راحت إيدوني تحوم حول ساقيهما بحماسة على الرغم من حرارة الظهيرة الضاغطة التي جعلت روي ييفو يروح ويجيء بالمروحة، وكانت تحمل في إحدى يديها سلة فيها ثلاثة لفائف لحم بينما كانت تأكل بسعادة لفافة لحم أخرى تمسكها باليد الأخرى. كان لي باوباو يلتهم واحدة هو الآخر وهما يشقان طريقهما عائدين إلى مجمع عائلة لي. كان هناك سبع عشرة لفافة في الأصل لكن بين لي باوباو وإيدوني تضاءل عددهن بشدة.
قال روي ييفو بلطف محذراً: "المعلم لي باوباو، أرجو أن تتبين خطاك. إن أكلت أكثر مما تحمل في جلسة واحدة فلن ترى وزنك يزول أبداً وسيضر ذلك بصحتك".
حدق لي باوباو في لفافة اللحم بعبوس قلق: "ح-حقاً؟"
ثم قرص بطنه بلطف بحذر.
وأردف مقترحاً: "حسناً، ربما ترغب في واحدة؟ لقد ظللت أنا وإد-تشوير نأكلهن جميعا حتى الآن!"
هز روي ييفو رأسه: "أوه لا، لست جائعاً. لكني أقدر العرض حقاً، أنت لطيف للغاية".
في الحقيقة، نادراً ما أكل روي ييفو في الآونة الأخيرة وكان يشبع حاجته للغذاء بطرق غامضة بعض الشيء. بطريقة غير مميتة بالطبع، فهو لم يكن بحاجة إلى المزيد من المتاعب لتتبعه. أو أن يعثر عليه أحدهم أخيراً قبل أن يعثر هو عليهم. كان يفضل السمك بشدة بغض النظر عن أي شيء. وأعاد نظره إلى إيدوني وهي تمضي في طريقها. على الرغم من الضمادات المشدودة حول وِسترها إلا أنها بدت بالكاد متأثرة.
اشترت عائلة لي على مر الأجيال العديد من المنازل التي اعتادت أن تقف في المنطقة مع رحيل ملاكها الأصليين وعدم قدرة ورثتهم على دفع تكاليف الصيانة، ثم هدمت المنازل وزرعت شجيرات البرتقال مكانها.
لأسباب واضحة، نادراً ما تحدث لي باوباو عن هذا الجزء مع الضيوف.
شكل ذلك ما يشبه الحاجزاً بين مجمع عائلة لي وبقية البلدة. بدت إيدوني وكأنها تفضل الانزلاق إلى الأجزاء الأكثر ظلالاً، حيث حجب أغصان الأشجار معظم شمس الظهيرة العالية. كانت فكرة ذكية لمقاومة الحرارة بشكل أكبر، لذا خطا روي ييفو بضع خطوات إلى الجانب أيضاً ليحصل على الفائدة الكاملة من الظل الورقي. أما لي باوباو الذي اعتاد على مثل هذا الطقس فبقِي تحت أشعة الشمس.
ضربت رائحة كريهة روي ييفو، خليط من قيء اللحم وخبز الأرز. رفع كمّه الطويل ليغطي فمه وأنف. وفي حين شكلت الأشجار حاجزاً رمزياً عظيماً، إلا أنها لم تفعل شيئاً لمنع سكارى البلدة المحليين من اتخاذها مكاناً لتفريغ بطونهم الممتلئة بعد ليلة (أو يوم) من الشرب والأكل. أصدرت إيدوني صوتاً يعبر عن الاشمئزاز لكنها واصلت الأكل بينما بدا لي باوباو وكأنّه وجد أخيراً ما يهدئ جوعه حيث تحول وجهه المستدير إلى اللون الأخضر قليلاً.
"تشمها أنت أيضاً؟"
أومأ لي باوباو برأسه، ثم تنهد: "الأمر هكذا دائماً. في اللحظة التي تحل فيها الظهيرة ويخرج عمال مناجم عائلة شين متعثرين من النزل ويخلفون الفوضى. يعملون طوال الليل، ثم يشربون حتى الظهيرة، ثم ينامون. إنه جدول نوم فظيع! يقول حكيم مياه الجسر في الصفحة الثانية والعشرين إن النوم الجيد ليلاً ضروري لحياة صحية".
سخر روي ييفو من الشكوى الغريبة: "لي باوباو سهر طوال الليل أيضاً".
تمتم الرجل الآخر: "نجل، حسنث، هناك الكثير من... الحسابات التي يجب إنجازها..."
اقترح روي ييفو وهو يراقب إيدوني تندفع للأمام لفترة قصيرة، وتدور حول عدة أشجار، ثم تعود إليهما في حلقات: "عليك أن تطلب المساعدة إذن".
كانت تمتلك طاقة هائلة لدرجة بدا معها أنها لا تعرف ماذا تفعل بها. شعر مرة أخرى بذكريات عالقة على حافة عقله. ركضت إيدوني للأمام مرة أخرى، ثم انزلق قدمها. كاد أن ينادي بقلق غريزي قبل أن يضرب بيده على فمه لابتلاع الاسم مرة أخرى. بدا حلقه وكأنه تشقق تماماً مثل قلبه.
نادى لي باوباو إيدوني التي كانت لا تزال تمسك السلة التي تحتوي على لفافتي اللحم المتبقيتين عالياً، في مأمن من السقوط. ثم عادت إلى وقوفها بسرعة مع بضعة آثار خدش طفيفة على ملابسها الجديدة وعادت لتجوب حول الاثنين في حلقات.
ابتسم قائلاً: "أتمنى لو ما زلت أمتلك هذا القدر من الطاقة!"
كان صوت روي ييفو يرتجف طفيفاً: "ستحتاج على الأرجح إلى غفوة بمجرد أن نعود".
ومد يده متجاوزاً وشاحه ليلمس العرق على عنقه الذي تسرب متجاوزاً الندوب العميقة على جانبيه.
"وسأحتاج بالتأكيد إلى حمام! الجو حار جداً، حار جداً! أنا أعرق كثيراً!"
وأبالغ في التلويح بالمروحة، فتطايرات بعض الشعيرات الضالة إلى الخلف وهو يفعل ذلك.
"أوه لابد أنه دافئ جداً بالنسبة لك، لأني سمعت أن المملكة الشمالية تكسوها الثلوج طوال العام!"
صحح روي ييفو له: "في الجبال الأعلى فقط".
كان يصحح للناس دائماً عندما يتعلق الأمر بمطنه، حتى لو كانت قدمه قد وطت هناك آخر مرة قبل عشرين عاماً. ورغم أنه حاول مواكبة ما يجري هناك إلى حد ما، إلا أنه كان متكاسلاً في الآونة الأخيرة. انساق عقله إلى الأخبار التي أخبره بها ليو شيه. وسخر في نفسه.
من يسمي ابنه "ينزف"؟
"إذن ليست كلها جبالاً؟"
أوضح روي ييفو: "لا، رغم أنها تحتوي على قدر لا بأس به. اعتدنا أن نُعرف أكثر بأرض أنهار اليشم".
"أوه! أوه! أنا أعرف، هذا اسم آخر للأنهار الخضراء والبيضاء وروافدها أليس كذلك؟"
بدا لي باوباو فخوراً بتذكره لما اعتبره روي ييفو حقيقة أساسية.
"نجل، لكن الجو كان بارداً دائماً، أظن أن الجبال تعتبر أكثر دراماتيكية من الأنهار"، شعر روي ييفو بشيء ساخن على وِستره.
"طبعاً أنهارنا مليئة بالوحوش لذا قد يكون الأمر للأفضل".
ثم توقف في خطوته وأطلق زفيراً خفيفاً. كان هناك شيء داكن يتخبط على حدود حواسه. واصل لي باوباو وإيدوني السير للأمام بضع خطوات قبل أن يلاحظا أن روي لم يعد معهما.
كانت الحرارة على وِستره تزداد سوءاً ومد يده أخيراً لالتقاط تعويذة معدنية صغيرة من وشاحه. ورغم أنها كانت مؤلمة، إلا أنها لم تكن تؤذيه حقاً.
كانت تحذره.
تكثفت رائحة نبيذ الأرز تماماً كما تكثف الحضور المظلم حين أدرك أنه اكتُشف. استدار روي ييفو بسرعة ليررى امرأة ترتدي ثياباً فاخرة تقف بجوار شجرة. كان وجهها شاحباً والدم يتسرب من كل مسام ومفتوح، وتتخبط أصابعها بسرعة بينما ترقص عيناها في محجريهما، وكانت ثيابها رطبة وتحمل رائحة نبيذ الأرز. ظن روي ييفو أنها تبدو مألوفة تقريباً، لكن قبل أن يتأكد، طرحت نفسها إلى الأمام وركضت نحوهما على أربع كحيوان مسعور بينما ينشق اللحم على رأسها مع اتساع فكها أكثر من اللازم.
اتسعت عيناها روي ييفو من الصدمة وهو يمد يده على عجالة إلى كمّه ليخرج سكيناً ويردد التعويذة الأولى التي خطرت بباله، قاذفاً بها نحو المرأة الميتة وهي تسرع متجاوزة إياه ونحو إيدوني.
أصابت السكين هدفها تماماً، مغروسة في منتصف رأس المرأة حيث انفجر قبضتها ونصلها بلهيب بلوري اللون. أطلقت المرأة صرخة ألم، لكنها نهضت مجدداً لتتابع سيرها نحو إيدوني بخطى أبطأ.
أمر روي ييفو بحدة وهو يعبث بحزامه بحثاً عن تعويذتين معينتين: "باوباو، خذ تشو إير وعد!"
كان لي باوباو على الأرض، ملتصقاً بشجرة في رعب عريض العينين. في الواقع، كانت إيدوني هي التي تشبثت بذراعه، وتصرخ محاولة حمله على الوقوف.
وجد روي ييفو التحف التي كان يبحث عنها. كانت منحوتات حجرية، صُممت لتشبه رهباناً صغاراً ذوي رؤوس سمينة. عند لمسه لها أشرقت عيناهما بضوء نلي باهت، وتتحرك أفواه حجرية ببطء لترتل بعمق. تكثف اللهيب البلوري من حوله. بدا أن نتانة الجثة تتأجج وتفسد الهواء وهي تواصل اندفاعها نحو إيدوني لتُقذف إلى الوراء فجأة بحجز غير مرئي. شعر روي ييفو بابتسامة خبيثة على وجهه بينما دخلت التعويذة التي أعطاها للطفل حيز الاستخدام.
استدارت المرأة الميتة الحية. كان هناك صوت طقطقة مزعع وسقطت السكين من وجهها المحترق. صرخت في وجهه بكلمات غير مفهومة وألقت بنفسها إلى الأمام في حاجز آخر كان رهبان روي ييفو الحجريون يصنعونه. ارتفعت أصوات الحجارة المرتلة قليلاً، لكن سنوات من الإهمال جعلتها ضعيفة. راقب المرأة الشوهاء وهي تقترب أكثر فأكثر، ويتشقق جلدها ببطء ويتقشر وهو يحترق. تساقط نبيذ الأرز والدم من فمها الصارخ، وكانت أصابعها تحترق ومع ذلك تمتد نحوه فتراجع إلى الوراء.
أخرج سكيناً أخرى ملفوفة بتعويذة ورقية من كمّه وقذف بها داخل رأس المرأة. ارتد رأسها إلى الوراء بقوة مقززة بينما سُمّرت إلى الأرض بثقل السحر الواقع على السكين.
كانت أسئلة عدة تحترق في عقله. أولها من تكون تلك المرأة، وثانيها لماذا كانت بهذه القوة رغم أننا في ذروة منتصف النهار. تلاشت هذه الأسئلة سريعا بينما أطلقت المرأة عويلاً غرغرة مرعباً. صمتت حجارة الرهبان المرتلة فجأة وسقطت على الأرض خاملة بينما غطى روي ييفو أذنيه بينما أحاطت به بئر من الطاقة المظلمة موجة عارمة، محطمة جسده. انقطع تركيزه. استطاع أن يرى إيدوني ولي باوباو يقومان بالشيء نفسه رداً على العويل، وكان الرجل الآخر ينتحب بينما كانت إيدوني تصرخ كحيوان غاضب.
شعر روي ييفو بشيء دافئ يلطخ وشاحه، وظهره، وبطنه، وساقيه. لمست أصابعه عنقه بتردد فسحبتها لترى لطخة دم وعرق. كان غضب المرأة الميتة قوياً بالقدر الكافي لإعادة فتح ندوبه قليلاً.
تشققت أطراف المرأة، وأعيد تشكيل عضلاتها بينما وامست تقدمها نحو إيدوني، ورأسها المثقل يجر بشكل مرعب على الأرض، واللحم ينكشط ليكشف عن نسيج عضلي غارق في نبيذ الأرز وتحته الجمجمة العارية نفسها.
التقط روي ييفو الرهبان الحجريين مجدداً ثم سحب عنصراً آخر من وشاحه. تعويذة ورقية ملفوفة عليها صورة إمبراطورة الجحيم. اندفع للأمام بينما لمعت رموز الحماية وغرسها في اللحم البارد لجسد المرأة. ظهرت دستة من الأيدي الترابية من الأرض للقبض على المرأة، جارة إياها بإحكام نحو الأرض وهي تتلوى، وأيد شاحبة تتلمس في اتجاه إيدوني بينما كان جسدها كله يحطم نفسه ليتلوى عبر الأذرع للوصول إليها.
لكن روي ييفو لم يعطها الفرصة، فمع الرهبان الحجريين المرتلين إلى جواره امتطى جسدها وسحب سكيناً طويلة جداً مصنوعة من العظم المنقوش بالرموز والبرونز من أحد كميه وبدأ يغرسها في مسارات طاقتها بقوة غاشمة. مع كل ضربة، انبثق رذاذ أسود من السائل الحاقد في الهواء ليذوب فوراً بفعل أشعة الشمس الدافئة.
كانت وسيلة فوضوية ورهيبة لتطهير جثة، لكن بدون أي من أدواته الأخرى ومع ضياع مساره منذ زمن بعيد، لم يكن لديه غير هذا. توقف جسد المرأة عن الحركة تدريجياً، وأصبح اللحم طرياً كالشم العائس فوق العظام بينما أطلقتها الأذرع الترابية.
رقدت الجثة ساكنة، خالية تماماً من الطاقة الروحيّة. كانت الروح قد انتقلت، أو بالأحرى أُجبرت على الانتقال. نهض روي ييفو أخيرًا، وقد غطت ثيابه دماء باردة متخثرة ونبيذ الأرز، وشعر بالاشمئزاز والقلق معاً. كان على وشك الذهاب للاطمئنان على لي باوباو المنتحب وإيدوني شاحبة الوجه عندما لاحظ بو واقفاً بجوار شجرة على الجانب الآخر من الممر بعينين واسعتين.
بعد لحظة من الصمت مرت بينهما، تحدث بو أخيرًا: "ما الذي حدث للتو؟"
أجاب روي ييفو وهو ينظر إلى الجسد مرة أخرى، متحصاً الجلد المحترق والكومة المدمرة من الوجه: "لقد ماتت ميتة غير طاهرة".
ثم أدرك من تكون تلك المرأة.
كانت زوجة لي تشونغشو!