قسم شجرة الصفصاف الفصل 50 — غرفة الطبيب

اقرأ قسم شجرة الصفصاف الفصل 50 — غرفة الطبيب باللغة العربية على مانجا تايم.

طغت الأشجار السامقة ذات الأوراق السوداء العريضة على السماء، ساكنة كأنها حجر. لم يظهر أي أثر للسماء مهما توغلت في غابة الجذوع البيضاء والتراب الشاحب، حيث تلتصق أزهار ذات بتلات بيضاء مكتنزة بالأرض وبالأشجار معاً. تحاشت وطأها؛ هي وكرماتها المتسللة. حدسها يخبرُها بأن سحق واحدة منها سيُفضي إلى كارثة. كانت تائهة. تائهة ولا تدري كيف ضلت الطريق. لم تكن تعلم سوى أنها يجب أن تواصل المسير.

ثمة شيء قادم، لكن ما هو؟ رغبت في الالتفات خلفها، لكن برداً يسري في عمودها الفقري كلما همت بإدارة رأسها كان يثنيها عن ذلك. تتسلل الذكريات كقطرات الماء في نهر، لا تتمايز عن الأفكار. تندمج ببعضها في ضبابية. تستحضر رجالاً غرباء، وغابة ميتة. ثم شخصاً جاء وأخذها بعيداً. كلب؟ كانت الذكريات غائمة أكثر مما ينبغي. أمامها جذع ضخم ساقط يسد طريقها. وضعت أيدوني يديها على خاصرتها، تتفحص كتلة الخشب الصلدة التي بدت بارتفاع سبعٍ منها، وتستعرض طولها بحثاً عن منتهاها.

كانت المسافة بعيدة لكنها استطاعت لمحه. تابعت السير بمحاذاة الجذع الساقط بخطى أسرع قليلاً، مع إبقاء عينيها مثبتتين على الأرض حذراً من أي أزهار أو كرمات. بعد وقت شعرت بأنه كان قصيراً وطويلاً في آن، بلغت نهاية الجذع. وخلفه، على مرمى حجر، جذع آخر ساقط لكنه أصغر بكثير. تحركت أيدوني بسرعة نحوه، وضعت يديها على اللحاء الأبيض، ووجدت بسرعة مواضع للقبض جذبت بها جسدها للأعلى، ضاغطة بقدميها على قطع بارزة من اللحاء الأبيض.

تسلقت الفتاة بسرعة وتجاوزت الجذع، لتسقط في الجهة الأخرى بوقعة ثقيلة، مادّة يديها لتتقي بها الارتطام بوجهها. ظلت ساكنة للحظة، تنظر إلى يديها المحمرتين بوضوح وهما تغوصان في التراب الأبيض. ثم التفتت لتنظر إلى الجذع الذي تسلقته لتوها، حيث انغرزت فيه ثقوب حمراء عميقة ينز منها صمغ أحمر داكن. ملأ الغابة صرير مدوٍ، واضطربت الأوراق الساكنة بريح لا تُحس. بدأ الخشب النازف يرتجف، وتفتت اللحاء الأبيض فوق شيء يتحرك في الداخل.

غمر صدرها هبوب من الرعب.

هتفت بيأس وهي تدور على عقبيها، تتلفت في الغابة المرتجفة: "ليو شيه! ليو شيه؟ ليو شيه؟"

لكنه لم يكن هناك. انطلقت تعدو، والغابة من حولها تزداد غضباً. تحت قدميها، كانت البتلات والكرمات تُسحق، مخلفة وراءها صمغاً زهرياً كثيفاً يلتصق بقدميها. شعرت به يتناثر فوق كاحليها، صاعداً إلى ساقيها، يشدها حتى تعثرت أخيراً وسقطت على صدرها، فخطف السقوط أنفاسها بينما واصلت الغابة زئيرها المحمول بالريح. تلوت أيدوني بينما كان الصمغ اللزج يشدها، محاولة انتزاع نفسها من المادة.

"ها أنتِ ذا."

عاد الهدوء والسكون إلى كل شيء، وتمنت أيدوني لو لم يكن الأمر كذلك.

امتدت يدان لتنتشلاها برفق من الفوضى الزهرية: "يا صغيرتي المسكينة. تائهة ووحيدة. لا تخافي. أنا هنا."

انتفضت أيدوني جالسةً، ورمشت بعينيها وهي تحدق في أضواء زرقاء ضبابية تطفو في هواءٍ كدر، بينما مرّ طيفٌ أمامها. أنارت الغرفةَ خضرةٌ خافتة تنبعث من نباتات غريبة رطبة تلتصق بالسقف، حتى الأجراس الشاحبة بجانبها بدت وكأنها تشع ضوءاً من عالم آخر، لكنها لم تعرف أين هي. لم تكن في غرفة لانغ لانغ، ولا في النُّزل. اصطفت على الجدران رفوف عميقة تعلوها كتب ولفائف وجرارٌ فوق جرار تحوي شتى الأشياء، إلى جانب أدراج صغيرة ذات مقابض فضية تلمع ببريق زيتي تحت الضوء.

كانت تجلس فوق طاولة خضراء، وشعرت بحكة في جانبها، فراحت تحكّه بلامبالاة وهي تواصل تأمل المكان.

سأل صوتٌ: "أفقتِ مجدداً؟"

كان يقف بجانبها شخص نحيل، يمسك عصياناً سوداء صغيرة ذات رؤوس حادة رطبة.

"أين...؟"

ردّ الشخص ببطء: "في إحدى غرفي".

بدا في الضوء المخضرّ كأنه طيف، وجه شاحب بعينين سوداوين واسعتين، وعلامات حمراء خافتة، وشعر يبدو كأنه رُبط على عجل. ارتدى شالاً بنقوش تشبه الحراشف تلتقط الضوء، وتحته ملابس بسيطة تلطخت ببقع آثرت ألا تركز فيها.

"اسمي لين، وقال لانغ لانغ إن اسمك تشو إير؟"

أومأت برأسها، حذرةً من هذا الغريب. كان يقف قرب طاولة أخرى وضعت عليها كومة من مادة غريبة بلون أخضر داكن وأرجواني، تسيل منها سوائل مقززة وأخرى حمراء رقيقة على السطح.

ناولها لين كأساً وقال: "اشربي هذا".

قطبت أيدوني حاجبيها وهي تشم رائحة الشاي الطبية النفاذة التي طالما أعدها لها ليو شيه، لكنها تجرعته رغم ذلك، مقطبةً وجهها بمرارة السائل. سحب الكأس من يدها، وفجأة حدق لين في وجهها مباشرة، وتلاقت أعينهما.

"...أجل، هذا ما ظننته".

ثم شرع لين يتمتم بكلمات سريعة وغريبة لم تفهمها، وانتقل إلى طاولة أخرى ليدوّن شيئاً.

قال لين: "تشو إير، أظن أنكِ ستبقين مع لانغ لانغ".

لم تدرِ أيدوني بما تشعر تجاه ذلك. لم تدرِ بما تشعر تجاه أي شيء سوى الحيرة والضياع. أين باوزي؟ ليو شيه؟ بو؟ أين الجميع؟ نظرت إلى ساقيها، فإذا بها مغطاة بكدمات مبقعة لا تذكر متى أصيبت بها، ثم لاحظت أن الموضع الذي كانت تحكه قد غطته رقعة كبيرة من حراشف ذهبية تتخللها خطوط حمراء.

"آه!؟"

بدأت تحاول نزعها.

نهرها لين بصوت بارد وقاسٍ وهو يبعد يدها بيده المضمّدة: "لا تفعلي ذلك".

سألت بعد أن بحثت عن الكلمة في ذهنها المشوّش: "لماذا؟"

قال رغم نظرة الشك التي ارتسمت على وجهه: "لأنها ستساعدك. تشو إير، لا أعلم ما الذي حلّ بكِ، لكن عليكِ أن تسمعي كلامي وكلام لانغ لانغ. أنتِ..."

صمت قليلاً ثم تابع: "أنتِ في وضع دقيق للغاية".

نادى صوت لانغ لانغ من مكان ما في الأعلى: "لين؟"

تنهد لين، وتهدلت كتفاه قليلاً.

تمتم لنفسه قبل أن يلتفت إلى أيدوني: "ابقي هنا".

ثم تلاشى في العتمة الكدرة حولهما، تاركاً أيدوني وحيدة في تلك الغرفة الغريبة. استلقت أيدوني على الطاولة، وقد غمرها إعياء مفاجئ. فكرت في إغماض عينيها. غفوة سريعة فقط. كان يحدث الكثير، وكل شيء في آن واحد. أرادت الراحة لكن... كان ثمة من ينتظرها. قطبت أيدوني حاجبيها وهي تنظر إلى السقف، عازمةً على البقاء مستيقظة. ركزت عينيها على الأجراس الشاحبة فوقها. كانت أشياء بيضاء طويلة، وتخيلتها تطول وتكبر، تنمو كالأعشاب وتتحول إلى جذوع بيضاء تتلاشى بعيداً في الأعلى نحو السواد.

"أنا هنا".

عاد الصوت يهمس في أذنها، لكنها لم ترَ شيئاً سوى تلك الأجراس الشجرية. ومع ذلك، عرفت أنها ستكون هناك إن أغمضت عينيها. كانوا ينتظرون، وكانت هي وحيدة. كافحت لتتنفس، وشعرت بيد خفية لطيفة تضغط على صدرها.

ثم أطلقت أخيراً زفيراً مكتوماً: "لانغ لانغ!"

بدّد دويُّ أقدامٍ تتحرك في الأعلى الأشجارَ المتخيّلة، والصوت، وشعور الضغط، ومع ذلك لم تستطع حمل نفسها على التحرك حتى وهي تسمع صوتاً وحشياً يزمجر ويقترب.