ابن روما قلت للفتاة المجللة بحرير خيوط الشمس بينما ألوح بيدي إشارة مبهمة شملت أرجاء استراحة المظلة كلها: "أهكذا الحال دائماً؟"
انحنت شفتاها إلى أسفل، وهما الملمح الوحيد الظاهر من وجهها من خلف حجابها الذهبي.
قالت سيلين وهي تتنهد بخفة: "بدرجات متفاوتة. لا يبلغ الأمر هذا القدر من الفجاجة عادة إلا في الأعياد والمواسم. لقد ترك مصرع السيد الجميع على شفا حفرة".
كنت أتابع رجلين عاريي الصدر يمسكان برجل ثالث مقلوباً بينما تلقي ثلاث نساء يرتدين حرارير شفافة حبّ العنب في فمه يبتلعه.
قلت: "يبدو ذلك".
تابعت سيلين: "يلهون أنفسهم قدر المستطاع. الطائفة ليست على ما يرام وهم يعلمون ذلك. في التكتل أمان، وفي الشمس أمان أيضاً. وهنا في العراء، بين أقرانهم، يستطيعون الاسترخاء بلا خوف من الضواري".
الغربان. ضيقت عيني واجتاحني الغضب. كنت أمقت أمثالهم. لم ينجُ غايوس طوال عهده كقائد للغرب من كثرة الجرذان التي كانت تقرض عقبيه وتنقضّ من الظلام. لهذا السبب لم يكن ينام قط.
تمتمت: "مع ذلك، كان يمكنهم استغلال أوقاتهم فيما يفيد".
قالت سيلين وهي تستند إلى مسند مقعدها الوثير: "إنهم صغار. وخائفون. ومترددون. رؤيتهم هكذا مخيبة للآمال، ولكن أيمكنك لومهم إن بحثوا عن السسلوان في لهو بسيط؟"
نعم. أستطيع. كان معظم الممارسين المنحلّين حقاً على هذه الهضبة أكبر من سنّي.
لكنني التفتُّ إلى سيلين مبتسماً بتهكم خفيف: "كلمات حكيمة من فتاة في الخامسة عشرة".
"المظاهر خداعة يا ممارس".
وارتسمت على ابتسامتها مسحة هوائية غامضة.
أقررت: "قد تكون كذلك. أومظاهرك مثلها؟"
"بلى. قد أبدو في الخامسة عشرة فحسب، لكن الحقيقة مختلفة تماماً".
لوّحت بيدها فوق جسدها وأمالت رأسها لتكشف عن انحناءة عنقها الملساء التي تلسعها الشمس: "أنا في السادسة عشرة في الواقع".
أطلقت ضحكة ساخرة. فابتسمت سيلين بتسامح.
اعترفت: "خطأ مطبعي. ما الذي أتى بالحكيمة إلى مكان كهذا؟"
أمالت سيلين رأسها أكثر. وانزلق الحجاب الذهبي الذي يغطي وجهها قليلاً مع الحركة ليكشف عن استدارة فكّها الرقيقة. وبقيت عيناها محجوبتين، لكنني تخيلتهما ترمقان الجبل والمدينة الملجأ في الأسفل.
رددت بحزن: "في التكتل قوة".
مهما ذهبت، تظل الحثالة حثالة.
قلت ببطء: "تلك الغربان ومناوراتها. ألهذه الدرجة بلغ الأمر السوء؟"
كنت أصارع نفسي وأنا أتكلم. لقد أقحمت نفسي فيما يتجاوز الحد المعقول ليلتين خلت. وإذا كان الصقيث يُصدّق، فإن طاغية يريد لقائي بسبب ذلك. لم أكن أستطيع تحمل التعمق أكثر. ومع ذلك.
هزت رأسها وقالت: "ليست تلك أسوأها. فهي تنشط ليلاً في الغالب. بل هو الشعور بالاضطهاد الذي تزرعه لمجرد وجودها. الشك. طالما امتلك الشيوخ طرائق للتنافس فيما بينهم خلف الأبواب المغلقة، فلن تنجو أوليمبيا من أي صراع مباشر. لكن الأمر لم يبلغ قط هذه الوقاحة".
خمنت: "أبقاهم السيد تحت السيطرة".
"فعل. وكان معلوماً أن الأذى الدائم، ناهيك عن الموت، ممنوع في قاعاته. كانت هناك مناورات وصراعات نفوذ، لكن الميستيكوس كانوا يستطيعون السير في دروب كاوكوسو مونس ليلاً بلا خوف".
قلت وأنا أعاود النظر إلى الاستراحة بنظرة أكثر فحصاً: "لكن السيد مات الآن".
سواء أكنت أرى ذلك لأنني توقعت رؤيته، أم لأنه كان موجوداً دائماً، فقد بات بإمكاني رؤية التوتر الآن. إجهاد مشدود بعنف في كل رجل وامرأة وطفل يهذي. لقد دفعهم ذلك إلى الإسراف. وسلبهم صوابهم.
وأومأت سيلين: "ولا أحد يدري بمن يثق. التصرف باحتجاج على لعبة الظلال لا يجعلك سوى هدف. والانسحاب منها كلياً إهانة لشيخ مدينتك. لقد كانت السماء الغاضبة غير مستعدة البتة لموت السيد، وها هي تعاني اليوم جراء ذلك".
سألت بينما بدأت جسامة الأمور تتكشف لي: "كم ستستغرق الأمور لتستقيم؟"
كان الممارسون كياناً رفيعاً، قادرين على أفعال يعجز البربري والإنسان العادي عن حلم أيسرها. وكلما صعدوا أكثر في الجبل المقدس، كلما زاد هذا الفاصل وضوحاً. وقبل ليلتين، رأيت الأبطال يُطاردون في الشوارع كالكلاب. وشيء ما أخبرني أن الأمر لن يزداد إلا سوءاً.
أقرت سيلين: "لا أعلم. فيما يخص السياسة، لا أملك سوى كلام أبي. الغرباء لا يُحيطون بالكثير من هذه الأمور".
"غريب؟ ألسْتِ مبايعة؟"
قالت سيلين وهي تيمّن رأسها نحوي: "لا تقبل السماء الغاضبة إلا الأفضل. ممارسون أثبتوا تفوقهم بما يتجاوز كل المقاييس المعتادة. سواء أكانوا مدنيين أم حكماء أم أبطالاً، لا يكفي أن تكون قوياً فحسب أو واسع العلاقات. يجب أن تكون ذا شأن، وقصتك جديرة بالسماع".
فكّرتُ قائلًا: "لكنك تعيشين هنا على أي حال".
خمنت أن الصقيث أشار إلى مساكن للضيوف. وجالت عيناي بينما كان باقي حديثها يختمر في ذهني. بدا الأمر خاطئاً.
"لا أستطيع القول إنني مهتم بسماع أي من القصص المعروضة هنا".
"هذا لأنك لم تعرفهم قبل انضمامهم".
كان في صوتها شيء مضطرب بقوة، وبعض الحزن في طريقة مداعبة أصابعها للزخرفة الذهبية لخيوط الشمس المنسوجة في ثوبها.
"طائفات الأسرار الكبرى توجد لغايات عديدة، ومكانتها لا منكر لها، لكنها في النهاية مؤسسات مصطنعة. وكيف لبطل طموح أن ينقي العاج من روحه دون الصراع المناسب الذي يدفعه؟"
كان الشعور مألوفاً. فقد سمعت نظيره كثيراً خلال أيامي في الفجر الوردي.
لاحظت قائلاً: "أنتِ لا ترغبين في الانضمام إلى هذه الطائفة، حتى لو استطعتِ".
ابتسمت سيلين بحسرة.
تمتمت: "أحب أبي وأمي. لكن تأتي علي أيام لا أملك فيها إلا أن أتسايل كيف تبدو الحياة حين تعيشها بنفسك لا بالنيابة. والآن بعد أن مات السيد، أخشى أن أعاني المزيد والمزيد من تلك الأيام".
قطبت جبيني وتركت الزيتون يسقط عائداً إلى طبقه. لقد فقدت شهيتي.
"ليس لديك الكثير من الأصدقاء هنا، أليس كذلك؟"
وضعت سيلين يدها على صدرها وقالت: "يا للقصسوة. ما الذي أوشى بي؟"
"ما كنت لتتحدثي معي. ثم إن كل فرد على هذه الهضبة يتجنب هذه الزاوية منذ جلستِ".
نقرت بحبة زيتون عبر الاستراحة. فأصابت أذن فيلسوف كان يرمقني قبل قليل ويقيسني لمعركة. انتفض الرجل لكنه لم يلتفت.
"إنهم أخوف من أن ينظروا حتى".
صمتت سيلين.
قلت: "قد لا تكونين عضوة في الطائفة. لكن أباك كذلك. وهو بارز بما يكفي لبسط نفوذه عليك".
شيئاً فشيئاً، كنت أجمع صورة ذهنية لهذا المكان وأهله. تختلف في كل شيء عن الفجر الوردي على السطح. لكن القواعد؟ كانت كلها ذاتها.
قالت سيلين بخفوت: "لديك عيون يا ممارس. إذن أخبرني، أين هي أوليمبوس مونس؟"
التفتُّ إلى الوراء ملاقياً الظل الداكن لعيناها من خلف الحجاب الشفاف.
"ليست هنا".
شقّ صرخ حاد السموات قبل أن تتمكن من الرد، فاستدار ميستيكوس السماء الغاضبة ومدّوا أعناقهم ليروا سهام ظل تنطلق من السماء. كانت تتلوى وتندفع عبر الهواء في ضبابية متجنبة الأكواخ القذرة ومقذوفات البنيوما الملقاة نحوها بسهولة مستخفة. مددت ذراعي فهبط نسر روما الرسول عليها بقوة مدهشة، والتفت مخاليبه حول ذراعي بعناية خادعة. كانت حادة بما يكفي لتسيل الدم، لكنها ثابتة بما يكفي لكيلا تفعل.
نقر منقاره وعيناه الحادتان مسدّدتان إلى زيتوناتي المتروكة. جمعتها وعرضت كفي المفتوحة على طائر الصيد. التهمها بمنقاره واحدة تلو الأخرى، وكل نقرة بقوة تكفي لقطع إصبع رجل، لكنه لم يخدشني مرة واحدة.
قالت سيلين منذهلة: "ما هذا؟"
أجبت وأنا أمرر ظهر يدي الطليقة على طول نتوء جناحه: "رسول من روما".
نفش النسر ريشه مسروراً بالاهتمام. ابتسمت بسخرية.
رفعت حاجبها فجأة لتعثر صوتها: "أنت من روما؟"
"أنا كذلك".
عبرت عن إثارتها التي بالكاد ضبطتها قائلة: "لم أتقابل مع أحد من روما قط! عبر البحر مباشرة! لا بد أنك رأيت أماكن مذهلة عديدة قبل المجيء إلى هنا".
فكرت في حملات غايوس. سلاسل الجبال للغال، والمرتفعات الغادرة والوديان التي مزقتها الحروب، وغابة الأسود التي امتدت عبر أمم بأسرها. الشمال المتجمد برموز الكيلت الدوامية المنقوشة على الحجارة والمغروسة في حقولهم، والقرى القبيحة المتكتلة حول البحار. بل وحتى الأهوار اللقيطة والسهول الرطبة تعاسة في بريطانيا.
أخبرتها: "لا فكرة لديك".
أشرقت أكثر. كان الأمر غريباً، رؤية هذا التغيير المفاجئ في سلوكها. محبباً قليلاً، لكنه غريب. أزعجني صوت تقيؤ، فالتفت في الوقت المناسب لأرى النسر يتقيأ في كفي المفتوحة. تجعد أنفي. لكن ويا للرحمة، بدلاً من الزيتون المهروس وفطور أطعمته إياه في وقت مبكر من اليوم، سقط لفاف بردي في كفي. حدقت في الرسالة لحظة ثم رفعت بصري إلى الطائر.
"هذه مفروض أن توضع حول ساقك".
غرّد النسر بحِدّة ونقر بمنقاره.
سألت سيلين باسترابة: "أهو... يسخر منك للتو؟"
حدقت في الطائر.
"فعل".
بأعجوبة، لم تكن الرسالة مغطاة بالصفراء على الرغم من مصدرها. نشرتها بفضول، ودحرجت عيني حين رأيت خط اليد المميز المخطوط فوق قصاصة من إحدى خرائط نجوم الصقيث. تحياتي أيها الأخ، أرجو أن تبلغك هذه الرسالة فوراً وبصحة جيدة، مع أنني لا أرجو الكثير من طائر روماني لقيط. على فرض أنها فعلت، التقِ بي بعد الغسق حيث تصطف النجوم وتهبط السموات إلى الأرض. تعال وحدك. نحتاج إلى الكلام.
يمكن للطائر أن يأتي أيضاً، أظن ذلك. اسمه سوريا. سميته تيمناً بك، إذ لم تكلف نفسك عناء فعل ذلك بنفسك. روماني تافه. على الرحمة. غريفون كورقة الرسالة في قبضتي. بالكاد كنت مبتدئاً في رصد النجوم، لكني امتلكت فكرة جيدة عمن أبحث عنه. استناداً إلى الصياغة وجزء خريطة النجوم الذي استخدمه كلوحة للرسالة، أمكنني إيجاده.
فكّرت في النسر: "سوريا".
أمال رأسه مترقباً.
"أتستطيع فهمي على الإطلاق؟"
عصر سوريا ذراعي، وغرست المخاليب في جلدي على نحو خطير يكاد يسيل الدم، ثم انطلق طائراً برشاقة فاقت بكثير أي نسر عادي.
ناديت في أثره: "أكان ذلك نعماً؟"
صرخ بحِدّة واختفى في اللحظة التالية. نهضت من مقعدي وأرخيت كتفيّ ونظرت إلى أسفل الجبل. ستغرب الشمس قريباً، وظلال المساء التي يلقيها الجبل تغطي بالفعل معظم المدينة الملجأ. راحت العاصفة التي لا تتوقف ترعد بإنذار في الأعالي. من الأفضل أن أبدع الآن. سيكون عليّ استعادة ملابسي لاحقاً.
"انتظر".
نظرت إلى أسفل مندهشاً إلى اليد التي تقبض على ثوبي النيلي. رفعت سيلين وجهها إليّ مرتبكة بشكل واضح على الرغم من أنني لم استطع رؤية معظم وجهها.
قلت لها: "يجب أن أذهب للقاء صديق".
عضّت على شفتها.
قالت بتردد: "سولوس. لست عضواً في السماء الغاضبة أيضاً، ألسْتَ كذلك؟"
تفكرت فيها وفي السؤال معاً. كانت غريزتي الأولى هي الكذب. وكذلك كانت غريزتي الثانية.
"لا. لست كذلك".
سألت: "إذن أيمكننا التحدث ثانية؟ أود أن أسمع عن الأماكن التي زرتها".
تنهدت وأعطيت ما أردت: "إن استطعت إيجادي".
ابتسمت سيلين ببراعة.
"سأفعل".
كان همي الاول مغادرة الطائفة، غير ان الامر لم يشكل عقبة في النهاية. تعرف الي حراس البوابات القريبون من المدينة فورا. لكنهم لم يطالبوا بمعرفة اسمي ولا كيفية حصولي على ثوبي النيلي، بل اكتفوا بابتسامات دعت الى الريبة وطلبوا مني التخفيف عن نفسي في النوادي هذه المرة. تلك هي منافع وجود معارف في المراكز العالية. اتبعت حدسي وما تركه لي غريفون من خيوط بينما كانت الشمس تغرب وراء قمة كاوكوسو مونز الهائجة دائما.
تجولت في شوارع أوليمبيا متجاهلا نظرات الاجلال وكلمات الثناء الخافتة التي اغدقها علي مواطنوها. ظنوني مريدا من الجنة الثائرة. ومع ذلك، تجاوز هذا حتى ما ناله غريفون اثناء تجواله في أليكوس. تجاوز الحد. هتت في الشوارع وغابت الشمس تماما عن السماء. توقفت اخيرا في شارع مغمور باحد الاحياء السكنية الشرقية لاوليمبيا. رفعت بصري فورا لاعايش الكوكبة التي اختارها غريفون من خريطة النجوم، الاسد النمياني، اذ تنحني نجوم ذيله بمحاذاة مسار هبوط الشمس.
لقد كان هذا هو المكان المنشود. لم يكن غريفون هناك بالطبع. متاخرا كعادته. جلست على شرفة احد المواطنين واستسلمت لانتظار طويل. افلتت اضواء الغسق الخافتة لتفسح المجال امام ليل حقيقي. وما زال متخلفا. عبست اخيرا ونهضت.
تمتمت باءشمئزاز بينما ابصق: "خرائط نجوم والغاز".
اخبرني وحسب الى اين اذهب، ايها اليوناني التافه.
قال صوت متردد: "سيدي".
تطلع الي صبان صغير من خلف باب منزله المورب.
"هل تحتاج الى مساعدة؟"
حسنا، لم يكن السؤال ليضر.
سالته: "اين تتماشى النجوم؟ في اي نقطة تهبط السماء الى الارض؟"
حدق بي الصبي في دهشة، ثم اختفى. جذبه احد الاشخاص من كتفيه ليحل محله رجل عند المدخل. انحنى ابوه براسه امامي بعمق مع تيبس في قامته.
"اعتذر عن ابني، ايها الفيلسوف المبجل، والتمس تفهمك. لم يكمل سوى عامه الخامس هذا الربيع. لم نؤهله بعد لقسوة الفلسفة".
كان مشدودا، ومتوترا لدرجة مؤلمة. كنت اريد الاتجاهات فقط. اطلق سوريتا صرخة فوق رؤوسنا، كبقعة داكنة على صفحة السماء. انطلق كالسههم المنطلق من القوس، محلقا على علو منخفض فوق الاواميد الرخامية والاسطح المكسوة بالقرميد في المدينة. كان هذا افضل من العدم. اوعزت للمواطن المرتجف وابنه بايماءة وانطلقت خلف نسري باسرع ما تحملني ساقاي. قادني النسر عبر طريق مالوف من الطوب القرميدي والاطلال، عودة في نفس الدرب الذي سلكناه انا وغريفون حين دخلنا المدينة لاول مرة.
وبينما كنت اطوي الارض بخطواتي، تساءلت عما اذا كنت انتظر الكثير من الطائر، وما اذا كنت على وشك ان اقاد مجددا نحو البحر. لكن قبل ان نبلغ الساحل حيث استقرت مدينة الميناء الصغيرة لاوليمبيا، انحرف سوريتا يسارا ليلتف هابطا في خضم معلم مالوف. احدى عجائب الدنيا الثماني، كما نعتها غريفون. معبد ضخم مكشوف الواجهة تسترخ تحته تمثال اضخم يرتكن الى الظل الذي يوفره. معبد الاب. وجدت غريفون بالداخل، مسترخيا على حافة المنصة المرتفعة التي كانت منبرا وحوضا في ان واحد، ليلتقط خيوط زيت الزيتون الرقيقة المتساقطة من التمثال.
بدا الاب مهيبا بالقدر نفسه عند رؤيته للمرة الثانية كما كان في المرة الاولى. عملاق، يتلألأ في ضوء المشاعل والمجامر المشتعلة التي انارت المعبد ليلا.
"لقد تاخرت".
"لما كنت كذلك لو اخبرتني إلى اين أتوجه".
حط سوريتا في الاعلى على كتفي الاب، محركا جناحيه باتساع. اومأت شاكرا.
"فعلت. ولو وضحت الامر واعتُرض طريق طائرك، لكنت في وضع مزر الان".
كان في صوته شيء ما. وكذلك في هيئته، الان وقد تاملته. ادركته فورا. لقد عاد اليه القلق. تلك السكينة الواهنة التي طفت منه امواجا منذ ان رفعنا اشرعة إيوس قد زالت، وحل محلها عودة الجوع. ثلاثة ايام. لقد استمر الامر لفترة اطول مما توقعت بصراحة.
سالته: "ماذا حدث؟"
شبك ذراعيه فوق صدره العاري. كان الرداء الذهبي الذي زعم انه اخذه من امراة عجوز ملتفا حول خصمه الان، ليؤدي دور كيس ارتجالي لحزمة ما لم استطع تمييزها.
اردف متبوعا بتعقيب: "تحدثت الى العرافة"، ثم اضاف كمستدرك: "عرافة المد والجزر المكسور".
تمتمت: "تلك كانت طائفة الرجل الضخم، اليس كذلك؟ كينو، صاحبة جلد التمساح".
قال وعضله يرتجف: "هي نفسها".
لم يكن غاضبا. كلا، بل بدا اكثر تركيزا من ذلك. سرى جوع داكن في داخله الان.
"هددتني بالبلايا".
قلت مستندا الى المنصة المرتفعة: "انت متاخر عنها".
كانت عالية بالقدر الذي يكفي لارخاء ساعدي عليها دون حاجة للانحناء. لمع حوض زيت الزيتون في ضوء المشاعل، عاكسة ضوء النجوم العصي على الفهم المنقوشة على سقف المعبد.
"ماذا ايضا؟"
"ذكرت أليكوس. انتم يا ابناء القرمز متشابهون جميعا"، هكذا اقتبس.
"وقبل ذلك، اتبحت النقاش مع بضعة صيارفة صاعدين من الجنة الثائرة".
اطلقخ سخريتي. استطعت تخيل نوع النقاش الذي دار بينهم. ذلك النوع الذي يخلف الكدمات ويكسر العظام.
"اخبروني بشيء ممتع بصدد موطني المتواضع".
اخبرني، فارتفعت حاجبي.
"معزولون عن المتوسط؟ كيف يكون ذلك؟ كان ابن عمك يخوض المغامرات لسنوات".
"ليس هذا فحسب. يزورنا الوجهاء الاجانب افواج كل عام".
دفع غريفون نفسه مبتعدا عن المنصة واخذ يجول ذهابا وجيابا.
"ياتي معظمهم من اراض تابعة داخل ماغنا غرايسيا، هذا صحيح، لكن ليس كلهم. لا منطق في الامر".
اقترحت: "اسال احدا من الفجر الوردي".
"أليست هذه هي نقطة التقاء المدن الحرة؟ قد نكون اول المندوبين "المبعوثين" للمباريات، لكن لا بد ان هناك اعضاء قدامى من الجنة الثائرة ينحدرون من جهتك في الأيوني".
سال غريفون معقدا حاجبيه بعمق في تفكير عميق: "أنسيت اننا فارون؟".
بدت يداه البنكرياتيتان غير مرئيتين للعين لكنهما ساطعتان كوضح النهار لحواس المزارع، وهما تدلكان صدغيه وكتفيه، لتخفيف التوتر بافضل ما يمكن.
بررت الامر: "لم تمر سوى ثلاثة ايام منذ مغادرتنا".
"قد لا يكون الخبر بلغهم".
هز غريفون راسه نفيا.
"كلا. انهم يعلمون. علينا التحقق بانفسنا".
"وكيف تنوي فعل ذلك؟"
توهج ترقب شرس في عينين قرميديتين.
"باي طريقة اخرى؟ سننقب في المخلفات".
ارتفعت شفتي في ازدراء. كان حريا بي ان اعرف.
"انا رافض".
"هاه؟ رافض ماذا؟"
"ارفض التخفي كغراب، انقر الجثث والفضلات".
اليأس الصامت الذي تحدثت به الفتاة ذات الحجاب الذهبي، والقلق المستشري الذي شهدته لدى الـميستيكوس التابعين للجنة الثائرة. لم يكن شيئا املك رغبة في المساهمة به.
هز كتفيه وقال: "ليس لدينا خيار".
"لا يمكننا البقاء هنا وفق القواعد المعتادة. لقد جذبنا الكثير من الانتباه".
"بسببك أنت".
سخر غريفون.
"لم تكن افعالي هي ما وضعك في مرمى بصر الطاغية. كيف كان ذلك اللقاء، بالمناسبة؟"
رمقته بنظرة حادة صامتة.
"هذا ما ظننته. أترى انك قادر على تجاهل شيخ الى الابد دون ان ياخذوا ردا على الاهانة؟ أترى اننا نستطيع مواصلة فعل ما نشاء في وضح النهار، دون ازعاج؟ قطعا لا. الاعلى منا رتبة مشغولون جدا عن ازعاج انفسنا بانفسهم، لكن لديهم وسائل اخرى".
قلت بعناد: "يمكننا الحصول على غرفة في المدينة".
"او حتى البقاء خارجها. انا لا اخشى النوم في التراب".
قال بازدراء: "انا متأكد من اننك لا تخشى ذلك".
"لكن هذا لن يجدي نفعا ايضا. نحن اهداف بالفعل، ولهذا لا نطيق ترف السلبية. طالما ان الغربان طليقة، فان المكان الوحيد الذي يمكننا الاختفاء فيه هو بينهم".
توقف غريفون عن التجوال، وتوتدت يدامه البنكرياتيتان العشرون ترقبا. ابتسم بشراسة.
"بدءا من الان".
وهكذا، انبعث غنران بوحشة من حوض زيت الزيتون.