أدخل تلك العصي في حقيبتك المكانيّة. أشرت إلى عصيَّي الجميلة ثم التقطت لنفسي بضع مئات منها. ما إن أشتري الحرير والطلاء المناسبين حتى أُعدَّ الرايات اللازمة. بما أننا أحدثنا ضجّة كبيرةً قبل قليل، قررتُ توخّي الحذر ونقلتُ معسكرنا بضع أميال نحو الجنوب قبل أن نستقرّ داخل الفسحة. تناولنا عشاءً لطيفاً من حبوب تحرير الطاقة. لم يكن الربيع الصغير سعيداً لكنني لا أعرف كيف أطبخ، إذن فليتحمل.
علاوةً على ذلك، فإن تناول طعام البشر سيبطل عمل ماء الينابيع الروحيّة في تنقية أجسادنا. بالطبع، عندما ذكرتُ ذلك، حدَّق بي بغضب أشدّ وربما أشار إلى البحيرة الكبيرة الواضحة تماماً المليئة بماء الينابيع الروحيّة المتاح لنا مجاناً. تظاهرتُ بأنها غير موجودة. ولماذا أضيّع الوقت في الأكل بينما هناك خطط يجب وضعها وطريقة استزراع يجب تطويرها لأجل الربيع الصغير؟ ويُفضَّل أن تكون في اتجاه لا يكون مجرد نسخة معكوسة لطريقتي الخاصة.
بما أن وجبات العشاء والغداء والفطور للأيام القليلة القادمة قد حُسِمت بسهولة، فقد حان وقت النوم. كانت أجسادنا اليافعة والبشريّة بمعظمها لا تزال تعاني من الإرهاق، ولم نكن قد أعددنا مكاناً للنوم بعد. دخلنا المبنى الصغير وشققنا طريقنا بصعوبة عبر الباب الخلفي غير المُكتشف مسبقاً. وهناك، وجدنا عدة غرف نوم (كل ذلك بفضل الفضاء المطوي)، فضلاً عن غرفة حدادة، وغرفة كيمياء، وغرفة لتجفيف الأعشاب.
ربما كان هناك المزيد لكن هذه هي الغرف التي أهتم بها لذا لم أُعذب نفسي بالبحث في البقيّة. حقاً، كان لدى بطل الرواية الصغير هذا أفضل لمسة سحريّة على الإطلاق. رأى الصبيّ أن نستمر في مشاركة غرفة واحدة. وافقتُ. أعني، كان ما زال يحزن على والدته، ولم يكن سوى طفل في السابعة أو الثامنة من عمره. لم أكن وغداً تماماً. وكان ذلك أقل جهداً أيضاً إذ كان علينا تنظيف الغرف بما يكفي قبل أن نتمكن من المكوث فيها.
ورغم أنها بدت نظيفة، لم أكن أثق بأماكن نوم لم يسكنها بشر مئات السنين. كما لم أكن أثق بوجه الأشباح هذا، حتى مع التعويذة التي وضعتها عليه. أعددتُ تشكيلة بسيطة حول الغرفة وبدأت روتيني الليلي المتمثل في الاستزراع ببطء (دون تدمير الفضاء نفسه) ثم الإغماء على السرير الذي سرقناه من منزلي.
* * *
استغرق الأمر ثلاثة أيام أخرى من السفر الشاق قبل أن نصل إلى مشارف مدينة بحيرة اليشم. كنت لأقترب أكثر، لكن، عندما رأيتها من الأعلى، تجمدتُ. ترتجفت شفتاي. أردتُ البكاء نوعاً ما. في المستقبل، كانت هذه المدينة حاضرة ضخمة يقصدها الممارسون لشراء السلع أو بيعها. وكان بها قدر لا بأس به من السياحة بسبب قرب الجبال الجميلة المغطاة الثلوج، والبحيرة الخضراء الجميلة المليئة بأسماك الروح اللذيذة، ومهرجان الفوانيس الذي تتغزل به كل الممارسات المهتمات بالرومانسيّة.
لكن هذه النقطة الزمنية كانت قبل 100 عام على الأقل من تحولها إلى تلك الكتلة المترامية الأطراف. الآن، بالكاد كانت مدينة صغيرة، أقرب إلى بلدة كبيرة، ولا تبلغ حتى عشْر حجمها المستقبلّي. صحيح. سأحتاج إلى شراء خريطة. كان الاعتماد على ذاكريتي قبل 1000 عام فكرة سيئة. على بُعد ميل من مدينة المستقبل، أنزلتُنا إلى الطريق حيث بدأنا الرحلة الأخيرة من سفرنا. توقفنا في مكاننا على بُعد بضعة شوارع، بينما كان ممارسان يتشاجران في منتصف الطريق.
لم تكن لدي أي فكرة عما يتجادلان بشأنه لكنني سحبتُ الربيع الصغير إلى مكان نكون فيه آمنين وما زلنا قادرين على المشاهدة. ستكون هذه فرصة تعليمية ممتازة له. أحد المقاتلين، بدا في الخامسة والعشرين تقريباً، وله كتفان عريضتان وعضلات ذراعين كثيفتان كأنه ممارس جسديّ رغم أنه لم يكن كذلك. كان يرتدي رداءً أزرق داكناً مهلهلاً قليلاً. بدا المقاتل الآخر في الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة.
رداؤه الأخضر الفاتح كزبد البحر، كان يناسب بنيته الصغيرة تماماً. كان كلا الممارسين في الطبقة السادسة من تكثيف الطاقة. تبادل الأزرق وزبد البحر ضربات من حفنة التقنيات السخيفة التي التقطاها من مكان ما. تنهدتُ.
"حسناً، أيها الربيع الصغير، أتري هذين الرجلين؟"
أومأ برأسه.
"كلاهما سيء حقاً."
أمال رأسه في حيرة.
"أتركيف يضع ذلك الرجل ذو الزي الأزرق كل قوته البدنية في كل لكمة مشبعة بالطاقة الروحيّة؟"
بينما أشرت، لكم إلى الأمام مرسلاً انفجاراً نحو زبد البحر. لقد وضع الكثير من القوة البدنية في لكمته لدرجة أنه تحرك للأمام بوصة.
"إنه أبله حقاً."
تعثر الرجل الأزرق ووقع على وجهه مباشرة في هجمة راحة يد زبد البحر. طار إلى الوراء عدة ياردات لكنه تمكن من استعادة توازنه. ثم سعُل بفم مليء بالدم. بما أن الرواية الأصلية كانت من نوع شيانكسيا النموذجي، فإن ملء فم واحد كان يُعتبر ضرراً داخلياً طفيفاً. وبصراحة، كانت تلك أبشع طريقة لتحديد الضرر.
"إذا كان الرجل يريد حقاً إيذاء زبد البحر الصغير هناك، فبدلاً من التركيز على زيادة قوته البدنية، يجب أن يركز على زخم الطاقة داخل جسده. كلما تحركت داخلياً بشكل أسرع، كانت ضربته أقوى. كل هذا العبث بكمال الأجسام جيد إذا كان يخطط ليصبح ممارساً جسدياً، لكن القيام بذلك الآن، بينما من الواضح أنه لا يمارس فناً من فنون الاستزراع الجسدي، هو إضاعة بلا طاقة للوقت الذي يمكن قضائه في زيادة مرتبته."
تحول وجها الأزرق إلى اللون الأحمر القاني. ابتسم زبد البحر بخبث وأرسل راحة يد روحية أخرى نحو خصمه. تصدى الأزرق لراحة اليد بقبضته، مرتكباً نفس الخطأ الأبله.
"وهذا اللعين الذي يرتدي زبد البحر."
تجمدت ابتسامة زبد البحر.
"هو أسوأ حتى من الأزرق. تقنية الأزرق هي على الأقل تقنية لائقة مع عيوب قليلة جداً لشيء في مرتبتهم. حسناً، لكانت كذلك لو لم يكن سيئاً في ممارستها. أما تقنية زبد البحر، من ناحية أخرى، فهي هجوم براحة اليد. وهو أمر جيد إذا كنت لا تنوي القتل أو تشعر برغبة في إهدار الطاقة لضرب خصمك حتى الموت."
أرسل زبد البحر نظرة غاضبة نحو شخص قريب مني وتلقى قبضة روحية في وجهه بسبب خطأه. ثم بصق سناً ونصف فم من الدم. نعم، عندما وصلت إلى هذا العالم لأول مرة، استغرق مني الأمر وقتاً لأكتشف كمية الدم التي تشكل ماذا، لكنني فعلت ذلك في النهاية.
"هه، الضرب على وجهه أمر جيد، لكن لو كنت مكان الأزرق، لحاولت ضربه في نقاط ضعفه بينما هو ينفذ هجوم راحة اليد المليء بالعيوب."
"هل لتنتقيات كهذه نقاط ضعف؟"
سأل الربيع الصغير.
"بالتأكيد! تقريباً كل التقنيات منخفضة المستوى كهذه تمتلكها. على سبيل المثال، نقطة ضعف الأزرق..."
شحب وجه الأزرق لسبب ما؛ ربما بسبب ابتسامة زبد البحر الشرسة.
"تقع عند خصره، ولهذا تراه يحميه بحذر شديد، بينما يؤدي التقنية. إذا أراد زبد البحر إلحاق ضرر كبير به، فيمكنه فعل ذلك بسهولة عبر إرسال ضربة قوية هناك مباشرة."
أجرى زبد البحر عدة أختام يد بسيطة وأرسل هجوم إصبع روحي قوي نحو الأزرق. كانت هذه بالتأكيد تقنية أفضل من راحة يده، لكنها استهلكت طاقة روحية أكثر من اللازم. لقد وجهها نحو نقطة الضعف التي لاحظها أخيرًا. كان جيداً أنه فعل ذلك بما أن ذلك اللعين الأبله كان على وشك النفاد. شكل الأزرق أيضاً عدة أختام يد وصد الإصبع الروحي الضخم من الانهيار عليه عبر بناء ثلاثة حواجز روحية.
وهو أمر أحمق فعله إذ استهلك طاقة أكثر من اللازم أيضاً. بحلول الوقت الذي تلاشت فيه الهجمة، كانت طاقة الأزرق تنفد أيضاً.
"حسناً، يبدو أن القتال وشك الانتهاء بالتعادل. لكني أعتقد أن الأزرق يمكن أن يفوز إذا تمكن من ضربه إما على نقاط ضغطه في تووي، أو جيمين، أو شاوخونغ. هجوم راحة اليد ذلك حقاً تقنية سيئة."
"انتظر، ما تلك؟"
صحيح، لم أكن قد علمته التشريح ونقاط الوخز بالإبر بعد، لذا فقد بسطت الأمر بشكل مبالغ فيه.
"رأسه، أو فخذه، أو طرف إصبع خنصره. لكن، الآن بعد أن فكرت في الأمر، يبدو أنه يحمي إبطه الأيمن قليلاً. قد تكون تلك إحدى نقاط الضعف المخفية لتقنية الاستزراع الخاصة به. لذا إذا..."
أرسل زبد البحر نظرة غاضبة أخرى في اتجاهنا وهرب بينما تنفس الأزرق الصعداء يبدو عليها الإرهاق. انتظر ثانية. كان زبد البحر يحدق بي بغضب بالتأكيد هذه المرة. هل... هل تحدثت بصوت عالٍ جداً وتم التنصت عليّ؟ تباً! افتقد حقاً نسخة هذا العالم من التخاطر. لما ليحدث هذا لو كانت لدي، لكنها كانت تقنية أعلى مرتبة. انتظر، ألم تكن هناك تقنية نقل صوت بسيطة يمكنني استخدامها؟ تتباً. حسناً، لم يكن الأمر وكأنني استطيع تذكر كل المهارات الرديئة منخفضة المستوى التي تصبح عديمة الفائدة في المراتب الأعلى.
بما أن القتال قد انتهى ولم أكن أرغب في الوقوع في المشاكل بسبب التدخل في مبارز، أمسكت بيد الربيع الصغير وركضت في الاتجاه المعاكس لزبد البحر. أثناء ركضنا، اكتشفت متجر مسافرين ودخلته. لم يبدو أن أحداً يتبعنا، وهو أمر جيد إذ كنت أرغب حقاً في الحفاظ على مستوى منخفض، وهزم ممارسيْن في الطبقة السادسة من تكثيف الطاقة بينما أنا في الطبقة الثالثة كان، حقاً، ملفتاً للنظار أكثر من اللازم.
بما أننا كنا في متجر المسافرين، التقطنا بعض المؤن لرحلتنا، بما في ذلك خريطة شبه مفصلة للقارة ببعض أحجار الروح القليلة التي بقيت معي. قبل أن نغادر، طلبت الاتجاهات إلى متجر التشكيلات حيث كانت هذه المدينة أصغر من أن تضم نقابة كاملة. كان متجر التشكيلات في مبنى صغير لكنه أنيق. بمجرد أن خطونا عبر الباب، شعرت بتشكيلة التحكم البيئي تبرد الغرفة إلى درجة حرارة مريحة. كانت تشكيلة بسيطة من المستوى 1، لكنها أُعدت لتصل حد الكمال تقريباً.
وقفت موظفة على الجانب. ألقت نظرة واحدة علينا وتنهدت بصوت عالٍ. تقدمتُ منها وابتسمت.
"أود رؤية مشرف الإمدادات لديكم."
حدقت بي بغضب.
"ولماذا هذا، أيها الصبيّة الصغيرة؟"
صبيّة صغيرة؟ أكانت تقلل من احترامي حقاً الآن؟
وضعتُ يدي على خصر لأقول: "لأنني أبيع عصي رايات تشكيلات عالية الجودة وسيندم إن لم يشتري مني بالكامل."
ابتسمت باستهزاء ورفعْتْ صدرها الكبير الذي كان بكل تأكيد سمة أساسية لهذا العالم.
لابد أن مؤلفنا العزيز المفرط في التبسيط أحمق العقل قد وصف النساء في هذا العالم الغريب بأنهن، "جميلات يشميّات يمتلكن قمتين مزدوجتين لا مثيل لهما."
وقد فعل ذلك مع جميعهن. كُلّ. واشداً. اللعنة. منهن. وكأن مفهوم آلام الظهر غير موجود.
"عليك العودة في وقت آخر،"
قالت وهي ترمي خصلة من شعر مموج على كتفها.
"مقيم إمدادات التشكيلات الخاص بنا في الخارج حالياً."
حسناً، بما أننا هنا، فسيكون من الجميل الذهاب لتناول شيء ما ليتوقف الربيع الصغير عن إزعاجي... انتظر ثانية. ضيقتُ عينيّ نحوها.
"ومتى سيود العودة؟"
"لا أعلم. عُد في يوم آخر."
"لا. أظن أنني أود رؤيته الآن."
بعد أن لفتت عينيها بسأم، قالت: "أخرجوا هذان الطفلان."
اقترب رجل في ذروة تأسيس الأساسات. تباً! لم أدرك وجود ممارسين بهذه المرتبة العالية هنا بصرف النظر عن زعيم المدينة. شخص بهذا المستوى يمكنه بالتأكيد قتل نفسي المسكينة الصغيرة، حتى مع كل معرفة حياتي السابقة. تقدم الربيع الصغير أمامي وانحنى مبدياً ابتسامة مؤلمة.
"أرجو المعذرة من أختي الكبرى، فهي... حسناً. يمكنك التخمين."
أخرج حفنة من عصيَّ ورفعها أمامها.
"أعطانا إياها معلم التشكيلات الخاص بنا لنبيعها له لأنه مشغول للغاية بحيث لا يمكنه المجيء إلى هنا بنفسه. إنه ممارس قوي للغاية وإذا لم نبعها ونعد إليه خلال ساعتين سيأتي إلى هنا للاستفسار."
تنهدت الموظفة بضجر مبالغ فيه.
"لماذا لم تبدأ بهذا منذ البداية؟"
انحنى مرة أخرى.
"أنا آسف."
"اتبعاني. سيكون مقيّم الإمدادات لدينا هنا بعد قليل."
أحضرتنا إلى غرفة خلفية وتركتنا. وما إن انعطفت حتى عانقتُ الربيع الصغير وربتُّ على شعره.
"عمل جيد."
احمرَّ خجلاً، فتركتُه. بدا أنه كان يتعلم مني ويستخدم عقله. خصوصاً أنني كنت سأفكر تماماً في إحضار معلم خيالي لو لم يصل إلى هناك أولاً.