قسم شجرة الصفصاف الفصل 109 — خريف أبدي

اقرأ قسم شجرة الصفصاف الفصل 109 — خريف أبدي باللغة العربية على مانجا تايم.

شعور بالاطمئنان تسلل إلى قلب بو. كانت البقعة التي يقفان فيها مغطاة بأزهار برية مبهجة ومشرقة تفوح منها رائحة حلوة وناعمة، وانحناءة النهر تجري متعرجة بقربهما بينما كانت طيور الطنان ذات الريش الأبيض تتطاير بخفة بين الأزهار. وكان مقطع النهر ضحلاً نسبياً، وأعمق نقطة تمكن من رؤيتها لم تصل إلا إلى ثلث ساقه. على الرغم من كل ما مروا به للتو، لم يستطع بو في هذه المساحة الصغيرة إلا أن يشعر بالتوتر يذوب عن كتفيه.

وضع تشو إر على الأرض وراقبها وهي تترنح قليلاً بين الأزهار قبل أن يلتفت نحو شوانغ كوي. كان شوانغ كوي جالساً خلفهما، ويعبث بالأزهار بلا مبالاة. لقد انشقت لحوم يديه لتكشف عن فوضى سوداء غريبة ومضبابية تعج بحشرات بالكاد تُرى تحت الجلد، مما اثار شعوراً عميقاً بالاشمئزاز في نفس بو. كان وجهه لا يزال كتلة دوامية من الظلام لكنه استدار إلى الأعلى ليحقق النظر في بو.

قال بصوته المتلاشي: "هذا أقصى ما أستطيع الذهاب إليه".

تنفس بو الصعداء والتفت بورائه ليطيل النظر إلى الأزهار من حولهما والنهر الصافي والطيور. ثم رفع بصره إلى السماء الصافية. بدا المكان بأسره غير حقيقي بعضلته. فشيء بهذا السلام والهدوء لا ينبغي أن يوجد في مثل هذا المكان.

قال: "لكنه مكان جميل لنتفرق فيه مع ذلك".

وافق شوانغ كوي: "حقاً".

قالت تشو إر التي نجحت في السير نحوهما بهدوء ودون أن يلاحظها أحدهما، مما أثار فزع بو قليلاً الذي أمل أن تكون لم تلحظه: "خذ".

كانت تمسك بصخرة زرقاء اللون على شكل هلال تقريباً، وصخرة سوداء أخرى ظن بو أنها تشبه دجاجة بعض الشيء. ناولتي الصخرة على شكل دجاجة إلى بو، ثم ناولتي الصخرة الأخرى إلى شوانغ كوي.

سأل بو: "ما هذا؟".

قالت: "الفتيان لا يحبون الأزهار لذا بحثت عن الحجارة بدلاً منها".

رمش بو قائلاً: "آه"، وشعر بأنه لا يملك ما يضيفه.

مسك شوانغ كوي صخرته بيده الذابلة، وقال بصوت بدا وكأنه غير معتاد عليه: "شكراً جزيلاً لك".

هزت تشو إر كتفيها قائلة: "نحن أصدقاء، أليس كذلك؟ لذلك، أردت أن أمنحك شيئاً ما! بما أنك راحل، أليس كذلك؟".

"مم".

نظر بو إلى إيدوني التي كانت تحدق باهتمام شديد في شوانغ كوي، ثم عاد بنظره إلى شوانغ كوي. بدا جسده وكأنه يترنح قليلاً، كأنه يصارع ليبقي نفسه جالساً باستقامة.

سأل بو: "هي تشو إر، هل يمكنك التحقق عما إذا كان هناك صخرة على شكل ديك هنا بسرعة؟ لا أود لصخرة الدجاجة الخاصة بي أن تشعر بالوحدة".

سأل: "ماذا؟".

بدت تشو إر حائرة ولكنها هزت كتفيها بعد ثانية وعادت إلى الأزهار، وهبطت على يديها وركبيها لتنقب بين الحجارة في الأسفل.

سأل شوانغ كوي بصوت خفيض: "أنت تعلم ما يجب عليك فعله، أليس كذلك؟ فقط استمر في التجهيز نحو الشمال. قريباً ستصل إلى غابة حمراء، ستحتاج إلى اجتيازها وعندها ستتمكن من رؤية الجبل".

قال بو الذي لم يعجبه وقع تلك الكلمات المشؤومة: "غابة... حمراء...؟".

أومأ شوانغ كوي برأسه: "نعم. إنها عالقة في خريف سرمدي. إنه جزء من غرابة هذا المكان".

"آه".

قال شوانغ كوي وهو يدير رأسه نحو تشو إر: "لدي أيضاً شيء أطلبه منك".

وتحدث بصوت خافت للغاية: "...لا تدعيها ترى".

فتح بو فمه قليلاً، ثم أغلقه وأومأ برأسه. لقد شعر أنها كانت تعلم مسبقاً على مستوى ما، ولكن إن كان شوانغ كوي لا يريدها أن ترى فسيبذل قصارى جهده ليمنع ذلك.

"شكراً لك، بالمناسبة".

أراح شوانغ كوي أطراف يديه المتحللة في حجره بينما كانت الحشرات تفر هاربة: "........ينبغي لك أن تبدأ المسير الآن".

أدار بو ظهره عنه وحمل تشو إر بين ذراعيه مجدداً، وقال: "حسناً. لا وقت لنضيعه، لننطلق أيتها الصغرى".

تذمرت: "مهلا! لم أجد الصخرة بعد!".

خطا خطوة إلى الماء وارتجف من البرد، لكنه واصل السير، ومضى خائضاً في بضع خطوات إلى الضفة الأخرى: "يمكنك البحث في مكان آخر إذن".

"لم أتمكن من توديع شوانغ كوي أيضاً!".

لم يقل شيئاً رداً على ذلك. لم يكن هناك ما يبرر قوله. لم يستطع حمل نفسه على النظر إلى تشو إر. واصل السير بدلاً من ذلك، بينما كان القماش المبتل يجف تدريجياً مع تقدم ساقيه إلى الأمام وكأنه يتحرك خارج نطاق إرادته. كان عليه مواصلة التقدم شمالاً. كان ذلك أهم شيء في الوقت الحالي. كانت بقعة رطب تتشكل على ملابسه من حيث كان وجه تشو إر يضغط عليها. واصل التقدم. ليتجه شمالاً نحو الجبل.

وحقيقة أنه لم يكن يعلم كيف يبدو الجبل أصلاً كانت هماً لا يُذكر. كانت كل الجبال متشابهة بالنسبة إليه، ولا تختلف إلا في الحجم والنطاق. وستكون عملية إيجاد القمة الصحيحة مشكلة يتعين على بو المستقبل التعامل معها. بينما كانت الشمس تبدأ في الغروب، بدا وكأن بحيرة من النار تندفع إلى الأمام في الأفق. ولكن عند الفحص الدقيق وإدراكه عدم وجود دخان، أدرك أنها كانت في الواقع أشجاراً.

الآلاف والآلاف من أوراق الشجر الحمراء والذهبية والبرتقالية التي كانت ترتجف في النسيم الخفيف الذي يعلوها. جلب النسيم رائحة خفيفة لأوراق الشجر المتعفنة إلى أنفه وكاد يعطس. واصل المشي حتى بلغوا حدود الغرع، محملقاً فيما وراء الجذوع الأولى ليرى... المزيد من أشجار. كان هناك طحلب مصفر ينمو على بعضها، وتحت شجيرات أشعث تتخبط عبرها حيوانات صغيرة لم استطع تمييز أشكالها بدقة.

وكانت أكوام الأوراق تنثر الأرض في بعض الأماكن، بينما استلقت الجذوع الممنهكة متعفنة بنصفها في بقع أخرى، لكنه لم يستطع رؤية ما بداخلها بسبب الكثافة المتزايدة للأشجار. لم يكن بوسعه معرفة مدى حجم الغابة لكنه راوده شعور بأن كاحليه سيتعرضان للكثير من الالتواءات المثيرة للاهتمام.

تمتمت تشو إر بضعف فجأة: "أنا متعبة".

نظر بو إلى الفتاة الصغيرة بين ذراعيه، وقال: "هاه؟ حسناً، يمكننا الاستراحة هنا قليلاً"، مستنداً إلى أحد الجذوع السميكة ومرتخياً للأسفل.

أبقى تشو إر في حجره بينما كانت يده تستقر على سيف رئيسه. لم يكن متأكداً حتى مما إذا كان يستطيع استخدامه إن تسلل أي شيء، لكن حمله في يده جعله يشعر بتحسن طفيف.

"يمكنك أخذ قسط من النوم وسأوقظك بعد قليل، اتفقنا؟".

"حسناً".

أغمق عينيه وتنفس الصعداء، ثم فتحهما لينظر إلى الأعلى نحو أغصان صفصاف ذات أوراق صفراء. كان حجره خالياً من وزن بحجم طفل واختفى السيف فوراً. تفشى الذعر في صدره فجأة وقفز على قدميه، وكاد يسقط على مقعد حجري أمامه مباشرة وهو يحاول استعادة توازنه. إلى أين ذهبت تشو إر؟ نظر بو حوله فرأى جدران عالية، وأمامه شارع واسع ومطروق بقوة. توقف قلبه وهو يختلس النظر عبر ستائر الأوراق.

كان ليو شيه واقفاً هناك.

تحول ذعر إلى فرح مشوب بالحيرة، فنادى: "الرئيس!".

لكن ليو شيه لم يستجب. لم يكن ينظر إليه حتى. بل كان ينظر إلى شيء آخر حجبه غطاء الأوراق من حول بو. سار بو حول المقعد أمامه، دافعاً الأوراق جانباً. على بعد أقدام قليلة من الجانب الآخر للشارع كانت هناك قافلة كبيرة من الأجانب. كانت عرباتهم محملة بالكامل ومربوطة بثيران قوية المظهر ببقع بيضاء وبنية. كان الناس يثرثرون حولها بلغة أجنبية بينما كانت اللمسات الأخيرة تُنقل من مبنى حجري ضخم وغريب قريب.

بعيداً عن القافلة كانت تقف شابة. كانت قصيرة لكنها بدت ممتلئة في فستان صوفي سميك، وشعرها الأحمر مربوط بحزام بسيط. كان هناك ندبة على وجهها تمتد من الزاوية اليسرى لفمها إلى ذقنها، ومع ذلك كان وجهها مستديراً وودوداً. وكان مكجماً باليأس أيضاً. كان يعرف هذه المرأة. لقد رأاها من قبل، على الجدار في منزل ليو شيه.

قالت بلهجة ثقيلة: "أنا آسفة".

يكاد يكون من المستحيل فهمها مع الارتعاش الذي يصاحبها. كانت النبرة التي تبناها ليو شيه شيئاً لم يسمعه بو من قبل. شاهده يقترب منها، ماداً يده.

"...أرجوك، ابقي معي".

هزت رأسها قائلة: "لا يمكنني. أبي يزداد مرضاً، لا أستطيع مغادرته. إنه يريد... يريد-"

"العودة إلى الوطن، لتكوني مع أمك"، أكمل ليو شيه.

"أنا أعلم".

سقطت دموع إيونا بلا لياقة، وكان وجهها يتدفق حمرة وهي تعصر يديها قائلة: "لا يمكنني السماح له بالموت وحيداً، ليو شيه. لا يمكنني فعل ذلك".

قال وصوته يرتجف: "أنا لا أطلب منك فعل ذلك، أنا فقط أُريدك أن تبقي معي...".

هزت إيونا رأسها: "أنا فقط... أنا مجرد فانية، شيه. لست حتى ذات أهمية خاصة. لا نحصل دائماً على ما نريد، بغض النظر عن مدى رغبتنا فيه".

اقترب بو، حتى صار إلى جانب ليو شيه مباشرة. لم يكن الرجل الآخر قد لاحظه بعد، فمد يده. مرت يده من خلاله دون أذى وتراجع خطوة إلى الوراء. أكان يحلم؟ أم كانت هذه ذكرى تخص ليو شيه؟ لكن كيف أتى إلى هنا، تساءل. عقد حاجبيه مفكراً، أكان ذلك بسبب السيف؟ وإذا كان الأمر كذلك، فَلِمَ هذه الذكرى بالتحديد؟

صدر صوت إزعاج في نبرة ليو شيه الآن: "لا... لا تبدئي بالحديث بهذه الطريقة، إيونا. لا تخوضي في هذه الأمور حول ظنك أنك لست مهمة، أو كيف ينبغي لي أن أجد شخصاً أكثر ملاءمة".

النوع المحبط من الانزعاج الذي يأتي عند العودة إلى جدال قديم، لكنه كان مليئاً باليأس أيضاً.

"إن كنت أريد شخصاً آخر، لكنت حصلت عليه. لكني لا أريد. لم أكن أريد سواك طوال حياتي. ألا يعني هذا شيئاً لك؟ هل تم تجاهل كل ما قلته وفعلته لأنك تعتقدين أنني أتعامل معك كنزوة عابرة؟".

"أنا آسفة-"

أخذ ليو شيه نفساً عميقاً وتنهد، هز رأسه ولان وجهه.

"لا تعتذري. أنا من ينبغي له الاعتذار... أنا... إيونا، أنا فقط-"

اعتدلت إيونا فجأة، وجمعت يديها بقبضتين، وأعلنت ووجهها حازم: "سأعود. خلال عشر سنوات، سأعود. بغض النظر عن أي شيء".

"سيبدو الأمر وكأنه لحظة بالنسبة لك، فلا تحزن. سنرى بعضنا مجدداً".

قال: "إن لم تعودي خلال عشر سنوات، فسأتي للبحث عنك حينها".

مد يده مجدداً فنظرت إلى أسفل نحوها. لذا أمسك بيديها بدلاً من ذلك وأطبس عليهما بقوة. كان بو متأكداً جداً مما سيفعلانه تالياً وشعر بأنه سيكون من الوقاحة المراقبة فاستدار ووجد رجلاً شاحباً جميلاً جالساً على المقعد، وشعره الأبيض يتدفق لأسفل ويغطي سطحه الحجري.

قال الرجل بصوت ليو شيه: "لم تعد أبداً".

تراجع بو خطوة عن الطيف، وقال: "أنت...؟".

كرر: "لم تعد أبداً. لقد ماتت. لذا حين أتيت إلى الجحيم الثلجي الذي ماتت فيه، جئت لأجد إيدوني. أترى، لقد عقدت صفقة مفادها أنني إن أعدتها إلى القصر الأول، فسأجتمع بها مجدداً".

ثم انشق الوجه إلى ابتسامة غريبة.

"لكن صفقتي جاءت بشروط مقيدة. لم أكن لأستعيد جسدي إلا إذا ضعف إلى درجة معينة".

لقد كان بايتشان. كان هذا بايتشان.

"في لحظة لم الشمل، استعدت جسدي... لكن الجسد رمى ابنتك عليك".

انفجرت المنازل فجأة في ألسنة ليف مدمرة، وملأت رائحة الأجساد المتفحمة الهواء. استدار بو على عقبه ليجد نفسه محاطاً بقرية تحترق، وأوراق الخريف الحمراء تلتهمها نيران نهمة. امتطى رجال صهوات الخيل وهرعوا مطاردين القرويين الصارخين نحو المنازل المحترقة أو النهر القريب حيث أطلق الرماة سهاماً ملبدة بالعنبر نحو المياه التي كانت تغلي بالأجساد. ارتد جسده مبتعداً عن حصان أثناء مروره ومع تحركه لمح فتاتين أكبر سناً تجران صبياً أصغر خلفه.

حتى بعد كل هذا الوقت، كان لا يزال يتعرف على ملامح وجهي شقيقتيه.

همس: "لا...".

قال بايتشان بصوت خافت: "أنت تتذكر هذا".

"هذا هو اليوم الذي احترق فيه حياتك إلى رماد".

همس بو بينما كانت ركبتتاه ترتجفان تحته: "توقف عن هذا".

كان بإمكانه رؤيتهما، فقد ذهبتا خلف منزل وأخذتا تزيحان بوعجل التعفن بحرص من حفرة ضحلة في الأرض.

"لا أريد أن أرى هذا-"

قال صوت بايتشان عند أذنه دافئاً ومريحاً: "لا أحد يريد أن يعاني. لا أحد يرغب في المعاناة".

دفع الصبي الصغير بقسوة إلى داخل الحفرة وسرعان ما غطي بكتلة من الفضلات المتعفنة والفخار المكسور والديدان وغيرها من الفتات. لقد عرف ما كان قادماً بعد ذلك.

تحدث بايتشان: "أنا لا أريد لأحد أن يعاني، بو. أنا أحاول وقف ذلك. أريد ابنتي أن تعود، أعلم أنك تؤمن بأنك تفعل الأفضل لها ولكن-"

كان العديد من الفرسان قد لاحظوا الفتيات، مشيرين إليهن بحماس.

"-إنها بحاجة للعودة إلي".

أراد أن يخبرهما بالهرب. وأن الوقت لم ينفد بعد. لكن كل ما استطاعتا فعله كان احتضان بعضهما البعض بينما انقض الفرسان عليهن. لم تتحركا. لقد رأى هذا ألف مرة في أحلامه. لم تتحركا قط. كانت صرخاتهن دائماً نفسها. والدموع التي سالت على وجهه انهمرت دون استئذان كما كانت تفعل دائماً. حتى في أحلامه لم يستطيع إنقاذهما. لقد أكلته الصدى من الداخل، تاركة قلبه ينقض كوزن ثقيل من الذنب. ماذا كان بوسعه أن يفعل؟

سأل: "لماذا؟".

"مم؟ لماذا ماذا؟".

نظر بو إلى بايتشان: "لماذا تحتاجها للعودة؟".

أجاب بايتشان بسخرية: "لأنني أبوهما، العائلة ينبغي أن تكون معاً، أليس كذلك؟".

تجهم بو مع بدء الصراخ وعصر يديه حتى غدا قبضتين: "ليس هذا ما أعنيه. أعني، لماذا ينبغي علي إعادتها؟ إن كنت... إن كنت قوياً فينبغي أن تكون قادراً على إعادتها بنفسك، أليس كذلك؟ إذن هناك شيء... شيء يمنعك من المجيء بنفسك".

صفق بايتشان بيديه وكأنه يتحدث إلى كلب ذكي إلى حد ما: "أيها الفتى الذكي! نعم، أنت محظوظ. الثلاثة الآخرون فعلوا مصفوفة معينة باستخدام القمر. لا يمكنني مغادرة القصر الأول الآن بعد. لكن المصفوفة لا علاقة لها بما إذا كانت إيدوني معي أم لا-"

قاطعه بو: "أظن أنك تكذب".

هز بايتشان رأسه: "لا، أنا لا أفعل. لا أحب الكذب. أنا بحاجة إلى بوابات السماوات لتفتح من أجل الزفاف، بو، وإيدوني بحاجة بالطبع لتكون حاضرة من أجل ذلك. عندها يمكننا أن نكون عائلة واحدة، ومشاهد مثل هذه..."

أشار خلف بو الذي رفض أن ينظر.

"ستصبح قريباً شيئاً موجوداً في الكوابيس والذكريات فحسب".

حدق بو في بايتشان، الذي ابتسم وبدت الرحمة العطوفة مرسومة على وجهه بأسره.

اعترف بو بهدوء: "أتعلم، أنا... أنا أحلم كثيراً بهذا اليوم. في أحلامي، يكون الأمر نفسه دائماً. لم أستطع تغييره أبداً".

تساءل، أكان ليو شيه يحلم؟ أكان يستمر في تذكر ذلك اليوم الخريفي حيث قطع الوعد؟ أكان ذلك مؤلماً؟ كان بإمكانه رؤيته الآن. تراجعت المنازل المحترقة لتعود إلى الشارع مرة أخرى. كان ليو شيه وحيداً، يهمهم في الاتجاه الذي ذهبت فيه، والدموع الحمراء تتساقط على وجهه. مد ليو شيه يده مجدداً، ثم سقط على ركبتيه وصرخ في الأرض بحزن لدرجة أن بو شعر بأن قلبه قد انكسر.

"أنا أعلم".

لم يكن هناك شيء يمكن لأي منهما فعله لتغيير الماضي. فكر في أن السيدة غو كانت على حق.

"لكن هذه هي المرة الأولى التي أرى فيها الأمر هكذا. مشاهدة نفسي. ووجودك هنا. الأمر مختلف الآن، لكنه متشابه أيضاً، حلمي. كنت أستيقظ باكياً، آملاً في شيء أفضل، أو أن أستيقظ في المنزل. لكن أحياناً كنت أحلم بشيء آخر، مثل العمل في مزرعة أو الذهاب إلى الريف. لم يكن دائماً... لم يكن دائماً هكذا..."

أبدون تلك الذكريات، أكان سيظل في الموقف نفسه؟ رفع بو بصره نحو ذكرى السماء. كان الأمر لا يزال مؤلماً، لكنه اختار تذكره على أي حال، فهما شقيقتاه. تلاشى الشارع مجدداً إلى نهر قرب القرية، وصوت الضحكات المألوفة. والأشجار تتأرجح في رياح الصيف. صحيح أن تلك الأوقات لن تعود أبداً، لكنها لم تغادره قط أيضاً.

أومأ بايتشان برأسه: "لقد عانيت كثيراً يا بو، حتى في أحلامك لا يمكنك الهروب من أحزانك، أليس كذلك؟".

أخذ نفساً عميقاً ونظر مباشرة في عيني بايتشان. كانت سوداويتين، ولم يكن فيهما سوى أضعف تلميح بعيد للضوء في عمقهما. لم يجد فيهما أي أثر للرحمة أو الشفقة.

"ما أقوله هو... هذا حلمي، وأنت لست جزءاً منه".

سدد لكمة بقبضته في وجه بايتشان، وشعر به يتصدع كالفخار بينما اتسعت عينا الكائن صدمةً.

فتح بو عينيه ليشعر بقشرة النعمان لازقة بهما. رأى انعكاساً مائلاً لنفسه المتعبة وتبعته عيناه صعوداً حتى مقبض نصل طويل والطرف المدرع الممسك به ثم الخوذة في الأعلى. التفت بو مستعجلاً يبحث عن تشوئير فوجده منخداً في نصف الأرض يغط في النوم. عاد بو بنظره إلى الشكل المدرع الطويل وقد التف حول كتفيه قماش مرسوم عليه حصان بقرن. فجأة صار يفتقد شوانغ تشوي بشدة.

هدر صوت أنثوي عميق وهو يضغط برفق نصل السيف على عنقه: "أنا تيرونيش من فرسان آرشيرا، اذكر اسمك".