كان وانغ مينغرين، أو سبرينغ كما صار يُدعى الآن، يعلم أنه ملزم بمنعها. لم تكن هناك أيّ طريقة ممكنة لأي شخص، حتى لو امتلك جسداً برتبة إس إس، للبقاء على قيد الحياة عند الاقتراب من حمم بركانية شديدة السخونة من هذا الحدّ ودون درع مخصص لذلك. في الواقع، لقد كان ساذجاً أكثر من اللزوم سابقاً، ظناً منه أنها ستضيف شيئاً إلى الدرع ليتمكن من مقاومة الحرارة، أو أنها ستكون قادرة على استخدام قواها الروحية الغريبة لترويضه وجعله يأتي.
ظنّ أن الأمر سيكون سهلاً. لقد كادت لا تتحدث عن الأمر، كأنما سيكون سهلاً. لذا، وحين قالت إنها ستتوجه إلى هناك دون أي حماية، أمسك بمعصمها لا شعورياً. كان مستميتاً لإبعادها عن بحيرة الحمم الهائلة. كان ذلك أمراً سيقتلها حتماً. لم يستحضر حتى ما قالهر ليجعلها تبقى بما ردّت به، لأنها أزاحت يده وكأنها مخالب قطة. ثم ابتسمت باتساع كأنها واثقة تماماً من نفسها قبل أن تتراجع خطوة إلى الهواء.
ورغم أنه رأى منها هذا الفعل من قبل، إلا أنها كانت تقف في تلك اللحظة وأمامها بحيرة حمم مضطربة. جعلها الهواء تتطاير، وبدت بزتها السوداء الخاصة بالقيادة ملائمة لها حقاً. بصراحة، كانت تتحرك كملكة جبارة.
[Image Link]
ثم استدارت وانطلقت راكضة فوق البحيرة كأن شيئاً لم يكن. ولم تعبأ قط بأن وظائف زيّها لن تصمد أمام تلك الحرارة. كانت رائعةً إلى حدّ لا يُصَدّق، ولم تكن تدرك ذلك حتى. حسناً، ربما كانت تدرك. لكن بحسب ما رأى، لم تكن تلحظ كيف كانت أعين الجميع تنجذب نحوها كلّما دخلت مكاناً. تباً، حتى الأمير تشاد كان يتوقف حين يراها، كأنه يزن شخصاً قد يمرّغه في التراب يوماً. لقد سحرت الجنية لين ستيفر، وهو روبوت تجسس لعين، لمجرد وجودها فحسب!
وبدت أكثر حقيقيّة من أي شخص آخر التقى به مينغرن، وتأكّد أن الباقين الذين التقوها شعروا بالمثل. غير أن ذلك كان يشعرهم بالغرابة، بينما بدا له هو العكس تماماً. في الواقع، شعر طوال الأشهر القليلة الماضية بارتياح شديد كلّما كان بقربها لدرجة أنه بدأ يساوره القلق. ماذا لو بدأ يحبّ الأمر أكثر من اللازم؟ ماذا لو اعتاد على هذا ومجانينها وعجز عن العودة إلى حياته الطبيعية؟ لذا، ومن أجل سلامته النفسية، أمضى وقتاً أطول بعيداً عنها.
وكان جزء من ذلك يتمثل في التعرّف إلى أخته الكبرى الحقيقية بالدم. أخبرته ياوياو عن حياتها القاسية في كوكب القمامة. وعن نشأتها يتيمة تعاني من فقدان الذاكرة، وأنها تذكرت مؤخراً فقط أن لديها أخاً أصغر لطيفاً. وتذكرت كيف انفصلا خلال هجوم حشرات الكوكب، وقُتل والداها وتُرِكت هي لتلقى حتفها. لقد كان مسروراً للغاية بالتعرّف إليها... لدرجة أنه حين أخبرته بعدم ارتياحها لتبنّي الدوقة لين لها، قرر الانسحاب من سجل عائلة لين ليتمكن من الانضمام إلى عائلة أخته، حتى لو استدعى ذلك أن يشق طريقه في المدرسة بنفسه.
والسبب الوحيد الذي جعله يتردد هو ذلك الشعور المريح. وفي نهاية المطاف، تخلى عنه شريكه مصمم/مهندس الآلات الضخمة في هذا التحدي. وحين أدرك أن لديه عذراً لقضاء بعض الوقت مع الجنية لين، أدرك أيضاً أنه يشعر بسعادة أكبر قليلاً مما ينبغي. كأن وجوده بقربها هو المكان الذي يجب أن يكون فيه بالضبط. وكأنّه فقد فرصته مرة من قبل، ولا يمكنه السماح لها بالإفلات في هذه الحياة. راقب سبرينغ الجنية لين وهي تلوح بعفوية قبل أن تغطس في وسط البحيرة.
وضغط بيده بقوة على الحقيبة التي أعطته إياها. كان عليه أن يثق بها. وأن يكون شخصاً يمكنها أن تثق به. أخرج البخاخ الذي أخبرته عنه وقفز من مقصورة الآلة الضخمة. كانت العضلات الصناعية التي تستخدمها الآلات الضخمة مادة تشبه السحر تقري تماماً، فهي صلبة ومطاطية في آن واحد. ولكن مثل العضلات الحقيقية تماماً، يمكن أن تتعرض للإجهاد أو السخونة المفرطة. ولهذا السبب كانت الصيانة ضرورية، حتى لو تطلبت العضلات عالية الجودة صيانة أقل إجمالاً.
وبصفته قائد آلة ضخمة، كان على سبرينغ تعلم أساسيات الصيانة تحسباً لانفصاله عن وحدته يوماً واضطراره لإصلاح الأمور بنفسه. وجد سريعاً العضلة الواقعة في الكاحل التي تحتاج إلى الرش، واستخدم طاقته الروحية لفتح قطعة الدرع التي تغطي العضلة، ثم أزالها. فانكشفت الخيوط الرمادية التي تبدو كثيراً كحزمة حبال مصنوعة من ألياف الكربون. وكان جزء من العضلة الأقرب إلى الكاحل قد اِسودَّ نتيجة الاستخدام.
وسيتعين عليهم استبدالها في وقت ما خلال اليومين القادمين. ومع أن تشكيلة البرق التي أضافتها لين إلى الآلة قد قللت بالتأكيد من إجهاد العضلات الناجم عن الوزن، إلا أن سرعتهما المتزايدة جعلتهما تعملان بجهد أكبر وتسخنان بشكل أسرع. نزع غطاء العلبة ورش الأجزاء المودّدة. وعلفت المواد الكيميائية سحرها، وبدأت العضلة تتحول من اللون الأسود عودة إلى الرمادي. مسح سبرينغ العرق عن جبهته وأعاد قطعة الدرع إلى مكانها الصحيح وأحكم قفلها بطاقته الروحية.
حتى مع بنيته الجسدية من الفئة إس إس، فإن التواجد بالقرب من بحيرة حمم بركانية كهذه كان يستنزفه. التفت لينظر إلى البحيرة. فقد بدأت تفور وتغل سيما حيث اختفت لين. وثارت نصف دزينة من نوافير الحمم البركانية الصغيرة من تلك المنطقة. ستكون بخير، أليس كذلك؟ استمرت البحيرة في الانفجار وقذف دفعات وأمواج من الأرض السائلة. عاد سبرينغ إلى المقصورة وأعاد تشغيل النظام، إذ لم يعد بإمكانه المجازفة بتلقي ضربة والمعاناة من ارتفاع درجات الحرارة.
وما إن استطاع التحرك حتى انطلق نحو حافة الفوهة. بدأ مستوى الحمم في الارتفاع كأن الجبل برمته على وشك الانفجار. لا أُف! لا هو ولا آلتهم الضخمة سيصمدان بهذا المعدل. تحول وسط البحيرة من اللون الأصفر بنقاط زرقاء إلى الأبيض والأرجواني. تدفقت نبضة طاقة من وسط البحيرة. وحين ضربت سبرينغ، اضطر إلى التراجع عشر خطوات إلى الوراء داخل الآلة لتشتيت الطاقة. وفي النهاية، لم يتحمل الأمر وسقطت الآلة الضخمة تماماً حين تجاوز الحافة.
ضغط بيده على قلبه الذي كان ينبض بجنون. الجنية لين بخير، أليس كذلك؟ أكانت موجة الطاقة تلك هي أم ذلك اللهب الغريب؟ أوقف آلته الضخمة على قدميها ببطء وأطل برأسه فوق الحافة. وبدلاً من بحيرة حمم على وشك الانفجار، وجد الألوان تتغير من الأبيض إلى الأصفر، ثم إلى الأحمر. وشرعت الأجزاء القرمزية من البحيرة في التحول إلى اللون الأسود. شد يديه لتصبحا قبضتين فقلدته آلته الضخمة. لم يعد اللهب الغريب موجوداً، مما أبقى البركان منصهراً إلى الأبد.
ابتلع لعابه. لقد فعلتها! رغم ماذا لو أنها أذت نفسها أثناء القيام بذلك؟ كان عليه الاقتراب منها. بأقرب ما يمكن لآلته الضخمة أن تصله. للأسف، لن يحدُث ذلك حتى تبرد الحمم بما يكفي ليمشي فوقها. ربما يمكنه فعل ذلك سيراً على الأقدام؟ ماذا لو كانت في جوف الأرض حين تبرد الحمم حولها؟ إلى متى يمكنها الصمود؟ ماذا لو نجحت، ثم ماتت؟ إن كانت ستعود، ألم تكن لتعد الآن؟! وجد نفسه محشوراً في منتصف الطريق نحو أسفل الفوهة مرة أخرى قبل مغادرة الآلة.
كانت الآلة ثقيلة للغاية وستغرق وتظل عالقة. ولأسف الحظ، كان يرتدي زياً بالمواصفات المطلوبة لتحدي البقاء هذا بدلاً من بدرته المدرعة العادية. وكان يحتوي على بعض القطع الإلكترونية التي لا تحتمل حرارة الحمم القصوى لفترة طويلة، لذا تركه داخل المقصورة مع جهازه اللحي الصغير. لكنه التقط مجرافاً للبقاء. أبقاه ذلك بلا شيء سوى بعض السراويل القصيرة وقميص بلا أكمام يعمل كدرع خفيف من الفئة إس إس.
ولم يكن يمتلك حتى حذاءً. لكنه امتلك بنية جسدية من الفئة إس إس كان المفروض أن تحتمل درجة حرارة الحمم الحالية والأكثر واقعية، بخلاف الإنسان العادي الذي كان سيموت قبل الاقتراب من تلك المواد السوداء. خطوته الأولى على الحمم أفزعته حتى الموت. غرق عدة بوصات، لكنه ظل واقفاً فوقها. احترقت قدماه بشكل مرعب. والطريقة الوحيدة لاجتياز هذا هي المضي قدماً. بدأ الجري فوق الحمم المتصلبة.
في الواقع، بدا أنها تتصلب بشكل غير طبيعي أيضاً، كأن شيئاً ما كان يسرع العملية. ابتلع لعابه، لكن الهواء في رئتيه كان جافاً بالفعل. وغادرت الرطوبة جسده بسرعة.
[Image Link]
اقترب من وسط البحيرة. كان هذا الجزء الأقسى والأبرد من بينها جميعاً. وكان هناك شيء غير صحيح فيه قطعاً. أغمض عينيه وتحسسه. ذلك الشعور المريح. المكان الذي بدا أكثر حقيقيّة من أي شيء آخر. واستخدم كل قوته لغرس مجرافه في الأرض المتصلبة والحفر. تكونت بثور على أصابع قدميه. واستمر في الحفر. وأي عرق غادر جسده تبخر على الفور. واستمر في الحفر. تغيم بصره وأسودّت حوافه. لم يهم ذلك. حفر أكثر على أي حال.
وما إن شعر أن جسده على وشك الاستسلام، حتى توهج جلده وغمره مسبح من الطاقة لم يكن يعلم حتى أنه يمتلك حق الوصول إليها. وسمح له ذلك بالاستمرار حتى استخرج شيئاً مميزاً. هنا. يد شاحبة وخالية من العيوب. تحركت. حفر حولها بأسرع ما يمكن، محركاً الحجارة الساخنة. ثم أمسك بها وسحبها. طارت الجنية لين من الأرض شبه المتصلبة عملياً. خارت ركبتا سبرينغ، لكنه رفض ترك اليد التي حفر من أجلها بيأس.
وحين سقط على ظهره، سحب لين معه بالخطأ. بالطبع، تدحرجت هي فوراً وأمسكت بكلتا قبضتيها في الهواء كأنها تحتفل.
"هاه! لقد خرجت! موهاهاهاها!"
غطى سبرينغ عينيه بذراعه وضحك. نقرت مفاصل أصابعها على جنبه.
"هي. كان بإمكاني الخروج بمفردي، لكن... لقد أبليت بلاءً حسناً."
ومما يثير الصدمة، بدت مرتاحة وسعيدة.
[Image Link]
شعر بطاقتها الروحيّة الكثيفة تفحص جسده فارتجف مباغتةً. رفعت ذراعه والتفت لينظر إليها. ابتسمت باتساع.
"وهنيئاً لك بلوغ مرتبة إس إس إس في جسدك!"