجاً. كما لم تكن لدي أي فكرة عن المدة التي ستستغرقها ترقية هذه الروح هذه المرة، لكنني شعرت أنها قد تستغرق أياماً أو أسابيع. لم أستطيع الانتظار طويلاً! حسناً، تقنياً استطعت، لكنني رفضت أن أترك أختي تنتظر طوال تلك المدة. ::أيها الشيخ الشبح، أتراه آمناً؟:: ::كان هذا الرجل في الأصل بمرحلة صعود الخلود قبل أن يموت ومنعه شيء ما من خلق جسد جديد.
إنه ضعيف. أظنه في نهاية حياته هنا. أعتقد أن الأمر يستحق المخاطرة.:: ::حسناً!:: خطوت نحو السيف القاني والمجلدات. بحذر شديد وحذر من أي فخ، أنديت أطراف أصلي فوق الكومة. لم يحدث شيء. أطلقت تنهيدة ارتياد ثم أمسكت بها. انطلقت يد شبحية من الكتب وغرست نفسها في جبيني. ألم لم أختبر مثله قط، في موضع لم أكن أعلم حتى أنني أستطيع الشعور بالألم فيه، بعث بشرارات من العذاب عبر عقلي.
أظلمت أطراف العالم.
"ماذا؟! لم لا توجد ثغرة في دفاعاتك؟ أنت مجرد طفل. هذا مستحيل! حسناً إذن! فسيتوجب عليّ صنع واحدة بنفسي".
خارج نفسي، استطعت رؤية الشبح يغادر جوهرة روحه للمرة الأولى. وليس فقط الصورة التي إسقاطها أمامي والجنة لين. داخل نفسي، استطعت شعور الدخيل وهو ينبش ذكريات نسيتها منذ زمن. أو أجبرت نفسي على نسيانها. وعرضها عليّ. ... تلألأت مدينة جديدة فوقي. أمي وخادماتها وقليلون غيرهن يمشين بجانبي. غمرت يدها الدافئة يدي الصغيرة ومنعتني من التعثر على الأرض الوعرة. وسار غرباء آخرون في الشارع.
تدافعوا حولنا مما أثار قلق الخادمات. وأومأ الجميع وانعطفوا يساراً نحو طريق ضيق مقفر. سقطت خادمة قريبة فجأة على طريق التراب. وبرز شيء أسود شبيه بالإبرة من رقبتها. سقط أشخاص من السماء وشنوا هجمات علينا. ارتدوا أردية سوداء ذات حاشية زرقاء تظهر موجة ملتفة شرسة. في غضون دقائق مات الجميع تقريباً. لكن أمي نجت بطريقة ما، حاملة إياي بين ذراعيها، ومبقيه رأسي مدفوناً لكي لا أرى شيئاً.
... كنت أكبر ببضع سنوات أجلس بجانب أمي ونحن نستريح على جانب الطريق. سعحت في منديل أبيض وأخفته عني بسرعة. لكنني رأيتها. حمرة ساطعة لطخت القماش الشاحب.
"سننتقل مرة أخرى. لكن لا تقلق. هذا هو المكان الأخير. سيكون هناك أصدقاء للعائلة لمساعدتنا".
... الأصدقاء الذين ظنت أنهم سيكونون في البلدة الصغيرة كانوا قد ماتوا منذ زمن طويل، وغادر أحفادهم إلى مدينة بعيدة. لكن الناس هناك كانوا طيبين. حتى للغرباء أمثالنا. ساعدونا حين احتجنا للمساعدة. مثل حين انتقلنا لأول مرة، أو بتعليمنا كيفية زرع ما نحتاجه للبقاء في هذه القرية النائية. ... كانت أمي قوية للغاية ذات يوم. لم أدرك مدى قوتها حتى أضحت ضعيفة. والآن باتت تحتاج مساعدتي في كل شيء.
لم يكن الأمر عادلاً! كان الأطفال الآخرون يلعبون أو يساعدون في أعمال ممتعة، بينما يتوجب عليّ رعاية الفناء والدجاج. ونصب الفخاخ في الغابة لصيد طرائد صغيرة لمجرد إضفاء بعض التنوع على وجباتنا. حتى أنني اضطررت لتعلم طبخ العصيدة بالقليل من الأرز الذي تمكنا من جلبه. وكانت تكتفي بالاستلقاء في السرير، دون حتى محاولة النهوض. ورغم أنني ما زلت أحترمها... إلا أنني كرهتها. ... مددت يدي لأحاول إيقاظها لتناول الفطور.
إنها... لم تتحرك.
"أمي؟"
هززت بقوة أكبر. اضطررت أحياناً لفعل هذا. ومع ذلك لم تتحرك.
"أمي!"
بدا كل شيء غير حقيقي، لكنني تذكرت أنها ذكرت ذات مرة أن هذا قد يحدث. كان هناك شيء... وجب عليّ جلب الطبيب المحلي أو ما يقوم مقامه. ركضت أسرع بكثير مما فعلت قط. حتى أننا عدنا بسرعة... لكنني كنت بطيئاً جداً... أخبروني أن أقول وداعاً وأن عليّ المشاركة في أداء المراسم بصفتي الابن الأكبر. لم يبدُ هذا حقيقياً. لمَ لم يبدُ هذا حقيقياً؟ لم أكن أكرهها. وعدت بأنني لن أشعر بالكره تجاهها أبداً.
أرجوك... ألم يمكنني استرجاعها؟ ... يمكن لكل شيء في العالم أن يحترق، وشككت في أنني سأهتم. لكن كان هناك شيء يؤرق مؤخرة عقلي. أولئك الناس الذين رأيتهم منذ زمن طويل. أولئك الذين يرتدون الأسود والأزرق. لقد سمموا أمي القوية الجميلة. لا بد أنهم هم من قتلوها. أردت أن يمتوا جميعاً لكي يشعر أحباؤهم بالألم الذي أعانيه الآن. ربما إن ركزت على الانتقام— طرررق! ... تلألأت مدينة جديدة فوقي.
أمي وخادماتها وقليلون غيرهن يمشين بجانبي... تكررت الذكريات هكذا تماماً. وتنتهي دائماً عند ذلك الطرق المألوف. أجبرني هذا الشبح الشرير بطريقة ما على إعادة عيش أشد ذكرياتي ظلمة، مراراً وتكراراً. كان يحاول فعل شيء ما. التلاعب بي. جعلي أنسى ما يهم لأركز على الأفكار المظلمة المحبطة من ماضي لفترة وجيزة. لكن ذلك الطرق أبقى عقلي سليماً. لأنني عرفت ما ياتي بعده، حتى لو كان ذلك لفترة وجيزة قبل أن أعيد عيش كل شيء.
مراراً وتكراراً، أسرع فأسرع.
"أخذ أولئك الناس كل شيء منك. أجبروك على خوض تجربة مروعة. كل ذلك بسببهم."
ضغط على ذلك الشيء بداخلي فتألمت.
"يمكنني مساعدتك في العثور عليهم والانتقام! فقط افتح لي نفسك!"
لا!
"أسرع! ما الذي تنتظره؟! هذه فرصتك! لقد رأيت كم أنا مذهل. يمكنني مساعدتك بسهولة في سحقهم تحت عقبك. فقط. دعني. أدخل."
ابتعد!
"هذه فرصتك الأخيرة أيها الصبي! لن أمنحك فرصة ثانية!"
اتركني وشأني!
"مهلا! أختك! توقفي! لا!"
شعور على جبيني، كشفاه تمتص جلدي، بعث قشعريرة تسري في ظهري. ثم اختفى. ومعها الضغط والألم الذي عانيته. فتحت عيني لأرى الشبح يلتهم ذراع روح أخرى. ثم تجشأ. ::هاهاهاها! الجنة لين عظيمة. لولا تدربي على تلك التقنية التي عدلتها لي، لما كنت قوياً بما يكفي لابتلاع حديف السيف القاني الداوي هذا بسهولة.:: ::أكان هذا اسمه؟:: ::أوه نعم. جاء التهام جزء من ذكرياته معه. أوف. قطعة قمامة حقيقية، ذلك الوغد.
لكن روحه كانت وجبة شهية!:: ::كم من الوقت مضيت مغشياً عليّ؟:: ::دقيقة واحدة فقط، أيها الصبي... أأنت بخير؟:: ::نعم. لأسباب ما، بدا الأمر وكأنه عمر كامل.:: توقف للحظة وأرسل لي نظرة قلقة. ::تأكد من إخبار الجنة لين بما حدث لتتفقدك. ورغم أنني كنت بطيئاً بعض الشيء هناك، إلا أنني أوقعته في النهاية.:: أومأت. ::والآن عليّ هضم هذا لكي أزداد قوة. لا تتصل بي لوقت قصير. سأبادر بالاتصال بك.:: انزلق عائداً إلى جوهرة روحه، تاركاً إياي وحدي مع أفكاري.
كانت تلك، بعبارة لطيفة، تجربة قاسية للغاية. كنت مجهزاً عقلياً. وكنت... أرغب في النوم فحسب. لكنني أردت الخروج من هذا المكان أولاً. أمسكت المجلدات والسيف الأحمر الذي لا بد أنني أسقطته في حالة ارتباكي وألقيتها في حقيبتي. ثم خطوت عبر المخرج. أول ما لاحظته كان الهواء النقي. والشيء الثاني كان لؤلؤة ليل متوهجة مثبتة على جدار كهف. وكانت تحمل بصمة روحية مألوفة. وعُلقت ورقة بها.
ثم اصطدم بي جسد دافئ، مما أجبرني على التمايل لحظة. والتفت ذراعان نحيلتان حولي في عناق ضيق مهدئ. وشمت رائحة منعشة لماء نبيعي.
"لقد عُدت! أأنت بخير؟ ماذا حدث؟ أأنت مصاب؟ أتحتاج للراحة؟ لم تتبع ممارساً غريباً في نفق مظلم لأنه وعدك بالحلوى أو الكنز، أصحيب؟"
لا بد أن بعض الأتربة أو ما شابه كانت في الهواء لأن عيني دمعتا. دفنت رأسي في كتفها وعانقتها بالمثل.
"لقد اشتقت إليك!"
جعل هذا العناق كل شيء يبدو صائباً في العالم. لم تخبرني أختي أنها اشتقت إليّ بالمثل، لكنها رتبت شعري وعصرتني بقوة لفترة وجيزة.
"عمل جيد لعودتك".
في تلك اللحظة، لم يعد مهمًا أنني مررت بتجربة مروعة. لم يعد مهماً أنني أعدت عيش أحلك لحظات ماضيّ. طالما عدت بسلام إلى جانب أختي، علمت أن كل شيء سيكون على ما يرام.