Spoiler
قبل ٣٣٠ سنة من منظور الجنية لين
وقفت في الهواء فوق الطائفة ورمقت سيّدة قمة الفنون الأربعة، فرشاة نظيفة، بنظرة حارقة. كاد رغبي في قتلها وفي قتل شيوخ قمتها يغلبني، لكن إرادتي كانت أقوى. فضلاً عن ذلك، لن يأتِ أي خير من مقتلهما. فلن يوقف ذلك غضبي ولن يعيد الأموات. أخفَت غضبها بمروحتها، لكن عينيها أخبرتاي أنه لولا أنني أسبقها بمرتبة لسلخت وجهي.
"هذا ذنبك لأن قمة الفنون الأربعة في تراجع!"
تهكّمت.
"ذنبي؟ لأنني علّمت تلامذة قمتك كيف يستمتعون أثناء سيرهم في دربهم الخاص؟"
"أي نفع جناه هؤلاء من ذلك! لم يبلغ أي منهم مرتبة النواة الذهبية! وهؤلاء العباقرة إما أموات الآن أو عجائز لا يقدرون على مواصلة الزراعة."
"أمنحتِهم فرصة من الأساس؟! غبتُ خمسين سنة فقط، وحسب ما بلغني، أجبرتِ الجميع على عزف الموسيقى التي ترغبين فيها، وألقيتِ بكل من مارس طريق الروك في كهوف حرمان الحواس لعقداً كاملاً. أتظنين أن هذا ساعدهم في الزراعة؟"
لو علمت بالأمر لمنعتهن. لكنني لم أشك في أنهن سيفقسن هذه الفبركة فور لجوئي إلى العزلة. لقد سبق أن أوقفت لجوءهن إلى تلك الكهوف للعقاب. ظننت أنني حسمت الأمر، لكن بدا لي أنني سأضطر إلى استئصالهن من الجبل بنفسي لأمنع استخدامهن لها مجدداً. نظرتها الحادة كانت قادرة على شق أداة خالدة.
"موسيقاك المزعومة بدائية للغاية ولا مكان لها في طائفتنا! إنها تعج بالغواية والغضب والإغواء. لقد دفعت غوايتها تلامذتنا نحو درب مظلم لا يفصله عن الشياطين سوى خطوة."
تنهدت. بدا أنه حتى في هذا العالم، لم ينجُ الروك من استخدامه لإثارة الذعر الأخلاقي.
"سخافة!"
التفتُّ لمغادرة، منفضاً كمي.
"افعلي ما تشائين. سأعلم التلامذة الجدد فن الروك."
"لا يمكنك!"
التفتُّ مبتسماً.
"لا يمكنك منعني!"
هاهاها!
"وحين يكتشفون الخصائص الفريدة لدرب الروك، سيستمتعون بالسير في ذلك الدرب."
حدقت بغضب.
"تلك الموسيقى قادرة على إذابة وجه سامعك! إنها شريرة!"
توجّست، متذكراً كيف ذاب وجه سيّدة قمة فرشاة نظيفة مؤقتاً حين استمعت إلى أغنية مستوحاة بشدة من أسرع أغنية لدراغون فورس علّمتها إياها. لكنني أصلحته!
"حدث ذلك مرة واحدة، وكانت الجنية إيقاع الشتاء شديدة الأسف."
عقدت ذراعيها وابتسمت بضراوة.
"على أي حال. لا يمكنني منعك، لكن سيّد الطائفة الجديد يستطيع. أنت ممنوع من عزف موسيقى الروك في الطائفة. ولا يُسمح لك بوضع قدمك على قمة الفنون الأربعة أبداً!"
هؤلاء الأوغاد المخادعون جهزوا لكل هذا أثناء غيابي! لكنني كنت شيخهم وأشبه بجد للطائفة في مرتبة صعود الخالدين. سأتبادل الحديث مع سيّد طائفتنا الجديد.
"أيضاً، الشيخ عناب نعيم، والشيخ سيف الدم وافقا على هذا"، سخرت.
قاومت مجدداً الرغبة في طرحها أرضاً. لم أكن لأتقبل كلامها هكذا. أرسلت لذلك الحمار الأحمق رسالة صوتية سرية أسأله عن الأمر.
"أوه."
رد بعرضية، وكأنني شغلته عن شيء مهم.
"لم أدرك أن هذا مشروعك المفضل."
أف. كنت أمقت هذا الرجل.
"انزعج الصغير عناب لأن هذا أحدث شقاقاً بين تلامذة الفنون الأربعة، لذا أيدت قرارها."
واصل ذلك الوغد المشاغب هذيانَه. لم أكن أبه. حتى هذا القدر من التواصل كان أكثر مما أرغب. لأول مرة منذ قرون، شعرت بموجة من الإرهاق الذهني الخالص. كان العيش في هذا العالم المخبول متعباً للغاية، والآن لم أعد قادراً على الاستمتاع بنوعي المفضل بسبب كل هؤلاء الحمقى الجهلة الذين يعلقون العصي في مؤخراتهم. بصراحة، لم يكونوا يستحقون شرف الاستماع إلى الروك. وكل الطلاب الذين يستحقونه إما ماتوا أو أصابتهم صدمة بالغة.
أظن أن الوقت قد حان لأركز على الصعود. لا بد أن العالم الخالد أفضل. على الأقل، سأتخلص أخيراً من ذلكغبي الذي يجمع الزوجات وحريمه من البلهاء.
هبت عليلة نحوّي. حملت رائحة الأعشاب من حديقتي الروحيّة. دار روح الفضاء حول رأسي على شكل تنين ذهبي.
"انتظري حتى تري تنكّر معلّمي. إنه مذهل لدرجة ستعقد لسانك."
"لكنه يتأخر حقاً."
صلبت ساعدي. رمقت القصر الصغير قرب بحيرة الجنيّة بنظرة حارقة.
"هـ—هذا فقط لأنه أراد مراجعة كل شيء بدقة."
حسنًا. كنت قد طلبت منه ابتكار وجه يمكنه تذكره والاحتفاظ به. كان هذا أصعب بكثير من اختيار ملامح عشوائية. وكان اختباراً لمدى إتقانه للتقنية. تحول إلى هيئة بشرية. جلس على سقف شرفة المراقبة في الفضاء.
"تقنية التنكير هذه متقدمة للغاية."
أومأت برأسي إقراراً بالتقليل من الوصف. كانت التقنية التي تعلمناها مذهلة. لم تستخدم لتغيير المظهر الجسدي فحسب. بل خفّت طاقة المتجسّد أيضاً. لذا استطعت مثلاً جعل طاقة سيفي تشبه هجوم طاقة موسيقيّ حادّ. وهو أمر غاية الأهمية لخططي. بعد الارتقاء بظهرينا إلى ظهر لمدة أربعة أيام، بلغتُ والربيع الصغير ذروة تأسيس الأساس. وهو حدي للاستخدام لتقنية سيد السيف التي تُدعى أي غرض هو سيفي.
كانت التقنية ذاتها التي استخدمها السلمندر لتدريبنا قبل عامين. لإخفاء هويتي في هذه القارة، احتجت إلى طريقة سرية للدفاع عن نفسي لعدم ثقتي بفنوني الأربعة. تعلمتها هواية ممتعة أيام كوني خبيراً في خلق عظم الخلود. لم أستخدمها قط في معركة. كانت خطتي الحالية للدفاع عن النفس تقضي بالقضاء على أي أعداء بسيف الطاقة أثناء عزف أداة غيتار روحية جمعتها بنفسي. بصفتي أم الروك في هذا العالم، سبكْت آلات كثيرة في حياتي الماضية لدرجة تمكّني من صنع غيتار أثناء نومي.
كان آلتي الجديدة غيتار معركة انتقائياً مصنوعاً من معادن روحية متينة وخفيفة جمعتها. أضفت سلسلة من التعاويذ البسيطة لتضخيم الصوت. هكذا تجنبت استخدام مكبر صوت، وابتكرت تأثيرات وهمية مختلفة. في حياتي السابقة، كنت الشخص الوحيد العارف بموسيقى حياتي الأسبق. عملت بلا كلل لإعادة إنشاء الآلات مستخدمة المواد الروحية وعمليات السك المتقدمة التي طورتها على مدى قرون. ثم أنتحها بكميات هاضمة لنشر داو الروك لأي من ممارسي الفنون الأربعة المهتمين.
بالطبع، كيف لي أن أعلم أن نشر موسيقاي المفضلة سيجعل شيوخ قمة الفنون الأربعة يمقتونني؟ زعموا أنني أفسد شبابهم بأغاني الغريبة وغير الطبيعية في حين استطاعوا تعلم موسيقى متقنة تورث عبر الأجيال. كأن تعليم الممارسين الصاغرين كيفية عزف امرأة السحر الأسود وتخلصي من تيلور سويفت أسوأ حرفياً من تعليمهم الفنون الشيطانية. حسنًا، كانت الأخيرة تقنياً أغنية ببوب، لكنها بدت ممتعة وإدمانية لدرجة حتمت علي صنع غلاف روك لها.
أخذ أولئك الصبية الدارسون موسيقى حياتي الأسبق وتناولوا الأغاني العادية التي علمتها وصاغوها بأنفسهم. مزجوا الأصوات الجديدة بأغاني القيثارة الكلاسيكية التي أحبوها وابتهجوا بأنواع فرعية مختلفة. سميت أحد مفضلاتي بانك القيثارة. ساروا في طريقهم الخاص، وبدا الأمر جميلاً ومبدعاً. لم يفهم أولئك الحمقى العجائز الموسيقى ومقوها. اجتمعوا لحظرها، مما خنق حب طلابهم للموسيقى، وأدى إلى تراجع سرعة ارتقائهم.
وبدل لوم أنفسهم بحق على إيذاء مريديهم، لامنوني على تقديم النوع الموسيقي الجديد من الأساس. أولئك الأوغاد المغرورون. لكن تلك كانت مأساة قديمة. الآن بعدما صرت في النصف الآخر من العالم وعلى بعد حياة، استطعت فعل ما أردت بمعرفتي وإفساد... تعليم كل من أبدى اهتماماً. موهاهاهاها! حسنًا، طالما كان ذلك ضمن الوقت القصير الذي سأقضي في هذه القارة. استعددت لمغادرة الفضاء لكن وجب علي فحص تنكر الربيع الصغير أولاً.
بما أنني ما زلت بانتظار الفتى، نقلت قلادة جوهرة روح الشبح إليّ آنياً. سيكون جيداً رؤية المسكين يخرج من غيبوبته اليوم. بعد محاولة التواصل معه لبضع دقائق، تقبلت حقيقة حاجته لوقت أطول. إن لم يحدثني خلال شهر، سيتعين علي بدء البحث في هذه القارة الجديدة عن نباتات تشفي الروح. في الواقع، عرفت موسيقى ممتازة لشفاء الروح قد تفعل فعلاً أفضل. لم أكن قوية بالقدر الكافي لعزف تلك الأغاني حتى بلغت ذروة تأسيس الأساس.
لكن لكي تكون فعالة مع شخص في مرتبته، احتجت إلى فرقة كاملة ترافقني. وهو سبب آخر لتعليم داو الروك طوال وجودي هنا. المشكلة الوحيدة تمثلت في إيجاد موسيقيين موهوبين، يملكون المرتبة الصحيحة أيضاً، وإقناعهم بالانضمام إلى فرقتي. نقلت جوهرته إلى غرفته، حيث أقمت تشكيل تجمع روحي لتحسين تعافيه. ظهر الربيع الصغير فجأة أمامي، مبدياً الهيئة ذاتها قبل ساعة حين غادر، سوى أنه حمل شياو باي.
صلبت ساعدي وانتظرت. ابتسم، وبدأت مظهره يتغير. بقي في الطول ذاته. طلبت منه ذلك لعدم رغبتي في تأثير التقنية على نموه الطبيعي. ومع ذلك، نضجت ملامحه قليلاً وباتت أكثر حدة، كأنه فقد شيئاً من شحم الطفولة. تغير شكل أنفه، فصار أستقم، ومالت عيناه نحو الأعلى عند الزوايا وتحولتا إلى اللون الأزرق. تمثل التغيير الأكثر بروزاً في شعره. نما طويلاً ومموجاً، وتدرج إلى الأزرق المائل للخضرة.
لكن الاختلاف تعدّى وجهه وشعره. تحولت الطاقة الداخلية التي شعرت بها منه إلى أشار وأكثر توحشاً، كطاقة ممارس مارق. لولا رؤيتي للأمر بنفسي، لكنت تيقنت حتماً بأنه فتى غريب ابن اثنتي عشرة سنة. ثم عاد إلى مظهره العادي قبل ارتداء تنكره مجددًا.
"عمل جيد! لون الشعر غير معتاد بعض الشيء، لكنه لا بأس به."
تلك كانت قوة تقنية التنكر المتسامية. استخدمتها مسبقاً لتغيير مظهري. بعد التعامل مع قلة الاحترام تلك في مؤتمر الكيمياء، مللت معاملتي كطفل بسبب عمري الجسدي. بما أنني كنت أطول من بعض النساء البالغات، فقد جعلت نفسي ابدو في السابعة عشرة أو الثمن عشرة من عمري، وحورت ملامح وجهي كي لا أشبه نفسي بعد الآن، وجعلت طاقتي الداخلية تكتفي بشعور أغبض وأكثر غموضاً، بالشكل المعتاد لممارسي الفنون الأربعة المارقين.
غيرت لون شعري أيضاً إلى أحمر مشتت، وغالباً ما تكمن أفضل طريقة للاختفاء في وضح النهار.
"هل استقرت على قصتك الخلفية؟"
رفع شياو باي، فأطلق نباحاً سعيداً.
"بما أنك ستكونين ممارسة فنون أربعة مارقة، قررت أن ترويض وحوش مارق يلائمني أكثر."
مضى بعدئذ يصف تاريخ شخصيته المزيف المليء بالدراما والذي ذكرني بماضيه. على الأرجح سيسهل عليه تذكره.
"هل ستحمل شياو باي معك في كل مكان؟ ألا تخشى تعرضه للأذى؟ إنه جرو عادي فحسب."
ضيقت عيني نحو الكلب الأبيض اللطيف.
"مع أنه ليس عادياً البتة."
"لا تقلقي. سأحميه وإن ساءت الأمور، يمكنني إرساله إلى الفضاء."
أومأت. حسنًا، ربما يكون جيداً قضاء الجرو بعض الوقت في الخارج.
"سأغادر أولاً. انتظر ساعة قبل المغادرة، ثم التقني قرب نقابة الكيميائيين."
"حاضر، الأخت لين!"
قبض على كمّي.
"قبل ذهابك، ألا يجدر بنا اختيار اسمين جديدين؟"
"فكرة ممتازة!"
اتسعت ابتسامته لدرجة ولّدت لدي رغبة في حجب رؤية وجهه براحة يدي. يبدو أن هذا البطل الصغير امتلك هالة لطيفة ملعونة، حتى في تنكره.
— ما دُمنا في هذا الجزء من العالم، فعليك أن تطلق على نفسك اسم الربيع الأخضر.
عقد حاجبيه: أليس هذا قريباً جداً من اسمي الأصلي؟
— لن يتعرَّف عليك أحد.
لو أن منغ هاو صار هاو منغ ولم يُمْسَك، فهذا القدر من التغيير كافٍ.
— الجزء الصعب سيكون ابتكار اسم لي.
— ماذا عن الجنية لينلين؟
أستعمل اللين المأخوذة من المطر الغزير المستمرّ بدلاً من اللين المأخوذة من الغابة؟
— حسناً.
سأرتضي ذلك. لم يكن الأمر كأنني مضطرّ لاستعمال هذا الاسم المستعار طويلاً. اتسعت البسمة على وجهه. بدا الفتى سعيداً أكثر من اللزوم بمنحي اسماً. في الواقع، ربما كان متحمِّساً فقط للعمل سرّاً وهو في قارة أجنبية. الأطفال يعشقون هراء الجواسيس.
— ابقَ آمناً.
وتذكَّر ألا تتورَّط في أي مشكلة حين نفترق. أومأ مقرّباً شياو باي منه أكثر. التفتُّ إلى روح الفضاء: أالجو خالٍ بالخارج؟ أمال رأسه مبتسماً ثم أومأ.
— إذن حان وقت ظهوري!
* * *
أول ما لاحظته حين خرجت من الفضاء هو أنني كنت أعلى ممَّا ظننت. من نقطة الرؤية هذه، كانت لدي إطلالة جيدة على المدينة الصغيرة التي نتواجد فيها والتي بدا أنها مأهولة بالمتمارسين لا بالبشر العاديين. من النسيم المالح، استطعت إدراك أننا قرب محيط أو بحر. في الواقع، بدا الأرضية تحت قدمي شبيهة جداً بكتفي شخص راسختين.
— ائبتعد عنّي!
صرخت امرأة من الأسفل. تقطّب وجهي. ذلك التنين الكاذب اللعين! قال إن الجو خالٍ.