قسم شجرة الصفصاف الفصل 3 — الغريب "الخطر

اقرأ قسم شجرة الصفصاف الفصل 3 — الغريب "الخطر باللغة العربية على مانجا تايم.

اكتنفت البوابات تماثيل منحوتة لجرار عملاقة محتها الأيام، وتهشم أحدها على طول جانبه. تكدست الحشود خلفه، وتحطمت كمدّ البحر على الشوارع الحجرية المتآكلة، وكانت أصواتهم أمواجاً تتلاطم في وجه إيدوني التي وجدت نفسها تزحف أقرب إلى ليو شيه من دون أي نية لشد شعره الطويل هذه المرة بينما كان يدفع لأجر المركبة ويشكره على التوصيلة طوال الليل. لم تشهد إيدوني قط بلدة تبدو بهذا الاتجمار والاتساع... أو بهذا التنوع في مبانيها. كانت المباني متراصة، وبدت بالغة الفخامة على حد علمها. طُلي بعضها بالأزرق أو الأحمر، وتدلت التمائم من المداخل أو النوافذ. وبدا عدد غير قليل من المباني أشبه بالبيوت المنخفضة المنحوتة في الصخر من موطنها الأصلي، بينما امتلكت أخرى فنون عمارة مختلفة كلياً لم تعرفها. ولحظت إيدوني أيضاً العديد من الغرباء مثلها في الجوار، إلا أن عدداً لا بأس به منهم ارتدى دروعاً من نوع ما وحمل أسلحة أو كتباً أو عصي حتى إن بعضهم لم يحمل أي سلاح ظاهر البتة. كانت أبواب المتاجر كافة مفتوحة، وحجبت كتل من البشر بسطات البائعين (بعضها أقيم بوضوح على عجالة)، وتطاطل الغناء من مبانٍ ضخمة من طابقين تعج بالناس. همهمت لنفسها بهدوء، محتارة بقدر ما كانت حذرة. توقف ليو شيه فجأة عند رجل يجلس على الأرض مع مجموعة صغيرة من آخرين، ارتدى معظمهم دروع صفائحية مثقوبة أو أردية بالية ثبتت على أحزمتها عناصر سحرية. قال: "عذراً، أتدرون سبب هذا النشاط كله؟" رفع الرجل بصره إليه مندهشاً من مخاطبته بلغته. والتفت أحد رفاقه المرتدين للأردية كذلك، وتثاءب، ثم انكمش على الأرض لينام. "...رحلة طويلة؟" فأجاب الرجل: "لا، أعتقد أنه مصاب فقط بنوع غريب من مرض النوم. أما عن سؤالك الأول، فيبد الأخبار تقول إن فياضاناً كشف عن مقابر الأخوات الأربع الملعونات، أو الشياطين، أو الساحرات، أو أياً ما كن، وها قد أتى الجميع ومعهم مرافقوهم إلى هنا للحصول على قارب يتوجهون به نحو المقابرة. المشكلة هي أن بلدة كلاي تاون لم تكن تتوقع أن تصبح قبلة للباحثين عن الكنوز لذا فقد اختفت القوارب بأجمعها الآن". راقبته إيدوني وهو يهبط بكتفيه، فقالت: "أكلها؟" أومأ الرجل برأسه: "كلها. أراهن أن معظم البلدان على ضفاف نهر بلاك تفقد قواربها بسبب إقبال الناس على شراء رحلات إلى هناك. على أي حال، لا شأن لي بالأمر، أنا متجه إلى—" فقدت كل اهتمام بالحديث الدائر بين الراشدين، وانجذب عقلها وأنفها فوراً نحو رائحة الحطب المألوفة الدافئة واللحم المطبوخ. ونسيت وجلها من الحشود فابتعدت عن ليو شيه متجهة إلى بسطة يهتف عندها رجل بصوت عالٍ وهو يرفع سيخاً من اللحم المشوي الطازج. ورأت خلف البسطة عدداً من الشبان يعملون حول حفرة مليئة بالجمر، يقلبون اللحم المشوي على الأسياخ ويغرزون القطع فيها. ولمعت قطع اللحم المحمرة في ضوء الشمس، بينما انحدر الشيح سيالاً على الخشب ليسقط بقطرات على الأرض. وضعت إيدوني يديها على طاولات البسطة، وارتفعت على أطراف أصابعها لتتأمل اللحم بعينين جائعتين وبطن يهدر. توقف الرجل الصائح لينظر إليها، مانحاً إياها ابتسامة حائرة بينما تحدث بهدوء. فهزت إيدوني كتفيها رداً على ذلك وتحولت الابتسامة الحائرة إلى قلق قبل أن يرتفع بصره إلى الأعلى. شعرت إيدوني بيد طويلة تقبض على كتفها، وتغرز أظافرها القصيرة الحادة بلطف في قماش فستانها. ورفعت بصرها لترو ليو شيه يمنح البائع ابتسامة لطيفة وهو يخاطبه بما لم تستطع فهمه، قبل أن يحول وجهه الباسم إليها وقال بصوت هادئ ووديع: "أتحاولين الموت؟" قطعت حاجبيه وقالت: "لا"، وحاولت انتزاع كتفها من قبضته من دون جدوى. "أتحاولين التعرض للاختطفان؟" "لقد اختطفَتني مسبقاً"، ردت عليه. "لا يمكنك أن تُختطف مرتين". "لا تكوني سخيفة، يمكنك أن تُختطف مرتين"، وصارع ليبقي على ابتسامته بينما كان البائع الحائر يراقبهما. "لا تبتعدي عني". تلاشت ابتسامته اللطيفة سريعاً لتتحول إلى عبوس صارم. "لماذا أنت هنا أصلاً؟" أشارت إيدوني إلى أسياخ اللحم: "أنا جائعة وكنت أنوي طلب بعضه". "لا تمتلكين أي مال". "أنت تملكه"، قالت. وضع ليو شيه يديه على خاصرتيه لوهلة، وهو يحدق إليها بتشكيلة متباينة بجنون من التعابير على وجهه قبل أن يلتفت نحو البائع ويسأله شيئاً. أومأ البائع وأشار إلى أحد الشبان الذي أنهى وضع قطع اللحم في سيخ وهرع ليسلمه إلى ليو شيه. وضع ليو شيه بعض العملات المعدنية على طاولة البسطة الخشبية وحدق مباشرة في إيدوني بينما كان يلتهم إحدى قطع اللحم. سألت وهي تمد يدها نحو السيخ: "أيمكنني أخذ واحد؟" استدار ليو شيه ومشى مبتعداً بينما استمر في الأكل. "مهلاً! مهلاً! انتظري لي!" عدت خلفه وهي لا تزال تمد يدها نحو الأسياخ التي أبقاها بعيدة عن متناولها بإحباط. "لماذا لا يمكنني أخذ واحد؟" "لأن"، أجاب، وانتزع قطعة أخرى وأكلها سريعاً. عقدت إيدوني ذراعيها وعبست بينما تضور بطنها وجعاً. ولم يكن ليو شيه يختلف كثيراً عن أهل الوطن، فكرت لنفسها سريعاً، فدائماً ما يستعدون لتركها تعاني في سبيل ما ظنت أنه ليس سوى ترفيههم الخاص. قال: "سنمكث هنا طوال الليل، فلا أستطيع إيجاد أي طريق لصعود نهر بلاك سوى انتظار عودة أي قوارب غداً ولا رغبة لي في السباحة"، منتهياً من أكل اللحم الذي على السيخ وممسكاً بيدها ليجرها معه. واضطرت لخطو خطوات واسعة ومتوثبة لتجارب خطاه السريعة أو تواجه خطر جرها على الأرض، إذ قادتها الساقان الطويلتان بلا مفر نحو مبنى متقن البناء ذي سقف من القرميد الأزرق الفاتح يتدفق الناس دخولاً وخروجاً منه. وأفلت يدها أخيراً وهو يجتاز المدخل. وبينما كانت تخطو خطوة متوثبة أخرى، هبطت قدمها على حافة ثقيلة لفستان أزرق. فتراجعت بسرعة ورفعت بصرها إلى امرأة نحيلة ذات شعر أشقر باهت وعينين أرجوانيتين ساطعتين كانت تحمل سلة التقطت إيدوني منها فوراً رائحة شيء طازج ومليء باللحم. رمشت المرأة: "أه! أنا آسفة، لم أرك هناك". وما زالت إيدوني تركز على السلة حيث أسرتهما رائحة الطعام السماوية. سألت المرأة: "شخص جائع آخر؟هاها، لقد صادفت شاباً قبل دقائق قليلة كان بحاجة للطعام أيضاً. هاهوذا، يمكنك أخذ واحد! إنه يسمى «الزلابية»!" مدت يدها داخل السلة وناولَت إيدوني كتلة عجين دافئة استنشقتها الفتاة بسرعة. سألت: "ما اسمك؟" تكلمت إيدوني والطعام يملأ فمها: "إي-بو-مهم"، ثم ابتلعت وأعادت بوضوح: "إيدوني". "إنه اسم جميل للغاية، أخبر أصدقائي أن ينادوني أنيمون، أوالداك تاجران؟ وأين هما؟" "إيدوني!" ظهر ليو شيه، محيطاً بالسيدة. وقد تحرك فجأة لدرجة أن أحد قرطيه الطويلين كاد يصفع وجهه المغتاظ. أشارت إيدوني: "إنها تمتلك طعاماً". بدا الرجل غير متأثر، فعقد ذراعيه قبل أن ينظر إلى أنيمون. "أنا آسف للغاية، أتمنى ألا تكون قد سببت لك إزعاجاً؟" ابتسمت أنيمون وبدت كالشمس، لتضيء الأجواء المظلمة والمحتدمة حولهم: "على الإطلاق! كنت في الواقع أحضر بعض الوجبات الخفيفة لأصدقائي، لقد اختفت القوارب جميعها لذا سنمكث الليلة في هذا النزل هنا. أنا مندهشة حقاً لأن هذا المكان ما زال يضم متسعاً"، نقرت ذقنها بيدها الطليقة وأمالت رأسها متفكرة. لاحظت إيدوني أذنيها الدقيقتين المدببتين والمرصعتين بجواهر صغيرة بلون عينيها ذاته. "امتلات أماكن أخرى كثيرة، فقد تسببت الفيضانات التي كشفت المقابر بجرف عدة بلدات لذا فقد وفد إلى هنا الكثير من الناجين". اتسعت عيناك ليو شيه قليلاً: "أحدث ذلك؟ هذا فظيع". أومأت أنيمون برأسها: "لقد فقدت بلدتي بسبب انهيار أرضي قبل سنين. وأنا أعرف كيف يشعرون. وأحد أصدقائي في الأصل من قرية على نهر بلاك أيضاً، وسنقسّم الكنوز لنساعد في إعادة بنائها". "إذن فأنت باحثة عن الثروات أيضاً؟" ضحكت: "أفضل لقب «باحثة متجولة»، فهو يجعلني أبدو أقل طمعاً. أنا من أينهم، بالقرب من نوروين. ويميل كثير منا إلى السفر قبل الاستقرار في الوطن". رفعت إيدوني يدها بحماس: "أنا من نوروين!" وعندما همّت المرأة بالحديث مجدداً نادى أحدهم باسمها: "أه، هذا إلكوند! لقد كان حديثي معك ممتعاً للغاية يا سيد لكن يجدر بي على الأرجح إيصال هذه الأشياء إلى أصدقائي قبل أن تبرد". ابتسم ليو شيه لأنيمون: "شكراً لمنحك بعض طعامك لإيدوني. أتمنى لك ولأصدقائك التوفيق". أومأت أنيمون: "ليشرق نور أوريلي عليكما معاً". ثم خطت مبتعدة وتلاشت سريعاً بين حشود الناس. شعرت إيدوني بيد تستقر على رأسها وحاولت إبعادها بصفعة، فلم تصب سوى القماش إذ أبعد ليو شيه يده. قال ليو شيه بحدة: "لا تبتعدي عني ثانية. كان يمكن أن يحدث مكروه. كم مرة يجب أن أقول لك هذا؟" احتجت إيدوني: "لكنها كانت لطيفة حقاً". أمسك ليو شيه بيد إيدوني بقبضة فولاذية وجرها خلفه: "قد لا يكون الشخص التالي بلطفها".