قال بو ببرود: "لا أعرف الكثير عن الخالدين لكنني ظننت دائماً أنهم يعيشون في أمتعة أقل غباراً. النظافة فضيلة وما شابه".
وهتف لي باوباو وهو يبسط كفيه كأنه يحاول قياس البناء في مخيلته: "إنه كبير... معبد... قصر... مبنى؟ إنه كبير، ربما ليس لديها وقت لتنظيفه كله فحسب".
وتأففت جي ينج: "ولماذا ستنظف هذا المكان؟ أظنها خادمة أو شيئاً من هذا القبيل؟"
وقطب بو جبينه في وجه جي ينج التي لم تبدُ سوى مزعجة للجميع ورفضت مغادرة المكان بحجة أنها "دليلتهم"
و"مضيفاتهم المؤقتة".
لم يكن لذلك أي معنى بنظر بو مما زاد غضضا: "حسناً، ولم لا تنظفينه أنت؟ ألست فتاة؟ الفتيات يقمن بالطبخ والتنظيف و-"
وفجأة صارت أمام وجهه مباشرة، عيناها واسعتان وفمها الصغير مقطب في عبوس.
"مهلاً!"
وبدأت تتكلم بصوت منخفض ينذر بالسوء: "إن كنت تود الموت هكذا وتود رؤية ملكة الجحيم فيمكنني مساعدتك في ذلك أيها العاجز المقرف-"
وتوسل لي باوباو: "م-مهلاً، لنتوقف عن القجار. ليو شي، ساعدني!"
كان ليو شي جالساً بالقرب مستنداً بظهره إلى الجدار ورأسه مرفوع إلى السقف. كان هادئاً للغاية. لكنه خفض رأسه ليحدق ببلادة في بو و جي ينج.
وقال ببرود قبل أن يعيد نظره إلى السقف: "توقف. لا تفعل".
"ه-هذا لا يساعد!"
وابتعد بو عن جي ينج التي اقتربت منه أكثر فقالت: "انظر، أقول فقط إنه لعلّك استرجعت جانبك الأنثوي وتوقفت عن الكسل. انظر إليك، وجهك جميل لكنك تبدو كمن أكل عذرة. لا عجب أنكم تعتزلون هنا في جبل مع مجموعة من الفتيات الوحيدات الأخريات".
صمتت جي ينج لبرهة قبل أن تقترب من بو رافعة يدها كأنها تخفي سرا: "أنت تملك قيبا صغيرا. صغيرا حقا. يكاد يكون مثل-"
وصرخ بو وقد احمر وجهه لدرجة شعر معها بأن أذنيه على وشك الانفجار: "أيتها العجفاء عديمة الوركين ذات الأنف المسحوق!"
وحاول صفعتها لكنها ابتعدت عن يده بسرعة.
قال روي ييفو بصوت متعب: "بو".
كان يقف في الجزء المعتم من الغرفة، ويبدو أشعث بأضعاف ما كان عليه حين دخل. قطب بو جبينه قلقا ونهض. تحرك نحو روي ومد يده إليه لكن الرجل الآخر ابتعد واستند إلى الجدار مطأطئ الرأس.
ونهض لي باوباو بدوره بسرعة ومشى نحو روي.
وسأل بقلق: "ما الأمر؟"
"...تريد غو التحدث إلى بو".
"روي؟"
فأشار إلى الباب: "اذهب، الآن".
قرفص بو أمام روي ييفو ورفع نظره إليه محاولا التفرس عبر ستارة الشعر.
"ما الذي حدث؟"
لم يجب روي ييفو، بل وضع قدمه على صدر بو ودفعه ببطء حتى اضطر بو للنهوض كي لا يقع.
تأوه بو وهو ينفض بعض الغبار عن ثيابه: "حسنا، سأذهب. لم أكن أرغب في البقاء بجانب تلك القبيحة على أي حال".
احتج لي باوباو: "روي ييفو ليس قبيحا يا بو، كن مهذبا من فضلك. إنه منزعج جداً من أمر ما".
"لم أكن أعني ييفو بل كنت أعني تلك اللعينة هناك"، وأشار إلى جي ينج.
ثم استدار على عقبيه وتوجه إلى غرفة السيدة غو قبل أن يتمكن لي باوباو من قول أي شيء آخر.
كانت الغرفة مضاءة بضوء ساطع من فانوس غريب أحمر وأصفر مصنوع من مواد لم يتعرف عليها بو. لم تكن هناك نار مشتعلة فيه لكن بو ظن أنه يشم رائحة ملح البحر في الهواء فجعّد أنفه. غطى الغبار الأرضية وتراكم على الصناديق المتنوعة المتراصة في الزوايا. كانت السيدة غو جالسة بهدوء وجمود، وشعرها الطويل منثور على الأرض كآلاف الجداول المظلمة الصغيرة. لم يجد مكانا مريحا للجلوس عليه فجلس في النهاية على الأرض أمام المرأة الصغيرة.
حدقت فيه بلا ترميش أو حراك.
"إذن، ممم، مرحباً".
تململ بو في جلسته بانزعاج. شعر بتعرضه للخطر بشكل غريب في غياب أصدقائه حوله.
"اسمي بو".
"بو فقط؟"
ابتسم باحراج: "حسناً، نعم. حيث أتينا كنا نعرف بعضنا بعضا بطريقة ما. لم نحتاج إلى ألقاب عائلية أو ما شابه. كانت قرية صغيرة".
قرية سعيدة.
"أين تقع هذه القرية؟"
هز كتفيه: "كانت في غابة بجانب نهر. في المملكة الجنوبية. لا يمكنني تحديد مكان دقيق..."
"ولماذا لا؟"
"أنا..."
مضغ بو لسانه لبرهة.
"لا أحسن قراءة الخرائط. لم يكن لدينا أي خرائط توضح لنا أين نحن".
قطبت السيدة غو جبينها قليلاً: "إذن كيف ستعود؟"
أعاد: "كيف سأعود؟"
دون أن يفهم في البداية. وتسللت الكلمات ببطء إلى داخله. خفض بو بصره إلى يديه. لكنه لم يكن يحدق في أصابعه المشدودة التي تغوص في ركبتيه. بل رأى نيرانا تبتلع المباني، وأخشابا متطايرة تنهار بينما تتسابق أشكال غطتها النيران هاربة أو تسقط في الوحل.
"أنا... لا أستطيع".
"لا تستطيع ماذا؟"
همس: "العودة. ليس هناك... ليس هناك ما يمكن العودة إليه".
سألت السيدة غو: "ما الذي حدث؟"
لم يكن في صوتها شفقة أو تعاطف. كان سؤالا بلا مشاعر وخشى بو أن يواجه نظرتها.
"هناك جماعة... تدعى... هناك مجموعة من..."
ابتلع ريقه. لماذا أصبحت الكلمات صعبة النطق هكذا فجأة.
"كانوا يسمى الرايات، أو رايات تشانغ، نسبة إلى زعيمهم".
تحدث ببطء بينما كان يركز على بقطة في الأرض. شم رائحة أحشاء ووحلا. التوت الذكريات في عقله. النيران، والبيوت المتهالكة التي تسقط. أصوات متسرعة تهمس له ووجوه شاحبة خائفة تحاول الابتسام له.
"وما أمرهم؟"
همس بو برفق: "أحرقوا القرية".
"لماذا؟"
هزّ بو رأسه وقال: "أنا لا أعرف!"
وغرز أصابعه في فخذيه.
"أنا لا أعرف لماذا!"
وشعر كأنه يكذب على نفسه.
"أنا فقط أعرف... أنني بحاجة إلى العثور عليهم، أنا بحاجة إلى العثور على رئيسهم اللعين الأحمق لكي أتمكن من قتله".
كانت الكلمات غريبة على لسانه، وشيء ما كان يشدّ على قلبي، مثل حبل متعفن يجرّ عربة.
"كانت رايات تشانغ معروفة بصيادي المسوخ-"
وانفجرت موجة من الغضب والحزن في صدر بو، وقال: "عائلتي لم تكن مسوخاً! لم يكن أحد في تلك القرية مسخاً! المسوخ الوحيدون الذين كانوا هناك هم أولئك الرايات الحمقى-"
"إذن لماذا هاجموا قريتك؟"
وضغط على أسنانه وقال: "أنا لا أعرف! أنا لا أعرف!"
وكلما طرحت غو المزيد من الأسئلة، تذكر أكثر. أشياء استطاع حشوها في أتمّ زوايا عقله ظلمةً منذ أن التقى بـ ليو شي، ولي باوباو، وروي ييفو، وتشو إر. لقد كان منغمساً جداً في الرحلة لدرجة أنه استطاع النوم دون أن يشمّ رائحة الدخان واللحم المحترق. لكن الأمر برمّته كان يعود الآن. وبين الذعر والدخان، لمس أخواته و هنّ يقبلن نحوه. كنّ يدفيدنه بعيداً عن البيت وإلى الحفرة التي يلقين فيها قمامتهم.
كانت وجوههن مغطاة بالعرق والدموع... وتذكر وجه روي ييفو في المستودعات في المدينة الحرة. وأصابته الإدراك حتى انقطع نفسه.
لقد كنّ من شعب السمك.
الجميع في قريته، كانوا جميعاً من شعب السمك.
تكلم بو من بين أسنان مصطكة: "لم يكونوا مسوخاً. لم يؤذوا أحداً قط! كنا سعداء بتركنا وشأننا".
ونظر إلى السيدة غو، متوقعاً الاتهام أو الكراهية في عينيها لكنه لم يجد شيئاً.
سألت: "عندما جاءت الرايات إلى قريتك لتدميرها، ماذا فعلت أنت؟"
اعترف بو بفظاظة: "اختبأت تحت بعض القمامة"، واضعاً ذراعيه على صدره بينما شعر كأن قلبه يُعصر.
وأغمض عينيه، وكانت الذكريات كشرارات ساطعة.
"ل..لا، هذا ليس صحيحاً. أخواتي خبأنني تحت القمامة. أنا..."
"أخواتك خبأنك تحت القمامة؟ هل كنت طفلاً؟"
أدمدم بغضب: "نعم، لكن الأمر سيان كما لو فعلت ذلك بنفسي بما أنني بقيت هناك. كنت جباناً اختبأ تحت القمامة مثل القاذورات واستمع إلى مقتل عائلته وأصدقائه ولم يفعل شيئاً حيال ذلك!"
"ماذا كان بوسعك أن تفعل حيال ذلك؟"
"كان بإمكاني أن أقاتل!"
وضرب بو بيده على الأرض.
"كان بإمكاني الزحف والقتال ضدهم!"
بدت السيدة غو غير متأثرة.
"هل كان ذلك سيغير شيئاً؟"
تذكر أن أخواته لم يبتعدن كثيراً. كان يختلس النظر من تحت القمامة بينما حاصرهن عدة رجال. وعندما ابتعد الرجال، بدا ما تبقى من أخواته مثل قطع من لحم الحيوانات التي لا يريدها أحد.
انتظر طوال الليل، وطوال الصباح، وحتى بعد الظهر ليخرج من تحت القمامة. وزحف نحو اللحم المتعفن، محاولاً إعادة تركيب أخواته.
حتى رؤوسهن كانت قد سحقت إلى أشلاء.
غطى بو وجهه المبتل، وهو يبتلع نحيبه.
قالت غو ببرود: "ما كنت لتقدر على فعل أي شيء. ما كنت لتقدر على إنقاذهن. لو خرجت من القمامة، لكنت قُتلت. لكنت جعلت تضحيتها بلا معنى".
وضع بو يديه على أذنيه ليحجب كلمات المرأة لكنها وجدته على أي حال.
"أنت تعلم هذا، في أعماقك، أنه ما كان يمكن فعل أي شيء آخر. لا شيء كان سينقذهن".
"أخرس!"
"كنت طفلاً فقط، يا بو، كن رحيماً بنفسك".
"قلت أخرس! أخرس! لا أريد أن أسمع أي شيء آخر منك! أخرس! أخرس!"
وانحنى على نفسه، حتى لمس أنفه الأرض وضغط بيديه على أذنيه بقوة شديدة حتى شعر وكأنه على وشك سحق جمجمته بنفسه. وغرز أظافره في جلده حتى اخترقته وبدأ الدم يتساقط.
"أخواتك كنّ يردن لك أن تعيش، فهل أنت تعيش حقاً يا بو؟ منذ متى وهذا الحزن والغضب يرزحان في قلبك؟ ماذا كنّ ليظنن؟"
صرخ بو.
وتابعت السيدة غو، غير منزعجة من صرخاته اللاهثة: "لا يمكنك العودة و هكذا لا يمكنك التقدم للأمام".
لماذا لم يكن أحد يدخل؟ بدا صوته يتردد في جميع أنحاء الغرفة ومع ذلك قطع صوت السيدة غو الهادئ الضوضاء مثل السكين. لم استطع الصرخ بصوت عالٍ بما يكفي لإسكاتها. كان بإمكانه شمّ رائحة اللحم المحترق.
وطالب وسط الدموع: "أخرس، فقط أخرس! لماذا ما زلت تتحدثين؟!"
أجابت: "لأننا كلينا تلميذان للمعلم نفسه، إنه واجبي أن أساعد".
"لا أريد مساعدتك!"
وقالت بلطف: "نحن لا نملك الخيار دائماً. يا بو، ما زلت تنمو ويمكنك أن تصبح شيئاً أكثر من مجرد يتيم، يهيم على وجهه في الطرقات وحدها والكراهية ترزح في قلبك. لكن عليك أن تسامح نفسك. أنت وروي ييفو تشتركان في ذلك".
كان صامتاً، وشعر بحلقه خشناً ومؤلماً. واستمع إلى صوت تنفسه غير المنتظم بينما ظلت السيدة غو ساكنة وصامتة تماماً مثل الحجر.
واستنشق بتهكم: "لا أشترك في أي شيء مع هذا النذل".
"خذ اسمي".
حرك بو وجهه عن الأرض المغطاة بالمخاط والدموع والغبار لينظر إليها.
"ماذا؟"
"خذ اسمي، وتصبح غو بو، أو أي اسم لائق تختاره لنفسك في نهاية المطاف. لن يعطيك ليو شي أبداً أي شيء لا يمكنك تحقيقه بنفسك، لكن هذا لا يعني أنه يجب عليّ اتباع القاعدة نفسها".
واستقرت يداه الصغيرتان، مثل عنكبوتين باهتتين، في حجرها.
"نحن أخ وأخت الآن، كما تعلم، فلا تشعر بالوحدة كثيراً".
بقي بو في وضعته المحرجة شاخصاً ببصره إلى الخالدة مذهولاً. لم يدري ماذا يقول أو يفعل. حدقت السيدة غو فيه بدورها بلا رمشة وساكنة. ثم أغمضت عينيها ببطء وبدت كأنها عادت لتصير كومة مغبرة من القماش والشعر الطويل بافراط.
انتهى اللقاء. أدرك هذا. نهض على ساقين مرتعشتين ما زال مذهولاً وترنح نحو الباب.