بدت النُّزل مقبولةً إلى حدٍّ ما، إن تغاضيتَ عن فناءٍ يلفظ أنفاسه، يغصُّ بشجيراتٍ ذابلةٍ وأعشابٍ ميتة. كان الممرُّ القصير المؤدّي إلى المطبخ ترابياً مجرَّداً، نبتت على جانبيه بضع زهورٍ واهنةٍ ذات بتلاتٍ غليظة، وينتهي ببناءٍ من حجرٍ مسودٍّ تفوح منه رائحة لحم الخنزير المشوي. استغرب بو فكرة تخصيص مبنىً منفصلٍ تماماً لإعداد الطعام.
قال: "أتذكر شكل الفتاتين؟"
أجاب بو ساخطاً وهو يقتحم المطبخ وكأنه أحد العاملين فيه: "بالطبع أتذكرهما!"
كان الجميع في الداخل مشغولين بقطعة لحم خنزير ضخمة يقطعونها بنهمٍ وينهشونها. وقفت فتاتان على مسافةٍ قريبة، تعانقان بعضهما وتحملان أباريق الخمر.
قالت إحداهما بمرح: "لا تكونوا طماعين، فهناك ما يكفي الجميع!"
نادى بو: "يا أنتما!"
التفتت أكثر من اثني عشر رأساً نحوهما في حيرة.
وضع رجلٌ مسنٌّ طبقه وابتسم بخنوع: "اعذراني، هذا المكان ليس للضيوف. هل ضللتما الطريق؟"
أجاب روي ييفو ببرودٍ مهذَّب: "لا، نحن نبحث عن شخصين."
أشار بو إلى الفتاتين، وقبل أن ينطق بكلمة، لمح نظرات التعرف في عينيهما. صرختا واندفعتا فوراً نحو بابٍ خلفي. طاردهما بو، قفز فوق مقعدٍ، وتجاوز مجموعةً من النسوة المذهولات، لينطلق عبر الباب إلى طريقٍ خلفيٍّ ضيقٍ بالكاد يتسع لعربةٍ واحدة. لمح طرف ثوبٍ يرفرف، فعدا خلفه.
كانت الفتاتان تعدوان في زقاقٍ ضيق، تضطران للجري في صفٍّ واحدٍ لضيق المكان.
كانتا تسبقان بو، لكنه كان أسرع منهما. خرجتا من الزقاق وكان يكاد يمسك بتلابيبهما. أفضى الزقاق إلى طريقٍ أوسع قليلاً، مليءٍ بالحفر والقمامة التي أُلقيت من المباني المتفاوتة على الجانبين. استنشق بو الهواء بعمق، وحشد كلَّ قوته في ساقيه، مقلِّصاً المسافة بينه وبينهما، ثم انقضَّ عليهما صارخاً.
سقط الثلاثة متدحرجين في كتلةٍ من الأطراف المتخبطة والأثواب المتشابكة، قبل أن يتمكن بو من تعديل وضعيته ليسقط على ركبتيه بدلاً من رأسه. راودته رغبةٌ في الانكماش على نفسه من الألم، لكنه قاومها مدركاً أنه لو فعل، فلن يسلم من سخرية ذلك المتبرج ذي الوجه الممسوح.
وقف ليجد الفتاتين لا تزالان تحاولان استعادة توازنهما، فأمسك بذراعيهما، لتردا عليه بالصراخ بأعلى صوتهما. انقطع صراخهما فجأةً وهويتا أرضاً، كادتا تسحبان بو معهما. خلفهما، وقف روي ييفو بملامح لا تحمل أيَّ تسلية.
سأل بو متفاجئاً: "ماذا فعلت؟"
أجاب روي ييفو باقتضاب: "وخزتهما بإبر الإسكات."
ثم أشار لبو أن يسحبهما نحو جدار أحد المباني، وأضاف: "تسبب الإبر شللاً مؤقتاً، لذا لن تستطيعا الحراك."
شعر بو ببعض القلق لامتلاك روي ييفو أدواتٍ كهذه، لكنه قرر تأجيل هذا الأمر لوقتٍ آخر، وسحب الفتاتين إلى ظلِّ المبنى بينما كانت عيناهما تدوران في رأسيهما بسرعة.
أسند روي ييفو ظهر الفتاتين إلى الجدار، ثم سحب الإبرة من عنق إحداهما. انزلقت ببطء وسلاسة، ولم تكن أطول من طول السلامية الوسطى في يد بو. جحظت عينا الفتاة وأصدرت أصواتاً مبحوحة غريبة قبل أن تنكمش مبتعدة عنهما، وتتعلق بالفتاة الأخرى.
هتفت بصوت خشن: "ماذا تريدان؟"
أجاب بو وهو يجثو أمامهما: "نريد طرح بعض الأسئلة عليكما. لا نية لنا بإيذائكما فعلياً".
تمتم روي ييفو بنبرة مشؤومة: "لا نية لكما".
تجاهل بو روي وتابع: "رأيتكما الليلة الماضية تتسللان ومعكما ماء. حين سألنا مديركما قال إن المكان لا يوزع الماء مجاناً، فما الذي يجري هنا؟"
هزت الفتاة رأسها والدموع تنهمر على وجنتيها: "لن أخبركما بشيء!"
ضغط بو: "كانت معنا فتاة صغيرة، أليس كذلك؟ كنتما تعلمان بذلك، صح؟"
امتلأت عينا الفتاتين برعب متزايد.
سأل بو ببساطة وهو يقرب وجهه من الفتاة التي لم تكن صامتة: "ما الذي حدث لها إذن؟ ما الذي جرى؟ من هؤلاء الرجال؟ إلى أين ذهبوا؟"
هزت الفتاة رأسها وهي تقول: "أنا... لا أستطيع... لا يمكنني إخبارك. لا أستطيع، لا يمكننا. سنقع في ورطة-"
سأل روي ييفو بسخرية: "أولستما في ورطة بالفعل؟"
اقترب من الفتاتين وجثا بدوره.
"ممن تخافان؟"
هزت الفتاتان رأسيهما، وكانت حركة الصامتة منهما أبطأ قليلاً من الأخرى.
عبث روي ييفو بشيء في يديه، وراقب بو أصابعه وهي تنفرج عن تمثال حجري صغير لراهب سمين. تذكر رؤية تماثيل مشابهة في ضريح عائلة لي. لم يستطع استرجاع تفاصيل ما حدث تماماً، فبمجرد أن لاحظها غمره ضوء أزرق ساطع تركه يترنح ونجوم مبهرة تومض في عينيه طوال الليل. لكن هذه المرة، بدا الراهب وكأنه يتغير تدريجياً في يد روي، إذ انفتح فمه ببطء كاشفاً عن ابتسامة ذات أسنان حادة.
ساور بو شعور سيئ.
قال بو للفتاتين: "اسمعا، نريد المعرفة فقط، هذا كل شيء! تلك الفتاة كانت تعني لنا الكثير. ألن تنزعجا لو حدث لكما الأمر نفسه؟"
سأل روي ييفو: "كم واحدة غيرها فعلتما بها هذا؟"
ارتجفت شفة الفتاة المتحدثة وهزت رأسها: "أنا... لا أستطيع، أنت لا... لا يمكنني..."
أمسك روي ييفو يد الفتاة الصامتة، ووضع الراهب الحجري في كفها، ثم طوى أصابعها المتصلبة عليه. بدأت الفتاة تتلوى وتنتفض، لكن روي ييفو أحكم قبضته على يدها، مثبتًا إياها حول الحجر، بينما تصلبت عروقها وبرزت كحبال دودية سوداء تزحف ببطء صاعدةً ذراعها. كانت عيناها محمرتين تفيضان بالدموع، وانفتح فمها بصرخة صامتة.
هتف بو بذعر: "ما الذي تفعله؟!"
ووقفت الفتاة الأخرى تراقب في رعبٍ أخرس.
نظر روي إلى بو وقال: "أنا أساعدكما. لدي واحد آخر من هذا."
قالت الفتاة وهي تجذب ذراع روي وتشدها: "أرجوك توقف! أرجوك!"
لم ينبس روي ببنت شفة، واستمر تلوّي الفتاة الصامتة المليء بالألم. بدأ جلد يدها التي يمسكها يتحول إلى الرمادي، وتشققت البشرة لتكشف عن عضلات داكنة خالية من الدم، حيث تتلوى العروق السوداء.
نحبت الفتاة المتحدثة: "سأخبرك! سأخبرك! اقترب منا رجال وعرضوا علينا المال إن وجدنا لهم شخصًا ليختطفوه! لم يعطونا أسماء، أخذنا المال وفعلنا ما طلبوا! لكن في المساء جاءت امرأة وعرضت علينا مالًا أكثر! أخبرتنا فقط بأي غرفة نستهدف، وهذا ما فعلناه! هذا كل ما فعلناه، أرجوك! توقف أرجوك! إنها أختي وهي كل ما أملك، أرجوك!"
امتدت يدا بو أيضًا محاولًا إبعاد أصابع روي ييفو: "روي، كفى! ستقتلها!"
قالها بنبرة ملحة، بينما توارت العروق السوداء تحت كم الفتاة الصامتة. تدلى رأسها وانقلبت عيناها إلى الوراء.
أطلق روي ييفو يدها، وسحب الراهب الحجري. رأى بو خيوطًا سوداء دقيقة تنقطع من يد الفتاة حيث لامس الحجر جلدها، فنظر إلى الشيء باشمئزاز وكراهية. ثم مد روي يده حول عنق الفتاة لينتزع الإبرة الأخرى، قبل أن ينهض ويمشي مبتعدًا دون كلمة إضافية.
فحص بو يد الفتاة بينما كانت أختها تضم رأسها الفاقد للوعي وتنتحب. كان الجلد يستعيد لونه الطبيعي من الرمادي الغريب، والعروق تخبو، والثقوب تنغلق تدريجيًا. وبينما كان يفعل ذلك، راح يفكر في نفسه. لم يكن هذا اختطافًا عشوائيًا، بل كان شخصًا يستهدفهم عمدًا. لكن لماذا؟ لم يتبادر إلى ذهنه أحد قد يفعل ذلك. إلا إذا كان الأمر متعلقًا بـ ليو شيه.
نادى روي ييفو دون أن يلتفت خلفه: "ستكون بخير. لم يصل السم إلى قلبها. تعال يا بو."
نظر إلى الفتاتين، ولم يجد ما يقوله سوى: "أنا آسف."
لم تلتفت إليه الفتاة الواعية حتى، بل ظلت متمسكة بأختها وتنتحب.