عبر الدهاليز والأروقة. إلى خارج الفناء وما بعده. بدا المعبد نذير شؤم في جنح الليل. لكنه ركض على أي حال. كانت هناك آثار دماء الطخت المكان وجعلت قلبه يتجمد. وُجد رواق هناك. رواق لم يره من قبل قط. توقف لبرهة يسيرة وسط عدوه اليائس، فاقتحمه غير مبال بنداءات الآخرين الذين كانو يتبعونه عن كثب. كان عليه الوصول إليها. حين بلغ رفقاء لي باوباو والدة الصبي، كانت معلقة بالفعل من قدميها فوق حوض حجري ضحل ومجوف وسط الأرضية المصنوعة من الحجر الأسود، وقد تلطخ بلون داكن.
توسط الحوض ثقوب انبعث منها هواء آسن، وكانت أضيق من أن يتسلسل منها أحد. لُفّت بثياب فاخرة، لكن شعرها كان منسدلاً وأعيناها مغمضتين بينما كانت تتأرجح خفة ذهاباً وإياباً. خرّ بقية أبناء عائلة لي سجدة أمام أبيهم الذي جاثى على ركبتيه عند حافة الحوض الخاوي، ممسكاً بسكين بسيط لكنه عتيق وهو يتكلم.
"أيها السيّد الكريم، نقدم لك خاشعين هذا الدماء والروح جزاءً لما تغدق علينا به من نِعم."
"أبتي!"
التفتت أكثر من اثنتي عشرة عيـناً نحو لي باوباو وهو يقتحم المكان جادّاً، حتى إنه كاد يقفز فوق إخوته الساجدين ليصل إلى الحوض الضحل الذي اهتز تحت قدميه ليقبض على أمه. ملأ نحيبه العالي والهستيري الغرفة المظلمة.
اتسعت عينا العجوز هُنيهة قبل أن يستقر وجهه المتقعّر على عبوس حزين: "يا بني، أرجوك..."
"لا تقتلها! أرجوك! لمَ تفعل هذا؟!"
سأل لي باوباو وسط دموعه.
"لمَ كل هذا؟!"
أشار بجنون نحو الغرفة المظلمة من حولهما وإلى أمه التي كان يمزق وثاقها بيأس، مجاهدًا ليلتقط العجوز النحيلة بذراعه الطليقة.
"من أجل ازدهار عائلتنا وأبنائنا في المستقبل، يجب أن نكون مستعدين للتضحية بشيء في المقابل،"
جاء صوت أبيه بطيئاً وحزيناً.
"كنا سنخبرك حين تتزوج أنت أيضاً، وحين تبلغ من السن ما يجعلك تفهم. يا بني، أرجوك، استمع، جفف دموعك. لتحصيل شيء ثمين، يجب أن تتبادل شيئاً ثميناً مقابله. وفعل عكس ذلك لا يعدو كونه بصقاً على مفهوم الاحترام بل هو تمرّد على السماوات."
علا نحيب لي باوباو ردّاً على ذلك وسحب أمه معه وهو يخطو خارج الحوض المتصدع ليسقط على جنبه، متشبثاً بأمه وكأنه يستطيع بطريقة ما حمايتها من نظرات إخوته وأبيه الممتعضة.
"ليس هكذا! أي ازدهار هذا؟ وأي تضحية هذه التي ترضاها السماوات؟"
"كم أنت أناني يا ولدي!"
سأل أبوه، ليتحول صوته الحزين فجأة إلى ضيق صريح، "تتششبث بأمامك هكذا. لم تعد طفلاً. أتريد أن تدرك ما سيحل بعائلتنا إن عجزنا عن تقديم قربان ملائم؟ المرأة يمكن استبدالها بيسر، أما السلالة فلا! والتاريخ يُمحى بسهولة بسبب أنانية صانعيه!"
سقطت كل جملة في قلب لي باوباو كإبرة من جليد، بينما فاضت عيناه بالمزيد من الدموع الحارقة.
لم يستطع تصديق ما يسمعه، "لا يمكنك استبدال أمي!"
أصر بينما وقف إخوته على أقدامهم.
"فعلت ذلك مرات عديدة من قبل."
"أقلت ذات الكلام لـ..."
"نعم، وقد انزعج تماماً مثلك حين أخبرته أن بإمكاننا إيجاد زوجة أخرى له. بل إنه انزعج لدرجة أنه تجرأ على رفع يده بوجه أبيه،"
هكذا أوضح والد لي باوباو ببرود.
"ليغفر هذا المرء اقتحامه هذا النقاش،"
كان صوت روي ييفو حاداً بينما أضاءت غرفة بلهب بلون اليشم. توهج أختضر مريض تدحرج فوق النقوش الحجرية للثعابين الملتوية التي تنساب بين حقول الأرز وبساتين الفاكهة. غطى لي باوباو فمه وهو يمعن النظر في المنحوتات على الجدار. كشف الفحص الدقيق أن حقول الأرز كانت تنمو على أجساد النساء، وأن جذوع الأشجار صُنعت من العظام.
ترك روي ييفو التمويزة المحترقة تُعلق في الهواء بينما أخذ يدير سكيناً بمهل في يده الأخرى، "ولكن وسط كل هذا الهراء أردت أن أسأل كم منكم يملك بنات لأعرف أي بطن أشق أولاً!"
كان وجه بو أخضر اللون، لكن ليس بسبب الضوء، وتراجع قليلاً مبتعداً عن روي ييفو وهو يصيح متعرجاً بقدم واحدة مضمّدة: "هيه! كفّ عن البكاء وأحضرها إلى هنا!"
أومأ لي باوباو ونهض على قدميه ليفاجأ ببرودة معدن يقترب من حلقه. رفع بصره ليقابل وجه أبيه القاسي. انحدر العرق على عنقه بينما شعر فجأة كأن ركبتيه قد خانتاه. رفع بو منجله مهدداً، لكن لي باوباو لمح الارتعاشة الخفيفة في يديه. كان ليو شيه يمشي بهدوء لكن بسرعة نحو عائلة لي المتجمعة وبسيفه المغمد في يده.
"متطفلون، يقتحمون شؤون العائلة حين سُمح لكم بالبقاء بلطف وكرم،"
هسّ والد لي باوباو وهو يشير بإصبعه النحيل كالعظم إليهم.
"بسرعة، تخلصوا منهم إن كانوا بهذه الاستعداد لانتهاك الضيافة المقدسة."
كان الشقيق الأكبر للي باوباو أول من هجم للأمام بسيفه المسلول رغم كبر سنه. هوى به دون تردد وهو يقلص المسافة بينه وبين ليو شيه. اخترق صوتُ تهشم خافت خفوتَه ضربةٌ غريبة حين أمسك ليو شيه النصل بيده الطليقة، وسال سائل أحمر ببطء على المعدن واللحم معاً.
"أنتهاك الضيافة المقدسة؟ من أراقة الدماء أولاً؟"
سأل ليو شيه بفضول وهو يشد قبضته حول النصل لينتزعه من يدي الرجل. ثم دفعه بسرعة في لحم ذقن الرجل النحيل بقوة كافية لارتداد الرأس إلى الخلف بصوت تهشيم جعل معدة لي باوباو تضطرب كأنها ممتلئة بالزيت. وكأن إشارة ما قد صدرت، راقب لي باوباو بقية إخوته وهم يهرعون نحو الرجال الآخرين. انكمش بقوة أكبر حول أمه فاقدة الوعي، محاولاً حماية جسدها من أي نصل وإخفاء عينيه عن أعمال العنف.
"أرجوكم، أرجوكم توقفوا!"
توسل لي باوباو منتحباً، وغرقت ملابس أمه بدموعه.
"أتريد الموت؟!"
جذبه روي ييفو إلى الأعلى، وكان يقف فوقه بنظرة يسودها الضيق وخيبة الأمل.
"لـ-لا!"
نظر حولهما بينما انحنى روي ييفو ليتفحص علامات الحياة لدى أمه. طُرح ثلاثة من إخوته على الأرض في برك من الدماء. كان بو يركض منحنياً قرب الأرض، ويكاد يفلت من النصال التي حاولت طعنه أو قطعه. كان بو سريعاً، لكن أبناء عائلة لي كانوا مهرة وكان بو يتجنب تحميل قدمه النازفة وزناً كبيراً. تمزقت الثياب، وانفتحت خطوط حمراء عميقة على ذراعيه وساقيه. صدح صرير في الغرفة الحجرية حين مزق منجل بو أوتار أحدهم قبل أن يعود بسرعة للركض حول الآخرين.
لقد بدا حقاً شبيهاً بكلب في تلك اللحظة. استمر ليو شيه في المشي بخطى مستقيمة نحو والد لي باوباو، مبتعداً ببساطة عن طريق أي شخص يقترب منه أو يركلهم بقوة تفصم العظام في اتجاه بو. اصطدمت إبرة نحيلة بأرضية المكان عند قدمي لي باوباو واستيقظ صوت أمه بخفة في الظلام.
قفز قلبه فرحاً لفترة قصيرة وهو يراها تفتح عينيها ببطء لتنظر إليه، "...أيها البطيخة الصغـير؟"
سألت بحيرة.
"أُمك متعبة جداً الآن، دعها تنام."
"لـ-لا، أمي ابقي مستيقظة!"
"دعتها تنام،"
أصر روي ييفو.
"من الأفضل لها أن ترتاح الآن."
ثم أشار إلى والد لي باوباو وليو شيه بينما أخرج تمثالين حجريين صغيرين لرهبان من كمه. وقف الرجلان عند حافة الحوض الخاوي. رجل مسن يواجه رجلاً أصغر سناً، وكلاهما يعلو وجهه تعبير غامض. أمسك والد لي باوباو بسيفه، وبقي سيف ليو شيه في غمده، بينما أُلقي السيف الآخر في مكان ما على الأرض.
"المعلم ليو شيه!"
وجد لي باوباو صوته وسط نحيبه، "أرجوك لا تؤذه! يجب أن يُقدم للعدالة، لا أن يُقتل هكذا وحسب... فحسب! كان يفعل ما ظن أنه صواب فحسب... أنا..."
تدفقت الكلمات قبل أن يفكر فيها حقاً. كان يتوسل الرحمة لأبيه، الذي لم يكن مستعداً للشفقة على زوجته أو عليه. شيء ما في عقله ضحك من هذه السخافة. خفض بصري نحو أمه وكل ما رآه كان دماء داكنة عتيقة تغطي يديه بينما استقرتا على المرأة النائمة. سمع لي باوباو صرخة فأعاد نظره بسرعة ليرى أن أباه وليو شيه كانا يسويان في البركة المتداعية. فتح فمه لتُبتلع أي صوت يصدره وسط ضجيج الحجار المتساقطة في الأعماق الداكنة في الأسفل.
"أبتي!"
صرخ بقية أبناء لي الواقفين جوقةً واحدة.
"يا رئيس!"
"أيها الكلب الأجرب، تعال إلى هنا إلا إذا كنت تريد الموت أنت أيضاً!"
طالب روي ييفو. حينها فقط لاحظ لي باوباو سبب عدم قدوم أحد نحوهم. زوجان من السكاكين ملفوفتان بلهب أخضر لزج كانتا تدوران حولهما بسرعة، مخترقتين قوساً واسعاً جعل ظلال الجدار ترتجف وترقص. بدا الأمر أشبه بسكاكين الأشباح التي يتذكرها في قصص الرعب أو الكوابيس السيئة، إلا أن الكوابيس هذه المرة كانت حقيقية. هبط بو على أربع وسرعان ما انزلق أسفلها قبل أن يتدحرج على ظهره بجانب والدة لي باوباو، ملطخاً الدماء في كل مكان.
"...ماذا فعلت بنفسك؟"
سأل روي ييفو.
"لم أفعل هذا بنفسي، لقد طُعنت أيها اللقيط المنحرف!"
نبح بو قبل أن يتأوه بعد أن صفعه روي ييفو على أحد الجروح الأكثر بشاعة.
وجد لي باوباو شيئاً مألوفاً وآمناً في كونه مهدئاً للمواقف المتوترة فمد يديه الخاليتين من الدماء، "أنت... أنت مصاب. المعلم روي ييفو أرجوك لا تؤذي أبا بو أكثر من ذلك."
"هيه! هيه! ما قصة حرف الألف هذه؟ أنا أكبر سناً،"
حاول بو دفع يدي لي باوباو بينما بدأ روي ييفو بتمزيق كمه ليصنع ضمادات مؤقتة لبو.
"نعم لكنك فلاح أيضاً. يا لي باوباو، كن نافعاً وأمْسِك به،"
أمر روي ييفو باختصار. أومأ لي باوباو وأطاع دون جدال، مركزاً على أي وكل شيء سوى قسوة أبيه ولا حقيقة عائلته، حتى وهي تطالعه بعينين باردتين من الثعابين المنحوتة على الجدران.