قسم شجرة الصفصاف الفصل 67 — تشتت الذهن

اقرأ قسم شجرة الصفصاف الفصل 67 — تشتت الذهن باللغة العربية على مانجا تايم.

بعد الطعام المشبوه في المدينة الحرة، ثم السفر لفترة لا تقبل النفاذ على أكل البذور والكعك القاسي الصغير وحده، وهو في زعمهم "اختصاص"

ابتكره مريدو السيدة غو، كان الطعام الذي قدمته له المرأة المرعبة عديمة الملامح أفضل شيء تناوله منذ أسابيع. ربما أشهر. لم يعد بو يستطيع تتبع الأيام بعد الآن ولم يعبأ بذلك. فالبقاء على اللحظة الراهنة يمنع صدره من الانقباض. تطلع في الوعاء، كانت الشوربة مرقاً بنياً ثقيلاً تسبح فيه أشياء شبيهة بالديدان الطويلة وقطع مقطعة من شيء لم يتبينه لكنه قرر أنه لذيذ، إلى جانب الأشياء الشبيهة بالديدان.

التهم طعامه بسرعة، والتفت إلى لي باوباو الذي كان ينخس طعامه بفتور.

قال: "إن لم ترده، فسآخذه".

قال روي ييفو: "يا بو! لمَ تتسول الطعام كالكلب؟".

ربما تغير وجهه لكن طباعه لم تتغير البتة، وهو ما خيب أمل بو إلى حد ما. كان يأمل أن يكون روي ييفو ألطف. ومع ذلك لم يستطع إلا أن يشعر بقدر طفيف من الطمأنينة بقربه. كان الأمر أشبه بعودة أمه إلى الحياة. وما إن عبرت هذه الفكرة ذهنه حتى أحس بطعماً مراً في فمه.

أشار بو إلى الوعاء الذي لا يزال مليئاً: "أنا لا أتسول. إنه لا يريده".

"لا".

"لمَ تخبرني بما أفعله؟ أنت لست رئيسي!".

بدا لي باوباو كأنه أفيق من شارد الذهن: "أنا... أنا أفكر فحسب، آسف"، وأخذ يأكل ببطء ومصوّب عينه نحو غرزة ما في الخيمة.

انفتح رفرف الخيمة وولجت العجوز متمايلة، وهي تمسك بيديها قنينة جلدية ناولتها لروي ييفو.

قال بو بامتنان: "أهلاً يا خالة! شكراً لك على الطعام! إنه طيب حقاً. مم، أأريتِ الرئيس بالخارج؟".

"من؟".

أمالت المرأة رأسها في حيرة قبل أن تفتح فمها عديم الشفتين.

"آه، الشاب. لا، آخر عهدي به كان في الصباح".

جذبت عبوسة شفتي بو: "هاه. لعلة أراد بعض الهواء النقي فحسب؟".

قال لي باوباو بصوت خافت: "آفف، أنا آسف لأكلنا الكثير من طعامك".

"لا تقلق بشأن ذلك. أنا لا آكل إلا ثلاث مرات في العام".

ثم نظرت إلى لي باوباو نظرة خبيثة بينما وسع بو عينيه: "لكنني لا أمانع المقابل!".

"أ-أوه، بالطبع...".

سأل بو رافعاً صوتا ليتغلب على رنين القطع النقدية: "كيف لا تأكلين إلا ثلاث مرات في العام؟".

أوضح روي ييفو وهو يفتح غطاء القنينة ويحتسي منها جرعة عميقة: "إنها ممارسة، وأول ما يتعلمه الساعون في ذلك الدرب هو إنكار الجوع للتركيز على التأمل".

ضحكت العجوز: "حسناً لم تكن الأولى بالنسبة لي. تعلمتها لاحقاً. لا أحد يقارب الرغبة في الخلود بالطريقة ذاتها، حتى داخل الطوائف. انتهى بي المطاف إلى الحاجة لقليل من الطعام ثلاث مرات في العام فحسب لكن..."، لمست محياها المشوه، "هذا أقصى ما بلغت. لو لم أبلغ هذا الحد، لكنت ميتة على الأرجح".

تخيل بو عملية التعلم البطيئة لتجاهل جوعه. فكرة ذلك الخواء القارص المستمر. لقد جاع، وغالباً حقاً، لكنه كان يفلح دائماً في التقاط شيء ما أخيراً. الاكتفاء بالانتظار حتى لا يشعر بشيء بعد؟

قال بلهجة جافة متجاهلاً نظرة روي ييفو الحارقة: "إن كانت تلك هي طريق الخلود، فأنا غير مهتم".

أشارت إليه: "حسناً، كما قلت ثمة طرق مختلفة. لا يسعى الجميع لتحريمه عبر حرمان النفس من ضرورات الحياة، وبعض الناس يملكون إمكانات أكبر قليلاً وقد ينتهي بهم الأمر بالممارسة عن طريق الصدفة البحتة".

قال: "لم تكن ذات نفع كبير".

هزت العجوز كتفيها: "لم يقل أحد إن أمراً كهذا «نافع»".

احتد رفرف الخيمة حين دُفع جانباً ودخل ليو شي محاطاً برائحة طبية قوية. تحركت عينا بو فوراً نحو يد الرجل، الملطخة بالأحمر مع شظايا صغيرة تبرز منها.

نهض مسرعاً: "رئيس ماذا حدث!؟".

انفجر ليو شي: "ليس شيئاً"، وهو ينتزع بعض الشظايا الخضراء والبيضاء من كفه المدمى ويرميها على الأرض، قبل أن يسحقها تحت عقبه بعبوس مروع على وجهه.

ثم رفع بصره فجأة وقد صار وجهه هادئاً ووديعاً.

"أفرغتم أنت ولي من الأكل؟ نحن راحلون".

عُقد لسان بو، فنظر إلى الآخرين وبينما بدت العجوز أكثر تضجراً من الغبار المدمى الواقع الآن على أرضية خيمتها، صار لي باوباو شاحباً كشبح وعقد روي ييفو ذراعيه مطلاً بنظره مباشرة إلى ليو شي.

سأل روي: "إلى أين نحن ذاهبون أصلاً؟".

"...علينا إيجاد جبل أحمر ونهر ينشطر إلى اثنين، وقرية تديرها..."

ارتفعت حاجبا روي ييفو: "أين؟".

"في المملكة الشمالية".

التقم بو لقمة أخرى وهو يتابع الحوار، مسروراً بغرابة لأن روي ييفو هو المتحدث. كان لي باوباو يأكل بهدوء أيضاً، وبدا كأنه ينكمش على نفسه كفأر صغير. وكان بو مسروراً خصيصاً لغياب الأخت الصغيرة القارصة أيضاً. تشكلت كتلة جافة في حلقه. كيف حالها؟ بدا ليو واثقاً من أنها لا تزال على قيد الحياة لكن كيف له أن يتيقن؟ انجرفت النيران داخل المدينة خلف عينيه، تمتزج بالنيران في قرية صغيرة قرب نهر، يلفها غابة...

لاحظ روي ييفو، رغم أن كلامه بدا كحديث لنفسه: "همم، يبدو ذلك كعدة أماكن مختلفة".

سأل ليو شي بصوت رتيب عجيب جعل بو يرتجف: "ما تقصد بـ«عدة أماكن مختلفة»؟".

لم يجب روي ييفو، غير مكترث، لعدة دقائق طويلة.

ثم أدار وجهه نحو العجوز المشوهة: "أثمة نهر أو بحيرة قريبة؟".

أومأت: "مم؟ آه، نعم. ثمة نهر كبير شمال هذا المكان تماماً. تتبعناه لبضع أسابيع في طريقنا إلى الجبل، لا أعرف اسمه بيد أن بإمكاني إخبارك أن مواصلة التقدم شمالاً من المخيم ستوصلك إليه مع المساء لو انطلقت الآن".

نهض روي ييفو، متناولاً سيفاً مغمداً كان ملقى خلفه: "شكراً لك على كرمك".

بدأ بو ينهض هو الآخر لكن لي باوباو ظل طريح الأرض.

"ثمة عدة جبال حمراء في المملكة الشمالية، لكن ثمة جبلاً واحداً تحيط به أراضٍ قابلة للزراعة".

"ما علاقة هذا بالأمر؟".

"إن كان لانغ لان ضالعاً، فسيود نقل قريته إلى مكان يمكنهم الفلاحة فيه بعد، أيها الأحمق".

أبدى ليو شي تعبيراً طفيفاً: "لم أقل شيئاً عن لانغ لان قط، يا روي".

ابتلع بو ما تبقى من طعامه محاولاً تجاهل النبرة الحادة المتزايدة للآخرين ثم مد يده إلى لي باوباو.

"هيا، يبدو أننا على وشك المشي مجدداً".

رفع لي باوباو وجهه ببطء إليه: "ألسْت متعباً؟".

هز كتفيه: "مم، لست كذلك، لقد نمت جيداً جداً. أراودك كابوس أو ما شابه؟".

تكلم لي باوباو بسرعة، وتوسعت عيناه بعدم تصديق مع كل كلمة: "نح-نحن نمشي لأيام وأيام، وكان هناك ذلك الحريق، والوحوش، وتلك المرأة التي تقول إن لديك «إمكانات» أو أياً يكن! ألسْت متعباً؟ أم مرتبكاً؟ أتقبل كل هذا هكذا فحسب؟".

هز بو كتفيه مرة أخرى، رافضاً تفكير أو حتى تدبر كلمات لي باوباو.

قبض على ذراعي الشاب الآخر وجره ناهضاً به: "إن كان ماثلاً أمامي مباشرة فلمَ لا أقبله؟ علاوة على ذلك، ليس وكأننا نستطيع العودة أليس كذلك؟".

زال اللون ببطء من وجه لي باوباو، لكنه أومأ ببطء.

ثم التفت إلى العجوز: "شكراً لك ثانية على كرمك".

"حظاً سعيداً في رحلتك، أيها الشاب. لعلّك تجد السلام في خيارك".

فكر بو أنه لو أصبح وجه لي أكثر شحباناً لاختفى تماماً. لذا ألقى بو ذراعه فوق كتف لي باوباو وبالالتفات نحو ليو وروي لاحظ أن الاثنين غادرا الخيمة بالفعل وكانا يبتعدان. جرّ لي باوباو معه، مسايرياً بخفة وتيرة الرجلين في المقدمة. كان الوقت مبكراً بما يكفي ليشعر بمسحة برد في الهواء، لكن الناس كانوا بالخارج بالفعل. حفيف الخيام ينبعث من نسيم خفيف بينما تجثم خلفهم الجبال متطاولة.

كان بإمكانه رؤية مريدي غو بالمخيم بالفعل، يوزعون الطعام أو يختفون داخل الخيام بأدماد أو ضمادات. كان الدرب واضحاً نسبياً لهم إذ كلما رأى شخص ما روي ييفو كان يشهق ويهرب. بعدما تأكد من مواصلة لي باوباو المشي بمفرده سمح لذراعه بالسقوط جانباً ووجّه عوضاً عن ذلك عينيه إلى الإضافة الجديدة لهيئة روي ييفو.

أشار إليه: "...هيا يا لي، أهذا سيف؟".

أجاب بحيرة: "مم، نعم؟".

سأل بو: "من أين حصل عليه؟ أتظنه يعرف كيف يستعمله؟".

سأل روي، ملتفتاً برأسه لينظر إليهما: "عَمَ تتمتمان؟ لا تتخلفا! امشيا أسرع!".

طالب بو بالتبرة ذاتها: "لا تصرخ! امشِ أبطأ! من أين حصلت على السيف ها؟ لا أذكر وجوده في الأغراض التي أنقذتها".

"هذا ليس من شأنك".

توقف لي باوباو ناظراً إلى زوج من مريدين شابين كانا يهرولان خلفهما. راقبهما بو للحظة فحسب، آخذاً بيد لي باوباو مجدداً.

"هيا، لا تريد أن يصرخ في وجهك روي أيضاً، أليس كذلك؟".

"لا".