أمضينا بعض الوقت في الأعمال الورقية المملّة لكن الضروريّة، فأنضممت إلى النقابة، ووقّعت الاتفاقيات القياسيّة، وسجّلت اسمي في البطولة احتياطياً. ثُمَّ تلقّيت شارة النقابة الحديديّة التي ترمز إلى مكانتي عضواً شاباً، إضافةً إلى الورقة المخبومة التي توجز اتفاقنا. كبّدنا هذا كله ثمانمائة حجر روحيّ. أدمى ذلك قلبي. لحسن الحظّ، نجحت في ألاّ أتقيأ دماً هذه المرة، خصوصاً بعد أن علمت أنّ أسعار القدور المبتدئة المستعملة تبدأ من ألفين فصاعداً.
استخدمت قليلاً من الطاقة الروحيّة لألصق شارتي على الجانب الأيسر من صدري مثل باقي أعضاء النقابة، ثُمَّ قادنا الموظف حجر إلى غرفة خلفيّة جميلة مُعدَّة للجلسات الخاصة. بعد وقت قصير، دخل المدير. وبلوحة من يده، جعل قدراً كبير الحجم يظهر ويستقر على الطاولة. انحنى الخشب تحت ثقله. وممّا يثير القلق، بغض النظر عن بضع بقع ظهر فيها لون الذهب الأصلي، بدا سطح القدر مغطى ببقع دخان تعود إلى قرون من الاستخدام.
لكن أكثر ما صدمَنِي كان الرائحة. رائحة لم أستطع تجاهلها حتى بعد أن أغلقت منفذ أنفي. تقيأ الربيع الصغير وغطى أنفه فوراً. لم أكن لألومه. حقاً، كان بإمكاني وصفها بأنها رائحة دخان لكن ذلك لم يكن منصفاً لهذا النتن الشديد البشاعة. الشيء الوحيد الآخر الذي كانت رائحته قريبة من هذه الكارثة المروعة هو شيء من حياتي السابقة الأولى. شيء ظننت أنني نسيته. كنت، في مرحلة ما من شبابي الأحمق، قد سخّنت قطعة دجاج مجمد في الميكروويف.
كانت التعليمات تقتضي وضعها لعشر دقائق على طاقة منخفضة... وضعتها على طاقة عالية... عن طريق الخطأ... غالباً. لكن ما ظهر بعد ذلك كان كتلة متفحمة سائلة. بدت كأنها تذوب وتغلي بشكل غير طبيعي. وكانت نتنة كأن عفريت دواجن جهنميًّا قد هبط من عالم الشمون ليلعن مطبخ عائلتي... أو تماماً مثل الدخاني العجوز. كانت تلك الحادثة مسؤولة أيضاً عن صفي للأبد عن الطهي. لحسن الحظّ، أصبحت ممارساً للروح ولم أحتاج قط إلى التعلم.
بعد إلقاء نظرة واحدة عليه، شدّ الربيع الصغير كمّي بسرعة. ربت على كتفه مطمئناً؛ ففي النهاية، قد لا يكون سيئاً كما بدا. لأنه استحال أن يكون سيئاً بقدر نتانته.
قال المدير وهو يتظاهر برشاقة بأنه لم يكن مبتهجاً بسعادة للتخلص من هذا المسخ، لكن زوايا شفتيه ارتفعت لتفضحه: "هذا هو الدخاني العجوز."
بعد أن تفحصت القدر بالحسّ السماوي، حدقت في هذا المدير بكل جديّة.
"وكم بقي من الوقت حتى تبدأ البطولة؟"
"سنبدأ نحو وقت متأخر من الصباح."
أومأت. كان ذلك بعد ساعتين تقريباً.
"اسمحوا لي باستخدام هذه الغرفة حتى ذلك الحين."
قال قبل أن يهرب هو والموظف حجر من الغرفة فعلياً: "خذ راحتك."
وتوقفا فقط ليغلقا الباب بقوة وسرعة، محاصران إيانا مع الرائحة. أغلقت الباب خلفهما لأجل الخصوصية.
وعيناه تدمعان، قال الربيع الصغير: "الخرافية لين!"
"أنا أعلم!"
كنت قد أخرجت أعلامي بالفعل وبدأت أبسط مصفوفة تمويه نظراً لعدم امتلاكي الوقت أو المساحة الكافية للقيام بتشكيل أكثر تعقيداً. بمجرد أن شغّلتها بحجر روحيّ اختفى الربيع الصغير إلى مساحته. تبعته بعد فترة قصيرة، لكنني أرسلت القدر مباشرة إلى حدادة الأسلحة والأغراض بينما أرسلت جسدي إلى مكان قريب من البحيرة. استنشقت أنفاساً عميقة من الهواء النقي. اللعنة، كانت الرائحة لا تزال عالقة في منخريّ!
قفزت إلى ماء الينبوع وطهّرت جسدي بالكامل. بعد دقيقة، كانت الرائحة البشعة لا تصدق قد اختفت. بجدية، كانت هذه المساحة هي الأفضل. الآن بعد أن أصبحت حراً وقادراً على التفكير، نظرت في خياراتي. كان الدخاني العجوز عينة مثيرة للاهتمام من القدور. الحكم من مسح الحسّ السماوي الذي أجريته، لم يكن أداة روحيّة، لكنه كان أعلى مستوى يمكن أن يصل إليه قدر حبوب غير روحيّ. على الأقل لقد كان في نقطة ما.
كان المعدن ممتازاً، لكنه كان يحمل الكثير من التآكل نتيجة نجوه فعلاً من العديد من الانفجارات منخفضة المستوى. واستطعت معرفة أنه على الرغم من حالته الحاليّة، فإن المالك السابق قد أحبّ الدخاني العجوز كثيراً لدرجة أنه، حتى في هذه الحالة المقلقة، لم يتحمل التخلص منه وبدلاً من ذلك عهد به إلى نقابة الكيميائيين ليُباع لطلاب جدد فقراء. أو فعلوا ذلك كدعابة. لكني شككت في ذلك.
كانت النقابة ستتخلص منه لو كان الأمر كذلك. المرجح أن هذا كان ينتمي إلى أحد الكيميائيين ذوي المستوى الأعلى الذين لا تستطيع النقابة تحمل إساءتهم. شخص أحب هذا القدر القديم. وحُمِّل بالحب لسبب وجيه. أبعد من المواد الممتازة المصنوع منها، كان يتمتع بتصميم جميل لكنه شديد العمليّة بالنسبة لقطعة أثريّة. للأسف، كان كبيراً بعض الشيء بالنسبة لتفضيلي. بدا الأمر وكأنّه كان مقصوداً في يوم ما ليكون قدراً روحياً قادراً على تغيير حجمه إلى سلاح لكن الحداد نسى إضافة المكونات المناسبة في اللحظة الأخيرة.
هذا بالطبع جعله مسخاً ضخماً يتخصص في إنتاج كميات هائلة من الحبوب منخفضة الجودة. جعلني أتساءل. لو أن الدخاني العجوز الجيد تحول إلى أداة روحيّة، فهل كان سيطور روح عنصر بحلول الآن؟ اللعنة. ها قد عدت للتشتت مجدداً. لم يكن لدي الكثير من الوقت. كان عليّ التخطيط لكيفية جعل هذا القدر بسرعة في حالة جيدة تكفي للاستخدام أثناء البطولة. ظهر الربيع الصغير فجأة بجانبي، وغطس برأسه في البحيرة وبقي هناك لمدة كاملة.
ثم لقرابة دقيقتين. رفعت رأسه بقوة. سعال فربتّ على ظهره حتى بدأ يلتقط جرعات ضخمة من الهواء.
"أم... إذن، قد يكون هذا الماء مفيداً جداً لك لكن... لا يزال يتعين عليك عدم تنفسه، بغض النظر عن مدى رغبتك."
أرسل لي نظرة كأنه يسألني عما إذا كنت أفهم من كان المسؤول عن مأزقه الحالي. تجاهلت ذلك. وسجلت أيضاً ملاحظة ذهنية لتعليم الربيع الصغير كيفية إغلاق منفذ أنفه. المسكين الصغير.
"إذا انتهيت من الغرق، فلنبدأ بالتنظيف."