بدا مهووس الحبوب مذهولاً. لعلّه أدرك فجأة أنّه صار أول شخص يصنع حبوباً كهذه علناً من دون أن يحوز جسد اليين النقي. وضع الوعاء أمام الزنبق الأبيض. تماسكت باحتراف. الدليل الوحيد على فيضان مشاعرها كان رمشتين زائدتين.
قالت: "وكيف تشعر، أيها السيد زميل الحبوب؟"
أجاب: "أنا في أحسن حال. وقع أمر طفيف في المنتصف، لكنّه تطلب فقط إعادة ذرّ المسحوق".
أومأت برأسها وقالت: "إذاً علينا تهنئة المبتدئ لين لفوزه بهذه المسابقة الشبابية".
نهضتُ وانحنيتُ للسادة الخبراء وفايوليت التي بدا وجهها مكفهراً.
سألتني: "أتوصلتَ إلى هذه النظرية بنفسك؟"
ابتسمتُ باتساع وقلت: "ابتكر معلّمي الفكرة الأساسية، لكني طوّرتها حتى أصبحت قابلة للتطبيق".
قالت: "إذن، ووفقاً لقواعد النقابة، نظراً لابتكار وصفة أصيلة، ستحصل طوال الأعوام المئة والخمسين القادمة على عشرين بالمئة من أرباح أي مسحوق يُباع. وخلال المدة ذاتها، إن استخدم خيميائي مسحوقك لصنع حبة، فستنال واحد بالمئة من تلك الأرباح".
كان هذا جديداً. حين توصلتُ إلى هذا في حياتي السابقة لم تكن النقابة بهذه الكرم، لكن بما أن الزنبق الأبيض هي من تدير الأمر فقد خمنتُ أنها تعدّ ذلك هدية لمساعدة ممارسي جسد اليين النقي على التخفي بفاعلية أكبر. بالطبع، كان بإمكانهم أيضاً اختيار عدم الدفع وترك الناس يرتادهم الشك، لكنّ تلك كانت حريتهم. على العموم، حقيقة أن تمتلك النقابة ما يشبه حقوق الملكية لأمور كهذه هي ما ساعد في إطلاق مستوى الحبوب وصناعة الحبوب نحو آفاق جديدة في المستقبل.
لكنّي أظنّ أن المؤلف استخدم هذا ببساطة لكي يجعل سيف الدم يكسب المزيد من المال في الرواية الأصلية. حسناً، لقد نفعني الأمر فلن أتذمر. ابتسمتُ بسعادة للحكام.
قالت الزنبق الأبيض بينما جرى نحوها موظف في النقابة وناوله حقيبة تخزين: "أيتها المبتدئة فايوليت الحبوب. لقد أبليتِ بلاءً حسناً في هذه البطولة، فقد ساعدتِ الآخرين وأسهلتِ في دعم النقابة. قد تكونين خسرتِ في النهاية، لكنّك نلتِ المركز الثاني مع ذلك. أقدم لك مرجلِ مبتدئ وألف حجر روحي. ليس بالكثير مقارنة بالجائزة الكبرى، لكنّه شيء على أي حال".
تقبلت جنية حبوب فايوليت حقيبة الجائزة بلطف وثقة. انحنت للحكام ثم لي.
وقالت: "شكراً لكما سيديّ الحبوب. مبروك، الزميل المبتدئ لين".
ثم غطت بخطوات أنيقة خارج القاعة ورأسها مرفوع. اللعنة، كم كان تمثيلها متقناً. أعرفها حق المعرفة، ستنتظر حتى تبلغ مكاناً خاصاً لتكسر كل ما هو غير ثمين قطعاً صغيرة. لكنّ مغادرتها على هذا النحو سمحت لها بحفظ ما وجهها وربما دفعت بعض الممارسين لزيادة احترامهم لها. ركض موظف في النقابة نحو الزنبق الأبيض وناولها حقيبة تخزين أخرى. أومأت وابتسمت لي بلطف.
وقالت: "المبتدئ لين. تهانينا لفوزك ببطولة الشباب اليوم! تفضل بالصعود لتسلم جائزتك".
تقدمتُ بحذر نحو طاولة الحكام. وضعت الزنبق الأبيض، بعد حركات سريعة بيديها عجز مستواي الحالي عن تتبعها، خاتم تخزين صغيراً أمامي.
وقالت: "الخاتم لك أيضاً. إنّها هديتي للمركز الأول، وسيتعدّل حجمه ليناسب إصبعك. يحوي المرجل الروحي إضافة إلى هدية صغيرة من السيد الخبير عديم الرحمة".
أخذته ونقشتُ بصمتي عليه ثم ألقيت نظرة على محتوياته. وجدْتُ مرجلاً مذهلاً ومألوفاً للغاية، ومساحة تخزين تبلغ نحو نصف فرسخ مكعب، وثلاث لفائف من اليشم تثبت حقوق ملكيتي الفكرية في النقابة، وتُميمة حماية قادرة على صدّ هجوم من ممارس في مرحلة النواة الناشئة لمرة واحدة، أو ثلاثين هجوماً من ذروة النواة الذهبية. تستطيع تلك التميمة أيضاً صدّ انفجارات المراجل مما يتيح لي الكفّ عن إيذاء نفسي باستخدام تقنيات تفوق مستواي الحالي.
مهووس الحبوب كان رائعاً حقاً دون منازع.
صاح السيد الخبير الفحل الطاغي المشتعل: "مهلا، لا تتركني خارج اللعبة".
وقذف إلي حقيبة تخزين رخيصة.
"اشتريت مؤخراً بعض أدوات التحضير ولكني وجدت أن مظهرها لا يعجبني. وبما أنها ستذهب سدى على أي حال، فإنني أتتبرع بها لتكون جزءاً من جائزة المركز الأول".
أ... أهذا الرجل تحول للتو إلى تسوندري؟ حسناً، كنت بحاجة لأدوات جديدة لذا لن أرفضها.
قلتُ بانحناءة: "شكراً لكما سيديّ الحبوب!"
وتقبلت جوائز امتنان. عندما استدرتُ تجمدتُ مذهولاً أمام الحشد. لقد تضخم عددهم بطريقة ما وصار أكبر بكثير مقارنة بآخر مرة لاحظت فيها الأمر. وكان هناك أفراد شتى في ذروة تأسيس الأساس أو في النواة الذهبية تبدو نظراتهم كأنهم يريدون التهام حيّاً. لم يكن هذا القدر من الاهتمام بالأمر الجيد. لماذا انضممتُ لهذه البطولة أصلاً؟ مرجل روحي... وكان من المفترض أن تكون مجرد بطولة شبابية بسيطة.
تراجعْتُ بفزع نحو الحكام. أعني، لقد كنتُ قوياً في حياتي السابقة وألقيت محاضرات أمام حشود أكبر من هذه، لكن بحالتي الحالية كان هؤلاء القوم يستطيعون سحق جسدي كما تُسحق الحشرة. ولم أكن أدري ماذا يريدون مني. أكان علي الهرب أو ما شابه؟ ابتسمت لي الزنبق الأبيض بلطف.
"رد الفعل المناسب هنا هو شكر الحشد لحضورهم ومشاهدتك وأنت تفوز. ليس كل يوم يهزم طفل صغير خيميائي النواة الذهبية الشهير في المدينة. أظن أن الجميع هنا مهتم بمعرفة المزيد عن عبقرينا الصيدلي الشاب الجديد في نقابة الخيميائيين".
ماذا؟ أكانوا هنا من أجل هذا فقط؟ بصفتي صاحب المركز الثاني الدائم، كنت أنهي الأمور عادة بمغادرة المكان على غرار فايوليت في مناسبات كهذه. هه. حين أفكر في الأمر، بعد ألف سنة من احتلال المركز الثاني، فزت اللعنة أخيراً.
انحنيتُ للحشد وقلت: "شكراً لكم، أيها الأكابر، لحضوركم ومشاهدتي وأنت أفوز. مع أني انضممت للنقابة حديثاً، فأرجو أن تتطلعوا لرؤية المزيد مني في المستقبل".
*** بفضل قليل من المساعدة من سيدة الحبوب الزنبق الأبيض ومهووس الحبوب، نجحتُ أنا والربيع الصغير في الإفلات من النقابة دون التورط مع الحشد الذي أراد محادثتي. وبسبب طول ذلك اليوم، لم أكن أرغب حقاً في شرح الكيفية التي أمضيت بها أعواماً للتوصل إلى حل لذلك المسحوق. وكنت متعباً أكثر من اللازم لابتكار كذبة معقولة. عثرتُ في النهاية على فندق لطيف في المدينة ودفعت تكاليف الإقامة فيه لمدة أسبوع.
هذا صحيح. الآن بعد أن بلغنا مدينة أخيراً، آن الأوان لجني بعض الأحجار الروحية. لكن قبل كل شيء، كنت بحاجة للنوم كي أتمكن من تحضير دوائي في اليوم التالي. بعد أن استلقيتُ على السرير وتغطيتُ باللحاف، دخل أخي الأصغر وكتفاه متقاطعتان فوق صدره. بدا وكأن في جعبته أمراً خطيراً كتمه طويلاً.
صرخ بأعلى صوت: "أيتها الجنية لين!"
وبوجه أشد غضباً مما توقعت. انتفضتُ ورمقته بعينين واسعتين.
"ماذا؟!"
"ممنوع عليك المجازفة بحياتك بعد الآن!"
رمشتُ. يا له من لطيف صغير. نهضتُ ببطء وبألم. لم أستطيع السماح لنفسي بالوقوع في موقف ضعيف خلال هذا الحوار.
"مهلا. استمع. لم يكن من المفترض أن يكون الأمر خطيراً. لقد كنتُ مفاجأً أكثر منك حتى".
"لاحظت أنها كانت على وشك الانفجار. كان بإمكانك الهرب وإنقاذ نفسك. هكذا لما تعرضت للإصابة! أخبراها، أيها السيد الشبح ذو الوجه الشبحي".
كان النبيل متوسط العمر يطفو خارج باب غرفة نومنا مباشرة، ويسترق النظر داخل الغرفة. أومأ بجدية.
"حياتك أهم من أن تُغامر بها في سبيل مرجل روحي بسيط".
أحتتى أنتَ، أيها الشبح؟ لكن... لم يكن مرجلاً بسيطاً. بل كان مرجلاً روحياً صنع التاريخ في حياتي السابقة. طبعاً، لو أُتيح لي الوقت الكافي والمواد ومستوى تمرسي الأصلي، لكنتُ صنعت ما هو أفضل بكثير، لكن ذلك لن يعوض تاريخ شيء ما... بيد أن ذلك التاريخ لم يكن قد وقع بعد. تنهدتُ. وعلاوة على ذلك، لقد شاركت لأهزم خصمتي في الخيمياء أخيراً. لكن بالنظر إلى أنها مجرد مبتدئة شريكة، بدا حتى ذلك النصر فاتراً بعض الشيء...
مع لمسة صغيرة فحسب. أما الباقي مني فكان لا يزال يشعر بشعور جيد بشأنه. تبّاً. السبب الوحيد الذي جعل تلك العاهرة تتمكن من الأقتراب إلى هذا الحد من هزيمتي يعود إلى الحيل الخبيثة التي مارستها (غالباً). نعود إلى صلب الموضوع، كان الربيع الصغير قد فقد كل شخص مقرب منه في هذه المرحلة من حياته. كنتُ أفراد عائلته الوحيدين المتبقين، مع أني كنت أخته الكبرى في الفنون القتالية تقنياً.
لكن رؤيتي وأنا أتعرض للأذى مراراً وتكراراً ربما جعلته يصاب بعقدة ما... ربما؟ تنهدتُ.
"في المواقف الخطرة، أتتصرف دائماً قبل أن أفكر، لذا لا يمكنني أن أعدك بأنني سأهرب متى ما أمكنني ذلك. ومع أنني لم أستعد سوى حديثاً كافة ذكريات حياتي السابقة، فإن تلك الذكريات عن كوني قوية تؤثر في طريقة تفكيري عندما أتعامل مع المواقف. لكنني سأحاول تجنب الأخطار بلا مبرر. أأنت راضٍ عن هذا؟"
لم أخبر أحداً قط أن حياتي السابقة كانت تشكل المستقبل تقنياً. ولم أنوِ فعل ذلك البداية. عانقني الربيع الصغير. كان وزنه أثقل من أن تتحمله حالتي المصابة فوقعت مجدداً على السرير.
غرس رأسه في كتفي وأومأ قائلاً: "ما دمتِ بأمان".
أملستُ شعره بحرج. يا له من مسكين مسكين. ظننتُ أنه سيتوجه إلى سريره، لكنه عوضاً عن ذلك، واستمراراً في معانقتي، غرق في نوم عميق فجأة. حسناً، لا بأس. يحتاج المرء للراحة أحياناً، وقد مر هذا الطفل بما يككر من أهوال في حياته. تباً لمؤلف تلك الرواية الحريمية الغبية الشيانكسيا الذي جعل بطلها الشاب يمر بجحيم بلا داعٍ أثناء شبابه. أعني، تباً، إن كنتَ تريد من القارئ التعاطف معه فأنا أفهم ذلك، لكن ألا يعدّ هذا مبالغة لعينَة؟
دَعْ له فرداً أو فردين من العائلة ليهتم به على الأقل. بعد كل شيء، لماذا يسعى أمره ليعيش طويلاً وحياته بالغة السوء؟ الانتقام لا يمكنه إيصال المرء سوى لمدى محدود. ومنح الشخصية حريماً ليس بديلاً لعينة عن العائلة! لقد كانت مجرد مجموعة مقتنيات لينة. خصوصاً في حالة سيف الدم إذ بدا وكأنه يتزوج منهن ثم يتركهن في الطائفة ليمضي في مغامرته التالية لجمع المزيد. وكأنه تزوج منهن لكنه لم يتحمل الاقتراب فعلياً من أي منهن بسبب خسارته الكثيرة للناس في الماضي.
لا أعلم. لعلني كنت مخطئة تماماً وكان يحب كل واحدة من زوجاته حقاً لكنه قرر أيضاً عيش حياة حافلة بالمغامرة المستمرة والارتقاء؟ داعبتُ شعر الطفل برفق. أكنتُ الفرصة الأخيرة للربيع الصغير ليعيش حياة طبيعية... حسناً، بالنسبة لممارس؟ إن كان الأمر كذلك، لكنتُ أفسدته بطريقة أو بأخرى. هذا يكفي. بدءاً من الآن، سأركز على سلامتنا. سيكون هناك متسع كبير للمغامرات ما أن يكبر. كما كان لا يزال يتعين علينا بلوغ تلك اللعنة من الطائفة عاجلاً لا آجلاً.
لكني كنت واثقة من أننا نستطيع تجنب المغامرات الخطرة أثناء السفر إلى هناك. غالباً.