استعملت إدراكي السماوي لنساعد أنفسنا في تفادي أي وحوش، فبلغنا سفح الجبل في غضون ساعتين. التفت سبرينغ قليلاً. وتصبّب عرقاً على جبينه ليُظهر مدى صعوبة قيادة آلات آلية قديمة الطراز كهذه.
قال: "أيتها الجنية لين، ألا تسير الأمور بسلاسة شديدة؟"
أرسلت نفضة من الطاقة الروحيّة نحو مؤخرة رأس سبرينغ.
قلت: "أأنت جادّ في جلب النحس علينا هكذا؟ تسير الأمور بسلاسة لأني بارعة حقاً."
ركض نحو البركان. جعل المنحدر الشديد سرعتنا تتناقص بشكل ملحوظ، لكنّ الأشجار القليلة على الأقل لم تقطع طريقنا. على بعد نحو ثُلثي الطريق إلى القمة، لم يعترض سبيلنا سوى شجيرات شائكة كثيفة. وفي حين ساعدنا هذا على التحرك أسرع، إلا أنه جعلنا مكشوفين أيضاً. ولو قرر أي شخص التطلع نحو البركان، لرأى بسهولة آلتنا البيضاء الزاهية بأضوائها الورديّة النيون في جنح الليل.
قلت: "أسرع بالدخول إلى فوهة البركان قبل أن يتم تسجيلنا. لا أود توظيف فريق من مخترقي الحواسيب لمسح الأدلة."
أطلق زفرة، ثم مضى قدماً دافعاً نفسه إلى الأمام، وقفز بأقصى سرعة استطاعها حتى تجاوزنا حافة البركان. انبسطت أمامنا بحيرة حمم ضخمة. انطلق نافور من الأرض السائلة الساخنة من سطح البحيرة، ناشراً شظايا نيران في كل مكان.
كلا، لم تكن كلمة "نافور"
منصفة لهذا الشيء. كان الأمر أشبه بمواجهة برج من الحمم انهار بغتة. ارتدّت آلتنا عندما أخطأ سبرينغ الحساب وخطا خطوة سيئة. بدأنا بالانزلاق أسفل المنحدر نحو السطح المتوهج. ظهرت رسائل خطأ وتحذيرات على شاشة عرض الآلة. فتحت عقلي الضوئي وعملت سريعاً على تصحيحها من هنا. لسوء الحظ، بدا وكأننا مزّقنا عضلة اصطناعية في كاحل الآلة. كانت الحرارة الصادرة عن الحمم غير الطبيعية هنا حارقة قليلاً على الدرع الخارجي الرديء الذي تمتلكه هذه القطعة.
أذابت الأرض الأجزاء المطاطية من قدمي الآلة. لم تكن هذه الآلة مهيأة لبيئات متطرفة كتلك التي صُممت لها آلاتنا المخصصة. أوقفنا الآلة أخيراً على بعد أربعة أمتار فقط من البحيرة المشتعلة.
قلت: "أرجعها للخلف. هناك حافة شبه مسطحة على بعد عشرة أمتار إلى اليسار."
عرّج بنا سبرينغ نحو الحافة. فككت أحزامي سريعاً وتجاوزته لأفتح قمرة القيادة.
قلت: "هذه الآلة غير مهيأة لبيئات الحرارة الشديدة. لكن لا تقلق. أُخطط للذهاب وحدي من هنا."
أمسك سبرينغ معصمي قبل أن أتمكن من المغادرة.
قال: "ماذا تقصدين بالذهاب وحدكِ؟ ألا يمكنكِ استدعاء ذلك اللهب الغريب هنا؟"
آه، انظر إلى هذا الفتى. عبثت بشعره.
قلت: "لا تقلق بشأني. هذه ليست مرتي الأولى."
ناولته عدة الإصلاح.
قلت: "بينما أنا غائبة، استعمل بخاخ الاسترخاء على كاحل الآلة. ينبغي أن يعيدك ذلك إلى لياقتك القتالية. وإنْ حرصت على ألا تذهب إلى مكان زلق للغاية. فالمطاط الموجود على القدمين ذاب بالفعل."
قطب حاجبيه. نزعت يده عن معصمي وخطوت خطوة للوراء، على وسادة من إدراكي السماوي.
[Image Link]
لوحت باختصار وأنا في الهواء قبل أن أصنع وسائد أخرى استعملتها للقفز بخفة نحو منتصف البركان. بالطبع، كانت الحرارة مؤلمة للغاية، لكن جسدي الجديد هذا كان يقواها. حين بلغت مركز البحيرة، لاحظت نقاطاً من الزرقة في دائرة صفراء زاهية، تحيط بها كعكة محلاة من الوردي الساطع. لقد حدث هذا بالتأكيد بسبب لهب غريب. ثم جاء الجزء الصعب. كانت الألهبة الغريبة مبنية بشكل مختلف. إذ امتلكت جزءاً وهمياً يبدو أكثر وضوحاً للناس.
أما أولئك الذين حاولوا لمس هذا الجزء فغالباً ما وجدوا أنفسهم محترقين حتى الصُّداع. ومن لم يفعلوا، أدركوا قريباً أنهم خُدعوا. بالطبع، سينتقل اللهب الغريب حينئذ من موقعه الفعلي. لم تكن هناك سوى طريقة واحدة لجمع واحد بنجاح. وكنت على وشك محاولة ذلك. لويت أصابعُ أطرافي في أختام يد وألقيت درعاً طارداً للحرارة حول جسدي. ثم مارست تقنية تنفس السلحفاة. سيمكنني هذا من الاستمرار لأكثر من ساعة أو ساعتين بلا هواء.
لم أكن متأكدة مما إذا كنت أستطيع ترويض اللهب في ذلك الوقت، لكن كان لزاماً عليّ فعل ذلك. ثم لوحت لسبرينغ الذي ربما لم يكن يرانِي جيداً قبل الهبوط في الحمم، مباشرة بجانب علامات اللهب الغريب. في البداية، وبسبب الطفو، طفوت قليلاً فوق الحمم. كان عليّ صنع وسائد من الإدراكي السماوي لأستعملها مقبض يد أدفع به نفسي أعمق في البحيرة. أحاطت بي الحمم. وحتى مع تعويذة الدرع، ضربت الحرارة الحارقة جلدي.
بدا أن شفتي وفمي وعيني جفت بالفعل. كان هذا لهاباً قوياً للغاية أنا على وشك مواجهته. بعد نحو عشر دقائق من النزول تسلقاً، هبطت بغتة واستقرت مؤخرتي على أرضية كهف ساخنة.
صرخت: "تباً لذلك!"
وقفت وتفحصت زيّ طيار الآلة للتأكد من أنه لم يحترق. لحسن الحظ، صُنع من مادة متينة من الفئة إس إس، حتى وإن كان ذلك الزي الرخيص المقدم من المدرسة. مشيت في النفق الوردي حتى بلغت كهفاً رأيت فيه خللاً في الكون. وجدْتُ على الأرض لهباً غريباً وصغيراً بدا كأنه نار صفراء، تتقاطع معه خطوط صفراء وزرقاء. وفوقه خطوط زرقاء وصفراء طويلة تذكرنا بالمعدن الموجود في لوحة أم الحاسوب.
وكأن اللهب الغريب أدرك أن سمة هذا الكون مختلفة فغير نفسه ليطابقها.
[Image Link]
أيّ اللهبين الغريبين هو الحقيقي إذن؟ أذاك الكبير في الأعلى، أم الصغير في الأسفل؟ لم أكن أملك سوى فرصة واحدة للمحاولة. ولم أسبق أن واجهت هذا النمط من اللهب من قبل. لكنه سيف بالغرض في خطتي. مسحتهما معاً بحواسي الروحية. أجل، لم تفلح الطريقة. بدا كلاهما حقيقياً بالقدر ذاته. انحنيت قرب اللهب السفلي لأتأمله بتفصيل أكبر. وكأنه كان يلوي المكان من حوله.
"..."
لا. ألا يمكن أن يكون الأمر بهذه البساطة؟ بسطت حواسي الروحية على الجزأين. تباً لي. خللت أصابعي في شعري وأطلقت زفيراً. حسنٌ، لقد كان من حسن الحظّ أن روحي بلغت مرتبة الصعود الخالد، فلن أحتمل شيئاً كهذا لو كنت في مرتبة النواة الذهبية حقاً. لهب غريب لعين يؤثر في الزمكان لدرجة تخلق ثقباً ددودياً! ما هذا الهراء العلمي الخيالي بحق الجحيم؟ فبدلاً من وجود نسخة وهمية، انشطر اللهب إلى نصفين، ليفشل كل من يحاول روض جزء واحد منه فحسب.
إنه لخبيث! حان وقت ترويضه إذن. أحطت الجانبين بحواسي الروحية، أو بالأحرى، حاولت فعل ذلك. لا بد أن اللهب الغريب قد استشعر نواياي، إذ بدأ المكان من حوله يلتوي. وحين حركت حواسي الروحية نحو اليسار، كانت تتحرك للأعلى. وحين قربتها منه، ظهر على الجانب الآخر فجأة. لقد بدأ ينفد صبري حقاً. سحبت حواسي الروحية بالكامل، ثم غرقت المنطقة بها حتى فاضت، دون أن أترك أيّ مخرج ممكن. لم يعد يهم إن كان الأعلى يميناً واليسار خلفاً، فقد كنت في كل مكان.
بدأت أضغط على اللهب الغريب وأكثفه. بدأ الكهف المحيط يذوب، وغلتا الحمم البركانية في الأعلى. قسمت عقلي إلى نصفين. تولى جزء معركتي ضد اللهب بينما تكفل الجزء الآخر بجسدي. انطلقت رماح من الحجر المنصهر نحوي. تفاديتها. انكمش اللهب أكثر واشتد حرارة. تحول ضوء اللهب الأصفر إلى أبيض بينما أصبحت الزمات الزرقاء داكنة واكتسبت مسحة بنفسجية فائقة. انفجرت نوافير صغرى من الحمم من تحتي.
تخطيتها بخطوة جانبية عابرة. سقطت كتلة هائلة من الحرارة البيضاء الساطعة فوقي. كدت أصرخ من شدة الحرارة، لكن درعي كان ما زال يعمل. دفعت الكتلة بعيداً عني. لم يكن هذا الشيء ليخضع دون قتال. لقد حان الوقت لرفع حدة القوة من مرحلة خلق العظام الخالدة إلى مرتبة الصعود الخالد. تقيأت بضعة دماء. بالكاد استطاع جسدي احتمال استخدام حواسي الروحية في أقصى مستوى، ولفترة قصيرة فقط.
"هاهاهاها! استسلم! أنت لي. لي!"
طويت اللهب على نفسه حتى تكثف إلى نار صغيرة بحجم راحة يدي. قمت بحركة قبض، مجذباً اللهب نحوي. ثم غمرته بتعويذات تقييد، نازعاً إياه من مكانه الطبيعي، ومن هذا الكون، وجاعلاً إياه خادماً لي. عصرت اللهب في كفي وأمعنت النظر فيه.
"أنا سيدك الآن. أطعني وازدهر. عادني وعانِ العذاب. منذ هذه اللحظة، لا يمكنك الوجود دونه".
ذبل اللهب قليلاً. ابتسمت. مع أنها لم تكن واعية، إلا أن لكل منها روحاً. ولهذا السبب بذلت كل ذلك الجهد كي لا تُؤسر. حان وقت إخفائه الآن. لفته بحواسي الروحية وأدخلته إلى مساحة روحي. سيكون الأمر مزعجاً بالنسبة لي إذ لا مفترض بشيء أن يدخل إلى هناك سواي، لكن لم يكن لدي خيار أفضل. بردت الحمم المتوهجة بياضاً قبل قليل فجأة وبشكل غير طبيعي إلى اللون الأصفر. كان علي الخروج من هنا سريعاً قبل أن أجد نفسي عالقاً في وسط صخور بركانية صلبة ومتحجرة.
عندها انهار الكهف. وسقطت أطنان حرفية من الحمم فوقي.