دفع الخشب المحترق بأطراف لم يعتدها. ملأ صريف الخشب أذنيه بينما تساقط الرماد على وجهه. ما زالت جمرات خافتة تحتضر تشتعل في بعض ألواح الدردار، وامتلأ الهواء برائحة الصنوبر المحترق واللحم اللاذعة. اضطربت أفكاره وتشابكت بطريقة لم يكاد يدركها، لكنه عرف أن الأمر الأهم هو العثور عليها. أين هي؟ استطاع أن يشمّها، لكنّ الرائحة بدت غريبة تماماً. هكذا لم تكن رائحتها المعتادة. أين هي؟
أين هي؟ أين هي؟ سقط ضوء شريف لخريف غامر عليه حين أزاح لوحاً آخر من الخشب. ومع صوت تحطم، هوت عشرات ألواح الدردار والصنوبر المحترقة على جانبها كحيوان مثقل بالشحم. استقر الهواء البارد عليه ورمى بصه إلى الأسفل. كان هناك جَسَد. لم يكن جسده هو. أم تراه كان هو؟ صار له أصابع الآن. ثناها وبسطها ليتأكد. ماذا حدث؟ تذكر ذلك الرجل... أدار رأسه ببطء ليرى كتلة متفحمة سوداء على بعد أقدام قليلة.
الرائحة... غصّ بأنفاسه، فزحف نحوها مستعيناً بيديه وركبتيه. وضع يديه على الجلد المتفحر وشعر به ينزلق تحت كفه، كاشفاً اللحم المشويّ تحته. اتسعت حفرة فارغة في بطنه وتحولت بغتة إلى هوة ساحقة. حاول دفع الجلد ليلتصق باللحم من جديد، ممسكاً به هناك على أمل أن يلتئم ليعود سوياً بشكل أو بأخر. لكنه لم يلتئم. ومهما ألح في الدفع، هوى الجسد في النهاية على جانبه وحسب. وضع يديه، وهما شيئان غريبان، على كتفيها وهزها، مطلقا أنيناً مثيراً للشفقة ومتمناً أن تستيقظ بأي طريقة.
لمَ لا تستيقظ؟ كان ولداً صالحاً. ولمَ عجز عن المساعدة؟ ألقى نظرة أخيرة حولهما. انهارت معظم الدار، لكن بعض الأجزاء ظلت صامدة بعناد، وبانت معالم الطلاء لتوشي بجمال البناء الذي قام هنا يوماً. أين الساحة، بكل زهورها الفاتنة؟ أين الشجرة التي تمنح الظل في أي وقت من النهار؟ أين كل الأماكن التي عادة ما تكون فيها؟ وقعت عيناه على ميزاب صغير، مكان انهارت فيه الجدران الخشبية لتستند بالكاد إحداها على الأخرى بطريقة جعلتها متماسكة.
يحتمي هناك شخصية صغيرة ذات عيون من حجارة بيضاء مصقولة تلمع تحت أشعة الشمس. فاضت الذكريات على عينيه حين رأى سيدته تنظف الطاولة الصغيرة التي ترقد عليها، وتضع حولها الزهور الطازجة، ووعاء الأشياء أمامه الذي لم يُسمح له قط بشمه. كم يوماً استغرق ليتعلم كيف يضع فكّه على الأرض أمامها هناك؟ وكم مرة مرّ الاثنان به عائديْن من نزهة مشتركة؟ وضع يداً أمام الأخرى، ساحباً معه الجسد الغريب، فوق خشب مكسور حفر أخدوداً عميقة في ساقيه إلى أن فطن لوضع...
ركبتيه؟ ركبتيه، حتى وضع ركبتيه واستخدمهما أيضاً. كان عليه أن يقترب. تعرض هو الآخر للحريق. اختفى الطلاء وزي الحرير الصغير الذي حاكته بعناية له على مدى أشهر، كلها تلاشت في ألسنة اللهب. لكن عينيه البيضاوين بقيتا، لم تمسهما النار ولا الخراب المحيط به. تحدقان بوداعة.
احترق حلقه وأطلق أول كلمة بصوت أجش: "لمَ؟"
لم تقل التمثالة شيئاً.
"لمَ... لمَ لم...؟"
تردد، فصوتُه بدا جديداً عليه بالكامل. لم يكن ينبح، أو يزمجر، أو يئن، بل كان يتحدث. كبشر. لكن أفكاره لم تستطع التوقف طويلاً عند هذه المعجزة. لم يكن لديه أحد يتحدث إليه سوى التمثالة.
"لمَ لم تساعديها؟"
سأل، مادّاً يده نحوها. بدا شكلها المتفحر الأسود خشناً تحت أطراف أصابعه.
"لمَ لم تنقذيها!؟"
احترقت عيناه إذ تناثرت الدموع، متساقطة على فخذيه.
"ألم تكن جيدة بالقدر الكافي؟ ألم تكن طيبة معك؟ ماذا اقترفت من خطيئة!؟ إن كان الملوك عظماء إلى هذا الحدّ فلمَ لم يقتلوه؟"
ذلك الرجل. اشتعلت نار في صدره، تحرق عظامه. لم يحب قط ذلك الرجل الذي أمسك بسيدته. بدت رائحته شريرة وعاداته سيئة.
"لمَ وثقتِ بكِ!؟ لمَ..."
لقد حاول، لقد كان عجوزاً وشبه أعمى. كان سمعه يخونه لكنه عرف صوت سيدته أينما كان. لقد حاول. لكنه أخفق. بلدت أسنانه مع التقدم في العمر. اخترقت الجلد لكنها لم تكن كافية. أخفق في أداء أهم واجباته. لقد خذلها.
"لمَ... لمَ لم... تساعديني؟ لمَ أخفقت؟"
سأل، بينما خبت النار في صدره. لم تأتِ إجابة من التمثالة. بل ظلت واقفة مكانها وحسب. عمياء. بات بإمكانه الرؤية بوضوح تام الآن، وصار سمعه أرهف من ذي قبل. صار يملك يدين وقدمين وبإمكانه الكلام، لكنها لم تعد هنا لتتحدث إليه. صوتها الدافئ ويدها. رائحة الزنبق والصنوبر. كلها تحولت إلى رماد حوله. ارتفع صدره وهبط، والدموع تنحدر على وجهه حين دفن وجهه بين كفيه ليمنع الماء من التدفق.
لكنه عجز عن إيقافه. تسللت الدموع من بين كفيه وسالت على ذراعيه بينما ارتجف جسده بالنحيب. لمَ لم يتحرك بسرعة أكبر؟ لمَ لم يعضّ بقوة أكبر؟ لمَ أخفق؟ لقد بذل قصارى جهده. لقد حاول!
"لا أصدق أنه أحرق داره بأكملها"، تمتم صوت أجش بقربه.
"حسناً، إنها إحدى طرائق التخلص من الديون على ما أظن"، أجاب صوت آخر أتعَب.
"أظن بإمكاننا التجول لنرى إن كان هناك أي شيء ذي قيمة لم يحترق لنبيعه. تركنا الرجل مديوناً بثمانمائة قطعة نحاسية بعد رمية النرد السيئة الأخيرة تلك. من حقنا تماماً الحصول على ما تبقي من أغراضه".
استدار ببطء ليرى رجلين يتسلقان فوق الخشب المنهار ويقلبان القطع بحثاً عن أشياء صالحة. لم يلاحظاه بعد.
"... اللعنة!"
توقف أحدُهما بجانب الجسد المحترق لسيدته.
"آه، لا يمكننا بيع امرأة ميتة لبيت بغاء، أيها النذل".
ركل الجثة. كيف تجرؤان. كيف تجرؤان! نهض لانغ لانغ على قدميه المرتجفتين، واشتعلت النار في صدره مجدداً. تشققت شرارات حمراء وألسنة لهب التمثالة خلفه حين بدأ يتقدم بخطواته نحو الرجلين. استدار وجهماه نحوه أخيراً، وامتلأ الهواء برائحة الرعب وهما يراقبانه. هجم، مزمجراً، وأطبقت أسنانُه مجدداً حول نصل أطلق شرارات بيضاء مؤلمة تصطدم بنيرانه الحمراء الخاصة. لوى رأسه، محاولاً انتزاعه من يد حامله.
أومض كم المعتدي وتسللت عدة أوراق نباتية طويلة، حادة كالخناجر ومشبعة بطاقة متقطعة، لتغوص في جمجمته المشتعلة. أطلق عواءً وأطلق سراح النصل، وهزّ رأسه الضخم، نافضاً قطع نار حمراء تطايرت على الأرض حول كفّيه بحجم يكفي لتحطيم صدر رجل. لمَ لا يترك هؤلاء البشرُه ومدينَتَه وشأنهما قط؟ لقد عمل بجد، وبذل جهده كله ليحافظ على سعادة الناس وأمانهم. هذا ما كانت لتتمناه، ألم تكن تلك الرغبة كافية؟
التف دائرياً، فوجد خصمه يتراجع إلى الوراء، تاركاً قطرات من الصمغ الأحمر في أثره. زمجر وتعقبه، مركّباً جل جده على هذا الكائن البغيض الذي تجرؤ على غزو المكان الذي صنعه. انزلق الشكل بين زقاق ضيق اندفع لانغ لانغ وسطه، دافعاً بكتل الخشب والتراب جانبًا أو مفجراً إياها من الحرارة الهائلة التي تلفّ عظامه. خرج ليو شي راكضاً إلى شارع أوسع، وكان لانغ لانغ يطارده عن كثب، وغرست أظافره بعمق في الأرض تاركة علامات محترقة حين قفز فوق الشبيه بالإنسان ليقطع طريقه.
استدار ليواجهه مزمجراً بوعيد عميق يتردد صدى من النيران التي التفت حول عظامه. تصاعدت سحب سوداء من الدخان في أرجاء الطريق، وتشقق التراب تحت كفيه من شدة الحرارة. النصل الذي عرقل حتى الآن محاولاته لانتزاع رأس ليو شي عكس الوهج القرمزي للنيران ومع ذلك لم يظهر أي علامة على التباطؤ رغم الجرح الدامي العميق في ذراعه حيث تساقط سائل أحمر ثقيل على الأرض. لقد كره الأسلحة المقدسة؛
فقد كانت مزعجة في كسرها وقادرة على إيذائه. حتى الآن كان ليو شي يقاتل دفاعياً، فما الذي كان ينتظره؟ أكانت السماء ستمطر ماءً مقدساً على لانغ لانغ لتطفئه؟ خطا لانغ لانغ خطوة إلى الأمام باتجاه ليو شي وشعر برماح باردة ترتجف في أنحاء جسده، ففقد بصره للحظة من الألم بينما اجتاح لمسها البارد المطهر عظامه وأطفأ بعض نيرانه. هز رأسه ككلب مبلل وعاد ليرفع بصره في الوقت المناسب ليرى طول نصل يمسك به حامله بإحكام، عاكساً آلاف العيون لآلاف الكائنات المختلفة، وهو يُغرس مباشرة في جمجمه.
وكأن صاعقة ضربت روحه ذاتها، شعر بنفسه يتشطم ويتمزق بينما تجذبه معاً ملايين الأيدي والأظافر العمياء اليائسة التي تشبثت به. تشققت ذكرياته، وترنح للخلف عائياً من الألم، لاوياً رأسه ليتخلص من السيف وحامله. فجأة تراجع الأيدي العمياء المتلمسة مسروقة أجزاءً من نيرانه، وتراجع لانغ لانغ للخلف، منهاراً في شكل أصغر بصوت رعديّ هز الأرض. تشبث بوجهه حين هوى على ركبتيه، وامتلأت عيناه بالدموع بينما اجتاحته لوعة حارقة.
جزّ على أسنان، مجبراً عينيه على البقاء مفتوحتين وهو ينظر إلى التلف الفظيع الذي حل ليدمر مدينته... مدينته... أشياء كثيرة كانت تحترق. انهارت مبانٍ، وحطمتها ثورته المجنونة. والتفت ألسنة اللهب مع دخان أسود كثيف ترتفع عالياً في السماء. وحيثما وقع بصره كانت هناك أنقاض، وعظام سوداء للمدينة التي سعى لبنائها من أجل الآخرين. تشبث بوجهه وصرخ، ليخرج دم غليان متدفقاً من فمه ويهوي على الأرض قبل أن يلقي بنفسه مرة أخرى نحو ليو شي، مادّاً ذراعيه.
اصطدمت دزينة من رماح الماء الرفيعة بالأرض قبل أن يتمكن من الإمساك بالرجل لكنه اندفع عبرها غير آبه بالتطهير البارد الكامن فيها، وتصاعد الدخان من جسده حين اقترب بما يكفي ليقبض على عنق ليو شي. أوقفه شعور النصل الأبيض للسيف وهو يغوص في بطنه عن الحركة، فانهار على ركبتيه، ليزيد في تقيؤ دم أسود مغلي. سحب ليو شي سيفه محرراً إياه من بطن لانغ لانغ. رفع لانغ لانغ بصره، متجاوزاً ملامح ليو شي المبهمة نحو أحد الأسقف التي لا تزال قائمة، حيث وقف شخص غريب، تحيط به هالة من الدوران المائي.
وبعد لحظة أطول من اللازم أدرك أن السقف يخص العيادة، التي بقيت سليمة بشكل ما. بالطبع، ماء ساحة لين...
"لمَ ما زلت تحزن يا لانغ لانغ؟ لقد مرّ وقت طويل، ألم تتعب؟"
أغمض عينيه مجبراً نفسه على النهوض، مترنحاً قليلاً وهو يعود على أربع وقفات ويجري بساقين غير مستقرتين باتجاه مقامه. أكان الجميع بخير؟ أكانوا مختبئين هناك؟ كان عليه العثور عليهم. كان عليه التأكد من سلامتهم. تلألأت الجدران البيضاء المطلية للمقام بفرادتها وسط الدمار. انفتحت الأبواب عفوياً بفعل الغريزة وحده وهو يترنح صاعداً الدرجات قبل أن ينهار أخيراً عند العتبة. في الداخل، يلفه الظلام البارد، كان تمثال سيدته.
كانت تحدق إليه بسكينة، كأنّه في أي لحظة قد يشعر بيدها الدافئة على رأسه من جديد.
"ولد صالح".
كانت النيران تقترب منهما تدريجياً. وتمازجت رائحة الدم مع الصنوبر والدردار المحترقين.
"يا له من ولد صالح".
كانت تستند إلى الجدار، وقد غطى الدم صدرها ليتدفق على ذراعها ويمتد إلى يدها وهي تربت عليه، ملاصقة لفروه الأبيض.
"سيكون كل شيء على ما يرام".
ارتفع صدره وهبط باضطراب. حاول أن يسحب نفسه أقرب مرة أخيرة، جارا أحشاءه على الأرض معه قبل أن يسوي ساقين ويرقد.
"ولد صالح يا لانغ لانغ".
أغمض عينيه، مستنداً إلى تلك اليد الدافئة مجدداً. لقد بذل قصارى جهده. لقد حاول.