مضت الأيام. وكان طريفاً المكان الذي تتقاطع فيه الطرق مع أحدهم. عند الفجر، حين التسلل إلى المطابخ طلبا لكسرة خبز، ومصادفة روماني عابس يعجن عجين الخبز بقسوة مبالغ فيها، وسط استياء الجارية التي تحاول تعليمه. أو خلسة في غرفة نوم مفتوحة في طريق إلى الباحة، لرؤيته وهو يفرش ملاءة فوق فراش ريش بدقة متناهية. أو زيارة أصغر المبتدئين في ساعات فراغهم، وإيجادهم يلعبون مرحين بإحدى نردات فيلقه.
وها هو ذا ثانية، يحضر في صالة رياضية تابعة للفجر الوردي، بينما يتدرّب السحرة بمختلف أعمارهم أجساداً وعقولاً تحت عيني رئيس الرياضة اليقظتين. أما سول، فحدق أمامه بلا بصر. وتدللت مناشف قماشية على أحد ذراعيه، واستقر إبريق زيت زيتون في الذراع الأخرى. وبدا مقته للوضع جلياً وواضحا حين اقتربت.
قلت له وأنا أتخلّص من تونكتي وأرميها على كتفه: "تشرّف يا سول".
فارتجفت شفته العليا.
"ليس كل يوم يشهد بربري زراعتنا السماوية وهي تتحرك".
فسأل بلا نبرة: "أين هي؟ كل ما أراه هو مؤخرات عارية".
فأنّبته: "الشهوة خطيئة".
فكشر بالكامل.
"حول عينيك إلى ساحة النزال وحاول كبح رغباتك، فقد تتعلم شيئاً ما. آه، أولاً مع ذلك".
وفتحت ذراعيّ على مصراعيهما، مؤمئاً للإبريق. فلم يتردّد.
"مستحيل".
"سيد الشباب يطلب ذلك".
فقاطعني رجل يرتدي زي عبيد: "اسمح لهذا أن يساعد سيد الشباب!".
وانطبقت أسنان سول معا، رغم أني استطعت تخمين الكلمات التي كادت تفلت من فمه. وكانت حركة العبد الأكبر سناً الهائجة ورعبه المتحكم به بإحكام وهو يفركني بزيت الزيتون تحمل الكثير من المعاني. لقد كان يعلم هو الآخر.
قلت مسروراً: "في المرة القادمة"، وتركته لعمله.
ولبلوغ ساحة النزال، المثمن الرخامي حيث يُمارس فن البانكراتيوم ويُصقل، كان على المرء أولاً اجتياز الساحة المركزية حيث يجتمع الشباب للتواصل وتبادل الحديث. وصاح السحرة مرحين حين مررت، وحاول بعضهم استدراجي للحديث أو المشاركة في أي تدريبات رياضية كانوا يمارسونها حينها. غير أن أغلبهم كانوا أعلم من ذلك. وقبلت التربيتات الودية على الكتف وتبادلت التحيات مع المبتدئين وأنا أمضي، لكن هدفي كان محددًا.
خطوت على المثمن المرتفع ودرت كتفي، متفحصاً النزال الجاري. كلا، لن يفلح ذلك أبداً.
"توقفا!".
فتجمّد الاثنان. كان كل منهما أصغر مني سناً، لكن ليس بكثير. وقد اندمجا في القتال الأرضي حين تكلمت، وكان أكبرهما يحاول جاهداً إخضاع خصمه بذراع محيطة بعنقه ويد مثبتة إلى جانبه.
"يقتطع بيردكس العجوز وقتاً من يومه لمشاهدتكما تتصارعان، وهذا ما تقدمانه له؟".
لفتّ يدي فابتعدا عن بعضهما على عجالة، راكعين على ركبة أمامي. وكابد كل منهما لالتقاط أنفاسه، واختلط العرق بالزيت على جسديهما وهما ينتظران الحكم. ظننت أنني لا أستطيع لوم جهدهما. أما شكلهما؟ يا للويل. شاهد بيردكس العجوز بمرح من خارج المثمن مباشرة. وكان أحد حكماء الطائفة الكبار، ومزارعاً محترماً ذا رتبة متقدمة فضلاً عن كونه رئيس الرياضة في الطائفة. وكانت مسؤولية التدريب البدني والذهني اليومي لشباب الطائفة تقع على عاتقه، وداخل جدران الصالة الرياضية كانت كلمته ثانية لا تُعلوها إلا كلمة أبي.
انتظرت حتى مال برأسه، ثم شرعت في العمل مع المبتدئين.
"أكتيس وسينون، أليس كذلك؟".
فأومأ اثناهما صامتين.
"ساحة النزال للبانكراتيوم. إن جئتما إلى هنا لتتفركا مثل عاهرات محتاجات، فالحمامات هناك".
وأشرت بإبهامي إلى البرك المعنية في الجانب المقابل من الساحة، حيث كان عشرة من السحرة يلعبون لعبة كرة في الوقت الحالي.
فأصرّ الأصغر بينهما: "نحن هنا لنقاتل!".
وأومأ شريكه بحزم.
"هكذا تقولان. ولكن ألكما رغبة في التعلم هنا؟".
فأشرقت عيناهما.
الارتقاء. يقال إن طرق زراعة الفضيلة بقدر طرق صعود جبل أوليمبوس. كل طريق يُسلك بذهن صاف وقويم يقود إلى المكان نفسه — قمة الجبل السماوي، حيث يغدو الرجال ملوك وتنسج الأقدار خيوطها. إنها مسيرة بسيطة. بطبيعة الحال، نادراً ما يكون الصعود مباشراً. هناك أربع مراتب أساسية، تقف كل منها على أكواب ما يسبقها. في قاعدة جبل أوليمبوس تماماً تقع مرتبة المواطنين، حيث يعيش الغالبية الساحقة من مواطني البحر المتوسط حياتهم.
وبينما يعد الصعود إلى مرتبة المواطنين شرطاً للمواطنة في كل مدينة دولة، فهو ليس عقبة صعبة المنال خصوصاً إن كنت حراً ولست عبداً. غير أن الصعود إلى ما بعد ذلك قصة أخرى. من الولادة حتى الموت، ليس غريباً أبداً ألا يتجاوز مواطن من المدينة القرمزية المرتبة الثالثة من المرتبة الأولى. تُدعى مرتبة المواطنين لسبب وجيه. إن تسخير طاقة النفس، أي أنفاسهم المنعشة، ودفعها للتكاثر هو عمل مقصود يستغرق عمق العمر.
الزراعة سباق نحو السماء. إنها تهذيب للنفس الثلاثية، وعملية توازن محفوفة بالمخاطر على الدوام بين عناصر الذات الثلاثة — العقل البارد، والشحنة الملتهبة، والجوع الشره. إنه التزام بحياة تقضى في تحدي غضب السماء. لا عجب إذن أن يختار أغلب الناس رعاية الحقول أو بيع البضائع عوضاً عن ذلك. أما بالنسبة لأولئك الذين يختارون تحدي الأقدار، ويتمتعون بالمواره الكافية للقيام بذلك، فتوجد مرتبة ثانية تعلو الأولى.
المرتبة الفلسفية، حيث يكد السفسطائيون. من المتفق عليه على نطاق واسع أن هنا يبدأ الصعود حقاً، وهناك يقبع الغالبية الساحقة من المزارعين حتى أيامهم الأخيرة. مرتبة الفلاسفة هي المكان الذي يُعد فيه مسؤولو الحكومة والضباط العسكريون وينتقون. ضمن طائفة الفجر الوردي، كل شيخ هو فيلسوف رفيع المرتبة. وهناك حتى بعض النوابغ، أصغر من أن يكونوا شيوخاً حقيقيين لكنهم سفسطائيون في أرواحهم، وقد صعدوا إلى المرتبة الثانية المرغوبة.
المرتبة الثالثة هي تلك التي لا يبلغها المزارع العادي أبداً. في هذه الحالة من الوجود تصبح النفس كياناً قائماً بذاته، منيعاً أمام عابثات الزمن ومبهرًا في تألقه. وحدهم رجال الفضيلة العليا والجراة الأشد شناعة يطئون هذه المرتبة المقدسة. الجنرالات، والثوار، وصائدو الوحوش. إنها المرتبة البطولية، وأعضاؤها هم موضوع الملاحم. فوق المرتبة الثالثة، حيث تحجب السموات كل رؤية بشرية بغيوم العواصف والغضب، توجد مرتبة رابعة.
ففي نهاية المطاف، لا يزال الجنرال جندياً يتبع الأوامر. وغالباً ما يُقضى على الثوار. وأحياناً تفوز الوحوش. مرتبة الطغاة هي ذروة الزراعة المستنيرة. حيث يقيم حكام البشر. وهناك حيث سأكون يوماً ما. لكن الزراعة ليست عمل يوم واحد، أو فعل واحد. إنها ألف خطوة فاضلة، وكل واحدة منها تهذيب للجسد والعقل. يستحيل امتلاك أحدهما دون الآخر. العالم مطلع. الرياضي قوي. المزارع كلاهما. ومثلما مُررت هذه الحكمة إليه، فمن واجبه تمريرها.
أنين سينون بألم بينما جذبته فوق كتفي وأهويت به على الحجر. حاول مواجهتي واقفاً، لكن هيئته الضاربة كانت مثيرة للشفقة كرقعته الأرضية، وقد أحكمت السيطرة عليه بسهولة. كان أكتيس قد انخرط بالفعل في هجوم جاحظ حين التفت، لكن الأحمق أخفض رأسه لتفادي لكماتي. سددت ركبة صاعدة في أنفه فأرسلته يتراجع متعثراً عبر المثمن. تردد صدى الطحن المقزز للغضروف بينما أعاده بسرعة إلى مكانه، وعيناه تذرفان الدموع.
كان كلاهما في المرتبة الخامسة من مرتبة المواطنين. كان الفارق بيننا سخيفاً بالفعل دون احتساب افتقارهما التام للتقنية. أعذر الأول، إذ كان من الطبيعي أن تتجاوز زراعتي زراعتهما. أما الأخير فما بملك؟
«التعزيز ليس جيداً بما يكفي»، انتقدت بحدة.
ارتديا طاقتهما كدرع وارتجفا خلفها على حد سواء.
«نحن لستم جنوداً! نحن نزرع الفضيلة، والفضيلة هي التميز الأدائي!».
استعاد سينون وقفته واندفع نحوي، عالماً بما يكفي لعدم التوقف عن القتال لمجرد أنني كنت أتحدث. ملت بعيداً عن لكمة متقاطعة مستقيمة وصفعت خطافاً يميناً باحتقار جانباً، ناكحاً رأسه بعنف. سقط على عجيزته متبلداً. تطايرت نحو أكتيس. تظاهر بلكمة خاطفة ثم لوح بمرفقه الآخر نحو صدغي. أمسكت به بيد واحدة وأبعدته على مصراعيه، مما أخرجه عن توازنه. لكمته مرة في الكلية ورفعت قدميه من تحته.
استلقى على ظهره وراح يلاهث.
«لا أستخدم طاقة أكثر منكما الآن، ومع ذلك انظروا إلى الفارق بيننا».
لم أبدأ حتى في التعرق.
«ماذا كنتم تفعلون بوقتكم هنا؟».
«ربما كانوا يركزون على أشكال أكثر صلة بالقتال».
من ذا الذي تجرأ؟ التفت وشاهدت مبتدئاً يقترب من المثمن، عارياً إلا من حزام مع سيف مربوط به. كان طويلاً، بطولي تقريباً مثلي، بشعر أصفر طويل مجعد وملامح حادة. علت وجهه ابتسامة متلهفة. ارتفعت طاقته. مرتبة المواطنين، المرتبة الثامنة. كاستور. عرفته حق المعرفة.
«لا بد أنك ضللت الطريق أيها الأخ الأصغر»، قلت بتهكم.
«هنا يمارس المبتدئون القتال الحقيقي. حلبة السيوف في الزاوية الجنوبية الغربية».
«الأخ الأكبر ليس هناك قط»، رد كاستور وهو يفك حزام سيفه ويديره في قبضته.
كان متوسط الطول وله حد من الجانبين. نصل مبارز.
«لقد مر أسابيع منذ مبارزتنا الأخيرة. أتلومني على طلب توجيهك؟».
«تعال إذن»، دعوت.
حتى تنحيت جانباً لكي يتسنى له الصعود دون عوائق.
«أسقط سيفك وادخل المثمن».
لم يقم بأي حركة لفعل ذلك.
«آه، لكن البانكرياتيون ليس طريقي. لقد وضح ذلك في المرة السابقة، وأنا متأكد من أن الكبير يوافقني الرأي. هذا السفسطائي الحقير يلتمس التوجيه في أساليب سيفه».
«أنا لا أحمل سيفاً»، أشرت.
غير أنه عوضاً عن إحضار سيف آخر كما توقعت، اكتفى بالابتسام ببراعة.
«هذا حسن. كنت أمل في التدرب ضد خصم أعزل».
حدق فيه أكتيس وسينون بذهول، ولم يكونا وحدهما. جذبت الباليسترا بطبيعة الحال المتفرجين داخل صالة الألعاب الرياضية، خصوصاً حين كنت في المثمن. كان عشرات المبتدئين يشاهدون بالفعل تدريبي الارتجالي لمرؤوسيني. والآن كانوا يلوحون لآخرين في الساحة ناشرين الكلمات على عجالة.
«عذراً؟»، قلت بهدوء.
«من المعرفة العامة أن الأرستقراطي الشاب يعتلي العرش في المثمن»، قال كاستور بتوقير.
«وبكلماتك الخاصة، البانكرياتيون هي ذروة القتال الحربي. أليس كذلك؟».
«بلى».
«إذن لا ينبغي أن يكون هناك خطر في أن تداري هذا المبتدئ الصغير في محاولاته لتوسيع فهمه للسيف».
نظر كاستور إلى المسؤول عن الرياضة، الذي امتنع حتى هذه اللحظة عن النطق بحرف واحد. استند الفيلسوف العجوز على جانب المثمن الرخامي، متأملًا كلينا لحظة.
«إذا تنازل الأرستقراطي الشاب عن طيب خاطر، فسأقوم بدور الحكم»، قال أخيراً.
آه، فهمت الآن. لقد جرى تحديي. كرهت السياسة. من خلال زحمة المتفرجين المتزايدة، لمحت وميض قماش أبيض. شخص يرتدي ملابساً في بحر من الأجساد العارية. ظل سول في المكان نفسه الذي وجدته فيه عند الدخول، لكنه لم يعد يحدق ببلادة في الأعمدة البعيدة لصالة الألعاب الرياضية. كان رأسه مستداراً ناظراً إلى الحشد. ناظراً إلي.
«تعال إذن»، قلت.
تدافع أكتيس وسينون خارج المثمن بينما صعد كاستور وابتسامة متلهفة تعلو وجهه.
«أشكرك أيها الأخ الأكبر».
سخرت.
«دون ملاحظات».
زأرت طاقة كاستور كاللهب، وفي لحظة كان بجانبي. انقض سيفه نحو حلقي.
أدرت كتفيَّ مبعداً بصخب الهتافات والتشجيع وأنا أقطع الساحة لألتقط منشفة. كان دخول الحمامات ملطخاً بالدماء سوء أدب.
قلت للعبد: "عليك التوجه إلى هناك حين تخف الحشود. لقد خلفت فوضى عارمة".
همهم سول بتبرم: "لم يكن بارعاً للغاية".
وافقته وأنا أدلك الزيت والعرق عن شعري: "قليلون هم".
قال: "كنت لأهزمه وهو مقيد بالسلاسل".
انفلتت ضحكة من شفتي رغماً عني. رفعت يدي نحو السماء أتمدد وأتلذذ بانتصاري وزادت ضحكتي صاخبة حين رأيت كاستور يترنح خارجاً من صالة الألعاب الرياضية بمساعدة اثنين آخرين من الميستيكوس.
قلت وقد غمرتني خفة المرح: "آه، لقد بدا ذلك منعشاً. أنا مستعد للاستحمام. أترغب في مرافقتي؟".
أجاب: "لا".
مؤسف إذن أنه كان يقف في ذلك المكان بالتحديد. ركلته داخل الأحواض وغطست خلفه.