"هذه حرب. ليست مكاناً لطفلة مثلها. تسللت إلى هذه المهمة بسبب فأرتها الباحثة عن الكنز المذهلة. إن لم تستطع تحمل القليل من التنمر المستحق إذن فهي ليست مستهلكة عقلياً لأهوال ساحة المعركة."
"مستحق؟ كيف يُعدّ سكب الزيت فوقها كله ’مستحقاً‘ اللعنة؟"
لم تكن لديه أدنى فكرة. نقرت على جبهتي.
"ظننتك ذكياً ولكني أشك في أنك مغسول الدماغ كَنصف الطائفة."
"ماذا يعني هذا؟"
"لا بد من أنك عرفتها منذ زمن طويل."
هزّ رأسه.
"لم أتحدث إليها قط قبل اليوم. رأيتها في أحسن الأحوال تتجول وأنا أؤدي واجباتي. بصفتنا جزءاً من منفذي الطائفة السريين يجب أن نبقى مخفيين ما لم نكلف بمهمة كهذه."
إذن فقد راقبها سراً وتأثر. اللعنة. لا بد من وجود طريقة لتصفية عقله كي يتسنى لي استخدام مهاراته.
"دعني أسألك هذا: هل ستثق بي وبأوامري متقدماً على سلامتها؟"
تردد.
"أنا مخلص للطائفة وقوانينها قبل كل شيء لا لك. وأوامري الحالية هي العمل تحت إمرتك في هذه المهمة."
"هذه ليست إجابة عن سؤالي. إن لم تستطع الثقة بأوامري فسأضطر إلى إعادتك إلى ملكة الدمى وجعل شخص آخر قائداً لفريقك."
هزّ رأسه.
"أخشى أن هذا مستحيل. فريقي لن يتبع سوايي."
لم يكن هذا مثالياً. لم يتبقَ لدينا الكثير من الوقت وهؤلاء الرجال كانوا يعملون بالفعل بشكل جيد مع فريق الربيع الصغير. ماذا لو شرحت الوضع؟ اللعنة. بالقدر الذي كرهت فيه الأمر حقيقة لا تتغير وهي أنه عندما يؤمن شخص بشيء بقوة يصبح من المستحيل تقريبا تغيير رأيه حتى عند تقديم حقائق دامغة. الطريقة الوحيدة لتغيير الرأي هي إخضاع ذلك الشخص لتجربة تظهر له مدى خطئه الشديد. إن عرف أحد ذلك فليكن أنا الذي عاش يوماً في عالم مسالم خلال حقبة التضلات الموجهة والأكاذيب السياسية والجهل المحتفى به.
جرد التفكير في كل هذا القرف من حياتي الماضية السابقة منحني رغبة ملحة في إلقاء تشي السيف على أحدهم. وهذا الرجل يُحتسب كـ ’أحدهم‘. ربما استطعت ضرب غسيل الدماغ هذا خارج رأسه؟ بصراحة كنت لأصفع فتاة الفئران. وبما أنني لم أستطع فعل ذلك دون سبب وجيه فربما كان ’التنازل‘ مع هذا الرجل أفضل خيار تالٍ. شق الربيع الصغير طريقه عبر الدمى وأمسك بكمي بقبضة بيضاء المفاصل كأنه يحاول منعني من ارتكاب جريمة قتل.
أعني أنني لم أكن أبدو غاضبة إلى هذا الحد أليس كذلك؟ فقط غاضبة قليلاً.
"أيتها الكبيرة لينلين، ما رأيك أن نراهن معه؟"
لوح الخنجر الخفي بيده ومنحتنا دمى نموره مساحة أكبر.
"ما الرهان؟"
التفت البطل الصغير إلى صانع الدمى.
"إن فزت في مباراة تنافسية خفيفة مع الكبيرة فسندعك أنت وفريقك تذهبان لتجدان غيركما. وستتراجع هي أيضا عن أوامرها لي بتدريب فأر المشاكسات الصغير بهذا القسوة."
رفعت حاجباي نحو الصبي.::ماذا حدث لامتناعي عن القمار بعد الآن؟:: ::أنت لا تفعلين! أنا من يعقد الرهان.:: بدا واثقاً بنفسه بشكل مبالغ فيه. ::لديك الكثير من الثقة بي.:: ::بالتأكيد لدي. أنت الجنية لين!:: تباً.
أوقعني بقولي الخاص.::هذا صحيح!:: "وإن فازت هي؟"
قال الخنجر الخفي وهو يقيمني بنظراته.
"حينها ستطيع أوامرها بلا مناقشة طوال مدة هذه المهمة. وستصدق أياً كانت الحقائق التي تخبرك بها حتى وإن بدت سخيفة."
لماذا شعرت بأن الوغد كان يفعل ذلك مراراً وتكراراً أكثر مما ينبغي له؟ أعني أنني كنت على حق دائماً تقريباً عندما تتعلق الأمور بالحقائق لذا فمن المنطقي بالطبع أن تثق بي!
"لا أستطيع تصديق أن شيئاً ما حقيقي لمجرد أنني خسرت رهاناً. رأيي لن يتغير هكذا."
"أنت محق. سأجد صعوبة في فعل ذلك أيضا."
ابتسم الصبي.
"إذن فلنفعل هذا. طوال الأسبوعين القادمين ستتخذ أفعالاً تتماشى مع أياً كانت الحقائق التي تخبرك بها. تعامل معها بالطريقة نفسها التي تعامل بها سلفاً عمره ألف عام يفهم أموراً تفوق إدراكك."
لو كنت أكل لقمة ما لكنت غصت بها. هل فضحني هذا الوغد حقاً بكل جديّة؟ من ناحية أخرى لا بد أن يكون المرء مجنوناً... أو منظراً مؤامراتياً عبقرياً ليعتقد أن هذا حقيقي. عقد النمر الرابض الخنجر الخفي ذراعيه وفحصني.
"بالنظر إلى إسهامات الكبيرة في الطائفة يمكنني فعل ذلك."
"إذن لدينا رهان؟"
"بالتأكيد. ولكن لنناقش شروط مباراتنا. لن يكون صائباً إبادة موارد ثمينة على هذا بينما ستصل الطوائف الأرثوذكسية قريباً."
"أوافق. لنبدأ بعدم استخدام أي تعاويذ أو أدوات دفاعية."
ينبغي إبقاء تلك للحرب. أومأ برأسه.
"أيضا، سمعت أنك تعملين بالدمى كذلك. وبما أنه ليس لدينا الوقت لاستبدالها فلنعتبر الدمية التي تُنزع أسلحتها أو تُعطل قليلاً مدمرة. وحين يحدث ذلك سنخرجها من المباراة."
هل ظن أنه سيحظى بميزة؟ هاه! حتى وإن كانت دماه مصنوعة من جثث وحوش روحية والتي قد تكون أصلب بكثير من دمى الشبيهة بالآليات الخاصة بي فهي مجرد أدوات روحية تتآكل مع مرور الوقت. ستحتوي دماه بالتأكيد على عيوب يمكنني استغلالها. في الواقع امتلكت كل الدمى أجزاء متحركة كثيرة تتداعى في نهاية المطاف. والاستثناء الوحيد كان تلك ذات الرتب العالية التي احتوت على تعاويذ الإصلاح الذاتي.
"ممتاز. لا أريد تدمير دمتاي بالقرب من الحرب هكذا أيضا. يجب أن نستهدف في أحسن الأحوال الأجزاء المتآكلة وحدها."
"إن استطعت فعل ذلك في منتصف القتال فسأعجب بك."
رددت على ذلك بابتسامة خبيثة. لوح بيده وأعاد نموره إلى خاتمه المكاني.
"بما أن هذا تبادل ودي للملاحظات فلنحدد الفائز فقط عندما يستسلم أحدنا أو يُفقد وعيه. لا موت."
"هذا أمر محسوم. كلانا حيوي للطائفة. أنت وفريقك مهمان لهذه المهمة. وأنا... كبيرة."
بدت تلك الكلمة بغيضة للغاية.
"إذن للحفاظ على عدالة الأمور وسلامتها يجب أن ندعو كبيراً محايداً ليراقب المباراة."
ظهر كبير المياه الهادرة الغاضبة في الهواء الطلق وقطب جبينه نحونا.
"ما الذي يجري هنا؟"
شبك الخنجر الخفي يديه وانحنى.
"أيها الكبير كن حَكَمَنا ارجوك!"
ابتسمت.
"أيها الأخ الأكبر تعال إلى هنا وحكّم مباراتنا بعدل."
أرسلت له رسالة تخاطرية توجز رهاننا ومعركتنا. عقد السيد غير المتجهم جداً ذراعيه.
"عادة كنت لأوبخ التلميذ هنا لاستجوابه كبيراً في الطائفة هكذا. لكني أتطلع لرؤية قدرة الأخت الكبيرة لينلين القتالية."
"حتى وإن لم أستطع استخدام هجماتي الأكثر فتكاً؟"
بالنظر إلى القواعد التي وضعناها كان وابلي من ألف جرح الذي أطاح بالمخربين مستبعداً تماماً. سيتمحور هذا القتال حول الفوز بالمهارة والدقة لا القوة. ابتسم.
"سيظل ذلك مثيرا للاهتمام لرؤيته بطريقته الخاصة."
"أظن ذلك أيضا. يبدو تحدياً ممتعاً بالنسبة لي. مع أن عدم قتله سيكون أصعب من إنهاء حياته."
"لا تقلقي. سأحرص على ألا يموت عن طريق الخطأ. وسأحكم في كل شيء بإنصاف."
وقف الخنجر الخفي صامتاً. سالت قطرة عرق على جبهته. في هذه المرحلة حتى وإن أراد التشكيك في حيادية المياه الهادرة الغاضبة كحَكَم لما استطاع.
* * *
دفع كبير النواة الناشئة وحدات المشاهدة إلى التل الذي وصلت إليه أول مرة وأنشأ درعاً يحميهم من أي هجمات طائشة. لوح مروضو الوحوش وهتفوا مشجعين لي. قفز الربيع الصغير أمامهم بادياً كأنه مشجع متحمس بأذني هسكي. كان الأمر محرجا بعض الشيء. من جهة أخرى تجمعت صانعات الدمى بصمت بجانب فأر المشاكسات الصغير. تحركنا إلى الحقل الصخري مع الحفاظ على مسافة خمسين ياردة بيننا. أخرج الخنجر الخفي دستة دمى.
كانت أغلبها مزيجاً من وحوش نوع النمر البرتقالي والأبيض، غير أن أربعاً منها كانت عناكب ذات أرجل مشعرة وأجسام بنية مخيفة. وامتلك أيضا دمية من نوع بومة حلقت بصمت مثل طائرة ورقية في السماء. وسعت حواسي السماوية ومسحت كل دمية للعثور على نقاط ضعفها. ومع أن النمور شكلت التهديد الأكبر فستكون العناكب الأصعب في الإطاحة بها لكونها سريعة خفية وصغيرة. بلوحة من ذراعي أخرجت عشرين من دمتاي.
كان على تقسيم عقلي إلى عشرة أجزاء للتحكم بها بدقة كلها. تسبب هذا بالطبع في صداع رأسي. لم يكن مفترضاً بالعقل أن يُقسم هذا العدد المرات في تأسيس الأساس. ولكن حتى مع وجود هذا القدر من العوائق التي ابتلينا بها كلا الطرفين فلن يستغرق هذا القتال وقتا طويلاً. أخرجت سيف السرطان وخنجري المصنف في المرتبة السماوية. عندما لوحت بهما داعب الهواء بضع أعشاب كافحت للنمو بين الحجارة.
تباً رائع! أتيحت لي الفرصة أخيراً لاختبارهما معا! ::آه، أيتها الأخت لين، ألا يجدر بك التمسك بقيثارتك؟:: تباً. كان الربيع الصغير محقاً. بغض النظر عن مدى قوة الرغبة في بذل أقصى جهدي باستخدام نصل الجديد الرائع كنت ما زلت جاسوسة. كان علي البقاء في دور الشخصية حتى وإن بدت تلك الشخصية معلقة من شعرة في هذه المرحلة. أعطيت سيف السرطان لأفضل دمية سيافة لدي والتي أسميتها حديثاً برايان الباسل.
وتلقت دمتي الثانية من حيث الجودة ميلين المعتوهة الخنجر. بمجرد أن أخرجت قيثارتي أومأ لي المياه الهادرة الغاضبة.
"ابدأ المباراة!"
لوح الخنجر الخفي بيده مع تفريق أصابعه وقفز إلى الخلف. واختفى داخل عاصفة من الدخان متلاشياً تماماً. حتى باستخدام حواسي السماوية لم استطع معرفة أين ذهب. مما يعني أن تقنية التخفي التي استخدمها كانت على قدم المساواة مع تقنية التنكر الخاصة بي. تbاً. لو علمت أن هذه الطائفة تمتلك شيئاً بهذه الجودة لحاولت الحصول عليه. تطاير التراب والصخور خلف دمى النمور وهي تندفع للأمام بنمط متعرج.
وكادت العناكب تختفي وهي تمتزج بالحصى. لقد كانت تلك حركة افتتاحية جهنمية حقاً نفذها الخنجر الخفي! مع مجهولية موقعه لم استطع تركيز طاقة أغاني الصخرية عليه. ولم تتأثر الدمى الخالية من الأرواح أيضا. كما لم استطع قطعها باستهتار بسبب شروط المباراة. أبقيت برايان الباسل بجانبي وأرسلت الأخريات يندفعن للأمام في أزواج كفصيلة محاربين شجعان. الأولتان ليندا الماكرة والسيد الشرير روكر استهدفت بهما النمر الأكبر.
عندما اقتربتا فتح الوحش فكيه عارضاً أসناناً هائلة. أمسكت ليندا بسيفها فوق رأسها وخطت على كتفي زميلتها الدمية لتقفز فوق ظهر النمر. أمسك السنور الكبير بالقيثارة من يدي السيد الشرير روكر ورماها جانباً. لكونها جُرِّدَت من سلاحها تركتها ترتخي. طعت ليندا النمر في ظهره تماما بين الصفائح المعدنية التي تدعم عموده الفقري. وبجذبة فصلت فقرات النمر. فسقط على الأرض. عندما نهضت الدمية الماكرة تكاتف النموران خلفها.
أمسك أحدهما بذراعها بين أسنانه بينما انتزع الآخر سيفها من يديها ورماه بعيداً. فصلت خيوط التشي الخاصة بي عنها. فهبطت مرتخية على الحصى. جعلت بقية فصيلتي الصغيرة تتجمع ضد النمور. وبينما شتت واحد أو اثنان كل دمية سنور من الأمام متخليين عن أسلحتهم وآلاتهم الموسيقية بسهولة لمنع تلفها عطّل آخر الوحش مستخدماً نقاط الضعف التي رأيتها عندما مسحتها بحواسي السماوية. طعن أحدهم خنجراً في ورك مخطط بالأبيض ولتواء لفصل مفصل ضعيف.
وطعن آخر عصا طبله في كتف منتفخة وعضلية مخلعاً إياها. دمية ضخمة ذات ذراعين سميكتين تدعى بيرت الكبير استخدمت ضربة يد سكين على عنق نمر. وبعد طقطقة عالية ومزعجة سقط الوحش. وما إن سقط النمر الأخير شعرت بتلميح من توحش الدم. التفت ورفعت قيثارتي. ضرب وميض فضي من خنجر نحوي. وتردد صدى رنين عالٍ عبر الساحة إذ قُطعت كل أوتاري. رائع! استخدم هذا الرجل توحشه ليشتت انتباهي عن غرضه المنشود مستهدفاً تعطيل سلاحي تحديداً!