تسلل ضوء كئيب من الأعلى، فأنار الكهف الصغير المبطن بالجذور للحظة قبل أن يختفي، وحل محله جسد يهوي بسرعة، اضطر بو إلى تضييق عينه الوحيدة ليرى بوضوح. قفز قلبه المنهك من كثرة الضرب ونزف الدم والدموع، واستعاد كامل قوته حين تبين له هوية الساقط. ضم تشو-إير إلى صدره وهمّ بالركض تلك المسافة القصيرة، لكن روي ييفو حطّ ببراعة على قدميه، ثم انثنى في تدحرج سريع وتوقف أمامه.
وقف روي ييفو مجدداً، بدا عليه الإعياء بوضوح، وكان يميل بجسده بطريقة غريبة، وذراعه تتدلى بخمول، وآثار حروق عجيبة تعلو عنقه وتمتد تحت ياقة ثيابه. كان مبتلاً من رأسه حتى أخمص قدميه، يقطر ماءً اختلط بغبار المكان العتيق.
سأل روي ييفو بعينين مجهدتين وابتسامة واهنة: "لماذا تبكي أيها الكلب الغبي؟"
تمكن بو من تحرير إحدى ذراعيه من قبضته الحديدية حول تشو-إير ليطوق بها روي ييفو، ونجحت تشو-إير بدورها في فك ذراعيها لتلتفت بجذعها وتعانق روي ييفو أيضاً. أصدر رجل السمك صوتاً غريباً حين ضُمَّ فجأة بين جسدين. حينها فقط أدرك بو أنه يبكي. انهمرت دموعه من عينه المتبقية، وعلقت بخصلات شعر روي ييفو المبللة.
همس بو: "لقد عدت. كلاكما عاد!"
زفر روي ييفو: "بالطبع عدت! لم أقل إنني لن آتي، لم يكن لدي وقت لأقول شيئاً آخر".
ومع ذلك، أحاط روي ييفو كليهما بذراعيه في عناق محكم. شعر بو عبر الأكمام المبللة بأجزاء من ذراع روي ييفو حيث... غاب الجلد. حيث بدت اللحمة غائرة.
لكنه دُفع للخلف، وكان روي ييفو يحدق في تشو-إير: "وأنتِ...! كيف عدتِ؟"
أجابت بحيرة: "لم أذهب إلى أي مكان".
نظرت إلى بو، ثم إلى روي ييفو، ثم إلى المساحة من حولهم.
"أين نحن؟ وماذا حل بالمستنقع؟"
أخذ بو نفساً عميقاً وألقى نظرة حوله، نحو الجمجمة الضخمة والجثة المحنطة التي لا تنفك تسيل داخلها. كان يراوده السؤال ذاته، فقد حدث الكثير مما حال دون تفكيره في طرحه من قبل. لكن الآن، وقد اجتمعوا ثانية، تسلل السؤال إلى لسانه. أطلق روي ييفو سراحهما وتحرر من قبضة بو، متجهاً نحو الجمجمة. عقد يديه خلف ظهره وانحنى قليلاً متفحصاً المشهد المروع داخل الفكين. صمت طويلاً، ثم التقط شيئاً صغيراً قد يكون عظمة أو جذراً وغرزه في الوحل الأسود السائل.
سحبه مجدداً، فإذا بالشيء يزهر حياة ملونة بألوان الطيف، سرعان ما تحولت إلى رماد وتلاشت، ولم يبقَ سوى غصن دقيق انهار هو الآخر إلى غبار عاد ليغوص في الوحل.
قال برفق: "مرحباً أيتها الملكة السماوية، ربما رأيتِ أياماً أفضل، أليس كذلك؟"
"ماذا؟"
كان بو قد سمع هذا الاسم من قبل، فمن لم يسمعه؟ كان الجميع يروون قصصاً عن خلق العالم بمساعي الملكة السماوية، التي لا تظهر إلا في ذلك النوع من القصص. ومعظمها ينتهي برحيلها أو موتها.
"تلك الجثة هي-؟"
قال روي ييفو: "إنها ليست ميتة. من هي بمثل حالتها لا يمكن أن تموت حقاً كما نموت نحن، تماماً كما لا يمكن لأبنائها أن يموتوا".
نظر بو إلى الجثة الذابلة، وإلى السائل الذي لا يتوقف عن الانهمار من جسدها، ومع ذلك لم يزد حجم البركة قط.
"لا أفهم".
نظر إلى تشو-إير ليرى إن كانت تفهم، لكنها بدت حائرة أيضاً.
تابع روي ييفو: "إنها أقدم من العالم، ومن العالم الذي سبقه، ومن العالم الذي يليه. هذا الأثر هو كل ما يمكننا رؤيته منها. هذه المنطقة بأكملها"، نظر إلى 'جدران' الجذور التي تمتد للأعلى بجمرها الخامد نحو الظلام، "ليست سوى بقايا. لكن البقايا تحمل قوة".
عاد بنظره إلى البركة السوداء: "فوضى أولية عتيقة، ومنها انبثق كل شيء".
توقف، ونظر إليهما كأنه تذكر للتو أنه كان يهذري.
أشار بو إلى البركة: "تشو-إير جاءت من هذا- أنا... لا أعرف كيف، انزلق السيف وحصلت عليه لكن-"
عقدت تشو-إير حاجبيها: "هل حدث ذلك؟"
اتسعت عينا روي ييفو للحظة، ثم أومأ بابتسامة بدت مرتاحة ومريرة في آن.
"ربما، بطريقة ما، كان كل هذا تلاعباً إضافياً من الأمير اليشمي. ربما كان يأمل أن نصل إلى هنا".
كان بو لا يزال ينظر للأعلى. ألم يكن هناك جذر ضخم هنا؟ أين ذهب؟ لم يعد واثقاً إن كان موجوداً حقاً. ربما كان في حالة من الاضطراب جعلته يتخيله، وإن لم يدرِ لِمَ.
تحول عقله إلى سؤال أكثر إلحاحاً: "كيف ستخرجنا من هنا؟"
أشار بو إلى بركة الفوضى الأولية، "هل ستفعل ذلك الشيء بالماء مع هذا؟"
اتسعت عينا روي ييفو: "لا! لا أظن أن كون حتى يستطيع تحمل ذلك".
"من هو كون؟ حبيب سابق آخر؟"
طمأنه روي ييفو: "لا، سأخبرك عنه لاحقاً. كل ما أحتاجه هو القليل من السائل-"
وبدون مزيد من الشرح، شمر روي ييفو عن كم قميصه الأيسر ليكشف عن المزيد من ندوب الحروق الغريبة التي التفت حول ذراعه، وغرس أسنانه الحادة في لحمه. صرخت تشو-إير وصاح بو، لكن روي ييفو بدا غير مبالٍ بينما تلطلت ذراعه سريعاً بالدم. توقف عن العض ومسح بعضاً من الدم بأصابعه، ورسم بسرعة شكلاً في الهواء تعلق به الدم المبلل قبل أن يلتف سريعاً ليصير دائرة مظلمة دقيقة.
قال وهو يمد يده الملطخة بالدم لبو: "لا أعرف إلى أين سيأخذنا هذا، لكنني لن أرسلكما وحدكما هذه المرة".
عدل بو وضعية تشو-إير لتجلس على وركه كي يتمكن من حملها بذراع واحدة. لفت ذراعاها الصغيرتان حول عنقه لزيادة ثباتها. نظر إلى يد روي ييفو ثم إلى يده التي لا تزال مغطاة بخليط جاف من العرق والماء والرماد. حرك أصابعه متوقعاً أن يتساقط اللحم ليكشف عن العظم، لكن ذلك لم يحدث. بطريقة ما، لا يزال حياً، وثمة من ينتظره، رغم كل ما جرى. ماذا فعل ليستحق هذا؟
أخذ نفساً عميقاً ونظر إلى روي ييفو: "حسناً! بدأت أشعر بضيق المكان هنا على أي حال".
مد يده نحو يد روي ييفو ثم توقف، والتفت ثانية نحو جمجمة التنين والأثر المحنط بداخلها. لسبب غريب، خُيّل إليه أنهما زوجان عجوزان يقفان هناك الآن ويراقبونهم.
انحنى بقدر ما سمحت له وضعيته وهو يحمل تشو-إير: "أه، شكراً! أعتذر عن إزعاجكما، لكن شكراً!"
ثم واجه روي ييفو مجدداً وأمسك بيده بقوة كي لا تفلت من قبضته. سقط الثلاثة معاً عبر البوابة الحمراء، التي انغلقت خلفهم بقرع نحاسي مدوٍّ.
استمر الصدى، متصاعداً نحو الأعلى، حتى تلاشى هو الآخر.
وعاد الصمت ليطبق على مقبرة آخر أمراء النهر الأصفر والأم السماوية من جديد.