تتلاطم المياه السوداء فوق الحجر الأبيض الصلب كالأرض، بينما يهرولان في مسار مستقيم نحو الظلام، يجران أقدامهما جرّاً. هل هما في كهف؟
لم يستطع "بو"
تبين ذلك، فكل ما يحيط بهما على بعد بضع عشرات من الأقدام يبتلعُه الظلام، ولا تكاد تظهر سوى أبراج ومبانٍ متآكلة.
كانت بعض الأبراج قريبة جداً، وكان "بو"
يرجع برأسه إلى الوراء تماماً فلا يرى نهايتها. لكنه حين أمعن النظر في الحجر، بدأت وجوه تظهر عليه. وجوه شابة وأخرى مسنة، رجال ونساء، تآكلت ملامحهم بفعل الزمن حتى صارت مجرد نتوءات وأخاديد خفيفة. ومع ذلك، شعر بشيء ما يخبره أن تلك الوجوه لا تزال تراه. التفت خلفه. لم يعد شاطئ الصخور الذي كانا عليه مرئياً، ولم يكد يبصر سوى جذور تشبه الديدان تنمو ببطء فوق الماء الأسود وعلى سطح المسار الحجري.
لم يمنحه ابتعاد الشاطئ شعوراً بالراحة، فضم الرأس الذي بين ذراعيه بقوة أكبر.
سأل "بو": "روي، أتظن أننا سنمضي أبعد؟".
أجاب "روي ييفو"
بصوت خافت: "لا أعلم".
كان يتوقف أحياناً أثناء سيره ليستنشق الهواء.
أراد "بو"
أن يخبره بأنه يشبه الكلب حين يفعل ذلك، لكنه لم يملك من الطاقة ما يكفي حتى لإطلاق تلك السخرية. وبدا الأمر عديم الجدوى في كل الأحوال.
تساءل عما يبحث عنه "روي ييفو"
في الهواء، وحاول هو نفسه استنشاقه، فلم يظفر إلا برائحة الزهور وملح الماء الراكد المتعفن. كان يشعر بالرأس الذي يحمله وكأنه صار جزءاً منه. ينسى وجوده أحياناً، ثم يلمحه فجأة فيصيبه رعب خفي من خصلات الشعر الأحمر التي تلتف حول ذراعيه كأنها نباتات غريبة. ومع ذلك، لم يطاوعه قلبه على تركه أو حتى تعديل وضع ذراعه التي أخذت تضغط على أضلاعه من شدة تمسكه. ماذا لو أفلت؟ ماذا لو سقط في الماء من حولهما ولم يعد يراها أبداً؟
لقد سئم فقدان الناس.
توقفا فجأة، ولم يلحظ "بو"
ذلك لغرقِه في أفكاره. شعر بارتجاف، لكنه لم يكن منه.
كان يرتجف "روي ييفو"
الذي يحدق أمامه مباشرة، وشفتّاه النحيلتان مطبقتان بإحكام، يهتز كالورقة في مهب الريح. كان أمامهما إطار بوابة. لم تكن كبيرة، بل بدت كأنها بوابة منزل لثريّ ما، وقد التوت بفعل حريق مروع منذ زمن بعيد. كانت تميل بسكر، كأنها على وشك الانهيار في أي لحظة، وبدت كأنها صُنعت جزئياً من عظام طائر ضخم.
كلما تأملها "بو"
شعر بخلل عميق فيها. كان انتباهه يُسحب نحوها بقوة متزايدة تشبه دوامة.
انتهى المسار الحجري إليها، متلاشياً في سواد أعمق جعل عين "بو"
تحترق وتختلج لا إرادياً.
تراجع قليلاً، لكن حركته كانت مقيدة بقبضة "روي ييفو"
القاتلة. تحركت قدمه بوهن نحو الأمام، دون وعي منه، كان عليه الوصول إلى هناك. النهاية تقع خلف تلك البوابة مباشرة.
لكنه لم يستطع الحراك و"روي ييفو"
يمسكه بهذه القوة.
لم يفهم سبب جمود "روي ييفو"
كالحجر. ثم أدرك السبب. كان مشتت الذهن بالبوابة لدرجة أنه لم يلحظ الرجل ذي الوجه البشوش الواقف أمامها مباشرة. كانت ثيابه مهلهلة وملطخة بالدماء، لكن بقية هيئته بدت جيدة، بل نظيفة تماماً.
قال الرجل بلطف: "يا للمفاجأة، رؤيتكما هنا".
أجاب "روي ييفو"
ببرود: "لا أستطيع القول إنني مسرور برؤيتك، لكنني لست متفاجئاً بوجودك".
نظر "بو"
إلى "روي ييفو"
الذي ظل يحدق في "وانغ هوا تشينغ".
أزاح "روي ييفو"
ذراع "بو"
عن كتفه ببطء، رغم أنه ظل يمسك بذراعه.
قال "بو": "مهلاً...".
أمال "وانغ هوا تشينغ"
رأسه جانباً بالابتسامة المتواضعة نفسها التي اعتادها، والتي بدأت تثير أعصاب "بو"
حقاً.
رمقه "روي ييفو"
بابتسامة خبيثة: "أتذكر ما حدث في المكتبة؟ كيف تظن أنك وصلت إلى هنا؟".
رمش "وانغ هوا تشينغ"
ونظر حوله بحيرة خفيفة: "وصلت؟ لقد مشيت إلى هنا".
"من أين؟".
صمت "وانغ هوا تشينغ"، كان لا يزال يبتسم، لكن عينيه كانتا مثبتتين على "روي ييفو".
أفلت "روي ييفو"
ذراع "بو"، وفتح كفيه ليواجه "وانغ هوا تشينغ": "قلت لي إنك لم تقبل عرض بايتشان، ذلك الذي تحالفت معه بقوة حتى ساعدته طوعاً على الإطاحة بنظام الملك".
وبينما كان "روي ييفو"
يتحدث، كافح "بو"
ليثبت أقدامه قبل أن تسري طاقة قاسية في أطرافه المتألمة.
ظل "وانغ هوا تشينغ"
يحدق في "روي ييفو".
هز "روي ييفو"
رأسه وهو يقول: "لم يخطر ببالك أنني سأكون مستعداً للموت لأقتلك... أو أن بايتشان يمكنه ببساطة أن يخيط جراحك من جديد بعد موتك. أنت لا تتذكر شيئاً، أليس كذلك؟ هل يمكنك حتى أن تجزم بأنك لا تزال وانغ هوا تشينغ حقاً؟".
تلاشت ابتسامة الرجل قليلاً، لم تتحول إلى عبوس، بل إلى تعبير من يكتشف حقيقة مزعجة لكنه أكثر تهذيباً من أن يظهر رد فعل.
"المكتبة... نعم، أتذكر أسنانك، لكنني...".
سأله "روي ييفو": "أنت لا تتذكر موتك، أليس كذلك؟ لقد نلت خلودك يا وانغ هوا تشينغ. طالما بقيت مفيداً لبايتشان، بالطبع".
لم تتحرك ملامح الرجل، لكن صوته بدا مضطرباً. بدأ لعاب أسود يفيض فوق شفتيه.
سأل "بو"
محاولاً الحفاظ على توازنه: "ما الذي يحدث؟".
أجاب "روي ييفو": "إنه يدرك أنه مجرد دمية، أو هكذا أفترض".
سُمع صوت طقطقة خافتة، وبدأ الجانب الأيسر من رأس "وانغ هوا تشينغ"
ينتفخ بشكل غير طبيعي. تمدد الجلد، وتساقط شعر أسود كأنه يُنتزع من جذوره. صار الجلد شفافاً، وظهرت خيوط بيضاء صغيرة تتلوى بوضوح تحته.
أنَّ "وانغ هوا تشينغ"
من الألم، واندفع لسانه بغرابة خارج فمه بينما قفزت مقلة عينه اليسرى من محجرها وتدلت. تكسرت الأضلاع بصوت عالٍ، ومزقت الجلد الرقيق والثياب المهترئة قبل أن تسقط وتصطدم بالمسار الحجري بوقع رطب.
قال "روي ييفو"
بصوت خافت: "بو، عليك أن تمضي قدماً".
صرف "بو"
نظره عن هيئة "وانغ هوا تشينغ"
التي كانت تتلاشى بقذارة، ليجد "روي ييفو"
يحدق فيه بعينين مفعمتين بـ... شيء ما.
لم يرَ "بو"
هذا التعبير من قبل، ولم يستطع تسميته، لكنه علم أنه جعل صدره يشعر وكأن يداً عملاقة تعصره.
سقط "وانغ هوا تشينغ"
فجأة في الماء، ولم يحدث رذاذاً، بل سقط عبره وكأن الماء بالكاد تموج عند دخوله.
وقعت عين "بو"
مجدداً على الماء حيث نظرت إليه ملايين العيون الباهتة، التي بالكاد يمكن تمييزها في الظلام الحالك.
"حان وقت الرحيل".
تحرك "بو"
ليمسك يد "روي ييفو"، لكن الأخير دفعه بسهولة وضغط بيده على صدره.
ومثلما حدث مع أمير اليشم، شعر بألم مفاجئ في أضلاعه بينما اندفع الهواء من حوله.
كان "روي ييفو"
يتقلص بسرعة، ولم يجد "بو"
من صوته ما يكفي ليصرخ قبل أن يُقذف عبر البوابة.
تلاشت العتمة السرمدية، وحلّت محلها جذورٌ محترقة تومض بضوء خافت، تجمعت من حوله في كل صوب. كانت جمراتها النابضة بألوانٍ مستحيلة؛ أسود قاتم، وعنبر كليل، ويشمٌّ سائل، وأبيض صارخ، تضفي على المكان توهجاً يبعث على الغثيان. هوى إلى الأسفل، يهبط ويهبط حتى ارتطم ظهره بسطحٍ لين، فأثار من حوله أطنانًا من الرماد. سعل وبصق الغبار حين انقلب على جانبه، متأكدًا من أن الرأس لا يزال في قبضته.
كان السيف قد انزلق على تلة الرماد بعيدًا عن يده بضع خطوات. التقطه سريعًا بيده الأخرى واعتدل جالسًا ببطء. كانت الجذور في الأعلى قد امتدت لتشكل حجرة، وتدلى أحدها في وضعٍ مريب داخل جمجمة تنين ضخمة تهدم جانب منها، وبقي فكها مفتوحًا في استرخاء.
أدرك "بو"
حين اقترب زاحفًا على ركبتيه المنهكتين، أن الأسنان بطول قامته.
كانت الجمجمة تستقر في بركة ضحلة هائلة من سائل داكن، بدا مختلفًا عن "الماء"
في المكان السابق. وفي داخل الفك، استلقت جثة امرأة محنطة، ملقاة على ظهرها وقد شُطر نصف جسدها، يتسرب منها السائل الداكن اللزج الذي تجمع حول الجمجمة. وأمام المرأة، مستندةً جزئيًا إلى أسنان التنين، وُضعت لوحة من حجر رمادي بارد، تلطخت بشيء داكن منذ زمن بعيد.
مدفوعًا بشيءٍ يكمن في أعماقه، وضع السيف على الحجر، ثم شرع في فك ذراعه المحيطة برأس "تشو إير".
كان الألم يعتصر مرفقه، وبدا كأنه مفصلٌ صدئ يصرير، وشعر بومضات من الوجع تسري في ذراعه، لكنه نجح في وضع الرأس على اللوحة، ثم غمره إعياءٌ شديد. انهار مستندًا إلى عظم فك التنين، يحدق في الرأس. متى شحب هذا الوجه وتعفن؟ لم يستطع تذكر ذلك. كان منهكًا للغاية، وأحس الآن بوحدةٍ حقيقية.
نظر "بو"
إلى الأعلى، يأمل أن يرى "روي ييفو"
يهوي هو الآخر، لكنه لم يرَ سوى ألوانٍ متغيرة تتراقص في الأعالي. أعاد بصره إلى السيف والرأس، يراقب جمرات شاحبة تتشكل داخل الجمجمة الضامرة، وتنتشر ببطء لتلتهم اللحم وتُحيله رمادًا. مد يده نحوها، لكنها خذلته...
كان "بو"
من التعب بحيث لم يعد يستطيع الحراك. لم يبقَ له سوى ما كان يفعله حين كان طفلًا؛ الاستلقاء في صمتٍ والبكاء.