لمحت شجرة ضخمة ذات أوراق سفليّة كثيفة فقصدتها. انزلقت بيسر بالغ تحت الأغصان المنخفضة التي عجز الثعبان عن اجتيازها، وقفزت واقفاً، ثنيتُ الجزء العلويّ من جسدي لتفادي رذاذ السمّ، ثم واصلتُ الرقض. لسوء الحظّ، استدار حول الشجرة بسرعة وهاجم. أرسل الأصلع ذيله، ملوّحاً به إلى الأمام ليصيب خاصرتي. تفاديتُ قدر المستطاع بجسدي الحاليّ لكنه أصابني مع ذلك. حِرزي، مع أنه جيّد، لم يكن بالفعاليّة التّي ترجيتها.
تعرّضتُ لخدوش لاذعة عديدة من هذه الهجمة وحدها. مع ذلك، أفضّل تلقّی إصابة طفيفة على أن يُهشم صدري، في أيّ يوم. أدت هذه الهجمة أيضا إلى إطاحتي إلى داخل مساحة فسيحة. وهناك رأيتُ الصارم للتوّ يستدير حول شجرة ضخمة. صلب وجهه وهو يستوعب وضعي وبدأت يداه برسم الأختام. سرعان ما انبعث لهب من أطراف أصابعه ليشتّت انتباه الوحش الذي كان على وشك قضم رأسي. ثم وصل العادل حاملاً سيفه.
لم يتردد في القفز بيني وبين الثعبان. وأخيراً، ركضت العقيقيّة، حاملة آلة قانون، إلى الساحة. رغم بدايتها الجادّة، بدت مبتهجة أكثر من اللازم ومنسقة تماماً. اندفعتُ متجاوزاً إيّاهم حتّى بلغت حافة الغابة حيث استدرت لأراقب. وضعت العقيقيّة أصابعها الرقيقة على الأوتار وضربت بعنف. أوقف غناؤها ذو النبرة الشرسة الثعبان في منتصف مساره الزاحف. أطلق فحيحاً ورفرف بأجنحته، مرسلاً تدفق هواء نحو الخيالية.
تلاشت فعالية موسيقاها القاتلة للروح إلى أن أتى العادل وقطع شقاً في غشاء الجناح. زأر من الألم وأعاد أجنحته إلى جسده كأنها لم تكن قط. ثم حدّق بحقد في مزارع السيوف. رغم شعوري بالأسوء لأن العادل كان يتلقّى الجزء الأكبر من غضب الثعبان، فقد ابتهجت أيضاً لأنني كففت أخيراً عن كونم المستهدف الوحيد من قِبل ذلك اللعين الأَحْوَل، وحيد القرن، الأرجوانيّ الطائر، وحش الأصلة...
وأدركتُ أن قول كلّ ذلك معاً جعله يبدو كلقب لـ... شيء مقرف حقّاً. التففت جانبياً لتفادي هجمة ذيل. صحيح. لم يكن هذا المكان أو الوقت المناسبين للسهو. بما أنني لم أرد تشتيت انتباه كبار سنّي المفيدين بمعظمهم — أو أصير هدف الثعبان مجدداً — توجهتُ عائداً حيث تركت أعضاء فريقي الآخرين. استغرق الأمر عدة دقائق لكني وجدت الحديد المتلألئ يراقب. وما إن وقفتُ بجانبه، حتى تنهدتُ بارتياح.
استخدمتُ حواسي السماوية لأرى الفاضلة الثالثة تجري ومعها الربيع الصغير. سيصلان قريباً. شارعاً بالشعور بأمان أكبر، لا الأمان التام، تأملت كيف أفسدنا نحن (هم بمعظمهم) الأمور بهذا السوء. أول الأمور كانت الخطة. شخصياً، فضلت التعامل مع وحوش الروح عبر تثبيتها بقوة زراعتي الساحقة بينما أنهب أي كنوز طبيعية احتجت إليها، ثم إطلاق سراحها مع تعويض بسيط. لكن ذلك لم يكن ممكناً دائماً.
ومع مشاكلي، كان التعامل مع وحوش الروح بالغ الصعوبة. لم تكن لدي حقّاً تلك الخبرة الكبيرة معها. مع ذلك، لم يكن الأمر كأنني لم أسمع بمزارعين آخرين يتعاملون معها أو أشهدتُهم يفعلون ذلك. في حالة كهذه حيث كان الوحش مصاباً أو فاقداً لطرْف، كان ممكناً محاولة عقد صفقة: دواء مقابل النبتة التي كان يحرسونها. لم ينجح هذا دائماً. في كثير من الأحيان، كان أحد الطرفين أو كلاهما يخون الآخر.
أو لم يكونا يعقدان الصفقة أصلاً لعدم ثقة كلّ منهما بالطرف الآخر، لينتهي الأمر إلى القتال المحتوم. كان هذا العالم يضمّ حقّاً بشراً مفسدين (واعتُبرت وحوش الروح بشراً بمجرد بلوغهم مستوى الذكاء البشريّ). طبعاً، لم تنجح هذه الطريقة إلا إن امتلك المزارع الدواء المناسب. في هذه الحالة، كان وحش الروح فاقداً لِجُزء من جسده يتوجّب عليه إعادة إنباته، ممّا استدعى حبّة أكثر تعقيداً.
حبّة احتجتُ لتجاوز مرتبة لأجل صنعها — حتّى بالاعتماد على الربيع الصغير كبطارية. لكنه كان محتملاً أن يمتلك أحد الآخرين، بخلفيّته، واحدة منها. لم أكن قد أخذتُ ذلك في الحسبان. لكن حتى لو فعلوا، فقد اعتقدتُ أن تخطي الخيانة المحتملة كان أمراً مناسباً. أعني، لمَ تكبّد عناء مخاطرة تضعنا في موقف غير مؤاتٍ بينما بمقدورنا السرقة لإنقاذ حياة سيّد الطائفة؟ بالطبع، لم ينتهِ ذلك على النحو الذي أمّلناه.
ولو أبقى الصارم هذا الخيار في بملك، لربّما استطاع تهدئة الثعبان ومحاولتها. مع ذلك، كانت فرصة ضعيفة للغاية، لدرجة أنني لم ألمه على عدم التفكير فيها. ليس حين كان الرجل الذي يعتبره كأبيه محتضراً. مما قاد إلى الإفسادة الثانية. مسحوق النوم الذي استخدمته العقيقيّة. عرفتُ أن العقيقيّة لم تكن خيميائية مذهلة. لكنني ظنّت أنه، في أسوأ الأحوال، لن ينجح. لتخيل أنه ساعد الثعبان فعلاً على الاستيقاظ.
لقد بالغتُ حقّاً في تقدير قدراتها... أو كانت تحاول إصابة حبيبها بجروح نكاية بالخلاف الذي وقع بينهما. ثم مجدداً، ربما كانت تحاول اغتياله. لكن كلّ هذه كانت مجرّد تكهنات. ولم أكن على وشك توجيه إصبع الاتهام علناً إلى شخص دون أدلة دامغة. خصوصاً ليس إحدى محظيات سيف الدم. هذا الطريق يقود إلى جنون صفع الوجوه. قبل أن أتمكن من مواصلة تحليل كلّ تلك الإفسادات، عاد الربيع الصغير...
لقد حاول هو والفاضلة الثالثة المطاردة ورائي على الأرجح. بدا عيناه حمراوين ومدمعتين. ركض الفتى نحوي وطوقني بمعانقة تكاد تطرحني أرضاً. سدلتُ شعره الداكن.
"مهلاً. أنا بخير".
ثم شرعتُ في استخدام تقنية التنظيف علينا كليهما لأنني كنت قذراً ولم يكن هو أفضل حالاً بكثير. سخر الحديد المتلألئ.
"أتبكي؟ فقط من أجل هذا؟"
حدّقتُ إليه. ماذا دها هذا اللعين ليعرف، ها؟
"إنه طفل".
"أنت طفل. بل ومصاب بخدوش تغطي جسدك. وأنت لا تدفن رأسك في كتف أحدهم".
كلا. لقد انتهيتُ. لم أكن لأتعامل حتّى مع هذا الهراء غير المتعاطف. رفع الربيع الصغير رأسه. لم يكن، في الواقع، ذارفاً للدموع. حدّق إلى الحديد المتلألئ كليّ المعرفة.
"من لا يعرف شعور فقدان شخص مهمّ عليه لُزوم الصمت".
خطا خطوة إلى الأمام.
"ماذا قلتَ أيّها الفتى؟"
صاحت الفاضلة الثالثة، شتلة الخوخ: "لقد فعلوها! قتلوا الأصلة. نائب سيّد الطائفة مصاب!"
تبّاً؟! أ حقّاً؟ مغتناماً هذه الفرصة للهرب، أمسكتُ بيد الربيع الخشبيّ وركضتُ نحوهم. بدت الساحة التي كانت نقية نوعاً ما، مدمرة. رسمت علامات الحرق الجديدة، والندوب، وبرك السمّ مدى حدة المعركة التي دارت. بما أنني لم أستطع رؤية جسد الثعبان الضخم، فقد افترضتُ أن أحدهم خطط للاستفادة منه وألقاه في خاتم مكاني. كان هذا أمراً أقرّه. كان الموت في عالم الخيال العنيف للمؤلف الأصليّ حدثاً منتظماً تماماً.
إن توجّب عليّ العيش في هذا العالم اللعين، فأقلّ ما بوسعي فعله هو عدم السماح لموت أيّ وحش روح شاركتُ فيه بأن يذهب هباءً. كان المزارعون الذين يقاتلون مجرد قتل من أجل نواة بلورة الوحش يصيبونني بالجنون. أمسكت الفاضلة العقيقيّة والصارم أيديهما بينما كانت تكسر حبّة تخثر دم وتنثرها على الخدش الصغير في ذراعه. أقالَت الفاضلة الثالثة إنه مصاب لتهدئة التوتر أم لم تكن تلك الإصابة الوحيدة التي تعرض لها؟
تقدمتُ نحوه وضغطتُ بإصبعين على ذراعه قائلَاً: "عذراً منك، نائب سيّد الطائفة".
فحصتُ جروحه بحواسي السماوية. كما ظننت، كان وضعه أسوأ من مجرد خدش لعين. إصابات داخلية. كدمة في خط طاقة قرب قلبه. وحتى نزيف داخلي طفيف. حدّقتُ إلى الفاضلة العقيقيّة المبتهجة التي كانت تتفرّس فيّ بارتباك. أجل. لم تكن قط بتلك الجودة في الطبّ. مع ذلك استطاعت عزف لحن قويّ. مدمر للروح حقّاً. أخرجتُ زجاجة دان إصلاح. لم يكن هذا الصنف تحديداً من أفضل ما لدي، لكنه لم يكن بحاجة لأفضل ما لدي.
لقد كان، مع ذلك، أفضل مما هو مطروح في السوق من قِبل شخص في مرتبتي. سكبتُ واحدة في كفّه وحدّقتُ فيه بحدة.
"خذ هذه ودوّر طاقتك".
"لدي ما يكفي. عليك حفظها لنفسك".
قلّبتُ عينيّ، وسكبتُ أخرى في كفّي وتناولتُها، ثم دورتُ تقنية زراعتي باختصار حيث كنت واقفاً.
"ليست مسمومة"، قلتُ ثم هجمتُ مغادراً لأتفقد مزارع السيوف ذاك المحطم بمسكنة.
قهقهت الفاضلة العقيقيّة المبتهجة في وجهي بينما كنت أغادر. مهلاً. ما المضحك في ذلك؟ لا يهمّ.
"تناولها فحسب. إنها لطيفة للغاية"، سمعتها تقول.
بالضبط! لكنني لم أرد سماع ذلك منها. بعد تلك الحوبّة مع الثعبان... حسنٌ، كانت خيميائية غير كفؤة، أو في أسوأ الأحوال، محاولة اغتيال. ولم أكن متأكداً أيهما أسوأ. توقفتُ. في الواقع، بالنظر إلى أنهما يقتلان الناس بينما يريدان المساعدة، كانت الخيميائية غير الكفؤة أسوأ. متى استطعت إبقاء نائب سيّد الطائفة بمفرده حيث يستطيع إخفاء ردة فعله، سأحذره ليكون أكثر حذراً. وأن لا يثق أبداً البتّة بمهارات الخيمياء لدى العقيقيّة مجدداً.
عندما وجدت مزارع السيوف، كان جالساً بالفعل بوضعية اللوتس ومستعداً للزراعة. حدّق بي بعينين باردتين. تجاهلته.
"عذراً منك، أيّها الكبير".
ضغطتُ بإصبعين على ذراعه وفحصتُ حالته. كما ظننت. رغم امتلاكه جسداً صلباً، إلا أنه تكبد العديد من الإصابات الداخلية. بعضها جاء من تدريبه حتى. والحبّة التي تناولها لشفاء تلك الإصابات حوت الكثير من الشوائب بما يمنع فاعليتها. أحياناً، كان الأمر يغضبني لدرجة أن قلّة قليلة من المزارعين عانوا لتعلم الكثير عن الحبوب سوى الخيميائيين. تساءلتُ إن كان المؤلف الأصليّ فعل ذلك عمداً ليجعل سيف الدم يبدو أكثر روعة.
لكن الأمر كان سيئاً للجميع على أيّ حال. كان الخيار الأفضل لشفاء العادل هو إعطاؤه ماء ينبوع روحيّ وحبّة شفاء أفضل، لكن بما أنه لم يبدُ ملائماً التخلي عن ماء الربيع الصغير، قررتُ اللجوء إلى الخيار الثاني، وهو مناولته دان تطهير خطوط طاقة عشبية خامسة ودان إصلاح أعضاء مهدئ.
"خذ هاتين. هذا المكان خطير ونحن بحاجة إليك في أفضل حالاتك".
تفرّس يدي بشكّ.
"لستُ أحمق يؤذي أعضاء فريقه".
بحذر، أخذ مني الحبوب وابتلعها. أومأتُ. الآن وقد حدّقْتُ في هذا الرجل البارد، فقد كان مجرد فتى أيضاً في الواقع. ربما في السادسة أو السابعة عشرة. مثير للإعجاب للغاية بالنسبة لعمره. سرى شيء بارد ومنعش عبر جسدي مزيلاً كل الغبار والأوساخ التي تراكمت عليّ منذ آخر مرة ألقيت فيها تقنية التنظيف. تفرّستُ في الربيع الصغير الذي ابتسم لي. ابتسمتُ وربتُّ على رأسه.
"عمل جيد!"
حينها لاحظتُ الفاضلة الثالثة تحوم جانباً، بادية وكأنها تريد التوجه إلى العقيقيّة لتفقدها إن كانت مصابة. مشيتُ نحوها. بدا هذا وقتاً مناسباً للتعرف عليها أكثر قليلاً ومعرفة إن كانت تمتلك أفكاراً مهووسة حقّاً. بإمكاني محاولة طمأنتها بأن الفاضلة المبتهجة كانت شبحاً لعوباً في المعركة. لم يستطع أحد مسها. وهو أحد الأسباب التي جعلتني لا أعير اهتماماً لتفقدها من الإصابات.
وسبب آخر هو أنها كانت من وضعني في خطر لعين في المقام الأول. إضافة إلى ذلك، بدا جلياً أنها لم تملك خدشاً واحداً. حتى ملابسها بدت مثالية تماماً رغم الركض عبر الغابة وتفادي الهجمات. بيد أن أعضاء الحريم الأصليين امتلكوا جميعاً مواصفات بصرية عالية بشكل مخيف. مشيتُ نحو الفاضلة الثالثة وابتسمتُ كطفل.
"أيتها الفاضلة الثالثة شتلة الخوخ الجميلة! أليست الفاضلة العقيقيّة لطيفة للغاية؟ أأنتما صديقتان؟"
أف. أردتُ صفْع نفسي لكنني كبحتها. معلومات. احتجتُ إلى معلومات. احمرّ وجه الفاضلة الثالثة بشدة.
"أم. نـ-نعم. إنها صديقتي".
قبل أن أتمكن من مواصلة السؤال، استخدم نائب سيّد الطائفة نقلاً صوتياً لجمعنا أمامه. أمسك بالقدر الضخم الذي وضعت العقيقيّة الزهرة فيه وابتسم.
"لقد كان يوماً طويلاً ولدينا ركض طويل آخر لبلوغ الموقع التالي. بما أن هذا الجزء من الغابة ليس آمناً ليلاً، فقد قررتُ أن نركض نحو الموقع التالي لساعتين أخريين ثم نجد مكاناً لنصب المخيم".
ربت على القدر. رمقه أغلبهم بعيون فاقدة للاهتمام. خلتُ أنني رأيت وميض يأس من الحديد المتلألئ، لكن ذلك ربما عزا إلى قلقه بشأن عمه. قد يكون لقيطاً معنا، لكن سيّد الطائفة لم يقل قط أيّ شيء قاسٍ تجاهه لذا لا يمكن أن يكون سيئاً تماماً.
"أود أيضاً شكر الجميع على مساعدتنا في جمع السحلبية. حين نعود إلى الطائفة، سأحرص على نيلكم جميعاً التقدير الذي تستحقونه".
ثم نقل القدر إلى خاتم تخزينه.
"حسناً. لنذهب!"
* * *
كنا قد نصبنا المخيم بالقرب من جرف صخريّ (ذهبتُ سراً إلى كلّ من أعلام الفاضلة الثالثة وعدّلتها إلى الموضع الصحيح) لكن بعض الضوء ظلّ باقياً. كانت الفاضلة الثالثة والفاضلة العقيقيّة تتحدثان معاً. وظلت الفاضلة الثالثة تسرق النظرات نحو العقيقيّة وبدا جلياً تماماً أنها أعجبت بها بتلك الطريقة، لكن العقيقيّة كانت غافلة. مع ذلك، لم ألمح بوادر الهوس الذي ذكره الحديد المتلألئ كليّ المعرفة لعمه.
احتمل أنني لم أستطِع تمييزه فحسب أو أنها أخفته بعمق. أو احتمل أنه كان مجرد وغد وخلط بين عدم الكفاءة وسوء النية. ليس وكأن ثمة فارقاً كبيراً في النتيجة. قررتُ أنني لم أستطع الوثوق بالتقرير الأصليّ الذي قدّمه لسيّد الطائفة. ليس برمته على أيّ حال. كان هذا الرجلغبيّاً أحمقَ متكلفاً. من أدراه بما زخرفه؟ أزعجني مجرد التفكير في هذا. احتجتُ إلى تهدئة غضبي واهتج إرشاد الربيع الصغير للتدرب لذا سحبته نحو العادل الذي كان يتدرب ببطء على وضعيات السيف الأساسية للطائفة، ثم ينتقل إلى تلك الخاصة بمستوى تأسيس الأساس.
وأخيراً، تدرب بشكل سيء على حركات أساسيات النواة الذهبية وحدها. ربما أُنجزت بشكل سيء لكن حقيقة تعلمه إياها في تأسيس الأساس بدت مثيرة للإعجاب. ::أمتأكد أن عليّ التدرب معه؟:: ::أخائف أنت؟:: ::إنه ليس بارعاً مثلك.:: ::ههه. أنت خائف فحسب.:: ::لست كذلك.:: ::اخرس وتدرب فحسب.:: أخرجتُ دبوس شعري وحولته إلى هيئته السيفية. أخرج الربيع الصغير النصل الذي اشتريته له بينما كنا في مدينة المظهر الذهبيّ.
وقفنا جنباً إلى جنب وانتظرنا العادل لبدء وضعيات تكوين طاقة تشي. ثم، بتزامن معه، بدأنا بالحركة. طبعاً، بما أن هذا كان مجرد تدرب، فقد كبحنا إنتاج طاقة تشي السيفية، لكن الوضعيات شعرت بحال جيد، ورغم أننا لم نكن مزارعي سيوف نقيين مثله، فقد أفادت زراعتنا لطاقة تشي السيفية. بشكل جميل، أنهينا جميعاً وضعيات تكثيف تشي الأساسية. بما أنني لم أُعلّم الربيع الصغير مجموعة تأسيس الأساس بعد، فقد تدرب على بعض التقنيات الأخرى التي علّمته إياها.
واصلتُ، متبعاً إياها عبر مجموعة تأسيس الأساس. لقد حان الوقت تقريبا لأبدء الاستعداد لذلك، ممّا استدعى التدرب لجعل هذا الجسد اليافع يعتاد على الحركات. في مكان ما هناك، توقف العادل وراقبني. بما أنني درّبت مزارعين من قبل، لم يزعجني هذا. حين بلغت النهاية لاحظتُ أن عينيه اللتين اعتادتا البرود، تلألأتا. انتظر، تبّاً. كان مفترضاً بي الحفاظ على حضور منخفض، أليس كذلك؟
"مثير للإعجاب!"
بدا مهتزاً بطاقة كامنة.
"كانت وضعياتك مثالية تقريباً".
ذلك لأنني لم أتدرب عليها في هذا الجسد الجديد بعد، وإلا لكانت مثالية. مع ذلك، انحنيتُ له.
"شكراً لك، أيها الكبير".
عضضتُ على شفتي، متظاهراً بالتفكير في أمر ما.
"أيّها الكبير، أتتمانع تبادل الملاحظات... مع أخي؟ لم يبارز سواي قط وهو بحاجة إلى التدرب".
بدا وكأنه يفضّل مقاتلتي، لكنه أومأ رغم ذلك. كبّح العادل زراعته إلى الطبقة الثامنة من تكثيف تشي. لكن شيئاً ما تذكرته فجأة... بالعودة إلى عالمي الأصلي، اعتاد المدربون تسجيل جلسات التدريب والعروض ليُظهروا لمتدربيهم أخطاءهم. ساعدهم هذا على التحسن بشكل ملحوظ. بما أنني كنت من يقاتل دائماً مع الربيع الصغير لم أفكر حقاً في فعل ذلك، لكن هذه ربما كانت فرصة جيدة. لسوء الحظّ، لم أمتلك أياً من الأجهزة باهظة الثمن المستخدمة لتسجيل الصور والصوت...
لكنني امتلكت اليشم معي! رغم أن شرائح اليشم لم تكن أدوات تسجيل بالمعنى الحرفي، إلا أن مزارعاً بالحواس السماوية استطاع تسجيل معلومات عليها ومشاركتها مع الآخرين. وتقنياً استطاع شخص في ذروة تكثيف تشي تعلم استخدام حواسه السماوية، رغم أن ذلك بدا نادراً. عادة، استُخدمت شرائح اليشم لأمور مثل الكتيبات أو النصوص ومستندات الصور البسيطة. لكن في حياتي السابقة السابقة، امتلكنا حواسيب، لذا بالنسبة لي، كان الفيديو والصوت مجرّد قطعت معلومات وتم نسخهما بسهولة إلى اليشم.
أخرجت سكين نحت جيد ويشم الفوز بالرهان ضد الفاضلة لؤلؤة البحر الفوارة. كان عاراً استخدامه هكذا لكنه لم يكن استخداماً سيئاً كذلك. استطعت حتى جعله يسجل لمرات متعددة. في غضون دقيقة، بينما تفرّس اثنان بعضهما البعض، نحتت شريحة يشم عالية الجودة مع نقوش الختم المناسبة والتشكيلات المنحوتة عليها. لو رأاني معلم أداة الروحي القديم أفعل هذا، لغشي عليهم على الأرجح من الصدمة. فور أن أتممت الأداة، انحنى الاثنان وبدءا بالهجوم.
دسستُ اليشم في شعري لراحة البال وركزتُ على تحويل الصور التي رأيتها إلى صور مسجلة على اليشم. توجه العادل مباشرة للقتل، مستخدماً تقنية تشتت انتباه الخصم وتصل خلفهم لمهاجمة جمجمتهم. كانت حركة شرسة حقاً للبدء بها. أقررتُ ذلك. لم يخيب الربيع الصغير الظنّ إذ نجح في رؤيتها قادمة، بصعوبة بالغة، ورفع سيفه ليمنع العادل من إصابة رأسه. ثم ركل نحو خاصرة خصمه المكشوفة. لكن مزارع السيوف لم يكن هاوياً.
تفادى بسهولة وأعاد سيفه فقط ليشنّ هجمة وهمية. وانظر إلى هذا الفتى. قبل بضعة أشهر فحسب وكان مبتدئاً تماماً. والآن ها هو يهاجم بشراسة خصماً يفوقه بكثير كأن حياته توقفت عليه، لكنه حافظ أيضاً على هدوئه. لا عجب في أنه كان المفضل لدى الكون. أطلق الربيع الصغير طعنة نحو نقطة ضعف العادل، تماماً كما علّمنه. بدا وكأنه حقّق اختراقاً في تأمله لطاقة تشي السيفية إذ تسرّب القليل منها.
لسوء الحظّ، استهدفت قلب العادل. مستشعراً الخطر، أطلق مزارع السيوف زراعته المكبّحة وهاجم سيف الربيع الصغير بقوة أكثر من اللازم. أرسل ذلك الفتى طائراً نحو الحديد المتلألئ كليّ المعرفة الذي وقف وقوقعة سلحفاته المنجميّة قريبة من الجرف الصخريّ. لو واصل الربيع الصغير تحركه فستهبط رأساً فوقه. لكنتُ حاولتُ منعه بنفسي لولا تيقني من أن الحديد المتلألئ سيمسك به قبل هبوطه...
إلا أن الوغد تنحى جانباً. ولم يبطئ حتى من سرعته. في الواقع، بدا الفتى مسرعاً حين اقترب من الجرف الصخريّ. توقفتُ عن التركيز على تسجيلي. غضب لم أعهده منذ هبوطي مجدداً في هذه الحقبة الزمنية كاد يغمرني... توقعتُ رؤية الربيع الصغير يرتطم بقوة ضد الصخور وبدأتُ إعداد قائمة بما سأحتاجه لشفاء جروحه ذهنيّاً. عوضاً عن ذلك، اختفى داخل وجه الجرف. تموج كالمماء، ثم صلب. أخي الصغير لم يكن في أي مكان يُرى، حتّى بعد مسح الحجر بالحواس السماوية.
لقد اختفى اللعين!