أنت لا شيء. يسري سائلُ الغاية في حلقك حارقاً، يُذيب في طريقه أنسجةَ جسدك وأوتارك الهشة. لطالما فخرت بصلابة تكوينك، وفي لحظات الوضوح تلك اعتقدت أنك قويّ حقاً، لكن جسدك لا يملك الآن إلا الاستسلام لهذه القوة. يتغلغل النخاع في أعماقك، يشقّ قنواتٍ لم تكن موجودة في جسدك غير المكتمل. ما لا يُوجد، يُخلق. تسقط على ركبتيك، يخنُقك السعال. تحاول التقيؤ، تدفع بأصابعك في حلقك. تغصّ.
تنتفض. لا شيء يخرج. تتلمّس رفيقك بيأس، لكن الأوان قد فات. كان قد تجرّع النخاع بعدك بلحظة، وها هو يتعثر الآن، يهوي في بركةٍ ملوثة تحت قدمي مَن يملك الرعد. تحاول النهوض، لكن النخاع بلغ عمودك الفقري. تتصلب أطرافك، ثم تسقط، وتسقط، وتسقط. آخر ما تدركه هو الدخان. رائحة السرو، خفيفة لكنها لا تخطئها حواسّك. تتمسك بهذا الإحساس بيأس، تبحث عن المعنى المصاحب له، لكن أفكارك تتسرب منك كالدخان نفسه.
يندفع النخاع في عمودك الفقري صعوداً إلى دماغك. في النهاية، تتلاشى أفكارك الخاصة. يمسك بك حاملُ اللجام.
[ينعيش الغراب الناعق لتسعة أجيال من الرجال في أوج قوتهم]
أنت لا أحد. يصنع النخاع لنفسك هيئةً جديدة. يرتفع عبر مسام جلدك، يغلي داخل خطوط وشومك المرسومة حديثاً. يفسح زيت الزيتون الروحي بصبغته القاتمة المجال لنقوشٍ قانية تتوهج. يحترق الزيت تماماً، وتتصاعد سحب البخار من حولك. يمدّ رفيقك يده إليك بيأس، لكن الألم كان قد أطاح بك. تسقط عبر المنصة الحجرية تحت قدمي مَن يجمع الغيوم، الحجر مساميّ كجسدك، وتهوي في بركة الزيت. تغلي فوراً.
تكشّر عن أنيابك في تهديدٍ صامت، رغم أنه لا أحد يراك، وتُركّز قوتك في الداخل. تُمحّص دمك، توجّه أنفاسك الحيوية ضد جسدك. تحرق شرايينك، أعضاءك الحيوية، وتلتفت حتماً إلى مسارات الضوء المتفرعة داخل عمودك الفقري. لكن النخاع سبقك إلى هناك. تتوقف عن التنفس. تعوي روحك وتخبو. تحاول الزمجرة، لكنك لا تملك السيطرة حتى على ذلك. تلاحق النخاع وهو يلتوي عبر منحنيات عمودك الفقري، عاجزاً عن فعل أي شيء سوى كرهه، ثم يبلغ دماغك فتعجز حتى عن ذلك.
يُخضعك حاملُ اللجام.
[يخدم الغراب الناعق تسعة أجيال من الطغاة في ممالكهم]
أنت لا شيء، ملكٌ بلا رعية. سقطت مدينة روما، وكان الشياطين هم مَن فعلوا. تتذكر وجوه الذئاب الكالحة التي ملّحت مدينتك. تتذكر كيف قاتلوا، بشكلٍ يستحيل تصديقه، كرجالٍ في تشكيلٍ عسكري. تتذكر تكتيكاتهم. تتذكر قدرتهم على الارتقاء. تتذكر أن أباك... أبوك. تتذكر أباك. تتذكر غايوس. معلمك الأخير، أول كائن... تتذكر معلمك الأول. تتذكر بلاغته، والسنوات التي جاب فيها شوارع روما. تتذكر أنه علّمك لغة الأليكو، التي نفعتك حين كنت...
مقيداً. مقيداً في العبودية. مقيداً إلى اليونان. تتذكر أن رجال دامون أيتوس طردوا الشياطين. تتذكر أن دامون أيتوس أخذك إلى ضيعته. تتذكر أن دامون أيتوس يعرف التهديد، ولم ينطق به. يومئ لك حاملُ اللجام.
[يخدم الغراب الناعق تسعة أجيال من الطغاة ومقاصدهم]
أنت لا أحد، ملكٌ بلا شيء. تخلصت منك طائفة الفجر الوردي أخيراً، وقد فعلت ذلك بنفسك. تتذكر وجوه العمات والأعمام العابسة التي كرهت وجودك. تتذكر كيف تحدثوا إليك، بسمّيّةٍ، حين لم يكن أحدٌ يسمعهم. تتذكر ازدراءهم. تتذكر ضغائنهم. تتذكر خوفهم منك، خوفهم من شبهك بأبيك... أبوك. تتذكر أباك. تتذكر دامون أيتوس. دامون أيتوس هو أبوك. يومض نخاع ضوء النجوم للحظةٍ عابرة، ثم ينفجر عبر دماغك عائداً إلى عمودك الفقري، شجرة حياتك، ويحرق كل ما يلمسه.
يدينك حاملُ اللجام.
[يأكل الغراب الناعق تسعة أجيال من الرجال في رحيلهم]
رفيقك مدان. انهض. ساقاك غير متزنتين، لكنهما أقوى من ذي قبل. حرق النخاع قنواتٍ جديدة فيك، وربط نقاط الضوء بداخلك التي كانت حتى الآن كجزرٍ في الظلام. أنت أقوى مما كنت عليه قبل لحظة. وبعد لحظةٍ من الآن، ستكون أقوى. تخطو فوق فسيفساء الأحجار الكريمة التي تزين البركة. ترى رفيقك، يحتضر في زيت الزيتون المغلي. الوشوم التي رسمها على جسده صارت حمراء كالدماء بعد أن كانت سوداء، وتفور بحرارةٍ مرئية تتبخّر معها أي قطرة زيت تلمسها.
وجهه محجوبٌ عنك بحجابه القاتم. بطريقةٍ ما، هو ميتٌ بالفعل. هذه مجرد رحمة. ترفع رمحك السماوي وتغرسه في قلبه. ... ترفع رمحك السماوي وتغرسه في قلبه. ترفع رمحك السماوي... استمع إلي.
[يموت الغراب الناعق]
أنت مدان. ينتشر النخاع في كل شبرٍ منك، ويحرق. يُذيب ويُكوي. يغلي دمك في عروقك. يحلّ النخاع على الخيوط الدقيقة التي تمتد كالجذور من عمودك الفقري، فيحرقها واحداً تلو الآخر. أمعاؤك، قلبك، ودماغك، كلها محاصرة. تتحلل معدتك، تلتهمها عصاراتها. ينفجر قلبك. ينطفئ دماغك، فكرةً تلو أخرى، حتى تخبو كل الأنوار في سماء روحك وتغيب. كنت ابن دامون أيتوس. الآن أنت ميت. ... الآن أنت ميت. الآن أنت...!
[الغراب الناعق-]
تطعن رفيقك. تطعن رفيقك الذي لطالما احتقرته. تطعن رفيقك الذي تجرأ على إلقاء المواعظ عليك بشأن مدينتك. تطعن ابن الرجل الذي استعبدك. تطعنه. تطعنه. تطعنه. اقتله.
[الغراب-]
تتوقف عن الحركة، وتموت. تستلقي في البركة، وتموت. تتوقف عن الابتسام. تموت. تموت. تموت.
[...]
أنت تتوقف عن أكلي [يعمر الغراب في عمر ثلاثة عرّافين] قبر الأب صامتٌ إلا من أنفاس شابين لاهثة. يكتنفهما الظل وتغلفهما الخطيئة، بلا وجوهٍ تُرى. وبلا أصواتٍ تُسمع. ومع ذلك، فهما أكثر من مجرد غربان. يلتقط الغربان الجائعان أنفاسهما. للحظة، يسود السكون. شيءٌ صامت يمر بينهما. نبضة. يختفيان في الليل.