بينما كنت أحتسي الصبر في القاعة الرئيسية للنقابة برفقة الموظف السئم، أراجع في ذهني بعض الأغاني التي حفظتها علّها تنفعني. بالطبع، لم أكن أملك سوى عدد محدود منها لأعزفه. شأني شأن بقية مهاراتي، أعاقني ضعفي في هذا المقام. جودة طاقتي الداخلية وكميتها لم تكونا كافيتين لتشغيل تأثيرات الأغاني الأقوى. بصراحة، معرفة تقنيات أقوى والعجز عن استخدامها أمر مزعج للغاية.::الأخت لين!:: قاطع ليتل سبرينغ أفكاري عبر إرساله التخاطبي.::لا توجد في هذه المنطقة الكثير من الأشياء التي تريدينها.
وما هو متوفر لا يرقى إلى الجودة المعتادة.::::هذا متوقع. التقط كل ما يمكنك إيجاده. وانظر إن كانت هناك بدائل محلية عالية الجودة.:: صمت، فراجعت أغنية أخرى. ولما بلغت مقطعها الرئيس، قال:::حتى الآن أسمع شائعات متباينة عن السيّد بونتيڤول.::::أي شيء ممتع؟::::حسناً، يقول معظم الناس إنه يحمي المدينة بشكل جنوني. ورغم أنه في مرحلة النواة الذهبية فقط، فإنه قادر على استخدام جميع وحوشه المستأنسة وأدواته الروحية باهظة الثمن لصد ممارس في مرحلة النواة الناشئة.
إنه قوي.::::هذا طبيعي تماماً بالنسبة لسيد مدينة في منطقة قريبة من طائفة منحرفة.::::لكن الكثير من الناس يتذمرون لي على الصعيد الشخصي.:: ضيقت عيني. أخرج موظف الاستقبال زجاجة يشم بعصبية وبدأ يتظاهر بإحصاء المخزون.::لا يقولون شيئاً محدداً، لكنهم جميعا يحذرونني من عدم التورط معه. وإن فعلت، فعليّ ألا أُغضبه أبداً.:: ربما كان رجلاً لا يحتمل الخيانة ويعقد عقوداً غير منصفة.
لكنني لن أعرف على وجه اليقين إلا إذا تحدثت إليه بنفسي.::في هذه الحالة، سأقابله وحدي.:: ساد صمت طويل، امسك خلاله الموظف بزجاجة دواء لفترة كافية لعدها أربع مرات. نظر إليّ، وتجهم، وانتقل إلى الزجاجة التالية. قال ليتل سبرينغ:::هل هذه فكرة سيدة حقاً؟::::لماذا لا تكون كذلك؟::::عليكِ أن تأخذيني معكِ لأصلح الأمور إن تفوهتِ بشيء غريب.::::هراء! لما قد أقول شيئاً غريباً؟ برأيك من أكون؟::::الأخت لين!::::هذا صحيح.::::لهذا أنا قلق.:: هذا الفتى!
كنت بالغة، اللعنة! قطبت جبيني. انتفض موظف النقابة وخطا خطوات سريعة ومتخبطة نحو مؤخرة النقابة.::أريد منك أن تظل مختبئاً وتكون سندي السري. أيمكنني الاعتماد عليك في ذلك؟::::تريدين مني القتال إلى جانبك إذا ساءت الأمور؟::::لن تصل الأمور إلى هذا الحد.::::لكن إن أصبح وضعك خطيراً—::::سأدخل الفضاء وأخرج حيث أنت.::::أعدك بذلك؟:: أرمقته بنظرة حارقة. أكان هذا الفتى يشكك في مهاراتي في البقاء على قيد الحياة حتى الآن؟
حقاً، لقد أخطأت التقدير خلال المؤتمر... حسناً! ليكن! ربما استحق شكوكه. لكن قليلاً فقط! لسبب ما، بدأ الموظف يُحصي المخزون بشكل أسرع، ثم زلت قدمه فسقط. ألقيت عليه طاقتي الروحية وأوقفناه على قدميه.::لن أُعرض حياتي للخطر بفعل شيء أحمق، مجدداً.:: عبست.
"أبطئ إن لم ترد التعرض للأذى!"
استقام وانحنى.
"حضوركم كريم، أيها المعلم الكيميائي!"
جعلني تصرف هذا الموظف تساءل عما إذا كنت قد طورت نوعاً من طاقة المشرفين من جراء العمل طوال ذلك الوقت مع إيرلي ريز سويفت براتش. *** بعد ساعة، عاد حارس الأمن أخيراً.
"سيركلك سيّد المدينة الآن."
قادتني عبر شوارع جميلة لكنها متهالكة. حسناً، بغض النظر عن زقاق دارت فيه معركة بسبب كنز زراعة ثانوي. بدا ذلك المكان قبيحاً. في الواقع، لم يستغرق الأمر طويلاً حتى صعدنا تلًا قرب المحيط حيث يبدو أن جداراً ضخماً للقصر يُطل على الناس أدناه. نظراً للوقت القصير الذي استغرقناه للوصول إلى هنا، لابد أن الحارس قد انتظر طويلاً لمقابلة سيّد المدينة نيابة عني. كان للقصر بوابة حمراء تحيط بها تماثيل أسود وكلاب تقليدية.
كشف فحص سريع بحواسي السماوية أنها كانت في الواقع أدوات دفاعية عالية الجودة. انفتحت البوابة عندما اقتربنا. وما إن خطوت داخلها، حتى لاحظت ظهر ممارس في مرحلة النواة الذهبية وهو يواجه حارساً شخصياً بهدوء بشأن أمر ما. كان عريض المنكبين، أسود الشعر، ويرتدي ثياباً بيضاء مغطاة بريش طاووس ذهبي مطرز. توقف عن جداله واستدار ليواجهني.
انحنيتُ.
"المعلم الكيميائي لينلين يحيي سيّد المدينة."
اللعنة، بدا ذلك غريباً. لا بأس. لن أرى هذا الرجل بعد اليوم على أي حال. ارتسمت على شفتيه ابتسامة عريضة، وفتح ذراعيه برحب وترحيب.
"أهلاً بالمعلم الكيميائي! إنه لسعادة دائماً أن يزورني زميل من النقابة في قصري المتواضع."
متواضع في عينيك. استطعتُ رؤية التشكيلات المتنوعة المحيطة بأرجاء القصر الواسعة، والتقط حسّي السماوي الأخشاب الروحية النادرة والقوية التي دُمجت في واجهة كل مبنى. على الرغم من أنني رأيتُ أماكن أكثر فخامة، إلا أن الكنوز الخفية المعروضة أظهرت ثروة هذا الرجل. خصوصاً إذا أخذنا في الاعتبار مدى انعزال هذه المنطقة. بما أنني لا أستطيع الذهاب إلى منزل سيّد مدينة دون إحضار هدية، فقد ناولته زجاجة حبوب تحتوي على بعض حبوبي الشافية العامة الأفضل.
"هدية، لزيارتي الأولى،"
وعلى أمل أن تكون الأخيرة. فتحها ورفع الزجاجة نحو أنفه. أشرقتا عيناه.
"آه، مفيدة. والجودة فائقة للغاية. أنت كيميائي بارع جداً."
ركّزت عيناه الرماديَّتان الداكنتان على وجهي.
"وربما، تائه جداً؟"
"لست تائهاً تماماً. لكنني أبعد عن وطني ممّا أودّ بالتأكيد. أحتاج إلى جدار الرسائل الفورية الخاص بنقابتك لسبب ما."
"صحيح، بشأن هذا... لاستخدامه، أطلب حجر روح من الفئة العالية."
رفع إصبعاً. عبستُ. بسط يديه كمن يقول إنه لا مفرّ من ذلك.
"قد يبدو ثمناً باهظاً، لكنه ثمن حماية الجدار وتشغيله. هذه المنطقة من العالم خالية من القانون عملياً مع تلك الطائفة الخارجة عن المألوف التي تقطن هناك."
أشار في الاتجاه المعاكس للمحيط، نحو ثلاث قمم جبلية صغيرة بارزة من أرض مسطحة غالباً مثل ثلاثة أصابع. أخرجتُ بمرارة حجر روح من الفئة العالية وناولته إياه. جعلت ابتسامته العريضة عينيه تتشققان كخطين رفيعين.
"سررت بالتعامل معك. والآن، بما أنه في طريقنا، لمَ لا أقدمك إلى حيواناتي الأليفة؟"
"أنا بخير. تكرهني الوحوش الروحية لدرجة محاولتي قتلها بمجرد رؤيتي."
لوّح بيده.
"هراء. حيواناتي مدربة جيداً لدرجة أنها لن تهاجمك حتى لو كرهتك."
ابتسمتُ باتساع.
"أراهنك بحجر الروح ذاك من الفئة العالية على أنها ستفعل."
فحصني بصره صعوداً وهبوطاً.
"يا له من ثقة! من يجرؤ على قبول هذا الرهان؟ حسناً، سأصحبك لأراها."
قادني إلى الجانب، قرب جرف قصير مطلّ على بحيرة مالحة. فجأة، انطلقت دفعات من تشي السيف من الماء في الأسفل واستهدفتني. تصدّى الحارس الأمني للضربات قبل أن تقترب حتى. أخرجتُ جيتاري وخطوتُ أقرب إلى حافة الجرف.
"ما هذا؟"
عبس.
"هذا هو الاتجاه الذي يضم أقل عدد من وحوشي، لكني أمتلك بعض الحيوانات الأليفة المائية. يبدو أنها تكرهك حقاً. أكثر بكثير مما اعتقدت. أو أن تدريبها كان متهاوناً بعض الشيء في الأيام القليلة الماضية. لكن لا تقلق. سأعمل معها الليلة، كي لا يحدث هذا أبداً مرة أخرى."
حدقتُ في المياه المالحة الداكنة ووسّعتُ حسّي السماوي. كانت هذه الحيوانات الأليفة وحوش قرش حقيقية، لكن أنوفها كانت طويلة ومدببة مثل سمكة السيف.
"متأكد أنك لاحظت ذلك الآن، لكني درّبت هذه القروش لتُطور سيوفاً على خطامها ودرّبتها على طريق السيف. صار بإمكانها الآن إنتاج تشي السيف الخاص بها."
اللعنة؟! هل قال هذا الرجل للتو إنه صنع قروشاً لعينة ينبعث تشي السيف من أنوفها؟ من يكون؟ دكتور إيجل الخاص بعالم شيانكسيا؟ ألقيت نظرة نحوه فرأيته يبتسم باتساع للمياه الداكنة. من ناحية أخرى، ربما كان مجرد رجل ثري غريب وغير مبالٍ، مولع بالوحوش الروحية النادرة والغريبة.
* * *
أحضرني إلى غرفة صغيرة نصبت فيها صفيحة ضخمة من اليشم الأسود بشكل عشوائي. غطاها الغبار وربطتها خيوط العنكبوت بالجدار كأن أحداً لم يستخدمها لسنوات. عبستُ.
"لم يتفرغ رجالي لتثبيتها وأنا أتساءل باستمرار إن كان يجدر بي إعادتها إلى النقابة. لكنها لا تزال تعمل."
بالتأكيد، لكن هذا ليس عذراً لتركها تصل إلى هذه الحالة. ألقيت تقنية التنظيف وطهّرت الغرفة بأكملها، بما في ذلك السيّد صاحب العزم الوفير.
"آه!"
اتسعت ابتسامته بصدق.
"يا له من انتعاش."
حسناً، كانت هذه استجابة جديدة. ربما لم يكن هذا الرجل سيئاً إلى هذا الحد بعد كل شيء.
"تقنيتك هي الأقوى التي صادفتها قط. تعجبني حقاً."
سار نحو الجدار الذي أصبح نظيفاً تماماً ووضع حجر روح من الفئة المتوسطة على سطحه. غاص الحجر في اليشم كأنه مصنوع من ماء. ثم كرر العملية بضع عشرات من المرات مرة أخرى. بدأ الجدار يتوهج بالطاقة، ليُظهر أنه جاهز للاستخدام. من أخدود في أسفل اليشم الأسود، التقط عصا كتابة بيضاء طوييلة.
"لاستخدامه، فقط اشحن هذه بطاقتك الروحية واكتب على اللوحة."
مددتُ يدي لأخذ العصا. أخفاها خلف ظهره مع ابتسامة. أكان هذا اختباراً؟ حسناً. لن يقف بيني وبين طائفتي. استخدمتُ القفزة المستحيلة لأخطو خلفه، لكنه استدار ليواجه موقفي الجديد ورفع إصبعاً. أه. لم يكن هذا الرجل سيئاً تماماً بالنسبة لسيّد مدينة في منطقة منعزلة.
"صبراً. لدي المزيد لأشرحه."
ربعتُ ذراعيّ وقفزتُ عائداً إلى مكاني أمام الجدار.
"تفضل."
"هذه الجدران متصلة بالفرع الرئيسي في القارة. ستمر رسالتك من هناك، لذا عليك تحديد فرع النقابة الذي تحاول الوصول إليه في جملتك الأولى. ستُوجَّه رسائلك من هناك بعد ذلك، لذا كن على علم بأن ما تكتبه هنا ليس خاصاً على الإطلاق."
تباً، كانت تكنولوجيا الأداة الروحية هذه قديمة الطراز جداً. لقد نسيت تماماً كيف تعمل.
"أفترض أن لدي أيضاً كمية محدودة من الحروف قبل أن يتوقف عن العمل تماماً."
ابتسم.
"بدأت أقدر ذكاءك، أيها المعلم الكيميائي."
وضعْتُ يديّ خلف ظهري.
"حسناً، أنا عبقري."
ناولني أداة الكتابة.
"إذن أتركك وشأنك."
* * *
"العمة القتالية لين! هل أنت والعم القتالي بأمان؟"
بعد الاتصال أخيراً بالنقابة الصحيحة وجعلهم يجلبون عاصفة النيران العصية، ثم مروري عبر كومة من العقبات لتأكيد هويته، تلقيتُ أخيرً اول رسالة منه. بالطبع، للوصول إلى هذه النقطة، قضيت نصف ساعة كاملة متأكداً من أن الجدار لم يتم العبث به. ويا للغرابة، كان في حالة مقبولة.
"نحن بأمان قدر الإمكان. المدينة التي نحن فيها قريبة من طائفة دماء الوحش الجامح."
"هذا بعيد جداً."
استطعتُ تقريباً استشعار عبوس عاصفة النيران من خلال خطّه.
"ليس لدي حق الوصول إلى جميع موارد الطائفة، لذا لا يمكنني إرسال المساعدة."
"أنا أدرك ذلك. أيمكنك التحقق مما إذا كان هناك أي من أسلاف طائفة خلق العظم الخالد أو صعود الخالدين في المنطقة؟"
"سيستغرق الأمر وقتاً، لكني سأفعل ما بوسعي."
دعنا نرى. كانت هناك مشكلتان رئيسيتان احتجت منه أن يحلّهما لي. بدأت بالكتابة.
"أولاً، أدرك أن الاستمرار في الاهتمام بكل الأعمال الورقية وحدي سيكون صعباً. أقترح إضافة عشرة موظفين جدد أو نحو ذلك. سيبطئ تعليمهم عملك في البداية، لكنك ستسرع لاحقاً. اجعل فرشاة النهوض السريع تعلّمهم داو الأعمال الورقية."
"لا تقلقي، أيتها العمة القتالية. سأحل مشكلة الأعمال الورقية! ركّزي أنتِ فقط على البقاء بأمان. مهما حدث، سنعيدك إلى الوطن في النهاية."
ابتسمتُ. ابن أخي القتالي هذا جعلني أفتقد الطائفة بالفعل.
"ثانياً، العيون الواضحة واللسان المجنون في مهمة الأسبوع القادم. أريدك أن توظّف حارسين من نقابة الكيميائيين للذهاب معه. أسمائهما الأحمر ثلاثة والأحمر سبعة. لقد قابلتهما من قبل."
"أتذكر. سأوظفهما إن أمكنني إيجادهما. إن لم يكن، فسأرسل آخرين معه."
"تأكد من أنهما في النواة الذهبية!"
"حاضر، العمة لين. رغم أنني لا أعظن أنه سيكون سعيداً بذلك."
على الأرجح لن يكون كذلك. لكنني أفضّل أن يكون غاضباً مني وعلى قنوات الحياة بدلاً من أن يموت. أرسلنا بضع رسائل أخرى ذهاباً وإياباً، نناقش مواضيع يحتاج إلى معلومات عنها وليست حساسة قبل أن يضطر للمغادرة. ثم أرسلت رسالة أخيرة، هذه المرة إلى مقر نقابة الكيميائيين في هذه القارة.
"أطلب المساعدة في مسعى رئيسي مقابل انتقال آني لاثنين إلى طائفة الإرادة التي لا تُقهر."
انتظرتُ لفترة. مرت عشر دقائق جيدة قبل أن تظهر الكلمات على الجدار مرة أخرى.
"ليس لدينا ما نقدمه لك. لكن سيّد المدينة صاحب العزم الوفير قد يملك ذلك. تحدث إليه بشأن التفاصيل."
حسناً، اللعنة.
"أنت كيميائي مقدر، والنقابة تتمنى لك التوفيق في مساعيك."
آه-ها.