لم تتوقف الضبابة عن طمس معالم الطريق وما حوله في المستنقع. حتى السماء تبلدت في بياض مبهم وغامض. عجز روي ييفو عن تحديد موقع الشمس في كقبة السماء أو معرفة إن كانت ما تزال طافية هناك. ضخّت الضبابة ضوءاً أبيض باهتاً محا الفارق بين الليل والنهار لدرجة عجّزت حتى ضوء القمر الأحمر الغريب عن اختراقه. رمق التمثال العملاق فوق رؤوسهم ثم عاد لتأمل الضبابة. خطر ببال روي ييفو أن مصدر الضبابة ليس المستنقع بل جبل صفصاف العظام المحتجب عن الأنظار.
لم يستطع تقدير مدى قربهم أو بعدهم عنه، لكن صفات الضبابة الغريبة بدت وكأنها تنبع من جبل غامض لا من دورة الطبيعة المعتادة. أخرجه تنهد بوز المرتجف من أفكاره فالتفت لينظر إليه. استقرت يد بوز على رأس تشوئي. ولثانية خاطفة خشى روي ييفو أن بوز قد أدرك حقيقتها الفعلية. لكنه استمر في التحديق أمامه بعين زائغة.
قال بوز: "أنا قتلت لي تشونينغ".
لم تبد كلمات بوز موجهة إليه، هذا ما فكر فيه روي ييفو قبل أن يدرك المعنى الفعلي للعبارة. لي تشونينغ... لي باوباو... ابن التاجر الأحمق... استعاد روي ييفو صورة الجثة المشوهة المصنوعة من الكروم واللحم التي غرست في الماء حين وجدوا بوز. اضطرب قلبه في صدره، لم يكن ذلك وحشاً.
تمتم بوز: "كان الرئيس محقاً. كان محقاً".
تموج الماء لتحرك حشرة صغيرة تحت السطح ملامسة بقعة اليابسة شبه الجافة التي جلسا عليها.
جاء صوت بوز مهتزاً ومتقطعاً كمن يوشك على تقيؤ المرارة: "هو لم يستحق... لم أستطع إنقاذه".
وضع روي ييفو يديه في حجره متجهتين بباطنهما نحو السماء. تأملهما منتظراً أن ترى عيناه الدماء تتجمع وتتقاطر من أصابعه.
سأل بهدوء: "ماذا حصل؟"
تجرع بوز غصته: "أنا... أنتم ذهبتم فمحوت أثر طريقكم لألحق بكم. رأيت لي تشونينغ".
أخذ نفساً عميقاً واستند إلى التمثال ناظراً نحو السماء.
"حاولت الحديث معه، لكنه تمتم بشيء عن رؤية الغبار وحده ثم... أخذ يتخبط. تحول إلى ذلك الوحش ولم أستطع فعل شيء".
كان بوز يبكي. انحدرت الدموع على وجهه وتحولت عينه المتبقية إلى اللون الأحمر بينما حاول مسح أحزانه بكمه المتساخ.
"ذلك اللعين ارتداه كقلادة وكل ما استطعت فعله هو..."
صاح: "بوز—"
تتجشأ بوز باكياً: "ما كان له أن يكون معنا أصلاً! كان عليه أن يبقى في بيته الجميل مع أمه وأخيه. لا علاقة له بكل هذا الكابوس!"
بكى ضارباً فخذه بقبضته بينما خبأ وجهه بيده الأخرى.
"...ربما كان علينا تركه على تلك الشجرة".
مضغ روي ييفو شفته ومزقت أسنانه الحادة الجلد برفق. غمر طعم النحاس لسانه.
"بوز، أنا من أقنع السيدة لي بإرسال ابنها معنا".
توقع أن يحول بوز يأسه المفعم بالذنب إلى غضب عليه، لكنه لم يفعل أياً من ذلك، بل راح يعتصر رأسه مستمراً في النشيج الخافت. أراد روي ييفو غضبه، فذلك أهون من استغراقه في جلد نفسه. كان الذنب في نهاية المطاف ذنب روي قبل أي أحد آخر. لو لم يدفع السيدة لي للموافقة نزولاً عند خططه الأنانية لبقي لي تشونينغ في بيته.
وظل معروفاً باسم «لي باوباو»
الابن الأصغر لعائلة تجارية مزدهرة عصفت بها النكبة فجأة. كيف كان سيبدو مستقبله؟ أكان سيتزوج فتاة شابّة طيبة ويؤسس عائلة؟ أم كان سيبقى أعزباً طوال حياته طاعةً لرعاية أمه المريضة وأخيه اليائس؟ ربما جرب حظه في الاختبارات ليحصل على وظيفة حكومية؟ فقد امتلك عقلاً بارعاً في الأرقام، وديوان الضرائب بحاجة دائماً إلى المزيد من الكتبة. لكن هذه الأفكار ظلت مجرد افتراضات. لن يتحقق منها شيء.
وضع يداً على صدره ليخفف من خفقان قلبه المصارع لثقل مدٍّ هائل من الحزن والأسى. ما قيمة جسد إضافي في تعداد الضحايا؟ التفت إلى بوز الذي استمر في البكاء الصامت بين كفيه.
جاء صوت بوز بالكاد أعلى من الهمس: "حاول العودة إلى بيته. من بيننا جميعاً، كان الوحيد الذي يمتلك بيتاً يعود إليه. لماذا غير رأيه؟"
مضغ روي ييفو شفته من جديد وهو يحدق في الضبابة. حاول تخيل أفكار لي تشونينغ بعد النقاش، بعد أن غادرهم فجأة عائداً.
انفرجت شفتاه بكلمة خافتة: "لم يفعل".
استعاد صوت بوز بعض قوته: "ماذا؟"
استرسل روي ييفو مفكراً بصوت عالٍ: "قلت إنه تحول إلى ذلك الوحش. يظهر السمات ذاتها التي تتسم بها مخلوقات بايتشان الأخرى. لكن هذا يعني وجوب إصابته بالعدوى في مرحلة ما. بقي معنا طوال الطريق حتى وصلنا إلى بيت ليو شي، ثم قرر الرحيل. لم نره حتى تجاوزنا الجبال الصامتة. كيف وصل إلى هناك قبلنا؟ حتى مع الامتطاية التي أتاها له ليو شي، يستحيل أن تسلك به طريقاً يمر مباشرة عبر الجبال الصامتة".
شبك روي ييفو أصابعه صاضكاً على أسنانه.
"لذا، الاستنتاج الوحيد المنطقي هو أن بايتشان قد وجده في وقت سابق".
"ولكن لم يعمل مع بايتش—"
قال روي ييفو: "لم يكن كذلك. ليس بإرادته على الأقل".
نظر بوز إلى روي ييفو. ظل وجهه كارثة حقيقية. كانت محجر العين المحروقة مقززة ومتفحمة، والتصقت الدماء الجافة بخده وشعره المتدلي حتى كتفيه.
"...كان ميتاً، أليس كذلك؟ مات... فور مغادرته".
لم تتبين لروي ييفو حيرة أم إعجاب حيال سرعة استيعاب بوز للأمور، فأومأ برأسه.
"نعم، هذا هو الاحتمال المعقول الوحيد. الشخص الآخر الوحيد القادر على إعطائنا إجابة قاطعة هو جي ينغ، وهي..."
"ميتة هي الأخرى".
"ممم"، أراد روي ييفو القول إنها تتجاوز مجرد الموت.
مُنح خدام السماء هبات الخلود لكنهم يفتقرون إلى روح حقيقية تخصهم. وعجزوا عن استنبات واحدة لأنفسهم. تذكر منظر الشمس الكهرمانية الصغيرة وهي تتوهج بشراسة متولدة للحياة لتموت غضون دقائق. لم يسمع قط عن قصة خادم سماوي يدمر نفسه بتلك الطريقة، وتساءل عما دفعها لاتخاذ مثل هذا القرار المفاجئ. أأعاد الإمبراطور الكهرماني السيطرة عليها؟ أم أن بايتشان استغنى عن خدماتها وأراد التخلص من خيط مفكك؟
طأطأ بصره نحو الطفلة النائمة المستندة برأسها إلى فخذ بوز مفكراً في سؤالها فور استيقاظها. التفت مجدداً نحو بوز المحدق بتعبير نائح نحو فراغ الضبابة المحيط بهم. أقسما أنهما يقتربان من جبل صفصاف العظام، لكن الأمور لم تزدد إلا سوءاً لكليهما. تمثل الجانب الإيجابي الوحيد الذي استطاع تذكره في غياب أي من الوحوش التي حذر منها خيربيش. ثم أشرق الإدراك في ذهنه.
"بوز؟... أعلم أنك تلوم نفسك على موت لي. لكن لا تحمل وزره في قلبك".
"أنا من قتله".
التقط روي ييفو انعكاس صورته على صفحة الماء ليواجهه وجه حزين وشبه بشري: " وأنا أيضاً. ما كان لي أن أقترح هذا الأمر أبداً على السيدة لي. لكن... تم هذا الأمر عمداً".
صمت بوز لكن روي ييفو أحس بعينه تفحصه.
"يعلم بايتشان اقترابنا من غايتنا، لذا أرسل لي تشونينغ لإيقافنا. أو ربما فقط لاختطاف تشوئي، أيهما سبق. لا بد أن وجود لي تشونينغ هو سبب خلو المكان من المخلوقات الأخرى، فهم يستشعرون اللهب الأبيض المنبعث منه ولا يريدون صلة به. أعتقد أن بايتشان يتلاعب بقلوبنا متعمداً. لقد تعبنا وجرحنا و..."
توقف للحظة بينما تعمق الثقل في قلبه، "بائسون. تماماً النوع الذي يستهدفه بايتشان".
دوّى تصفيق حاد وواضح من قلب الضبابة. تمتم بوز بألم متأوهاً، مع ذلك قبض على مقبض سيفه بينما تناول روي ييفو مسبحته المرجانية مجدداً.
"رائع! استنتاج رائع!"
صدر الصوت مفعماً بالبهجة، وتدريجياً انبثق شخص من قلب الضبابة، أو لعل الأصح القول إنه تشكّل منها. بَدَا حضوره مألوفاً بشكل مرعب. تخيل روي ييفو أمواجاً متلاطمة وبحاراً هائجة، واستخدم يده الطليقة ليدفع يدي بوز إلى الأسفل برفق. اتخذ الكيان هيئة كاملة، وشهق بوز لما رآه. وقف أمامه شاب شديد الأناقة مزدان بألوان وأطياف مختلفة من اليشم. مع ذلك، واجههما وجه ليو شي بابتسامة مسرورة.