ضمّت الباحة ثلاثة بيوت مستقلة. اخترت أقربها وتركت ليتل سبرينغ وغلغد سترينغ يتجادلان حول مكان الإقامة. نصبْتُ تشكيلات الدفاع داخل غرفتي. يستطيع الغلام نصب تشكيلاته الخاصة، وكما يبدو من ممارس الطرق المنحرفة، سيكون لغلغد سترينغ وسيلته الخاصة للدفاع عن نفسه أيضاً. سأنصب تشكيلاً حول الباحة غداً لحماية إضافية. تسللت إلى غرفة الصهر في الفضاء بعد اكتمال تشكيلاتي. نشرت كل المؤونة المتبقية بلفتة من ذراعي.
احتجت إلى المزيد من الأدوات الروحية إن كنت أنوي جلب طريق الروك إلى هذه الطائفة، وتأسيس فرقة، وتوجيه ممارسين اثنين. توجب علي صنعها بنفسي بصفتي الشخص الوحيد في هذا العالم الذي يعرف شكلها وطريقة صنعها. يكمن الإشكال الوحيد في الأدوات التي أملك الوقت والمواد لصهرها. نקרتُ ذقني وأحصيت مؤونتي في ذهني، بما فيها ما احتفظ به ليتل سبرينغ. همم. أمن الأفضل صنع المزيد من القيثارات أم مطرق طقم كامل؟
استحيل صنع مفاتيح العزف بالوقت المتاح، لكن بمقدوري صنع قيثارة باس روحية، وقيثارة كهربائية، وطقم طبول. وربما جرس بقرة لأجل فير ذا ريبر؟ آه! لا بد من قيثارة صوتية. تتألق بعض الأغاني عند عزفها صوتياً. احتجت إلى إضافات سحرية عليها، لكنها ستختلف عن تلك المستخدمة في القيثارة الروحية الكهربائية. اقتصرت الإضافات غالباً على المتانة وتضخيم الصوت. ستبدو قطعاً سيئة حقاً نظراً لسرعة الصنج المطلوبة، لكنها ستفي بالغرض لممارس فنون أربعة في مرحلة تأسيس الأساس.
أدخل البهجة إلى قلبي مجرد تخيل جمع فرقة ودفعهم جميعاً لعزف الأغنية التي أرغب في سماعها. لم تدرك هذه الفئة البائسة من الممارسين المنحرفين الفوضى التي توشك على ضربهم. موهاهاها!
"آه، الأخت لين. هل أنت بخير؟"
أطْرَفْتُ ثم التفتُ لأرى ليتل سبرينغ قد ظهر أثناء استغراقي في التفكير. نظر إليّ كأنني فقدت صوابي. ماذا؟ أضحكت بصوت عالٍ أم ماذا؟ لا بأس. تنحنحت واعتدلت في جلستي.
"بالتأكيد أنا بخير!"
ثم رمقت ليتل سبرينغ بنظرة.
"ما رأيك بتجربة العزف على الطبول أو الناي؟"
عقد حاجبيه.
"سيّد حقاً الناي؟"
ححقاً؟ ظننت جازماً أن الغلام سيختار الطبول. لكن تعلم الناي البسيط قد يكون أسهل لطفل. كما لن يمثل صعوبة في صنعه.
"حسناً. سأضيفه إلى القائمة."
"… وماذا يضم الباقي في القائمة؟"
أعلمته ثم توقفت.
"علينا ألا نقتصر على صهر الأدوات. ما من مهمة تجسس صالحة من دون أدوات تقنية!"
لم أملك من الأسف شخصاً كي يصنعها لي.
"أدوات تقنية ماذا؟"
بدا مرتبكاً للغاية. يا له من لطيف.
"أقصد الأدوات الروحية التي تعيننا على التجسس وتسجيل المعلومات. وأيضاً تلك التي تسهل تسللنا."
"مثل تشكيل تمويه محمول من نوع ما؟"
توقفت. سيبدو ذلك ممتعاً. أثرت البيئة المحيطة بالتسجيل سلباً عليه للأسف، لذا استحال وجود تشكيل محمول كهذا. ليس في ظل مؤونتنا ومستويات ممارستنا على الأقل.
"شيء قريب من ذلك. سنتمكن من محو حضورنا كلياً بمجرد إدراكنا لتقنية التنكر بصورة أفضل."
"أمثل حبة تشتيت الحضور الحجابية؟"
هززت رأسّي.
"تلك الحبة تفوق تقنية التنكر فعالية بكثير. لكن، ماذا لو دمجنا التقنية وأداة وهمية على سوار ما؟ نعم! سيخفينا ذلك في الحالات الطارئة."
صنعت قائمة ذهنية للأدوات القابلة للصنع السريع بالمواد المتوفرة في يدي: قيثارة روحية، وباس روحي، وطقم طبول روحي، وقيثارة صوتية روحية، وناي روحي، وأدوات تسجيل سرية، وأسورة وهمية. تنهدت.
"لدينا مشكلة."
"ما هي؟"
"تتطلب كل الأغراض التي أحتاجها وقتاً للصنع. يفترض أن أنتهي من الأدوات باستثناء طقم الطبول اليوم،"
لأن صنع طقم طبول يعني صهر خمس أدوات كحد أدنى.
"لكن أدوات التجسس ستستغرق أسبوعاً أو يزيد."
"حتى لو ساعدتك؟"
ابتسمت.
"يمكنني إنجازها في ثلثي أسبوع بوجودك."
رفعت لهب النيران وأخرجت بعض قطع الألومنيوم الصدى وألقيتها عرضاً في بوتقة الصهر. صنعت حتى هذه اللحظة عدداً هائلاً من الأدوات الروحية لدرجة تمكيني من صنعها مغمضة العينين. اضطررت لصنعها بنفسي حين علّمت ممارسي الفنون الأربعة الروك، إذ كنت الوحيدة العارفة بشكلها وأصواتها المفترضة. يكفي التفكير في ترحالي لجمع شتى الأصوات اللازمة لصنع مفاتيح العزف على آلاف بلورات التسجيل الصغيرة...
كاد ذلك يصيبني بنصف جنون. آه، ذكرني ذلك بيوم جلب الروك للمرة الأولى إلى العالم. رشوت أي عازف قانون مستعد لتجربة آلة موسيقية جديدة ليعزف عليها، فقط كي أسمع موسيقى حياتي السابقة السابقة. وتعين علي صنع قوانين من الدرجة الأولى لكل منهم، إلى جانب قيثارات وطبول وباس خبيرة. وماذا حدث بعد ذلك؟ سخر الأجيال الأكبر سناً من الموسيقى. وتذمروا من إضرارها بآذانهم أو تسببها بذوبان شيء ما.
يا له من هراء... باستثناء ذلك الشيء المذيب. فقد حدث ذلك بالفعل. صرخ أولئك الأوغاد العجائز بأن الأغاني منحطة أخلاقياً. وادعوا — بلا دليل — أن المجتمع القديم الذي اكتشفتها فيه افتقر للرقي، وأن أتباعهم لن يستطيعوا الصعود إن تعلموها. كان أولئك الحمقى محظوظين لعدم تعريفي إياهم بموسيقى الدابستيب. ربما أطاحت الهبوطة الأولى بعقولهم حرفياً. تجاهل جزء جيد من الأجيال الأصغر سناً شيطنتهم وجربوها بأنفسهم، لحسن الحظ.
وماذا حدث عند فعلهم ذلك؟ أحبوها. وألهمتهم لتأليف أغانيهم الخاصة. رغم تفضيلي لأغاني عالمي، التقطت تلك المستوحاة من روك عالمي بآثار مثيرة للاهتمام وبعض الأغاني الأصلية التي راقت لي. امتلكت في ذلك الحين طرقاً أفضل لتحقيق تلك الآثار، لذا حفظتها لمجرد الاستمتاع بها أو إشباع فضولي فحسب. لو علمت بمدى فائدتها، لصنعت قيثارة عاجلاً. مع ذلك، استلزمت الآثار طاقة روحية هائلة، لذا ما كنت لأستطيع عزفها قبل مرحلة تأسيس الأساس على أي حال.
ملأت برميلاً بماء الينبوع الروحين، وتناولت عدة قطع من خشب حديد الفضة ذي النجوم الثلاثة من ليتل سبرينغ، وألقيتها داخله لتنقع. سيمثل هذا أساس قيثارتي الصوتية، لكنه احتاج للبلل واللين أولاً.
"الأخت لين."
"ماذا؟"
"أليس حري بنا وضع خطة لمهمتنا قبل الشروع في عملية الصهر؟"
توقفت. ثم نقلت آنياً بعض الرمال من البحيرة إلى صندوق القوالب الذي ابتكرته عند صنع قيثارتي الأولى في هذه الحياة قبل أشهر.
"حسناً، تبدو واضحة تماماً، أليست كذلك؟"
"لا... ليس حقاً."
صحيح، ما زال الغلام طفلاً، حتى لو كان بطل هذا العالم. تنهدت وسألته سؤالاً يحثه على التفكير.
"ما غايتنا هنا؟"
"أخبرتني في طريقنا أن علينا إيجاد أدلة تورط هذه الطائفة مع الممارسين الشياطين."
"وماذا أيضاً؟"
"أن علينا العثور على سلاح خطير."
"لفافة الأرواح الشريرة العشرة آلاف."
أومأ برأسه. صنعت عدة أختام يدوية، وشكلت باس من الطاقة الروحية، ثم ضغطته في الرمل. أضفت بعد ذلك المزيد من الرمال وسويتها. اكتشفت قبل أشهر أن رمال البحيرة تلائم صنع قوالب مماثلة. تميزت بنعومتها الفائقة وتماسكها المحكم.
"إذن، كيف سنشرع في فعل ذلك؟"
ألقيت نظرة سريعة عليه. اكتظ وجهه بالقلق فتنهدت.
"من المحتمل أن نفشل في هذه المهمة."
اتسعت عيناه.
"ربما وُجهت إليّ استخبارات سيئة. انعدم الوقت للتحري إن رغبنا بدخول الطائفة في أسرع وقت."
منحني سيد المدينة خيار جلب لفافة الأرواح الشريرة العشرة آلاف وحدها. لكنني لم أكن واثقة من ثقتي برجل صنع أسماك قرش تطلق السيوف من أنوفها باستخدام أداة روحية كهذه.
"إذن لماذا اخترت الإقدام على هذا؟"
ابتسمت ورفعت أصابعي: السبابة، والوسطى، والبنصر.
"لأنني سأحقق ثلاثة أهداف أخرى تخصني، حتى لو فشلت."
أطْرفَ. أنزلت يدي وهززت كتفيّ.
"إن لم ننجح، فكل ما يتطلبه الأمر هو الفوز بمقاعد لبطولة بين الطوائف خلال أربعة... أم خمسة أعوام؟ وحينها سيتعين علينا كشف هويتنا لطائفتنا والعودة إلى الديار على الأرجح من هناك."
أومأ برأسه.
"مع ذلك، تجهل المنطقة بالنسبة إلينا، مما يجعلها خطرة. أفضل عدم انتظار بطولة لا ندري أصلاً إن كنا سنحظى بمقعد فيها."
رغم ثقتي بمهاراتنا، لم أكن متأكدة من قدرتي على إقناع طائفة بالتخلي عن مقعدين لأتباع قادمين من الخارج. قد نضطر فعلاً للفوز بالبطولة لرد الجميل لهم، وبدا ذلك مستهلكاً للوقت.
"أريد إثبات تعاون هذه الطائفة مع الطائفة الشيطانية والعودة بأسرع وقت."
وسيتيح لي ذلك القضاء على تلك الحية النتنة، الضارية السامة، في أثناء ذلك. ابتسمت لمجرد التفكير في الأمر. ثم اهتز كمي. التفت لأرى وجه ليتل سبرينغ القلق.
"إذن ما هي أهدافك الأكلُف الأخرى؟"
"أُبيدت هذه الطوائف الشيطانية في حياتي السابقة، مما يعني زوال توريثها لفنون السموم. أريد صنع نسخة من أكبر قدر ممكن من مكتبة صانع السموم خاصتهم. وإن أقمنا هنا لشهر واحد فحسب، فسيتعين علي إنجاز ذلك سريعاً."
عقد حاجبيه. وبدا لي متسائلاً عن سبب تكبدي العناء.
"السموم أنفع مما تظن. تظل مفيدة عوضاً عن الإضرار متى استُخدمت بطريقة أخلاقية. لكن يتطلب الأمر معرفة واسعة بكل السموم لبلوغ ذلك. ولا تُجمع معلومات كهذه إلا عبر آلاف السنين."
"أثق بك إن وجدتها مهمة."
غلام صالح.
"توجد احتمالية لاختفاء هذه الطائفة حتى من دون فعلي لأي شيء، رغم احتمال استغراق ذلك عقداً أو عقدين."
"معلومات من حياتك السابقة مجدداً؟"
"حسناً، أضف إلى ذلك أنني لم أسمع بهذه الطائفة إلا مؤخراً."
"أيعود ذلك لكونهم ضعفاء للغاية؟"
هززت رأسي.
"تتفوق الطوائف المنحرفة عموماً على الصالحة من المستوى نفسه، وإلا لأُبيدت. كلا. يكمن سبب هلاك هذه الطائفة في إهانة صانع السموم الخاص بهم لـ الخالد جينرين في مؤتمر الكيمياء. سيتواصل كبارنا مع معارفهم في هذه القارة فور سماعهم بهذا،"
غالباً خلال عامين عند عودة سيد القمة اللهب الصامد، "وبسبب المسافة الشاسعة سيستغرقهم الأمر وقتاً، لكنهم سيتوصلون لاتفاق في النهاية ويدمرون طائفة دم الوحش العصية."
اتسعت عيناه. ابتسمت. هذا صحيح، إياك والعبث مع طائفة الإرادة التي لا تُقهر. لن نسمح لأحد بإهانة كبارنا حتى لو استغرق الأمر وقتاً. بل لن أفاجأ إن سمع أحد صغاري بما فعلته فيوليت بنا من أولئك الفتيات الثلاث ذوات النواة الذهبية وبدأ بمهاجمة أعمال فيوليت لأجلي.
"وهدفك الأخير؟"
استخدمت الطاقة الروحية لإمساك البوتقة. وسكبت نصف الألومنيوم بحذر في القالب، ثم ألقيته مجدداً في الفرن. ابتسمت لليتل سبرينغ بينما انتظرت ليبرد قليلاً.
"تأسيس فرقة لعلاج غوستي."
أطْرفَ الغلام بتسارع، ثم أومأ. أمسكت أداة وسرعان ما نحت سلسلة معقدة من التعاويذ على سطح المعدن ونشرت طبقة من ذهب التعزيز الأسود على طول الخطوط بينما بقي الألومنيوم ليناً. تلا ذلك فتات حجري روح من الفئة المتوسطة استخدمت ختماً يدوياً لدمج غبارها وطاقتها على طول المسار المنحوت. سكبت ما تبقى من الألومنيوم في القالب وتركته يرتاح قبل أن يبرد كثيراً.
"سأنشر طريق الروك كجزء من صنع فرقة لكل موسيقي شيطاني مستعد للتعلم هنا."
فتح فمه.
"لكنك قلت للتو إن هذه الطائفة هالهلكة. ألا يعني ذلك ذهاب ما تفعلينه الآن سدى؟"
عقدت حاجبيه.
"أفتظن اختفاء طائفة يعني ذبح جميع أتباعها أو ما شابه؟"
"أليس كذلك؟"
عبست.
"أيفارق أتباع طائفة الإرادة التي لا تُقهر الحياة قط؟"
فتح فمه متذكراً على الأرجح ذهابهم في مهام متكررة. استحال قتل الجميع لعدم معرفة أماكن وجودهم.
"المرة الوحيدة التي سمعت فيها عن إبادة طوائف كاملة حتى آخر ممارس كانت حين صغرت واجتمعت بكل أتباعها لخوض الحرب. يرجع السبب وراء تعذر ترميم الطائفة عند تدميرها في الغالب إلى موت قادة الطائفة ومعلميها. كما يسرق الأعداء أو يدمرون كل كتيباتهم السرية. لكن لا تقتصر طوائف العدو أحياناً على نهب الكتيبات والكنوز بل تختطف الأتباع كذلك. يستطيع هؤلاء حمل طريق الروك معهم عند انتقالهم إلى طوائف أخرى إن علّمته لأكبر عدد ممكن من الموسيقيين الشياطين. تزداد بهذه الطريقة احتمالية بقائه وانتشاره... كفيروس الزكام."
موهاهاها! استخدمت الطاقة الروحية لرمي الآلة شبه الكاملة في الموقد.
"ساعدني الآن في التحكم بالنيران ريثما أطرق الردامة خارج هذا الباس خماسي الأوتار."
"ماذا؟"
آه، يجدر بي تعليم الغلام بعض الكلمات الإنجليزية ربما. قد تنفع كشيفرة.
"لا تهتم بذلك الآن. أريدك التركيز. فلدينا عدد هائل من الأشياء لصهرها الليلة. لأننا سنسرق غداً جناح الكتب المقدسة!"